نتائج الانتخابات العراقية تداعيات مبكّرة لا تنبئ بالاستقرار
::cck::2373::/cck::
::introtext::
مع سقوط الملكية في الرابع عشر من تموز 1958 وإعلان الجمهورية انهمكتْ الجماهير العراقية بالشعارات الثورية، وتوهمّتْ أن ثورةً يقودها عسكريون ستذهب بتطلعات الشعب العراقي إلى ما هو أبعد وأعمق من الديمقراطية الملكية، أي نحو المزيد من الديمقراطية والحرية والرفاهية وبناء وطن حر وشعب سعيد. ولكن العسكريين كعادتهم – عندما يستحوذون على كرسي الحكم – لا يصغون سوى إلى أنفسهم، ولا يرون أبعد من ظلالهم، وليست الحقيقة سوى ما في عقولهم من فكر.
::/introtext::
::fulltext::
مع سقوط الملكية في الرابع عشر من تموز 1958 وإعلان الجمهورية انهمكتْ الجماهير العراقية بالشعارات الثورية، وتوهمّتْ أن ثورةً يقودها عسكريون ستذهب بتطلعات الشعب العراقي إلى ما هو أبعد وأعمق من الديمقراطية الملكية، أي نحو المزيد من الديمقراطية والحرية والرفاهية وبناء وطن حر وشعب سعيد. ولكن العسكريين كعادتهم – عندما يستحوذون على كرسي الحكم – لا يصغون سوى إلى أنفسهم، ولا يرون أبعد من ظلالهم، وليست الحقيقة سوى ما في عقولهم من فكر.
وهكذا خابت آمال الجماهير التي راهنت على ما سيغدقه عليها العهد الجمهوري من حقوق مدنية وديمقراطية تفوق ما كانت تتمتع به – ولو شكلياً – في العهد الملكي، وكأن لسان حالهم يقول: صامَ دهراً ليفطرَ قهراً. وهكذا ومنذ تلك اللحظة – وعلى مدار 40 عاماً – شرَعَ الزمن العراقي بدورة من أعنف دوراته: دارت فيها رحى الاستبداد والقمع والقتل والحروب المجانية، كما لم نسمع بحدوثه – كما هو في الصيغة العراقية – في بلدان أخرى عبر التاريخ الحديث، فقد كانت النسخة العراقية للاستبداد قريناً للخرافة في تجلياتها الشيطانية. وتحت وطأة هذه الظروف القاهرة تضاءلت طموحات الناس إلى حد نشدان العيش البيولوجي والمكوث في منازلهم بأمان فحسب، ولكن للاستبداد في العراق بُدعاً غريبة الأطوار حيث كان الصمت موقفاً يساءل صاحبه عليه. ولم تعد الديمقراطية – والحال هذه – مطلباً ملحاً لاسيما أن النظام السابق دفع الناس إلى احتقار العملية الانتخابية في ضوء تنظيمه لانتخابات شكلية زائفة من النوع الذي لا ينتهي بغير 99% نتيجةً للفوز، على الطريقة العربية كما هي العادة.
