التطورات في العراق
::cck::2377::/cck::
::introtext::
بدأ عام 2004 على طريقة “العراق الجديد”. ففي يوم رأس السنة الجديدة، قام مهاجم انتحاري بتفجير سيارة مفخخة في أحد مطاعم العاصمة بغداد، عندما اجتمع عدد من سكان العاصمة للاحتفال بعيد رأس السنة، وأسفر الهجوم عن مقتل وجرح ما لا يقل عن 40 شخصاً، ولم يكن هذا الحادث غير مثال بسيط لما سيصبح ظاهرة يومية لازمت أغلب أيام العام الجديد، فعام 2004 بدأ بعد أقل من ثمانية أشهر من سقوط النظام العراقي والنهاية المفترضة للحرب الأمريكية على العراق.
::/introtext::
::fulltext::
بدأ عام 2004 على طريقة “العراق الجديد”. ففي يوم رأس السنة الجديدة، قام مهاجم انتحاري بتفجير سيارة مفخخة في أحد مطاعم العاصمة بغداد، عندما اجتمع عدد من سكان العاصمة للاحتفال بعيد رأس السنة، وأسفر الهجوم عن مقتل وجرح ما لا يقل عن 40 شخصاً، ولم يكن هذا الحادث غير مثال بسيط لما سيصبح ظاهرة يومية لازمت أغلب أيام العام الجديد، فعام 2004 بدأ بعد أقل من ثمانية أشهر من سقوط النظام العراقي والنهاية المفترضة للحرب الأمريكية على العراق.
وبناءً على التوقعات الأمريكية التي سبقت قيام الحرب، فإن عام 2004 كان من المفترض أن يكون عام بداية الاستقرار والازدهار في العراق، إذ إن حسابات المخططين الأمريكيين لم تعطِ أكثر من ستة إلى ثمانية أشهر كفترة لإرساء “الاستقرار” بعد نجاح العمليات العسكرية. وكان من المفترض أن تشهد بداية عام 2004 حسب رؤية منظري الحرب في واشنطن بداية بروز “العراق الأمريكي”، أو العراق الجديد الذي تصوره رموز اليمين الأمريكي على أنه سيقوم بتبني القيم السياسية والاقتصادية الأمريكية ليكون واحة إشعاع للحرية والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وكانت تطورات العام 2004 تُعد وبجميع الموازين من العوامل الحاسمة في تقرير مصير الدولة والمجتمع في العراق، وكذلك في تقرير مستقبل السياسة الأمريكية، ليس في العراق فقط بل في عموم منطقة الشرق الأوسط.
وجاء عام 2004 وانتهى، لا ليشهد بروز العراق الجديد المستقر المزدهر، بل ليشهد سقوط “الحلم الأمريكي” في العراق، وانهيار سلطة الدولة، وتفشي الجريمة والإرهاب وسيادة دولة اللاقانون، ومحدودية نجاح الجهود العراقية والأمريكية والدولية المنصبة على محاولة إعادة بناء الدولة، وبالتالي تبخر أمل الإدارة الأمريكية التي يهيمن عليها المحافظون الجدد في إعادة هيكلة منطقة الشرق الأوسط سياسياً واستراتيجياً عبر النجاح في خلق “العراق الأمريكي”.
وأثبتت ممارسات سلطات الاحتلال الأمريكية خلال عام 2004 الاعتقاد الذي تبلور بعد فترة قليلة من قيام الاحتلال، وهو انزلاق الأمريكيين وحلفائهم إلى مأزق خطير ومكلف في العراق، وأن مهمة تفكيك النظام العراقي السابق سارت باتجاه خاطئ وخطير نتيجة سوء التصرفات والحسابات الأمريكية، مما أدى ليس إلى تفكيك النظام الديكتاتوري السابق فحسب، بل قاد إلى تفكيك الدولة ومؤسساتها الشرعية والأساسية من دون وجود دليل مقنع على قدرة سلطات الاحتلال على إعادة بناء الدولة أو فرض حالة من الاستقرار السياسي والأمني.
ويعرض التقرير أبرز التطورات التي شهدها العراق خلال عام 2004 على الصعيد الأمني أولاً، وعلى الصعيد السياسي ثانياً، ثم على الصعيد الاقتصادي ثالثاً.
أولاً: على الصعيد الأمني
• استمرار التدهور في الوضع الأمني: (نظرة عامة)
من الناحية الأمنية، شهدت الدولة العراقية خلال عام 2004 إحدى أكبر أزماتها التاريخية في هذا المضمار. وعلى الرغم من أن العراق من الدول التي شهدت خلال تاريخها الطويل أزمات أمنية عديدة، فإن الأزمة الحالية تبقى إحدى أخطر هذه الأزمات، وهي أزمة ذات أبعاد مختلفة ومتعددة سواء لجهة درجة العنف غير المسبوق الذي اتسمت به، أو لجهة عدد الضحايا الذين سقطوا من جراء هذه العمليات، أو لجهة الامتداد الزمني والجغرافي لهذه الأزمة.
وفي ضوء ذلك، فقد كان أبريل 2004 من أكثر الأشهر دموية بالنسبة لقوات الاحتلال، بالإضافة إلى العراقيين، فقد قُتل خلاله ما لا يقل عن 130 جندياً أمريكياً بالإضافة إلى 1004 جرحى، وقُتل بالمقابل ما لا يقل عن 700 مواطن عراقي، إلى جانب آلاف عدة من الجرحى. ومنذ ذلك الشهر، أصبح المعدل الشهري للهجمات وعمليات العنف يقارب ألفين ما بين عمليات نُفذت بالفعل ومحاولات تنفيذ عمليات أو هجمات. وفي هذا السياق، فقد وقع خلال سبتمبر 2004 أكثر من 2300 هجوم أو محاولة هجوم.
وبالمقابل، شهدت بداية عام 2004 ارتفاعاً كبيراً في عدد العناصر العاملة في وحدات القوات العراقية المسلحة الجديدة، فقد وصل عدد العاملين في أجهزة الحرس الوطني وقوات الشرطة بفروعها ما يقارب مائة وتسعة آلاف عنصر، تشكل قوات الشرطة العراقية الجزء الأكبر منها، أي ما يقارب 67 ألفاً، بينما تشكل قوات الحرس الوطني ما يقارب عشرين ألفاً، وقوات حرس الحدود تتشكل من عدد مقارب.
وفي الوقت نفسه، برز التصاعد الكبير والملحوظ في عدد الأفراد المنخرطين في عمليات المقاومة، بناءً على تقديرات قدمها معهد بروكنكز في واشنطن. فخلال يناير 2004، قُدر عدد المتورطين في عمليات المقاومة أو الإرهاب بما يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف عنصر. وفي يوليو من العام نفسه، تصاعدت تقديرات المؤسسة الأمريكية لعدد المنضمين إلى المقاومة أو التمرد حسب توصيف بعض الدوائر الأكاديمية الغربية ليصل العدد إلى أكثر من أربعة أضعاف ماكان عليه في يناير، إذ قدرته بما يقرب من 20 ألف مقاتل، واستمر هذا الرقم في الزيادة بعد ذلك، ويُعتقد أنه من بين إجمالي المقاتلين كان هناك نحو ثلاثة آلاف من غير العراقيين. وعلى الوتيرة التصاعدية نفسها، ازداد عدد قوات الاحتلال الأمريكي من 122 ألفاً في يونيو إلى 138 ألف عنصر خلال ديسمبر، مدعومة بنحو 50 ألف جندي أمريكي متمركزين في الدول المحيطة بالعراق، هذا بالإضافة إلى 25 ألفاً من القوات متعددة الجنسيات.
واتسمت حوادث الاضطراب الأمني لعام 2004 بسمات متعددة، منها الانتشار الجغرافي الواسع لعمليات المقاومة والعمليات الإرهابية، حيث شملت أغلب مدن ومقاطعات الدولة من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن ضمنها عمليات كبيرة نُفذت في منطقة الحكم الذاتي الكردية، التي كانت سابقاً من المناطق العراقية التي تتصف بالاستقرار والأمن. ففي الأول من فبراير، قُتل ما لا يقل عن 150 شخصاً في عملية انتحارية مزدوجة ومتلازمة زمنياً جرت خلال اليوم الأول من العيد في مدينتي أربيل والسليمانية. وعلى الرغم من أن بغداد والمنطقة الغربية من العراق كانت المسرح الأساسي لأعمال العنف فإن مناطق البلاد الأخرى لم تنعم بالاستقرار التام.
كما برزت خلال العام نفسه ظاهرة تنفيذ عمليات اغتيال ضد المسؤولين العراقيين بشكل مكثف، وكان من أبرز هذه العمليات هي عملية اغتيال رئيس مجلس الحكم العراقي الانتقالي عز الدين سليم، والتي جرت خلال شهر أبريل، بالإضافة إلى عشرات من محاولات الاغتيال الناجحة أو الفاشلة التي استهدفت كبار المسؤولين الإداريين في وزارات الدولة، حيث شملت عدداً من الوزراء ووكلاء الوزارات مثل وزارات الخارجية والداخلية والمالية، وامتدت بشكل ملحوظ لتشمل محافظي وحكام المدن العراقية الرئيسية وحتى مديري الدوائر والأقسام الرسمية.
وكانت ظاهرة الانتشار الواسع والكثافة الملحوظة في العمليات الانتحارية وتحول هذه الظاهرة إلى أسلوب أساسي تستخدمه المجموعات المسلحة أحد أبرز التطورات الأمنية على ساحة المواجهة العراقية، فقد احتلت عمليات الهجوم بالقنابل البشرية Human bomb أو السيارات التي تُقاد من قبل الانتحاريين حيزاً كبيراً على قائمة أعمال العنف التي سيطرت على البلاد. ويُعتقد أن عدد العمليات الانتحارية التي نُفذت خلال عام 2004 ضد القوات المتعددة الجنسيات وضد الأهداف التابعة للحكومة العراقية المؤقتة ومقرات الأحزاب السياسية تجاوز 147 عملية ما بين عمليات فعلية أو محاولات تنفيذ عمليات، أي بمعدل عملية واحدة كل أسبوع تقريباً. وبلغ إجمالي ضحايا هذه العمليات نحو 1430 قتيلاً، و3000 جريح.
كما برزت خلال العام نفسه ظاهرة الهجوم الواسع على قوات الشرطة العراقية وقوات الحرس الوطني (الجيش) الجديد. فقد استهدفت الجماعات المسلحة مراكز الشرطة العراقية، ومراكز التطوع والتدريب التابعة للحرس الوطني بسلسلة من العمليات الانتحارية وعمليات السيارات المفخخة وإطلاق القذائف الصاروخية، مما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف الشرطة والجيش العراقيين، قُدرت بنحو 800 قتيل، فضلاً عن آلاف الجرحى، مما أصاب هذه الوحدات حديثة التكوين بشلل جزئي حدّ من قدرتها وقوّض من معنويات أفرادها. وشهد أكتوبر 2004 أكبر عملية قتل جماعي لأفراد المؤسسة العسكرية عندما تم إعدام تسعة وأربعين متطوعاً في قوات الحرس الوطني الجديد على أيدي إحدى الجماعات المسلحة التي قامت بأسرهم وتنفيذ عملية التصفية الجسدية فوراً. ويبدو أن الهدف الأساسي من عمليات استهداف أفراد ومؤسسات قوات الشرطة والجيش العراقيين هو منع قيام مؤسسة أمنية أو عسكرية وطنية قادرة على تولي المسؤوليات الأمنية بشكل فعال وملء الفراغ الأمني للتقليل من المهام التي تقوم بها قوات الاحتلال، وما يقترن بذلك من خسائر بشرية.