وفي دورة أخرى من الدورات الغريبة للزمن العراقي أفاق الناس على وطنهم المقتول بسيوف الدكتاتورية وخناجر الأخوة الأعداء ورماح التسلّط الأمريكي، وهو يسقط في أقل من شهر فريسة لغزو أجنبي مدجّج بأحدث الأسلحة وقادم من آخر الدنيا – بكل صلف تاريخ الأقوياء – ليحيل بلادهم إلى أرض بلا دولة، وشعب مندهش ومحتار.. وسياسيين من مختلف الأصناف! بعد حوالي عامين من الاحتلال والاختلال، والحراب والخراب، والدماء والشهداء، والمقاومة والمساومة، والعهود والوعود أُجريت انتخابات عامة تباينت حيالها مواقف العراقيين – في الداخل والخارج – وقد انطلق كلُّ ذي رأي من زاوية الرؤية التي اختارها أو قُيِّضَ له أن يُحشَرَ فيها. وبالرغم من أن اختلاف المواقف السياسية تجاه القضايا الكبرى طبيعة أصيلة في النفس البشرية أو العقل الجماعي، يحدث في أيما مجتمع تعبيراً عن التعدّد في التجربة الديمقراطية، إلا أن حالة العراق تمايزت بشكل حاد في الموقف من هذه الانتخابات بسبب إجرائها تحت مظلة الاحتلال الأمريكي وحضوره العسكري الفج. ولكن الانتخابات العراقية نُظّمتْ في أوانها المقرر، وجاءت النتائج بصورة لا تعكس حقيقة مفردات النسيج العراقي سياسياً واجتماعياً، وقد تلد هذه النتائج على أرض الواقع نتائج أخرى لا يفيد في معالجة مشكلاتها البحثُ في الأسباب بعد حين، حيثُ لاتَ ساعةَ مندم، كما قالت العرب. ولكي نقارب تداعيات نتائج الانتخابات الأخيرة في العراق لا بدّ لنا من قراءة سريعة للمشهد السياسي العراقي الذي سبقها: جاءت مقاطعة التيار السياسي السني للانتخابات بمثابة ضربة قاصمة للمشروع السياسي الذي يراد تفعيله في العراق، ما جعل أية نتائج تسفر عنها الانتخابات غير حقيقية، واصطفت إلى موقف معارضة الانتخابات أحزاب كثيرة (صغيرة غالباً)، وحدّد المعارضون مواقفهم على خلفية عدم شرعية الانتخابات في ظل الاحتلال الأمريكي، والإيمان بأن حرية الوطن واستقلاله يسبقان آليات التداول الديمقراطي للسلطة، إضافة إلى القلق من الدعم الأمريكي للأحزاب الموالية له، ومن ثم فإن إفراز حكومة شرعية ناتجة عن انتخابات عامة – في هذا الوقت – قد يسهّل على الأمريكيين تمرير قوانين وقرارات وصفقات لصالحهم، كما أن الضغوط الأمريكية لن تسمح للعراقيين بتقرير مصير بلادهم بالشكل الذي قد يتعارض مع مصالح واشنطن حتى لو تطابق مع مصالح العراق العليا.
واجتمع على عدم المشاركة في الانتخابات عراقيون كُثر ومن مختلف المشارب:
1- التيار السياسي السني بزعامة هيئة علماء المسلمين، وهو تيار يعتمد نهج المقاومة عسكرياً وسياسياً.
2- الحزب الإسلامي العراقي الذي سبق له المشاركة في العملية السياسية بكاملها بعد الاحتلال، وهو يعمل سياسياً ويدعم المقاومة.
3- الأحزاب الأخرى التي تؤمن بعدم شرعية الانتخابات في ظل الاحتلال، أو التي تضامنت ما التيار السياسي السني ودعت إلى تأجيل الانتخابات تفادياً للانقسامات في صفوف الشعب العراقي، وقد تشكّلت هذه الأحزاب حديثاً وهي تسعى إلى حجم ودور.
4- المستقلون الذين لهم مواقف تتفق مع الداعين إلى عدم المشاركة في الانتخابات أو إلى تأجيلها، وهم عدد كبير جداً لا يستهان به داخل وخارج العراق. ويبلغ الاستقلال السياسي (أي عدم الانتماء إلى تنظيم حزبي) أعلى نسبهِ بين صفوف المثقفين وذوي التعليم العالي، وخصوصاً خارج العراق.
5- المغتربون الذين حرمهم النظام الانتخابي من المشاركة بسبب حصر المراكز الانتخابية بعواصم معينة، وطُلِبَ ممن هم في دول أخرى السفر على حسابهم الشخصي للتسجيل ثم للاقتراع في واحدة من 14 دولة عربية وأجنبية توجد فيها المراكز الانتخابية تحت رعاية منظمة الهجرة الدولية، وهو أمر لا يقدر عليه اقتصادياً غالبية المغتربين العراقيين.
وبالمقابل فإن المؤيدين للانتخابات قدِموا هم أيضاً من مشارب مختلفة:
1- الأحزاب الموالية لسلطة الاحتلال (المعارضة سابقاً) التي تريد أن تستكمل مشروعها السياسي تحت مظلة وحماية القوات الأمريكية، وخاصة في غياب جيش عراقي قادر على حماية البلاد أو قوات أمنية قادرة على ضمان الأمن الداخلي.