ومن الـمُـلاحـظ خلال العام نفسه، وعلى الرغم من حقيقة وجود تصاعد ملحوظ في نشاط الحركات المسلحة على طول البلاد وعرضها، فإن حركة المقاومة العراقية المسلحة لا تزال لا تمتلك أي قيادة سياسية ظاهرة تتولى مهام توضيح أهدافها السياسية، أو القيام بالتفاوض من أجل تحقيق هذه الأهداف أو المطالب، مما أعطى انطباعاً سلبياً بإمكانية حل الأزمة الأمنية بالوسائل الدبلوماسية أو السياسية.
والجدير بالذكر أن الضغوط التي نتجت عن تصاعد حركة المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال وضد مؤسسات الحكومة العراقية المؤقتة قد أفرزت انتقادات كثيرة تركزت على حق الأطراف الأخرى (جماعات المعارضة أو المقاومة) بامتلاك السلاح، وأن تكون لها ميليشيات مسلحة أسوة بالعناصر والأحزاب المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الأمر كان الغرض منه إضفاء الشرعية على جماعات المقاومة المسلحة العاملة في المناطق السنية من العراق، بالإضافة إلى جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر. وكرد فعل على هذه الانتقادات، أعلنت الأحزاب الكردية إلى جانب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وهي من المجموعات التي تمتلك وبشكل معلن ميليشيات مسلحة، عن اتفاق في مارس يهدف إلى حل جميع الميليشيات المسلحة التابعة لها، وهي قوات البشمركة الكردية، بالإضافة إلى قوات فيلق بدر. ولكن هذا الاتفاق أو التعهد لم يوضع في حيز التنفيذ الفعلي. وفي يونيو 2004، قامت القيادات السياسية للميليشيات المسلحة بإعطاء تعهد جديد لسلطات الاحتلال الأمريكي بالعمل على حلها، ولكن الأمر بقي في حيز الوعود غير القابلة للتنفيذ.
• المواجهة مع حركة الصدر
شهد شهر مارس 2004 بداية الشرارة التي أطلقت المواجهة بين مجموعة مقتدى الصدر من جهة وقوات الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية المؤقتة من جهة أخرى. ففي الثامن والعشرين من مارس، قررت السلطات العراقية مدعومة بسلطات الاحتلال إغلاق صحيفة “الحوزة الناطقة”، وهي الصحيفة اليومية الناطقة باسم تيار الصدر بتهمة التحريض على العنف، وجاءت هذه الخطوة بعد التصاعد التدريجي لحالة التوتر بين الجانبين، ثم جاء قرار اعتقال بعض الشخصيات المرتبطة بمقتدى الصدر ليعمق من حدة الأزمة بين الجانبين. ودفعت هذه التطورات الصدر إلى أن يدعو أتباعه يوم 4 أبريل إلى وجوب الانخراط في الجهاد من أجل “إرهاب العدو”. وعلى أثر هذا النداء، بدأت المواجهات الواسعة بين ميليشيا الصدر المسلحة “جيش المهدي” والقوات الأمريكية والعراقية، حين حاولت ميليشيا الصدر احتلال وفرض السيطرة على بعض مباني مؤسسات الدولة في عدد من المحافظات الجنوبية المهمة. وعلى خلفية هذه التطورات، وصف الحاكم الأمريكي للعراق في ذلك الوقت بول بريمر، الصدر بأنه “شخص خارج عن القانون”، وأكد صدور مذكرة احتجاز وتوقيف بحقه وبحق عدد من أتباعه. وقد مثلت عمليات جيش المهدي تهديداً خطيراً لأمن قوات الاحتلال الأمريكية والقوات الأخرى المساندة لها، كما شكلت تحدياً كبيراً لسلطة وهيبة الحكومة العراقية المؤقتة، لذا، فإن إنهاء المواجهة بشكل عاجل وبأي ثمن قد حظي بتأييد من أغلبية قيادات الحكومة العراقية المؤقتة.
ولم يختلف سيناريو التمرد والمقاومة في النجف عن مثيله في الفلوجة، حيث تذبذب الموقف بين المواجهات العسكرية الشديدة وبين محاولات التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاقات عدة لوقف إطلاق النار والانسحاب من المدن فإن أغلب هذه الاتفاقات لم يتم احترامها أو تنفيذ بنودها لتقود إلى قيام حالة استقرار.
وبدأت الحملة الفعلية لتصفية تمرد تنظيم الصدر خلال الأسبوع الأول من أغسطس. ففي السابع من ذلك الشهر، قامت القوات الأمريكية مدعومة ببعض وحدات الحرس الوطني العراقي بفرض حصار شديد على مدينتي النجف والكوفة، وانتهت الحملة خلال شهر أكتوبر عندما تم عقد اتفاق بين الطرفين كان من بين بنوده حل جيش المهدي، وإخراج عناصره من المدن الرئيسية في جنوب العراق وفي مدينة الثورة (الصدر) في ضواحي العاصمة بغداد، مع نزع أسلحته، وتبعت ذلك حملة لتسليم الأسلحة مقابل مكافآت مادية.
• المعركة العسكرية
على الرغم من أن المنطقة الغربية من العراق وبالذات مدينتا الفلوجة والرمادي كانت خلال عام 2003 مسرحاً تقليدياً لعمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال، فقد جاءت حادثة يوم الثالث والعشرين من مارس 2004 لتحول المدينة إلى مركز أساسي للعمليات العسكرية الأمريكية. ففي ذلك اليوم، قامت مجموعة من الأفراد في مركز مدينة الفلوجة بقتل وسحل أربعة أمريكيين يعملون لحساب إحدى الشركات الأمنية العاملة في العراق، مما سبب إحراجاً كبيراً للسلطات الأمريكية، حيث طلبت من وجهاء المدينة وقياداتها الدينية العمل على تسليم منفذي العملية، وإلا فإن المدينة ستُعاقب، وعندما رفضت قيادات المدينة الرضوخ للشروط الأمريكية تم ضرب حصار شديد عليها، وبدأت العمليات العسكرية في محاولة لتصفية جيوب المقاومة فيها، وتحولت المدينة إلى مسرح دائم لعمليات المواجهة العسكرية طيلة العام. ولكن على الرغم من الجهود الأمريكية فإن العناصر المسلحة استطاعت الصمود وعززت سيطرتها على مركز المدينة وضواحيها، وأمست مدينة الفلوجة تقع خارج سيطرة الحكومة المركزية. وهي حالة دامت حتى أكتوبر 2004 حين قررت السلطات العراقية إعادة فرض السيطرة على المدينة بدعم من القوات الأمريكية، التي بدورها قامت بفرض حصارها على مدينة الفلوجة في أوائل نوفمبر تمهيداً لبدء الهجوم عليها، والذي نُفذ فعلاً يوم العاشر من الشهر نفسه لتتم إعادة احتلال المدينة بعملية دامية استغرقت أسبوعاً من القتال والدمار. وهذه الحالة تكررت في مدينة أخرى هي سامراء، حيث استطاعت العناصر المسلحة التي اتخذت من مركز المدينة قاعدة لها إخراج المدينة من سيطرة السلطات.
وبناءً على معلومات كان مصدرها وزارة الصحة العراقية، فإن عدد المواطنين الذين قُتلوا من جراء العمليات الإرهابية وعمليات المقاومة منذ بداية الاحتلال في أبريل 2003 وحتى منتصف عام 2004 بلغ نحو 3200 ضحية. وخلال العام نفسه، أصدرت دورية لانست Lancet البريطانية الطبية الشهيرة التي تصدر في لندن تقريراً في نهاية شهر أكتوبر قدر عدد الضحايا من المدنيين العراقيين منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق وحتى تاريخ صدور التقرير بما يزيد على مائة ألف ضحية.
• ظاهرة الخطف
خلال العام 2004 الذي يغطيه التقرير، برزت ظاهرة جديدة في ساحة المواجهة العراقية، وهي ظاهرة خطف المواطنين الأجانب المقيمين في العراق. ففي الأسبوع الأول من شهر أبريل، وقعت أول عملية منظمة لاختطاف سياسي منذ بداية الأزمة، كان ضحيتها ثلاثة مواطنين يابانيين. ولم ينته شهر أبريل إلا بعد أن سُجلت خلاله ثلاث وأربعون عملية اختطاف سياسي لمواطنين أجانب. وفي منتصف مايو، تطورت حوادث الاختطاف بشكل مقلق وغير إنساني حين تم إعدام أول رهينة غربي، وهو المواطن الأمريكي نيكولاس بيرغ بطريقة قطع الرأس أمام عدسات الكاميرا، وقد تكررت هذه العملية مرات بعد ذلك.
وكانت مطالب بعض المجموعات التي نفذت عمليات اختطاف المواطنين الأجانب ذات طبيعة سياسية بهدف الضغط على الدول المشاركة في القوات متعددة الجنسيات لسحب قواتها من العراق، وإطلاق سراح السجناء العراقيين، ورحيل العاملين الأجانب عن العراق كما حدث في سبتمبر 2004 عندما تم إعدام اثني عشر مواطناً من دولة نيبال. أما مطالب جماعات أخرى فقد كانت مطالب مادية غير معلنة، وخصوصاً مطلب دفع الفدية بملايين الدولارات، وهناك جماعات طرحت النوعين من المطالب. وشهدت الساحة العراقية انخفاضاً ملحوظاً في عدد عمليات اختطاف المواطنين الأجانب خلال الربع الأخير من عام 2004.
وكإشارة إلى مدى عمق المأزق الأمني، قام رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي خلال شهر يوليو بتوقيع قرار يمنح الحكومة المؤقتة سلطات استثنائية واسعة من أجل معالجة الوضع الأمني المتدهور، ومنها حق إعلان حالة الطوارئ وغير ذلك من إجراءات السلطات الاستثنائية، وتم إعلان حالة الطوارئ رسمياً خلال العمليات العسكرية لإعادة السيطرة على مدينة الفلوجة، حيث تم إغلاق حدود العراق مع جيرانه، بالإضافة إلى إغلاق مطار بغداد الدولي، وإعلان حالة منع التجوال.
• فضيحة سجن “أبو غريب”
في نهاية أبريل 2004، انفجرت فضيحة التعذيب وسوء معاملة السجناء العراقيين في سجن “أبو غريب” خارج العاصمة العراقية، فقد قامت وسائل الإعلام الأمريكية، وبعدها وسائل الإعلام العالمية بنشر سلسلة من الصور الفوتوغرافية برهنت على قيام عناصر من القوات الأمريكية المسؤولة عن إدارة السجن بارتكاب مخالفات وجرائم انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، وهو ما تمثل في ممارسات التعذيب والإهانة والقتل ضد عدد كبير من السجناء العراقيين. وتطور الأمر إلى أزمة قانونية وسياسية وأخلاقية في وجه سلطات الاحتلال الأمريكي التي قررت إحالة عدد محدود من أفراد قواتها المسلحة إلى القضاء العسكري من أجل امتصاص النقمة وردود الفعل.
• التدخلات الخارجية
خلال العام نفسه، برزت وبشكل واضح ادعاءات قيام أطراف خارجية بمحاولة التدخل في الوضع الداخلي العراقي، فبالإضافة إلى التصريحات التي أدلى بها المسؤولون العسكريون والسياسيون الأمريكيون حول تأكيد هذا الأمر، قام أعضاء بارزون في الحكومة العراقية المؤقتة وعلى فترات متكررة بتوجيه اتهامات من هذا النوع إلى بعض دول الجوار، وبخاصة سوريا وإيران، حيث جرى اتهام الدولتين بمحاولة زعزعة الأمن والاستقرار في الدولة العراقية، ثم بمحاولة التدخل في عملية الانتخابات التي تم إجراؤها في نهاية يناير 2005، وهذه التهم قوبلت بالرفض من قبل حكومتي البلدين. وكانت مشكلة ضبط الحدود وإيقاف عمليات التسلل إلى العراق أحد أبرز مطالب الحكومة العراقية من دول الجوار، حيث جرى التأكيد من قبل مسؤولين عراقيين وأمريكيين على أن قوى التمرد والجماعات الإرهابية العاملة في العراق تستقبل أعداداً من المتطوعين عبر الحدود المشتركة مع بعض الدول المجاورة للمشاركة في القتال في العراق. وجاء مؤتمر شرم الشيخ الذي عُقد في أواخر نوفمبر 2004 كمساهمة دولية للحصول على تعهدات من دول الجوار العراقي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق وبدعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي للدولة.
ثانياً: على الصعيد السياسي
• التفاعلات الدولية بشأن المسألة العراقية
على صعيد السياسة الدولية، شهدت بداية عام 2004 أول اعترافات من قبل بعض القيادات الأمريكية والبريطانية بأن السبب الأساسي أو المعلن للحرب والمتمثل بمحاولة نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق يفتقر إلى المصداقية، وأن هذا السلاح لا وجود له، وأن العراق لم يكن يملك هذا السلاح أو القدرة على إنتاجه عندما قامت الحرب، مما شكل بداية لانهيار التبريرات حول شرعية هذه الحرب. وعلى أثر ذلك، أعلنت الحكومتان الأمريكية والبريطانية في شهر فبراير عن تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في عمل أجهزة المخابرات وأسباب الفشل المخابراتي الكبير في اكتشاف حقيقة عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وكيف أن هناك فجوات وأخطاءً كبيرة في المعلومات الاستخبارية، والتي لا تُعتبر الحكومة والقيادة السياسية في البلدين مسؤولة عنها.
وخلال سبتمبر 2004 جاء تصريح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ليعمق من أزمة شرعية الحرب، حيث دان الحرب بكونها غير شرعية أو قانونية. وجاءت إدانته لتعزز افتقار هذه الحرب إلى غطاء من الشرعية الدولية. وكان من أهم أحداث العام صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 الذي صدر في أوائل شهر يونيو ليخول سلطات الاحتلال تحويل “السيادة الكاملة” في 30 يونيو 2004 إلى الحكومة العراقية المؤقتة مع استمرار مهمة إشراف قوات الاحتلال “متعددة الجنسيات” على الوضع الأمني إلى حين إجراء انتخابات تشريعية وتولي حكومة دستورية السلطة، وهي التطورات التي من المتوقع أن يتم إنجازها في أوائل عام 2006. وجاءت محاولة الأمم المتحدة لتعزيز دورها في العراق من خلال قيام الأمين العام بتعيين أشرف القاضي سفير باكستان السابق في واشنطن كممثل له في بغداد من أجل الإشراف على التطورات السياسية في الدولة.
• التطورات على صعيد العملية السياسية في العراق
كان التطور الأساسي على الجبهة السياسية الداخلية في العراق قد بدأ خلال شهر مارس 2004 حين قام مجلس الحكم العراقي، الذي تم حله لاحقاً، بإصدار ما يُسمى بالقانون الأساسي (الدستور المؤقت) لإدارة الدولة العراقية. وفي أواخر الشهر نفسه، تم الإعلان عن اختيار الدكتور إياد علاوي كأول رئيس وزراء مؤقت للدولة منذ سقوط النظام السابق، ثم تلا ذلك الإعلان عن اختيار غازي عجيل الياور رئيساً مؤقتاً للدولة. وتسارعت التطورات السياسية، فخلال منتصف أغسطس عقد المؤتمر الوطني العراقي لفترة ثلاثة أيام متواصلة، قام المشاركون خلالها باختيار مائة شخص يشكلون أعضاء المجلس الوطني (البرلمان) المؤقت.
وكان شهر مايو قد شهد بداية الضغوط ضد السياسي العراقي أحمد الجلبي، المعروف عنه ارتباطه بوزارة الدفاع الأمريكية، حيث اتهم أولاً بتسريب معلومات حساسة إلى أجهزة المخابرات الإيرانية، وتمت لاحقاً مداهمة مسكنه ومقر حزبه في بغداد، وتطور الأمر خلال أوائل شهر أغسطس، إذ قامت السلطات العراقية بإصدار أمر اعتقال بحق الجلبي بتهمة تزوير عملات ووثائق، وهو القرار الذي تم تجميده لأسباب غير معلنة.
وتميز العام كذلك بدخول المرجعية الشيعية في النجف كلاعب أساسي وعلني في ساحة الحياة السياسية للدولة، وتجسد هذا الدور بفتاوى وتصريحات متعددة نُسبت إلى المرجع الأعلى آية الله السيستاني وغيره من القيادات الدينية الشيعية، وكان هدفها التأثير في التطورات السياسية في الدولة وتوحيد “البيت الشيعي”، وتوجت هذه الجهود بقرار السيستاني التدخل علناً لدعم مطالب إجراء الانتخابات في وقتها المحدد، وكذلك في إعداد قائمة موحدة تحوي أسماء المرشحين للانتخابات التشريعية ممن حصلوا على دعم المرجعية الدينية، على الرغم من أن مكتب السيستاني أنكر لاحقاً القيام بإعداد القائمة الانتخابية.
• إعادة النظر في سياسة اجتثاث البعث
خلال شهر أبريل 2004، صدر قرار من الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر ـ مدعوماً من قبل عدد من السياسيين العراقيين وعدد من أعضاء الحكومة المؤقتة ـ مفاده التخلي عن قرار سياسة “اجتثاث البعث”، مما فتح الطريق، نظرياً على الأقل، أمام عودة الآلاف من موظفي الدولة إلى وظائفهم، وقلل من حالة التشنج والعداء التي عمت المجتمع منذ سقوط النظام السابق.
وشهد شهر مارس من العام نفسه بداية انفراط عقد القوات متعددة الجنسيات العاملة في العراق تحت المظلة الأمريكية، فقد أعلنت كل من حكومات إسبانيا والدومينيكان والهندوراس والفلبين عن قرارات بسحب القوات التابعة لها في العراق، وتم تنفيذ هذه القرارات لاحقاً، إلى جانب إعلان عدد آخر من الدول نيتها سحب قواتها من العراق خلال عام 2005.
• محاكمة أقطاب النظام السابق
كان يوم الثاني من يوليو 2004 يوماً تاريخياً حين مثل الرئيس المخلوع صدام حسين لأول مرة أمام هيئة قضائية عراقية ليواجه عدداً من التهم السياسية والجنائية بعد قيام سلطات الاحتلال بتسليمه رسمياً إلى الحكومة العراقية المؤقتة، مع استمراره تحت حراستها من الناحية الأمنية.
وجاء إعلان رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي في منتصف ديسمبر عن نية الحكومة المؤقتة إجراء أولى جلسات المحاكمة لعدد من مسؤولي النظام السابق قبل نهاية العام ليدل على عزم السلطات العراقية تأخير محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلى حين إجراء المحاكمات لمساعديه أولاً, وذلك على أمل إمكانية الحصول على أدلة وشهادات قانونية منهم تساعد على إدانة الرئيس المخلوع عند مواصلة محاكمته. وخلال شهر ديسمبر، جرت جلسات تحقيق مَـثُل خلالها عدد من المعتقلين من رموز النظام السابق أمام القضاء.
كما شهد عام 2004 استمرار الجهود من أجل اعتقال أقطاب النظام السابق، فمن قائمة المطلوبين الخمسة والخمسين التي أُعلنت بعد سقوط النظام لم يبقَ طليقاً منهم حتى منتصف العام غير ثمانية مطلوبين فقط، أبرزهم سبعاوي إبراهيم الأخ غير الشقيق لصدام حسين الذي تم اعتقاله بداية العام الحالي.
• الجرائم الموجهة لتعميق الصراع الطائفي
تميزت أحداث العنف لهذا العام بتكثيف ملحوظ للعمليات التي تهدف إلى إشعال صراع طائفي وديني في البلاد مثل عمليات الهجوم على المواقع الدينية، وتنفيذ عمليات في مناسبات الاحتفالات الدينية، وتفجير المساجد السنية والحسينيات الشيعية والكنائس المسيحية، فضلاً عن عمليات اغتيال رجال الدين من جميع الطوائف، وبخاصة ممن اتخذوا مواقف علنية تدعو إلى إيقاف المقاومة أو تدعو علناً إلى دعم مصلحة الطائفة التي ينتمون إليها. وكان شهر مارس قد شهد مقتل مائة وثمانين مواطناً خلال احتفال أبناء الطائفة الشيعية بيوم عاشوراء كنتيجة لسلسلة من العمليات الانتحارية المتلازمة زمنياً التي استهدفت المواقع الدينية في مدينتي كربلاء وبغداد. وخلال شهر أغسطس، بدأت حملة لتنفيذ عدد من عمليات التفجيرات بالسيارات المفخخة ضد الكنائس ودور العبادة المسيحية في بغداد والموصل ذهب ضحيتها عدد من المواطنين. وجاءت عملية تفجير سيارتين مفخختين في مدينتي كربلاء والنجف، ثم محاولة اغتيال عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ـ قُتل خلالها 13 شخصاً وأُصيب نحو 66 آخرين ـ في أواخر ديسمبر كإشارتين واضحتين على تصميم بعض الفئات على الاستمرار في خطة تأجيج الصراع الطائفي وزرع بذور الحرب الأهلية.