2- الأحزاب الكردية التي تريد انتخابات غير بعيدة عن الأمريكيين لكي تضمن اعتماد قانون إدارة الدولة وتحديداً المادة 58 التي تمنح كل ثلاث محافظات (في صيغة إقليم) حق الفيتو ضد مواد الدستور. وفُصِّلتْ هذه المادة على مقاس الأكراد في محافظات إقليم كردستان (أربيل، السليمانية، ودهوك)، إضافة إلى مطالبات كردية إشكالية أخرى.
3- الأحزاب الصغيرة المؤسسة حديثاً والباحثة عن دور في الحياة السياسية والتي لا تعكس من الرقعة الانتخابية شيئاً بقدر ما تمثّل حالة التشرذم السياسي في حقبة استثنائية من تاريخ شعب ووطن.
4- الأفراد الانتهازيون الذين يصفقون للحاكم أياً كان صنفه، ولا يعنيهم من وطنهم سوى مقدار ما يذهب إلى خصائصهم من مكاسب وامتيازات، وهم أيضاً فئة غير قليلة من أي شعب، والعراق ليس استثناءً.
5- العراقيون الوطنيون المعارضون للاحتلال والحكومة العراقية المعيّنة من قبله، ولكن تأييدهم لإجراء الانتخابات ينبع من إيمانهم بأنها خطوة في طريق رحيل قوات الاحتلال.
6- المؤيدون للانتخابات الذين فضّلوا الجلوس في منازلهم على المخاطرة بالاقتراع في مركز انتخابي قد تذهب به سيارة مفخخة إلى حيث لا يعود أحد إلى منزله. بلغ عدد المسجلين في قوائم الانتخابات 14 مليوناً و200 ألف ناخب موزّعين على 5220 مركزاً انتخابياً في 18 محافظة، إضافة إلى مليون و200 ألف مغترب عراقي سُمح لهم بالتصويت، وتوجه إلى صناديق الاقتراع فعلياً حوالي 8 ملايين ناخب (أي بنسبة حوالي 60%)، وحوالي 280 ألف ناخب من المغتربين العراقيين. وهذا يعني أن أكثر من 6 ملايين عراقي وحوالي مليون خارج العراق لم يذهبوا إلى الانتخابات لأسباب متفاوتة فصّلناها سابقاً، ولكن القاسم المشترك بين غالبية الذين نأوا بأنفسهم عن المشاركة في الانتخابات هم من الرافضين للاحتلال الأمريكي والمطالبين بتأجيل الانتخابات إلى حين انسحاب القوات المحتلة أو على الأقل جدولة انسحابها. وهذا يعني أيضاً أن هناك إرادة عريضة تقترب من نصف إرادة الشعب لم تذهب للانتخابات مما يجعل القوة التمثيلية لأية حكومة مقبلة منقوصة (إذا اعتمدت على نتائج الانتخابات فقط) .
لقد تنافس 75 حزباً سياسياً و9 تحالفات و27 مرشحاً مستقلاً على 275 مقعداً في الجمعية الوطنية فحصلت قائمة الائتلاف العراقي ذات الصبغة الشيعية المدعومة من آية الله السيستاني على 140 مقعداً، تليها قائمة التحالف الكردستاني 75 مقعداً ذات التوجه القومي الكردي، وذهب 40 مقعداً إلى القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي الذي يمثّل المشروع الأمريكي في العراق، فيما حصلت قائمة “عراقيون” على خمسة مقاعد، وتقاسمت القوائم والأحزاب الأخرى بقية المقاعد. ولا يجد أي متابع للشأن العراقي عناءً في استكناه دلالات هذه الأرقام على خلفية كل ما ذكرناه آنفاً من احتدامات في الوضع السياسي والأمني والاجتماعي، ونشير هنا إلى جملة ملاحظات أولية تزعم ملامسة الواقع بعيداً عن لا واقعية هذه الأرقام:
* إن هذه النتائج وأرقامها تعكس إرادة جزء من الشعب العراقي وليس كله، وقد عانت البلاد من “جزئية” الإرادة لسنوات طوال، وهو أمر لا نتمنى للعراقيين أن تبتليهم به الأقدار ثانيةً بأية صورة كانت.