• الانقسامات السياسية بشأن الانتخابات
مع استمرار حالة التدهور في الأوضاع الأمنية في العراق، شهدت البلاد انقساماً حاداً بشأن الاستحقاق الانتخابي (المقرر عقده في نهاية يناير 2005)، فهناك أطراف أصرت على إجراء الانتخابات تحت أي ظروف، وفي مقدمتها الحكومة العراقية المؤقتة والإدارة الأمريكية، كما برز تأييد إجراء الانتخابات بشكل واضح في صفوف كل من الأكراد والشيعة، حيث أعرب المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني عن دعمه الواضح لإجراء الانتخابات. وبالمقابل، دعت أطراف عديدة أخرى، وبخاصة من صفوف السنة إلى تأجيل الانتخابات حتى تتسنى تهيئة الظروف المناسبة لإجرائها. ولما لم يتحقق ذلك أعلنت بعض الأحزاب والتيارات والجمعيات ذات التوجهات الإسلامية والقومية مقاطعتها للانتخابات، كما قاطعتها بعض العشائر. وكان من أبرز المقاطعين هيئة علماء المسلمين، والحزب الإسلامي العراقي، فضلاً عن التيار الصدري.
وفي ضوء ما سبق، فقد تسارعت خطوات التحضير للانتخابات من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية، وانشغلت أحزاب وشخصيات عراقية عديدة بالترتيب لخوض الانتخابات سواء في ما يتعلق بتشكيل القوائم أو ممارسة الدعاية الانتخابية، وذلك وسط تصعيد كبير في الهجمات المسلحة، التي استهدف بعضها مقار انتخابية، وقد كان الهدف منها تعطيل الاستحقاق الانتخابي، خصوصاً أن جماعة الزرقاوي كانت قد تبنت هذا الهدف.
ثالثاً: على الصعيد الاقتصادي
• بعض التطورات الاقتصادية الرئيسية
تم مع بداية عام 2004 طرح العملة العراقية الجديدة المتمثلة في الدينار الجديد للتداول، وبالتالي تم إلغاء العملة العراقية التي كان معمولاً بها في ظل النظام السابق، مما كانت له آثار إيجابية بالنسبة للحالة الاقتصادية في الدولة واستقرار أسعار صرف الدينار العراقي.
وخلال عام 2004، أعلن البنك الدولي قراراً بالاعتراف بشرعية الحكومة العراقية المؤقتة، مما جعل العراق مؤهلاً للحصول على القروض الدولية. وعلى الرغم من جميع محاولات إعادة تفعيل النشاط الاقتصادي في الدولة فإن المشكلات الأساسية لا تزال قائمة، إذ إن نسبة البطالة تقارب خمسين في المائة من مجموع القوة العاملة، إلى جانب استمرار المشكلات المزمنة التي تعاني منها قطاعات الخدمات والمرافق الأساسية، وبخاصة في ما يتعلق بالكهرباء والوقود، فضلاً عن تدهور الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من العوامل والمتطلبات التي تؤثر سلباً في استقرار الدولة ورفاهية المواطن وتنتقص وبشكل خطير من شرعية الحكومة المؤقتة وتشكك في نيات سلطات الاحتلال، وبرزت تهم الفساد السياسي والمالي الموجهة لعدد من المسؤولين العراقيين من العاملين مع سلطات الاحتلال، كما وُجهت تهم مماثلة لعدد من الشركات الأمريكية الكبرى المنخرطة في عملية إعادة الإعمار الاقتصادي في العراق. ولإعطاء فكرة بسيطة عن كلفة الحرب والاحتلال، يجب الإشارة إلى حقيقة أن الكونغرس الأمريكي قام حتى الآن بتخصيص مبلغ مائة وثلاثة وخمسين ملياراً من الدولارات، وذلك لتغطية كلفة الحرب الأمريكية في العراق.
كما تواصلت خلال العام بعض المساعي الدولية والعراقية بهدف إلغاء الديون الدولية الكبيرة المستحقة على العراق، والتعامل مع الالتزامات المالية الأخرى المترتبة على الدولة كإرث كبير من تركة النظام السابق، من دون تحقيق نجاحات كبيرة لهدف تحقيق الإلغاء الكامل والفوري وغير المشروط للديون، وهو ما سعى إليه الجانبان العراقي والأمريكي معاً. ويُقدر مجموع الديون المستحقة على العراق بما يقارب مائة وسبعة عشر مليار دولار. فخلال اجتماع أعضاء “نادي باريس” الذي عُقد في نوفمبر 2004، توصل المجتمعون إلى اتفاق على إلغاء 80% من الديون المترتبة على الدولة العراقية، ولكن بشكل تدريجي ومشروط. فنسبة 30% من الديون سيتم إلغاؤها فوراً، ونسبة 30% سيتم إلغاؤها بعد أن يقوم البنك الدولي بالموافقة على خطة الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة في عام 2005، ونسبة 20% ستُلغى بعد قيام العراق بتطبيق خطة الإصلاح التي اعتمدها البنك الدولي في حدود عام 2008، وما تبقى من الديون سيقوم العراق بدفعه لدول “نادي باريس” على شكل أقساط خلال فترة تقارب ثلاثة وعشرين عاماً. وخلال شهر ديسمبر، أعلنت الإدارة الأمريكية إلغاء كامل الديون المستحقة لواشنطن على العراق، والتي تتجاوز أربعة مليارات دولار. وتعد هذه السابقة الأولى من نوعها، حيث تقوم دولة من الدول الدائنة بالإعلان عن الإلغاء الكامل للديون المستحقة لها على العراق.
• الهجوم على المنشآت النفطية
شهد عام 2004 تصعيداً واضحاً في العمليات الموجهة لتخريب أو تعطيل المنشآت النفطية العراقية، فخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، خضعت منشآت النفط العراقي لمعدل أربع هجمات شهرياً، وبدأت وتيرة العمليات تتصاعد اعتباراً من مايو ليصل عددها إلى أكثر من إحدى وعشرين عملية خلال شهر أغسطس. وكان من ضمنها ثلاث محاولات في شكل هجمات انتحارية تمت باستعمال مراكب بحرية صغيرة كان هدفها تدمير المنصات البحرية العائمة الخاصة بتصدير النفط العراقي عبر منافذ البلاد على مياه الخليج العربي. وعموماً، فقد تعرضت أنابيب نقل وتصدير النفط العراقي في شمال البلاد وجنوبها لعمليات تخريب وتدمير متكررة، مما أدى إلى إيقاف تصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية لفترات متقطعة خلال أشهر العام 2004.
وقدرت مصادر وزارة النفط العراقية مجمل خسائر قطاع النفط نتيجة للأعمال التخريبية بما يعادل ثمانية مليارات دولار أمريكي. وقد وصل أعلى عائد شهري من موارد النفط إلى 1.94 مليار دولار خلال شهر أكتوبر، ولكن العائد خلال الأشهر الأخرى لم يتجاوز مليار دولار في الشهر الواحد.
وفي يوليو 2004، أصدرت إحدى المؤسسات الاستخبارية الأمريكية، وهي المجلس الوطني للمخابرات (NIC) تقديرات سلبية ومتشائمة لسير وتطورات الوضع الأمني في العراق، وكانت التقديرات التي قدمها هذا التقرير تتعارض بشكل جذري مع التقديرات الإيجابية التي تقدمها الإدارة الأمريكية حول الوضع العراقي وسير عملية البناء السياسي والأمني. فقد أكد التقرير أنه وفي أحسن الأحوال فإن الوضع في العراق خلال فترة الشهور الثمانية عشر المقبلة (أي حتى بداية عام 2006) لن يتجاوز صفة الاستقرار المهزوز والقابل للانهيار، وأن الوضع قد يتطور إلى سيناريو آخر، وهو اندلاع حرب أهلية في حالة استمرار الانهيار في الوضع الأمني.
وفي الختام نقول لقد تمثلت التطورات الرئيسية على الصعيد العراقي خلال عام 2004 في ما يلي: استمرار التدهور في الأوضاع الأمنية نتيجة تزايد العمليات والعمليات المضادة، وبخاصة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2004 مع قرب موعد الانتخابات. ومما ساعد على ذلك كثرة الأسلحة والمتفجرات المتاحة للقوى التي تمارس المقاومة والإرهاب في العراق، وضعف قدرة أجهزة الأمن العراقية على المساهمة بفاعلية في ضبط الأمن بسبب قلة العدد وضعف عمليات التأهيل والتدريب، وزيادة استهداف مراكز التجنيد والتدريب، مما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف المجندين، كما أن الانقسامات والتجاذبات السياسية والأمنية بشأن الاستحقاق الانتخابي شكلت ملمحاً بارزاً للتطورات في العراق خلال العام، وبخاصة في ظل غياب الاتفاق العام بين القوى العراقية الرئيسية بشأن هذه الانتخابات. وبالإضافة إلى ذلك، لم يشهد العام أي تطور إيجابي ملحوظ على صعيد عملية إعادة الإعمار، وبخاصة في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية وغياب الشفافية والوضوح في خطط إعادة الإعمار، وضعف مشاركة العراقيين فيها، وهو الأمر الذي أسهم في استمرار تردي الأوضاع الصحية والاجتماعية والمعيشية لقطاعات عريضة من العراقيين.
وعلى الرغم من الأهمية التي يمثلها الاستحقاق الانتخابي، فإن مؤشرات عديدة ترجح أن إجراء الانتخابات لا يعني بالضرورة عودة الاستقرار ووضع حد لحالة الانفلات الأمني في العراق، حيث إن قوى المقاومة المسلحة، والجماعات التي تمارس الإرهاب لها أجندات مختلفة عن أجندات القوى والأحزاب التي شاركت في الانتخابات، كما أن مقاطعة قوى رئيسية للانتخابات سوف تطرح مشكلة جوهرية تتعلق بشرعية ما يترتب على هذه الانتخابات من نتائج. وبالتالي، سيكون أحد التحديات الرئيسية في مرحلة ما بعد الانتخابات هو كيفية تجاوز الخلافات والانقسامات بشأنها، وإيجاد صيغة توافق وطني وآليات مناسبة تسمح للمقاطعين بالمشاركة في صياغة الدستور، لأن الشروع بهذه الخطوة من دون مشاركة جميع القوى والتكوينات العراقية الرئيسية سوف ينتقص من شرعية الدستور. وبالتالي، لا يمكن الاستناد إليه كمرجعية لصياغة مستقبل النظام السياسي والدولة في العراق. ويتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه جميع العراقيين بمختلف انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية والعشائرية هو كيفية تجنب أي أوضاع قد تفضي إلى حرب أهلية، يمكن أن تؤدي في حال حدوثها إلى تفكك الدولة العراقية ذاتها، كما أن قضية مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق ستظل من أبرز قضايا الجدل السياسي على الساحة العراقية خلال المستقبل المنظور.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2377::/cck::
::introtext::
بدأ عام 2004 على طريقة “العراق الجديد”. ففي يوم رأس السنة الجديدة، قام مهاجم انتحاري بتفجير سيارة مفخخة في أحد مطاعم العاصمة بغداد، عندما اجتمع عدد من سكان العاصمة للاحتفال بعيد رأس السنة، وأسفر الهجوم عن مقتل وجرح ما لا يقل عن 40 شخصاً، ولم يكن هذا الحادث غير مثال بسيط لما سيصبح ظاهرة يومية لازمت أغلب أيام العام الجديد، فعام 2004 بدأ بعد أقل من ثمانية أشهر من سقوط النظام العراقي والنهاية المفترضة للحرب الأمريكية على العراق.
::/introtext::
::fulltext::
بدأ عام 2004 على طريقة “العراق الجديد”. ففي يوم رأس السنة الجديدة، قام مهاجم انتحاري بتفجير سيارة مفخخة في أحد مطاعم العاصمة بغداد، عندما اجتمع عدد من سكان العاصمة للاحتفال بعيد رأس السنة، وأسفر الهجوم عن مقتل وجرح ما لا يقل عن 40 شخصاً، ولم يكن هذا الحادث غير مثال بسيط لما سيصبح ظاهرة يومية لازمت أغلب أيام العام الجديد، فعام 2004 بدأ بعد أقل من ثمانية أشهر من سقوط النظام العراقي والنهاية المفترضة للحرب الأمريكية على العراق.
وبناءً على التوقعات الأمريكية التي سبقت قيام الحرب، فإن عام 2004 كان من المفترض أن يكون عام بداية الاستقرار والازدهار في العراق، إذ إن حسابات المخططين الأمريكيين لم تعطِ أكثر من ستة إلى ثمانية أشهر كفترة لإرساء “الاستقرار” بعد نجاح العمليات العسكرية. وكان من المفترض أن تشهد بداية عام 2004 حسب رؤية منظري الحرب في واشنطن بداية بروز “العراق الأمريكي”، أو العراق الجديد الذي تصوره رموز اليمين الأمريكي على أنه سيقوم بتبني القيم السياسية والاقتصادية الأمريكية ليكون واحة إشعاع للحرية والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وكانت تطورات العام 2004 تُعد وبجميع الموازين من العوامل الحاسمة في تقرير مصير الدولة والمجتمع في العراق، وكذلك في تقرير مستقبل السياسة الأمريكية، ليس في العراق فقط بل في عموم منطقة الشرق الأوسط.
وجاء عام 2004 وانتهى، لا ليشهد بروز العراق الجديد المستقر المزدهر، بل ليشهد سقوط “الحلم الأمريكي” في العراق، وانهيار سلطة الدولة، وتفشي الجريمة والإرهاب وسيادة دولة اللاقانون، ومحدودية نجاح الجهود العراقية والأمريكية والدولية المنصبة على محاولة إعادة بناء الدولة، وبالتالي تبخر أمل الإدارة الأمريكية التي يهيمن عليها المحافظون الجدد في إعادة هيكلة منطقة الشرق الأوسط سياسياً واستراتيجياً عبر النجاح في خلق “العراق الأمريكي”.
وأثبتت ممارسات سلطات الاحتلال الأمريكية خلال عام 2004 الاعتقاد الذي تبلور بعد فترة قليلة من قيام الاحتلال، وهو انزلاق الأمريكيين وحلفائهم إلى مأزق خطير ومكلف في العراق، وأن مهمة تفكيك النظام العراقي السابق سارت باتجاه خاطئ وخطير نتيجة سوء التصرفات والحسابات الأمريكية، مما أدى ليس إلى تفكيك النظام الديكتاتوري السابق فحسب، بل قاد إلى تفكيك الدولة ومؤسساتها الشرعية والأساسية من دون وجود دليل مقنع على قدرة سلطات الاحتلال على إعادة بناء الدولة أو فرض حالة من الاستقرار السياسي والأمني.
ويعرض التقرير أبرز التطورات التي شهدها العراق خلال عام 2004 على الصعيد الأمني أولاً، وعلى الصعيد السياسي ثانياً، ثم على الصعيد الاقتصادي ثالثاً.
أولاً: على الصعيد الأمني
• استمرار التدهور في الوضع الأمني: (نظرة عامة)
من الناحية الأمنية، شهدت الدولة العراقية خلال عام 2004 إحدى أكبر أزماتها التاريخية في هذا المضمار. وعلى الرغم من أن العراق من الدول التي شهدت خلال تاريخها الطويل أزمات أمنية عديدة، فإن الأزمة الحالية تبقى إحدى أخطر هذه الأزمات، وهي أزمة ذات أبعاد مختلفة ومتعددة سواء لجهة درجة العنف غير المسبوق الذي اتسمت به، أو لجهة عدد الضحايا الذين سقطوا من جراء هذه العمليات، أو لجهة الامتداد الزمني والجغرافي لهذه الأزمة.
وفي ضوء ذلك، فقد كان أبريل 2004 من أكثر الأشهر دموية بالنسبة لقوات الاحتلال، بالإضافة إلى العراقيين، فقد قُتل خلاله ما لا يقل عن 130 جندياً أمريكياً بالإضافة إلى 1004 جرحى، وقُتل بالمقابل ما لا يقل عن 700 مواطن عراقي، إلى جانب آلاف عدة من الجرحى. ومنذ ذلك الشهر، أصبح المعدل الشهري للهجمات وعمليات العنف يقارب ألفين ما بين عمليات نُفذت بالفعل ومحاولات تنفيذ عمليات أو هجمات. وفي هذا السياق، فقد وقع خلال سبتمبر 2004 أكثر من 2300 هجوم أو محاولة هجوم.
وبالمقابل، شهدت بداية عام 2004 ارتفاعاً كبيراً في عدد العناصر العاملة في وحدات القوات العراقية المسلحة الجديدة، فقد وصل عدد العاملين في أجهزة الحرس الوطني وقوات الشرطة بفروعها ما يقارب مائة وتسعة آلاف عنصر، تشكل قوات الشرطة العراقية الجزء الأكبر منها، أي ما يقارب 67 ألفاً، بينما تشكل قوات الحرس الوطني ما يقارب عشرين ألفاً، وقوات حرس الحدود تتشكل من عدد مقارب.
وفي الوقت نفسه، برز التصاعد الكبير والملحوظ في عدد الأفراد المنخرطين في عمليات المقاومة، بناءً على تقديرات قدمها معهد بروكنكز في واشنطن. فخلال يناير 2004، قُدر عدد المتورطين في عمليات المقاومة أو الإرهاب بما يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف عنصر. وفي يوليو من العام نفسه، تصاعدت تقديرات المؤسسة الأمريكية لعدد المنضمين إلى المقاومة أو التمرد حسب توصيف بعض الدوائر الأكاديمية الغربية ليصل العدد إلى أكثر من أربعة أضعاف ماكان عليه في يناير، إذ قدرته بما يقرب من 20 ألف مقاتل، واستمر هذا الرقم في الزيادة بعد ذلك، ويُعتقد أنه من بين إجمالي المقاتلين كان هناك نحو ثلاثة آلاف من غير العراقيين. وعلى الوتيرة التصاعدية نفسها، ازداد عدد قوات الاحتلال الأمريكي من 122 ألفاً في يونيو إلى 138 ألف عنصر خلال ديسمبر، مدعومة بنحو 50 ألف جندي أمريكي متمركزين في الدول المحيطة بالعراق، هذا بالإضافة إلى 25 ألفاً من القوات متعددة الجنسيات.
واتسمت حوادث الاضطراب الأمني لعام 2004 بسمات متعددة، منها الانتشار الجغرافي الواسع لعمليات المقاومة والعمليات الإرهابية، حيث شملت أغلب مدن ومقاطعات الدولة من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن ضمنها عمليات كبيرة نُفذت في منطقة الحكم الذاتي الكردية، التي كانت سابقاً من المناطق العراقية التي تتصف بالاستقرار والأمن. ففي الأول من فبراير، قُتل ما لا يقل عن 150 شخصاً في عملية انتحارية مزدوجة ومتلازمة زمنياً جرت خلال اليوم الأول من العيد في مدينتي أربيل والسليمانية. وعلى الرغم من أن بغداد والمنطقة الغربية من العراق كانت المسرح الأساسي لأعمال العنف فإن مناطق البلاد الأخرى لم تنعم بالاستقرار التام.
كما برزت خلال العام نفسه ظاهرة تنفيذ عمليات اغتيال ضد المسؤولين العراقيين بشكل مكثف، وكان من أبرز هذه العمليات هي عملية اغتيال رئيس مجلس الحكم العراقي الانتقالي عز الدين سليم، والتي جرت خلال شهر أبريل، بالإضافة إلى عشرات من محاولات الاغتيال الناجحة أو الفاشلة التي استهدفت كبار المسؤولين الإداريين في وزارات الدولة، حيث شملت عدداً من الوزراء ووكلاء الوزارات مثل وزارات الخارجية والداخلية والمالية، وامتدت بشكل ملحوظ لتشمل محافظي وحكام المدن العراقية الرئيسية وحتى مديري الدوائر والأقسام الرسمية.
وكانت ظاهرة الانتشار الواسع والكثافة الملحوظة في العمليات الانتحارية وتحول هذه الظاهرة إلى أسلوب أساسي تستخدمه المجموعات المسلحة أحد أبرز التطورات الأمنية على ساحة المواجهة العراقية، فقد احتلت عمليات الهجوم بالقنابل البشرية Human bomb أو السيارات التي تُقاد من قبل الانتحاريين حيزاً كبيراً على قائمة أعمال العنف التي سيطرت على البلاد. ويُعتقد أن عدد العمليات الانتحارية التي نُفذت خلال عام 2004 ضد القوات المتعددة الجنسيات وضد الأهداف التابعة للحكومة العراقية المؤقتة ومقرات الأحزاب السياسية تجاوز 147 عملية ما بين عمليات فعلية أو محاولات تنفيذ عمليات، أي بمعدل عملية واحدة كل أسبوع تقريباً. وبلغ إجمالي ضحايا هذه العمليات نحو 1430 قتيلاً، و3000 جريح.
كما برزت خلال العام نفسه ظاهرة الهجوم الواسع على قوات الشرطة العراقية وقوات الحرس الوطني (الجيش) الجديد. فقد استهدفت الجماعات المسلحة مراكز الشرطة العراقية، ومراكز التطوع والتدريب التابعة للحرس الوطني بسلسلة من العمليات الانتحارية وعمليات السيارات المفخخة وإطلاق القذائف الصاروخية، مما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في صفوف الشرطة والجيش العراقيين، قُدرت بنحو 800 قتيل، فضلاً عن آلاف الجرحى، مما أصاب هذه الوحدات حديثة التكوين بشلل جزئي حدّ من قدرتها وقوّض من معنويات أفرادها. وشهد أكتوبر 2004 أكبر عملية قتل جماعي لأفراد المؤسسة العسكرية عندما تم إعدام تسعة وأربعين متطوعاً في قوات الحرس الوطني الجديد على أيدي إحدى الجماعات المسلحة التي قامت بأسرهم وتنفيذ عملية التصفية الجسدية فوراً. ويبدو أن الهدف الأساسي من عمليات استهداف أفراد ومؤسسات قوات الشرطة والجيش العراقيين هو منع قيام مؤسسة أمنية أو عسكرية وطنية قادرة على تولي المسؤوليات الأمنية بشكل فعال وملء الفراغ الأمني للتقليل من المهام التي تقوم بها قوات الاحتلال، وما يقترن بذلك من خسائر بشرية.