* إن عدم مشاركة التيار السياسي السني بقاعدته الواسعة في الانتخابات رفع من نسب الفائزين وبالتالي المقاعد التي حصلوا عليها في الجمعية الوطنية.
* إن حرمان غالبية المغتربين (الذين يتراوح عددهم 3-4 ملايين) من المشاركة في الانتخابات ساهم أيضاً في رفع نسب التيارات المشاركة، خاصة إذا ما علمنا أن كثيراً من العراقيين العرب المغتربين ذوو توجهات بعيدة عن جميع التيارات المهيمنة على الساحة السياسية في العراق حالياً.
* انعدام الاستقرار الأمني في وسط وغرب العراق والموصل وكركوك منع الكثيرين من التوجه إلى المراكز الانتخابية.
ومن ذلك كله نستخلص القناعة القائلة بأن انتخابات عراقية عامة وشاملة ونزيهة، يشارك فيها جميع العراقيين من دون مقاطعة من أي طرف محوري، كان يمكن أن تأتي بنتائج ونسب أخرى كلياً، نقدّرُ في ضوئها ألا تحصل قائمة الائتلاف العراقي على أكثر من 100 مقعد في أفضل الأحوال، وتنخفض نسبة الأكراد إلى 45 أو 50 مقعداً، ولا تنال قائمة علاوي أكثر من 25 مقعداً، فيما تخسر التيارات والأحزاب الأخرى غالبية أو جميع مقاعدها. وإذا ما جرت الانتخابات في ظل ظروف سياسية وأمنية مستقرة وبقرار وطني عراقي بعيداً عن التدخل الأمريكي فإن نتائج أخرى كلياً ستفاجئ المهيمنين على الساحة السياسية قبل سواهم.
إن انتخاباتٍ جرت في مثل ظروف العراق وتحت كاهل ضغوطٍ من كل حدبٍ وصوب كان طبيعياً أن تأتي بهكذا نتائج، ولمثل هذه النتائج تداعيات خطيرة بدت تطفو على السطح مبكراً وقبل انعقاد الجمعية الوطنية:
* بمجرد التصديق على نتائج الانتخابات سارعت مختلف القوى الفائزة والخاسرة والمقاطِعة إلى الحديث عن ترتيبات تستوعب التيار السياسي السني وغيره من الذين قاطعوا الانتخابات، والدعوة إلى أن يكون الرئيس كردياً، وسوى ذلك من الطروحات التوافقية. وهذا يدعونا إلى التساؤل: ما جدوى الانتخابات إذا كنا سنتجاهل أعرافها الديمقراطية ونتائجها لنلجأ إلى الصفقات؟ ولعل في ذلك إيماناً من الجميع بنقصان مشروعية هذه الانتخابات التي جاءت نتائجها تمثيلاً لشرائح دون أخرى من المجتمع العراقي.
* إن مثل هذه النتائج غير الواقعية ساعدت على استقواء التيار الكردي وتلويحه بالفيتو ضد تشكيل الحكومة إذا لم تلبَّ جميع مطالبه بضم كركوك ونواحيها إدارياً وقانونياً إلى إقليم كردستان، وعدم النكوص عن قانون إدارة الدولة الذي سنّه بريمر، وتولي منصب رئيس الجمهورية من قبل الزعيم الكردي جلال الطالباني ، وترحيل العرب من مدينة كركوك وإحلال أكراد مهجرين محلهم، إضافة إلى قائمة أخرى من المطالبات. وهو أمر خطير ينبئ بمرحلة أخرى من عدم الاستقرار وما يصاحبه من اضطراب سياسي.