ومن الـمُـلاحـظ خلال العام نفسه، وعلى الرغم من حقيقة وجود تصاعد ملحوظ في نشاط الحركات المسلحة على طول البلاد وعرضها، فإن حركة المقاومة العراقية المسلحة لا تزال لا تمتلك أي قيادة سياسية ظاهرة تتولى مهام توضيح أهدافها السياسية، أو القيام بالتفاوض من أجل تحقيق هذه الأهداف أو المطالب، مما أعطى انطباعاً سلبياً بإمكانية حل الأزمة الأمنية بالوسائل الدبلوماسية أو السياسية.
والجدير بالذكر أن الضغوط التي نتجت عن تصاعد حركة المقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال وضد مؤسسات الحكومة العراقية المؤقتة قد أفرزت انتقادات كثيرة تركزت على حق الأطراف الأخرى (جماعات المعارضة أو المقاومة) بامتلاك السلاح، وأن تكون لها ميليشيات مسلحة أسوة بالعناصر والأحزاب المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الأمر كان الغرض منه إضفاء الشرعية على جماعات المقاومة المسلحة العاملة في المناطق السنية من العراق، بالإضافة إلى جيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر. وكرد فعل على هذه الانتقادات، أعلنت الأحزاب الكردية إلى جانب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وهي من المجموعات التي تمتلك وبشكل معلن ميليشيات مسلحة، عن اتفاق في مارس يهدف إلى حل جميع الميليشيات المسلحة التابعة لها، وهي قوات البشمركة الكردية، بالإضافة إلى قوات فيلق بدر. ولكن هذا الاتفاق أو التعهد لم يوضع في حيز التنفيذ الفعلي. وفي يونيو 2004، قامت القيادات السياسية للميليشيات المسلحة بإعطاء تعهد جديد لسلطات الاحتلال الأمريكي بالعمل على حلها، ولكن الأمر بقي في حيز الوعود غير القابلة للتنفيذ.
• المواجهة مع حركة الصدر
شهد شهر مارس 2004 بداية الشرارة التي أطلقت المواجهة بين مجموعة مقتدى الصدر من جهة وقوات الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية المؤقتة من جهة أخرى. ففي الثامن والعشرين من مارس، قررت السلطات العراقية مدعومة بسلطات الاحتلال إغلاق صحيفة “الحوزة الناطقة”، وهي الصحيفة اليومية الناطقة باسم تيار الصدر بتهمة التحريض على العنف، وجاءت هذه الخطوة بعد التصاعد التدريجي لحالة التوتر بين الجانبين، ثم جاء قرار اعتقال بعض الشخصيات المرتبطة بمقتدى الصدر ليعمق من حدة الأزمة بين الجانبين. ودفعت هذه التطورات الصدر إلى أن يدعو أتباعه يوم 4 أبريل إلى وجوب الانخراط في الجهاد من أجل “إرهاب العدو”. وعلى أثر هذا النداء، بدأت المواجهات الواسعة بين ميليشيا الصدر المسلحة “جيش المهدي” والقوات الأمريكية والعراقية، حين حاولت ميليشيا الصدر احتلال وفرض السيطرة على بعض مباني مؤسسات الدولة في عدد من المحافظات الجنوبية المهمة. وعلى خلفية هذه التطورات، وصف الحاكم الأمريكي للعراق في ذلك الوقت بول بريمر، الصدر بأنه “شخص خارج عن القانون”، وأكد صدور مذكرة احتجاز وتوقيف بحقه وبحق عدد من أتباعه. وقد مثلت عمليات جيش المهدي تهديداً خطيراً لأمن قوات الاحتلال الأمريكية والقوات الأخرى المساندة لها، كما شكلت تحدياً كبيراً لسلطة وهيبة الحكومة العراقية المؤقتة، لذا، فإن إنهاء المواجهة بشكل عاجل وبأي ثمن قد حظي بتأييد من أغلبية قيادات الحكومة العراقية المؤقتة.
ولم يختلف سيناريو التمرد والمقاومة في النجف عن مثيله في الفلوجة، حيث تذبذب الموقف بين المواجهات العسكرية الشديدة وبين محاولات التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاقات عدة لوقف إطلاق النار والانسحاب من المدن فإن أغلب هذه الاتفاقات لم يتم احترامها أو تنفيذ بنودها لتقود إلى قيام حالة استقرار.
وبدأت الحملة الفعلية لتصفية تمرد تنظيم الصدر خلال الأسبوع الأول من أغسطس. ففي السابع من ذلك الشهر، قامت القوات الأمريكية مدعومة ببعض وحدات الحرس الوطني العراقي بفرض حصار شديد على مدينتي النجف والكوفة، وانتهت الحملة خلال شهر أكتوبر عندما تم عقد اتفاق بين الطرفين كان من بين بنوده حل جيش المهدي، وإخراج عناصره من المدن الرئيسية في جنوب العراق وفي مدينة الثورة (الصدر) في ضواحي العاصمة بغداد، مع نزع أسلحته، وتبعت ذلك حملة لتسليم الأسلحة مقابل مكافآت مادية.
• المعركة العسكرية
على الرغم من أن المنطقة الغربية من العراق وبالذات مدينتا الفلوجة والرمادي كانت خلال عام 2003 مسرحاً تقليدياً لعمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال، فقد جاءت حادثة يوم الثالث والعشرين من مارس 2004 لتحول المدينة إلى مركز أساسي للعمليات العسكرية الأمريكية. ففي ذلك اليوم، قامت مجموعة من الأفراد في مركز مدينة الفلوجة بقتل وسحل أربعة أمريكيين يعملون لحساب إحدى الشركات الأمنية العاملة في العراق، مما سبب إحراجاً كبيراً للسلطات الأمريكية، حيث طلبت من وجهاء المدينة وقياداتها الدينية العمل على تسليم منفذي العملية، وإلا فإن المدينة ستُعاقب، وعندما رفضت قيادات المدينة الرضوخ للشروط الأمريكية تم ضرب حصار شديد عليها، وبدأت العمليات العسكرية في محاولة لتصفية جيوب المقاومة فيها، وتحولت المدينة إلى مسرح دائم لعمليات المواجهة العسكرية طيلة العام. ولكن على الرغم من الجهود الأمريكية فإن العناصر المسلحة استطاعت الصمود وعززت سيطرتها على مركز المدينة وضواحيها، وأمست مدينة الفلوجة تقع خارج سيطرة الحكومة المركزية. وهي حالة دامت حتى أكتوبر 2004 حين قررت السلطات العراقية إعادة فرض السيطرة على المدينة بدعم من القوات الأمريكية، التي بدورها قامت بفرض حصارها على مدينة الفلوجة في أوائل نوفمبر تمهيداً لبدء الهجوم عليها، والذي نُفذ فعلاً يوم العاشر من الشهر نفسه لتتم إعادة احتلال المدينة بعملية دامية استغرقت أسبوعاً من القتال والدمار. وهذه الحالة تكررت في مدينة أخرى هي سامراء، حيث استطاعت العناصر المسلحة التي اتخذت من مركز المدينة قاعدة لها إخراج المدينة من سيطرة السلطات.
وبناءً على معلومات كان مصدرها وزارة الصحة العراقية، فإن عدد المواطنين الذين قُتلوا من جراء العمليات الإرهابية وعمليات المقاومة منذ بداية الاحتلال في أبريل 2003 وحتى منتصف عام 2004 بلغ نحو 3200 ضحية. وخلال العام نفسه، أصدرت دورية لانست Lancet البريطانية الطبية الشهيرة التي تصدر في لندن تقريراً في نهاية شهر أكتوبر قدر عدد الضحايا من المدنيين العراقيين منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق وحتى تاريخ صدور التقرير بما يزيد على مائة ألف ضحية.
• ظاهرة الخطف
خلال العام 2004 الذي يغطيه التقرير، برزت ظاهرة جديدة في ساحة المواجهة العراقية، وهي ظاهرة خطف المواطنين الأجانب المقيمين في العراق. ففي الأسبوع الأول من شهر أبريل، وقعت أول عملية منظمة لاختطاف سياسي منذ بداية الأزمة، كان ضحيتها ثلاثة مواطنين يابانيين. ولم ينته شهر أبريل إلا بعد أن سُجلت خلاله ثلاث وأربعون عملية اختطاف سياسي لمواطنين أجانب. وفي منتصف مايو، تطورت حوادث الاختطاف بشكل مقلق وغير إنساني حين تم إعدام أول رهينة غربي، وهو المواطن الأمريكي نيكولاس بيرغ بطريقة قطع الرأس أمام عدسات الكاميرا، وقد تكررت هذه العملية مرات بعد ذلك.
وكانت مطالب بعض المجموعات التي نفذت عمليات اختطاف المواطنين الأجانب ذات طبيعة سياسية بهدف الضغط على الدول المشاركة في القوات متعددة الجنسيات لسحب قواتها من العراق، وإطلاق سراح السجناء العراقيين، ورحيل العاملين الأجانب عن العراق كما حدث في سبتمبر 2004 عندما تم إعدام اثني عشر مواطناً من دولة نيبال. أما مطالب جماعات أخرى فقد كانت مطالب مادية غير معلنة، وخصوصاً مطلب دفع الفدية بملايين الدولارات، وهناك جماعات طرحت النوعين من المطالب. وشهدت الساحة العراقية انخفاضاً ملحوظاً في عدد عمليات اختطاف المواطنين الأجانب خلال الربع الأخير من عام 2004.
وكإشارة إلى مدى عمق المأزق الأمني، قام رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي خلال شهر يوليو بتوقيع قرار يمنح الحكومة المؤقتة سلطات استثنائية واسعة من أجل معالجة الوضع الأمني المتدهور، ومنها حق إعلان حالة الطوارئ وغير ذلك من إجراءات السلطات الاستثنائية، وتم إعلان حالة الطوارئ رسمياً خلال العمليات العسكرية لإعادة السيطرة على مدينة الفلوجة، حيث تم إغلاق حدود العراق مع جيرانه، بالإضافة إلى إغلاق مطار بغداد الدولي، وإعلان حالة منع التجوال.
• فضيحة سجن “أبو غريب”
في نهاية أبريل 2004، انفجرت فضيحة التعذيب وسوء معاملة السجناء العراقيين في سجن “أبو غريب” خارج العاصمة العراقية، فقد قامت وسائل الإعلام الأمريكية، وبعدها وسائل الإعلام العالمية بنشر سلسلة من الصور الفوتوغرافية برهنت على قيام عناصر من القوات الأمريكية المسؤولة عن إدارة السجن بارتكاب مخالفات وجرائم انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، وهو ما تمثل في ممارسات التعذيب والإهانة والقتل ضد عدد كبير من السجناء العراقيين. وتطور الأمر إلى أزمة قانونية وسياسية وأخلاقية في وجه سلطات الاحتلال الأمريكي التي قررت إحالة عدد محدود من أفراد قواتها المسلحة إلى القضاء العسكري من أجل امتصاص النقمة وردود الفعل.
• التدخلات الخارجية
خلال العام نفسه، برزت وبشكل واضح ادعاءات قيام أطراف خارجية بمحاولة التدخل في الوضع الداخلي العراقي، فبالإضافة إلى التصريحات التي أدلى بها المسؤولون العسكريون والسياسيون الأمريكيون حول تأكيد هذا الأمر، قام أعضاء بارزون في الحكومة العراقية المؤقتة وعلى فترات متكررة بتوجيه اتهامات من هذا النوع إلى بعض دول الجوار، وبخاصة سوريا وإيران، حيث جرى اتهام الدولتين بمحاولة زعزعة الأمن والاستقرار في الدولة العراقية، ثم بمحاولة التدخل في عملية الانتخابات التي تم إجراؤها في نهاية يناير 2005، وهذه التهم قوبلت بالرفض من قبل حكومتي البلدين. وكانت مشكلة ضبط الحدود وإيقاف عمليات التسلل إلى العراق أحد أبرز مطالب الحكومة العراقية من دول الجوار، حيث جرى التأكيد من قبل مسؤولين عراقيين وأمريكيين على أن قوى التمرد والجماعات الإرهابية العاملة في العراق تستقبل أعداداً من المتطوعين عبر الحدود المشتركة مع بعض الدول المجاورة للمشاركة في القتال في العراق. وجاء مؤتمر شرم الشيخ الذي عُقد في أواخر نوفمبر 2004 كمساهمة دولية للحصول على تعهدات من دول الجوار العراقي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق وبدعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي للدولة.
ثانياً: على الصعيد السياسي
• التفاعلات الدولية بشأن المسألة العراقية
على صعيد السياسة الدولية، شهدت بداية عام 2004 أول اعترافات من قبل بعض القيادات الأمريكية والبريطانية بأن السبب الأساسي أو المعلن للحرب والمتمثل بمحاولة نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق يفتقر إلى المصداقية، وأن هذا السلاح لا وجود له، وأن العراق لم يكن يملك هذا السلاح أو القدرة على إنتاجه عندما قامت الحرب، مما شكل بداية لانهيار التبريرات حول شرعية هذه الحرب. وعلى أثر ذلك، أعلنت الحكومتان الأمريكية والبريطانية في شهر فبراير عن تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في عمل أجهزة المخابرات وأسباب الفشل المخابراتي الكبير في اكتشاف حقيقة عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وكيف أن هناك فجوات وأخطاءً كبيرة في المعلومات الاستخبارية، والتي لا تُعتبر الحكومة والقيادة السياسية في البلدين مسؤولة عنها.
وخلال سبتمبر 2004 جاء تصريح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ليعمق من أزمة شرعية الحرب، حيث دان الحرب بكونها غير شرعية أو قانونية. وجاءت إدانته لتعزز افتقار هذه الحرب إلى غطاء من الشرعية الدولية. وكان من أهم أحداث العام صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546 الذي صدر في أوائل شهر يونيو ليخول سلطات الاحتلال تحويل “السيادة الكاملة” في 30 يونيو 2004 إلى الحكومة العراقية المؤقتة مع استمرار مهمة إشراف قوات الاحتلال “متعددة الجنسيات” على الوضع الأمني إلى حين إجراء انتخابات تشريعية وتولي حكومة دستورية السلطة، وهي التطورات التي من المتوقع أن يتم إنجازها في أوائل عام 2006. وجاءت محاولة الأمم المتحدة لتعزيز دورها في العراق من خلال قيام الأمين العام بتعيين أشرف القاضي سفير باكستان السابق في واشنطن كممثل له في بغداد من أجل الإشراف على التطورات السياسية في الدولة.
• التطورات على صعيد العملية السياسية في العراق
كان التطور الأساسي على الجبهة السياسية الداخلية في العراق قد بدأ خلال شهر مارس 2004 حين قام مجلس الحكم العراقي، الذي تم حله لاحقاً، بإصدار ما يُسمى بالقانون الأساسي (الدستور المؤقت) لإدارة الدولة العراقية. وفي أواخر الشهر نفسه، تم الإعلان عن اختيار الدكتور إياد علاوي كأول رئيس وزراء مؤقت للدولة منذ سقوط النظام السابق، ثم تلا ذلك الإعلان عن اختيار غازي عجيل الياور رئيساً مؤقتاً للدولة. وتسارعت التطورات السياسية، فخلال منتصف أغسطس عقد المؤتمر الوطني العراقي لفترة ثلاثة أيام متواصلة، قام المشاركون خلالها باختيار مائة شخص يشكلون أعضاء المجلس الوطني (البرلمان) المؤقت.
وكان شهر مايو قد شهد بداية الضغوط ضد السياسي العراقي أحمد الجلبي، المعروف عنه ارتباطه بوزارة الدفاع الأمريكية، حيث اتهم أولاً بتسريب معلومات حساسة إلى أجهزة المخابرات الإيرانية، وتمت لاحقاً مداهمة مسكنه ومقر حزبه في بغداد، وتطور الأمر خلال أوائل شهر أغسطس، إذ قامت السلطات العراقية بإصدار أمر اعتقال بحق الجلبي بتهمة تزوير عملات ووثائق، وهو القرار الذي تم تجميده لأسباب غير معلنة.
وتميز العام كذلك بدخول المرجعية الشيعية في النجف كلاعب أساسي وعلني في ساحة الحياة السياسية للدولة، وتجسد هذا الدور بفتاوى وتصريحات متعددة نُسبت إلى المرجع الأعلى آية الله السيستاني وغيره من القيادات الدينية الشيعية، وكان هدفها التأثير في التطورات السياسية في الدولة وتوحيد “البيت الشيعي”، وتوجت هذه الجهود بقرار السيستاني التدخل علناً لدعم مطالب إجراء الانتخابات في وقتها المحدد، وكذلك في إعداد قائمة موحدة تحوي أسماء المرشحين للانتخابات التشريعية ممن حصلوا على دعم المرجعية الدينية، على الرغم من أن مكتب السيستاني أنكر لاحقاً القيام بإعداد القائمة الانتخابية.
• إعادة النظر في سياسة اجتثاث البعث
خلال شهر أبريل 2004، صدر قرار من الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر ـ مدعوماً من قبل عدد من السياسيين العراقيين وعدد من أعضاء الحكومة المؤقتة ـ مفاده التخلي عن قرار سياسة “اجتثاث البعث”، مما فتح الطريق، نظرياً على الأقل، أمام عودة الآلاف من موظفي الدولة إلى وظائفهم، وقلل من حالة التشنج والعداء التي عمت المجتمع منذ سقوط النظام السابق.
وشهد شهر مارس من العام نفسه بداية انفراط عقد القوات متعددة الجنسيات العاملة في العراق تحت المظلة الأمريكية، فقد أعلنت كل من حكومات إسبانيا والدومينيكان والهندوراس والفلبين عن قرارات بسحب القوات التابعة لها في العراق، وتم تنفيذ هذه القرارات لاحقاً، إلى جانب إعلان عدد آخر من الدول نيتها سحب قواتها من العراق خلال عام 2005.
• محاكمة أقطاب النظام السابق
كان يوم الثاني من يوليو 2004 يوماً تاريخياً حين مثل الرئيس المخلوع صدام حسين لأول مرة أمام هيئة قضائية عراقية ليواجه عدداً من التهم السياسية والجنائية بعد قيام سلطات الاحتلال بتسليمه رسمياً إلى الحكومة العراقية المؤقتة، مع استمراره تحت حراستها من الناحية الأمنية.
وجاء إعلان رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي في منتصف ديسمبر عن نية الحكومة المؤقتة إجراء أولى جلسات المحاكمة لعدد من مسؤولي النظام السابق قبل نهاية العام ليدل على عزم السلطات العراقية تأخير محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلى حين إجراء المحاكمات لمساعديه أولاً, وذلك على أمل إمكانية الحصول على أدلة وشهادات قانونية منهم تساعد على إدانة الرئيس المخلوع عند مواصلة محاكمته. وخلال شهر ديسمبر، جرت جلسات تحقيق مَـثُل خلالها عدد من المعتقلين من رموز النظام السابق أمام القضاء.
كما شهد عام 2004 استمرار الجهود من أجل اعتقال أقطاب النظام السابق، فمن قائمة المطلوبين الخمسة والخمسين التي أُعلنت بعد سقوط النظام لم يبقَ طليقاً منهم حتى منتصف العام غير ثمانية مطلوبين فقط، أبرزهم سبعاوي إبراهيم الأخ غير الشقيق لصدام حسين الذي تم اعتقاله بداية العام الحالي.
• الجرائم الموجهة لتعميق الصراع الطائفي
تميزت أحداث العنف لهذا العام بتكثيف ملحوظ للعمليات التي تهدف إلى إشعال صراع طائفي وديني في البلاد مثل عمليات الهجوم على المواقع الدينية، وتنفيذ عمليات في مناسبات الاحتفالات الدينية، وتفجير المساجد السنية والحسينيات الشيعية والكنائس المسيحية، فضلاً عن عمليات اغتيال رجال الدين من جميع الطوائف، وبخاصة ممن اتخذوا مواقف علنية تدعو إلى إيقاف المقاومة أو تدعو علناً إلى دعم مصلحة الطائفة التي ينتمون إليها. وكان شهر مارس قد شهد مقتل مائة وثمانين مواطناً خلال احتفال أبناء الطائفة الشيعية بيوم عاشوراء كنتيجة لسلسلة من العمليات الانتحارية المتلازمة زمنياً التي استهدفت المواقع الدينية في مدينتي كربلاء وبغداد. وخلال شهر أغسطس، بدأت حملة لتنفيذ عدد من عمليات التفجيرات بالسيارات المفخخة ضد الكنائس ودور العبادة المسيحية في بغداد والموصل ذهب ضحيتها عدد من المواطنين. وجاءت عملية تفجير سيارتين مفخختين في مدينتي كربلاء والنجف، ثم محاولة اغتيال عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ـ قُتل خلالها 13 شخصاً وأُصيب نحو 66 آخرين ـ في أواخر ديسمبر كإشارتين واضحتين على تصميم بعض الفئات على الاستمرار في خطة تأجيج الصراع الطائفي وزرع بذور الحرب الأهلية.