* إن أخطر ما يجري الحديث عنه والاتفاق حوله هو الاستمرار في نهج المحاصصة الطائفية والعرقية، ما يعني أن العراق مقبل على “ديمقراطية طائفية” مماثلة لما تورّط به لبنان على مدى نصف قرن ودفعَ ثمنه غالياً. وإنني لأرى في الأفق، قريباً وبعيداً، الكثير مما لا يصب في مصلحة وحدة العراق واستقراره، والخافي أعظم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2373::/cck::
::introtext::
مع سقوط الملكية في الرابع عشر من تموز 1958 وإعلان الجمهورية انهمكتْ الجماهير العراقية بالشعارات الثورية، وتوهمّتْ أن ثورةً يقودها عسكريون ستذهب بتطلعات الشعب العراقي إلى ما هو أبعد وأعمق من الديمقراطية الملكية، أي نحو المزيد من الديمقراطية والحرية والرفاهية وبناء وطن حر وشعب سعيد. ولكن العسكريين كعادتهم – عندما يستحوذون على كرسي الحكم – لا يصغون سوى إلى أنفسهم، ولا يرون أبعد من ظلالهم، وليست الحقيقة سوى ما في عقولهم من فكر.
::/introtext::
::fulltext::
مع سقوط الملكية في الرابع عشر من تموز 1958 وإعلان الجمهورية انهمكتْ الجماهير العراقية بالشعارات الثورية، وتوهمّتْ أن ثورةً يقودها عسكريون ستذهب بتطلعات الشعب العراقي إلى ما هو أبعد وأعمق من الديمقراطية الملكية، أي نحو المزيد من الديمقراطية والحرية والرفاهية وبناء وطن حر وشعب سعيد. ولكن العسكريين كعادتهم – عندما يستحوذون على كرسي الحكم – لا يصغون سوى إلى أنفسهم، ولا يرون أبعد من ظلالهم، وليست الحقيقة سوى ما في عقولهم من فكر.
وهكذا خابت آمال الجماهير التي راهنت على ما سيغدقه عليها العهد الجمهوري من حقوق مدنية وديمقراطية تفوق ما كانت تتمتع به – ولو شكلياً – في العهد الملكي، وكأن لسان حالهم يقول: صامَ دهراً ليفطرَ قهراً. وهكذا ومنذ تلك اللحظة – وعلى مدار 40 عاماً – شرَعَ الزمن العراقي بدورة من أعنف دوراته: دارت فيها رحى الاستبداد والقمع والقتل والحروب المجانية، كما لم نسمع بحدوثه – كما هو في الصيغة العراقية – في بلدان أخرى عبر التاريخ الحديث، فقد كانت النسخة العراقية للاستبداد قريناً للخرافة في تجلياتها الشيطانية. وتحت وطأة هذه الظروف القاهرة تضاءلت طموحات الناس إلى حد نشدان العيش البيولوجي والمكوث في منازلهم بأمان فحسب، ولكن للاستبداد في العراق بُدعاً غريبة الأطوار حيث كان الصمت موقفاً يساءل صاحبه عليه. ولم تعد الديمقراطية – والحال هذه – مطلباً ملحاً لاسيما أن النظام السابق دفع الناس إلى احتقار العملية الانتخابية في ضوء تنظيمه لانتخابات شكلية زائفة من النوع الذي لا ينتهي بغير 99% نتيجةً للفوز، على الطريقة العربية كما هي العادة.
وفي دورة أخرى من الدورات الغريبة للزمن العراقي أفاق الناس على وطنهم المقتول بسيوف الدكتاتورية وخناجر الأخوة الأعداء ورماح التسلّط الأمريكي، وهو يسقط في أقل من شهر فريسة لغزو أجنبي مدجّج بأحدث الأسلحة وقادم من آخر الدنيا – بكل صلف تاريخ الأقوياء – ليحيل بلادهم إلى أرض بلا دولة، وشعب مندهش ومحتار.. وسياسيين من مختلف الأصناف! بعد حوالي عامين من الاحتلال والاختلال، والحراب والخراب، والدماء والشهداء، والمقاومة والمساومة، والعهود والوعود أُجريت انتخابات عامة تباينت حيالها مواقف العراقيين – في الداخل والخارج – وقد انطلق كلُّ ذي رأي من زاوية الرؤية التي اختارها أو قُيِّضَ له أن يُحشَرَ فيها. وبالرغم من أن اختلاف المواقف السياسية تجاه القضايا الكبرى طبيعة أصيلة في النفس البشرية أو العقل الجماعي، يحدث في أيما مجتمع تعبيراً عن التعدّد في التجربة الديمقراطية، إلا أن حالة العراق تمايزت بشكل حاد في الموقف من هذه الانتخابات بسبب إجرائها تحت مظلة الاحتلال الأمريكي وحضوره العسكري الفج. ولكن الانتخابات العراقية نُظّمتْ في أوانها المقرر، وجاءت النتائج بصورة لا تعكس حقيقة مفردات النسيج العراقي سياسياً واجتماعياً، وقد تلد هذه النتائج على أرض الواقع نتائج أخرى لا يفيد في معالجة مشكلاتها البحثُ في الأسباب بعد حين، حيثُ لاتَ ساعةَ مندم، كما قالت العرب. ولكي نقارب تداعيات نتائج الانتخابات الأخيرة في العراق لا بدّ لنا من قراءة سريعة للمشهد السياسي العراقي الذي سبقها: جاءت مقاطعة التيار السياسي السني للانتخابات بمثابة ضربة قاصمة للمشروع السياسي الذي يراد تفعيله في العراق، ما جعل أية نتائج تسفر عنها الانتخابات غير حقيقية، واصطفت إلى موقف معارضة الانتخابات أحزاب كثيرة (صغيرة غالباً)، وحدّد المعارضون مواقفهم على خلفية عدم شرعية الانتخابات في ظل الاحتلال الأمريكي، والإيمان بأن حرية الوطن واستقلاله يسبقان آليات التداول الديمقراطي للسلطة، إضافة إلى القلق من الدعم الأمريكي للأحزاب الموالية له، ومن ثم فإن إفراز حكومة شرعية ناتجة عن انتخابات عامة – في هذا الوقت – قد يسهّل على الأمريكيين تمرير قوانين وقرارات وصفقات لصالحهم، كما أن الضغوط الأمريكية لن تسمح للعراقيين بتقرير مصير بلادهم بالشكل الذي قد يتعارض مع مصالح واشنطن حتى لو تطابق مع مصالح العراق العليا.
واجتمع على عدم المشاركة في الانتخابات عراقيون كُثر ومن مختلف المشارب:
1- التيار السياسي السني بزعامة هيئة علماء المسلمين، وهو تيار يعتمد نهج المقاومة عسكرياً وسياسياً.
2- الحزب الإسلامي العراقي الذي سبق له المشاركة في العملية السياسية بكاملها بعد الاحتلال، وهو يعمل سياسياً ويدعم المقاومة.
3- الأحزاب الأخرى التي تؤمن بعدم شرعية الانتخابات في ظل الاحتلال، أو التي تضامنت ما التيار السياسي السني ودعت إلى تأجيل الانتخابات تفادياً للانقسامات في صفوف الشعب العراقي، وقد تشكّلت هذه الأحزاب حديثاً وهي تسعى إلى حجم ودور.
4- المستقلون الذين لهم مواقف تتفق مع الداعين إلى عدم المشاركة في الانتخابات أو إلى تأجيلها، وهم عدد كبير جداً لا يستهان به داخل وخارج العراق. ويبلغ الاستقلال السياسي (أي عدم الانتماء إلى تنظيم حزبي) أعلى نسبهِ بين صفوف المثقفين وذوي التعليم العالي، وخصوصاً خارج العراق.
5- المغتربون الذين حرمهم النظام الانتخابي من المشاركة بسبب حصر المراكز الانتخابية بعواصم معينة، وطُلِبَ ممن هم في دول أخرى السفر على حسابهم الشخصي للتسجيل ثم للاقتراع في واحدة من 14 دولة عربية وأجنبية توجد فيها المراكز الانتخابية تحت رعاية منظمة الهجرة الدولية، وهو أمر لا يقدر عليه اقتصادياً غالبية المغتربين العراقيين.
وبالمقابل فإن المؤيدين للانتخابات قدِموا هم أيضاً من مشارب مختلفة:
1- الأحزاب الموالية لسلطة الاحتلال (المعارضة سابقاً) التي تريد أن تستكمل مشروعها السياسي تحت مظلة وحماية القوات الأمريكية، وخاصة في غياب جيش عراقي قادر على حماية البلاد أو قوات أمنية قادرة على ضمان الأمن الداخلي.