• الانقسامات السياسية بشأن الانتخابات
مع استمرار حالة التدهور في الأوضاع الأمنية في العراق، شهدت البلاد انقساماً حاداً بشأن الاستحقاق الانتخابي (المقرر عقده في نهاية يناير 2005)، فهناك أطراف أصرت على إجراء الانتخابات تحت أي ظروف، وفي مقدمتها الحكومة العراقية المؤقتة والإدارة الأمريكية، كما برز تأييد إجراء الانتخابات بشكل واضح في صفوف كل من الأكراد والشيعة، حيث أعرب المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني عن دعمه الواضح لإجراء الانتخابات. وبالمقابل، دعت أطراف عديدة أخرى، وبخاصة من صفوف السنة إلى تأجيل الانتخابات حتى تتسنى تهيئة الظروف المناسبة لإجرائها. ولما لم يتحقق ذلك أعلنت بعض الأحزاب والتيارات والجمعيات ذات التوجهات الإسلامية والقومية مقاطعتها للانتخابات، كما قاطعتها بعض العشائر. وكان من أبرز المقاطعين هيئة علماء المسلمين، والحزب الإسلامي العراقي، فضلاً عن التيار الصدري.
وفي ضوء ما سبق، فقد تسارعت خطوات التحضير للانتخابات من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية، وانشغلت أحزاب وشخصيات عراقية عديدة بالترتيب لخوض الانتخابات سواء في ما يتعلق بتشكيل القوائم أو ممارسة الدعاية الانتخابية، وذلك وسط تصعيد كبير في الهجمات المسلحة، التي استهدف بعضها مقار انتخابية، وقد كان الهدف منها تعطيل الاستحقاق الانتخابي، خصوصاً أن جماعة الزرقاوي كانت قد تبنت هذا الهدف.
ثالثاً: على الصعيد الاقتصادي
• بعض التطورات الاقتصادية الرئيسية
تم مع بداية عام 2004 طرح العملة العراقية الجديدة المتمثلة في الدينار الجديد للتداول، وبالتالي تم إلغاء العملة العراقية التي كان معمولاً بها في ظل النظام السابق، مما كانت له آثار إيجابية بالنسبة للحالة الاقتصادية في الدولة واستقرار أسعار صرف الدينار العراقي.
وخلال عام 2004، أعلن البنك الدولي قراراً بالاعتراف بشرعية الحكومة العراقية المؤقتة، مما جعل العراق مؤهلاً للحصول على القروض الدولية. وعلى الرغم من جميع محاولات إعادة تفعيل النشاط الاقتصادي في الدولة فإن المشكلات الأساسية لا تزال قائمة، إذ إن نسبة البطالة تقارب خمسين في المائة من مجموع القوة العاملة، إلى جانب استمرار المشكلات المزمنة التي تعاني منها قطاعات الخدمات والمرافق الأساسية، وبخاصة في ما يتعلق بالكهرباء والوقود، فضلاً عن تدهور الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من العوامل والمتطلبات التي تؤثر سلباً في استقرار الدولة ورفاهية المواطن وتنتقص وبشكل خطير من شرعية الحكومة المؤقتة وتشكك في نيات سلطات الاحتلال، وبرزت تهم الفساد السياسي والمالي الموجهة لعدد من المسؤولين العراقيين من العاملين مع سلطات الاحتلال، كما وُجهت تهم مماثلة لعدد من الشركات الأمريكية الكبرى المنخرطة في عملية إعادة الإعمار الاقتصادي في العراق. ولإعطاء فكرة بسيطة عن كلفة الحرب والاحتلال، يجب الإشارة إلى حقيقة أن الكونغرس الأمريكي قام حتى الآن بتخصيص مبلغ مائة وثلاثة وخمسين ملياراً من الدولارات، وذلك لتغطية كلفة الحرب الأمريكية في العراق.
كما تواصلت خلال العام بعض المساعي الدولية والعراقية بهدف إلغاء الديون الدولية الكبيرة المستحقة على العراق، والتعامل مع الالتزامات المالية الأخرى المترتبة على الدولة كإرث كبير من تركة النظام السابق، من دون تحقيق نجاحات كبيرة لهدف تحقيق الإلغاء الكامل والفوري وغير المشروط للديون، وهو ما سعى إليه الجانبان العراقي والأمريكي معاً. ويُقدر مجموع الديون المستحقة على العراق بما يقارب مائة وسبعة عشر مليار دولار. فخلال اجتماع أعضاء “نادي باريس” الذي عُقد في نوفمبر 2004، توصل المجتمعون إلى اتفاق على إلغاء 80% من الديون المترتبة على الدولة العراقية، ولكن بشكل تدريجي ومشروط. فنسبة 30% من الديون سيتم إلغاؤها فوراً، ونسبة 30% سيتم إلغاؤها بعد أن يقوم البنك الدولي بالموافقة على خطة الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة في عام 2005، ونسبة 20% ستُلغى بعد قيام العراق بتطبيق خطة الإصلاح التي اعتمدها البنك الدولي في حدود عام 2008، وما تبقى من الديون سيقوم العراق بدفعه لدول “نادي باريس” على شكل أقساط خلال فترة تقارب ثلاثة وعشرين عاماً. وخلال شهر ديسمبر، أعلنت الإدارة الأمريكية إلغاء كامل الديون المستحقة لواشنطن على العراق، والتي تتجاوز أربعة مليارات دولار. وتعد هذه السابقة الأولى من نوعها، حيث تقوم دولة من الدول الدائنة بالإعلان عن الإلغاء الكامل للديون المستحقة لها على العراق.
• الهجوم على المنشآت النفطية
شهد عام 2004 تصعيداً واضحاً في العمليات الموجهة لتخريب أو تعطيل المنشآت النفطية العراقية، فخلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، خضعت منشآت النفط العراقي لمعدل أربع هجمات شهرياً، وبدأت وتيرة العمليات تتصاعد اعتباراً من مايو ليصل عددها إلى أكثر من إحدى وعشرين عملية خلال شهر أغسطس. وكان من ضمنها ثلاث محاولات في شكل هجمات انتحارية تمت باستعمال مراكب بحرية صغيرة كان هدفها تدمير المنصات البحرية العائمة الخاصة بتصدير النفط العراقي عبر منافذ البلاد على مياه الخليج العربي. وعموماً، فقد تعرضت أنابيب نقل وتصدير النفط العراقي في شمال البلاد وجنوبها لعمليات تخريب وتدمير متكررة، مما أدى إلى إيقاف تصدير النفط العراقي إلى الأسواق العالمية لفترات متقطعة خلال أشهر العام 2004.
وقدرت مصادر وزارة النفط العراقية مجمل خسائر قطاع النفط نتيجة للأعمال التخريبية بما يعادل ثمانية مليارات دولار أمريكي. وقد وصل أعلى عائد شهري من موارد النفط إلى 1.94 مليار دولار خلال شهر أكتوبر، ولكن العائد خلال الأشهر الأخرى لم يتجاوز مليار دولار في الشهر الواحد.
وفي يوليو 2004، أصدرت إحدى المؤسسات الاستخبارية الأمريكية، وهي المجلس الوطني للمخابرات (NIC) تقديرات سلبية ومتشائمة لسير وتطورات الوضع الأمني في العراق، وكانت التقديرات التي قدمها هذا التقرير تتعارض بشكل جذري مع التقديرات الإيجابية التي تقدمها الإدارة الأمريكية حول الوضع العراقي وسير عملية البناء السياسي والأمني. فقد أكد التقرير أنه وفي أحسن الأحوال فإن الوضع في العراق خلال فترة الشهور الثمانية عشر المقبلة (أي حتى بداية عام 2006) لن يتجاوز صفة الاستقرار المهزوز والقابل للانهيار، وأن الوضع قد يتطور إلى سيناريو آخر، وهو اندلاع حرب أهلية في حالة استمرار الانهيار في الوضع الأمني.
وفي الختام نقول لقد تمثلت التطورات الرئيسية على الصعيد العراقي خلال عام 2004 في ما يلي: استمرار التدهور في الأوضاع الأمنية نتيجة تزايد العمليات والعمليات المضادة، وبخاصة خلال الأشهر الأخيرة من عام 2004 مع قرب موعد الانتخابات. ومما ساعد على ذلك كثرة الأسلحة والمتفجرات المتاحة للقوى التي تمارس المقاومة والإرهاب في العراق، وضعف قدرة أجهزة الأمن العراقية على المساهمة بفاعلية في ضبط الأمن بسبب قلة العدد وضعف عمليات التأهيل والتدريب، وزيادة استهداف مراكز التجنيد والتدريب، مما أدى إلى وقوع أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف المجندين، كما أن الانقسامات والتجاذبات السياسية والأمنية بشأن الاستحقاق الانتخابي شكلت ملمحاً بارزاً للتطورات في العراق خلال العام، وبخاصة في ظل غياب الاتفاق العام بين القوى العراقية الرئيسية بشأن هذه الانتخابات. وبالإضافة إلى ذلك، لم يشهد العام أي تطور إيجابي ملحوظ على صعيد عملية إعادة الإعمار، وبخاصة في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية وغياب الشفافية والوضوح في خطط إعادة الإعمار، وضعف مشاركة العراقيين فيها، وهو الأمر الذي أسهم في استمرار تردي الأوضاع الصحية والاجتماعية والمعيشية لقطاعات عريضة من العراقيين.
وعلى الرغم من الأهمية التي يمثلها الاستحقاق الانتخابي، فإن مؤشرات عديدة ترجح أن إجراء الانتخابات لا يعني بالضرورة عودة الاستقرار ووضع حد لحالة الانفلات الأمني في العراق، حيث إن قوى المقاومة المسلحة، والجماعات التي تمارس الإرهاب لها أجندات مختلفة عن أجندات القوى والأحزاب التي شاركت في الانتخابات، كما أن مقاطعة قوى رئيسية للانتخابات سوف تطرح مشكلة جوهرية تتعلق بشرعية ما يترتب على هذه الانتخابات من نتائج. وبالتالي، سيكون أحد التحديات الرئيسية في مرحلة ما بعد الانتخابات هو كيفية تجاوز الخلافات والانقسامات بشأنها، وإيجاد صيغة توافق وطني وآليات مناسبة تسمح للمقاطعين بالمشاركة في صياغة الدستور، لأن الشروع بهذه الخطوة من دون مشاركة جميع القوى والتكوينات العراقية الرئيسية سوف ينتقص من شرعية الدستور. وبالتالي، لا يمكن الاستناد إليه كمرجعية لصياغة مستقبل النظام السياسي والدولة في العراق. ويتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه جميع العراقيين بمختلف انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية والعشائرية هو كيفية تجنب أي أوضاع قد تفضي إلى حرب أهلية، يمكن أن تؤدي في حال حدوثها إلى تفكك الدولة العراقية ذاتها، كما أن قضية مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق ستظل من أبرز قضايا الجدل السياسي على الساحة العراقية خلال المستقبل المنظور.
::/fulltext::
::cck::2377::/cck::