2- الأحزاب الكردية التي تريد انتخابات غير بعيدة عن الأمريكيين لكي تضمن اعتماد قانون إدارة الدولة وتحديداً المادة 58 التي تمنح كل ثلاث محافظات (في صيغة إقليم) حق الفيتو ضد مواد الدستور. وفُصِّلتْ هذه المادة على مقاس الأكراد في محافظات إقليم كردستان (أربيل، السليمانية، ودهوك)، إضافة إلى مطالبات كردية إشكالية أخرى.
3- الأحزاب الصغيرة المؤسسة حديثاً والباحثة عن دور في الحياة السياسية والتي لا تعكس من الرقعة الانتخابية شيئاً بقدر ما تمثّل حالة التشرذم السياسي في حقبة استثنائية من تاريخ شعب ووطن.
4- الأفراد الانتهازيون الذين يصفقون للحاكم أياً كان صنفه، ولا يعنيهم من وطنهم سوى مقدار ما يذهب إلى خصائصهم من مكاسب وامتيازات، وهم أيضاً فئة غير قليلة من أي شعب، والعراق ليس استثناءً.
5- العراقيون الوطنيون المعارضون للاحتلال والحكومة العراقية المعيّنة من قبله، ولكن تأييدهم لإجراء الانتخابات ينبع من إيمانهم بأنها خطوة في طريق رحيل قوات الاحتلال.
6- المؤيدون للانتخابات الذين فضّلوا الجلوس في منازلهم على المخاطرة بالاقتراع في مركز انتخابي قد تذهب به سيارة مفخخة إلى حيث لا يعود أحد إلى منزله. بلغ عدد المسجلين في قوائم الانتخابات 14 مليوناً و200 ألف ناخب موزّعين على 5220 مركزاً انتخابياً في 18 محافظة، إضافة إلى مليون و200 ألف مغترب عراقي سُمح لهم بالتصويت، وتوجه إلى صناديق الاقتراع فعلياً حوالي 8 ملايين ناخب (أي بنسبة حوالي 60%)، وحوالي 280 ألف ناخب من المغتربين العراقيين. وهذا يعني أن أكثر من 6 ملايين عراقي وحوالي مليون خارج العراق لم يذهبوا إلى الانتخابات لأسباب متفاوتة فصّلناها سابقاً، ولكن القاسم المشترك بين غالبية الذين نأوا بأنفسهم عن المشاركة في الانتخابات هم من الرافضين للاحتلال الأمريكي والمطالبين بتأجيل الانتخابات إلى حين انسحاب القوات المحتلة أو على الأقل جدولة انسحابها. وهذا يعني أيضاً أن هناك إرادة عريضة تقترب من نصف إرادة الشعب لم تذهب للانتخابات مما يجعل القوة التمثيلية لأية حكومة مقبلة منقوصة (إذا اعتمدت على نتائج الانتخابات فقط) .
لقد تنافس 75 حزباً سياسياً و9 تحالفات و27 مرشحاً مستقلاً على 275 مقعداً في الجمعية الوطنية فحصلت قائمة الائتلاف العراقي ذات الصبغة الشيعية المدعومة من آية الله السيستاني على 140 مقعداً، تليها قائمة التحالف الكردستاني 75 مقعداً ذات التوجه القومي الكردي، وذهب 40 مقعداً إلى القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي الذي يمثّل المشروع الأمريكي في العراق، فيما حصلت قائمة “عراقيون” على خمسة مقاعد، وتقاسمت القوائم والأحزاب الأخرى بقية المقاعد. ولا يجد أي متابع للشأن العراقي عناءً في استكناه دلالات هذه الأرقام على خلفية كل ما ذكرناه آنفاً من احتدامات في الوضع السياسي والأمني والاجتماعي، ونشير هنا إلى جملة ملاحظات أولية تزعم ملامسة الواقع بعيداً عن لا واقعية هذه الأرقام:
* إن هذه النتائج وأرقامها تعكس إرادة جزء من الشعب العراقي وليس كله، وقد عانت البلاد من “جزئية” الإرادة لسنوات طوال، وهو أمر لا نتمنى للعراقيين أن تبتليهم به الأقدار ثانيةً بأية صورة كانت.
* إن عدم مشاركة التيار السياسي السني بقاعدته الواسعة في الانتخابات رفع من نسب الفائزين وبالتالي المقاعد التي حصلوا عليها في الجمعية الوطنية.
* إن حرمان غالبية المغتربين (الذين يتراوح عددهم 3-4 ملايين) من المشاركة في الانتخابات ساهم أيضاً في رفع نسب التيارات المشاركة، خاصة إذا ما علمنا أن كثيراً من العراقيين العرب المغتربين ذوو توجهات بعيدة عن جميع التيارات المهيمنة على الساحة السياسية في العراق حالياً.
* انعدام الاستقرار الأمني في وسط وغرب العراق والموصل وكركوك منع الكثيرين من التوجه إلى المراكز الانتخابية.
ومن ذلك كله نستخلص القناعة القائلة بأن انتخابات عراقية عامة وشاملة ونزيهة، يشارك فيها جميع العراقيين من دون مقاطعة من أي طرف محوري، كان يمكن أن تأتي بنتائج ونسب أخرى كلياً، نقدّرُ في ضوئها ألا تحصل قائمة الائتلاف العراقي على أكثر من 100 مقعد في أفضل الأحوال، وتنخفض نسبة الأكراد إلى 45 أو 50 مقعداً، ولا تنال قائمة علاوي أكثر من 25 مقعداً، فيما تخسر التيارات والأحزاب الأخرى غالبية أو جميع مقاعدها. وإذا ما جرت الانتخابات في ظل ظروف سياسية وأمنية مستقرة وبقرار وطني عراقي بعيداً عن التدخل الأمريكي فإن نتائج أخرى كلياً ستفاجئ المهيمنين على الساحة السياسية قبل سواهم.
إن انتخاباتٍ جرت في مثل ظروف العراق وتحت كاهل ضغوطٍ من كل حدبٍ وصوب كان طبيعياً أن تأتي بهكذا نتائج، ولمثل هذه النتائج تداعيات خطيرة بدت تطفو على السطح مبكراً وقبل انعقاد الجمعية الوطنية:
* بمجرد التصديق على نتائج الانتخابات سارعت مختلف القوى الفائزة والخاسرة والمقاطِعة إلى الحديث عن ترتيبات تستوعب التيار السياسي السني وغيره من الذين قاطعوا الانتخابات، والدعوة إلى أن يكون الرئيس كردياً، وسوى ذلك من الطروحات التوافقية. وهذا يدعونا إلى التساؤل: ما جدوى الانتخابات إذا كنا سنتجاهل أعرافها الديمقراطية ونتائجها لنلجأ إلى الصفقات؟ ولعل في ذلك إيماناً من الجميع بنقصان مشروعية هذه الانتخابات التي جاءت نتائجها تمثيلاً لشرائح دون أخرى من المجتمع العراقي.
* إن مثل هذه النتائج غير الواقعية ساعدت على استقواء التيار الكردي وتلويحه بالفيتو ضد تشكيل الحكومة إذا لم تلبَّ جميع مطالبه بضم كركوك ونواحيها إدارياً وقانونياً إلى إقليم كردستان، وعدم النكوص عن قانون إدارة الدولة الذي سنّه بريمر، وتولي منصب رئيس الجمهورية من قبل الزعيم الكردي جلال الطالباني ، وترحيل العرب من مدينة كركوك وإحلال أكراد مهجرين محلهم، إضافة إلى قائمة أخرى من المطالبات. وهو أمر خطير ينبئ بمرحلة أخرى من عدم الاستقرار وما يصاحبه من اضطراب سياسي.
* إن أخطر ما يجري الحديث عنه والاتفاق حوله هو الاستمرار في نهج المحاصصة الطائفية والعرقية، ما يعني أن العراق مقبل على “ديمقراطية طائفية” مماثلة لما تورّط به لبنان على مدى نصف قرن ودفعَ ثمنه غالياً. وإنني لأرى في الأفق، قريباً وبعيداً، الكثير مما لا يصب في مصلحة وحدة العراق واستقراره، والخافي أعظم.
::/fulltext::
::cck::2373::/cck::
