مطالب الحوار والمصالحة الوطنية
::cck::2420::/cck::
::introtext::
لم يكن العراق بحاجة إلى الحوار والمصالحة الوطنية في تاريخه المعاصر، مثلما هو بحاجة إليه اليوم، إذ وبعد مرور عامين من الاحتلال مازالا يشكلان مطلباً رئيسياً في أجندة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومطلباً ملحاً، بسبب ما آل إليه الاحتلال من نتائج وخيمة الأثر أهمها : تمزيق البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي وإثارة مكوناته الطبيعية عن قصدٍ وتعمد بشتى السبل حتى صار الحديث عن تركيبة المجتمع العراقي فيه شيء من الاستهجان أو كانت تركيبته التي عرفها منذ آلاف السنين، طارئة عليه أو تكونت بفعل فاعل، مختزلة في الوقت نفسه تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر في سنين ويراد من خلالها التأسيس لواقع جديد لم يعرفه المجتمع العراقي.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن العراق بحاجة إلى الحوار والمصالحة الوطنية في تاريخه المعاصر، مثلما هو بحاجة إليه اليوم، إذ وبعد مرور عامين من الاحتلال مازالا يشكلان مطلباً رئيسياً في أجندة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومطلباً ملحاً، بسبب ما آل إليه الاحتلال من نتائج وخيمة الأثر أهمها : تمزيق البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي وإثارة مكوناته الطبيعية عن قصدٍ وتعمد بشتى السبل حتى صار الحديث عن تركيبة المجتمع العراقي فيه شيء من الاستهجان أو كانت تركيبته التي عرفها منذ آلاف السنين، طارئة عليه أو تكونت بفعل فاعل، مختزلة في الوقت نفسه تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر في سنين ويراد من خلالها التأسيس لواقع جديد لم يعرفه المجتمع العراقي.
الحوار والمصالحة الوطنية في عامين
بسبب النتائج السلبية التي عاشها أبناؤه خلال العامين الماضيين جراء الاحتلال الأمريكي صار الحوار هدفاً يتطلع إليه العراقيون للحد من الآثار السلبية، وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي أريد لها أن تكون سمة المجتمع العراقي. نعم، نجحت الولايات المتحدة الأمريكية خلال العامين المنصرمين في أن تجعل كل سبل الحوار مقطوعة، ولغمت كل الطرق المفضية إليه، حتى صار الحديث عن الحوار بمثابة الحديث عن شيء صعب المنال بدءاً من الحوار بين القوى السياسية الفاعلة مروراً بالعلاقة فيما بينها وصولاً إلى علاقة تلك القوى بالمجتمع (الحوار الوطني).
الحوار ومستوياته في الواقع العراقي
لا يختلف اثنان على أن الحوار وسيلة مهمة كي نفهم بعضنا بعضاً، إذ به تتكرس قيم التواصل والتفاهم وبالتالي فان توسيع دائرته وشموليته وعدم حصر إجرائه بمسميات مثل: الحوار السياسي فقط أو ما شابه ذلك من مصطلحات تنظيرية (القصد منها تضييق الخناق على الحوار والحد من أفقه وشموليته على جميع أبناء الوطن لتبقيه في مساحات معينة)، لاسيما أن مثل هذا في ضوء التجربة يَمدُ واقع الوحدة الوطنية بالمزيد من الحيوية والفاعلية، لأن الحوار المفتوح على كل القضايا والأمور والذي يدار بشفافية ونزاهة كفيل بإجلاء حقائق الوحدة الوطنية وتقويتها. فالتحديات التي تواجه أي مجتمع تلزم بتعميق خيار “الحوار” طريقاً وحيداً، لتمتين الداخل، وتجاوز المخاطر التي تواجهه في مختلف المجالات. لذا فإن أي مبادرة وطنية للحوار والتواصل، يجب أن تكون موضع تقدير واحترام كل من يهمه مصلحة الوطن.
لقد تميز المشهد العراقي خلال العامين الماضيين بوجود ثلاثة مستويات للحوار مختلفة في درجة الإقبال عليها من القوى السياسية الفاعلة في تحقيقها أو حتى الشروع بها، بالرغم من الدرجة القصوى من التدهور التي بلغها الوضع في العراق في السنة الثانية للاحتلال وهي:
المستوى الأول: يتمثل في الحوار بين القوة السياسية نفسها.
المستوى الثاني: يتمثل في الحوار بين القوى السياسية.
المستوى الثالث: الحوار بين القوى السياسية والمجتمع أو ما يمكن تسميته بـ (الحوار الوطني).
وتباينت درجة وصول كل مستوى من المستويات آنفة الذكر إلى درجة الحوار الجدي الفاعل، وإذا استثنينا المستوى الأول الذي يمكن أن يكون قد تحقق لأسباب تعود في معظمها إلى طبيعة القوة السياسية سواء أكانت حزباً أم تجمعاً.. في سعيها إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، وهذا هدف يتطلع إليه أي حزب سياسي، لذلك فالحوار لازم ولكن في مستواه الضيق. لكن السؤال هو فيما لو لم يقدر لها أن تصل إلى السلطة أو المشاركة فيها؟ عند ذاك لا يمكن تصور إمكانية استمرار الحوار.
أما بالنسبة للمستويين الثاني والثالث فإنهما وعلى مدار عامين لم يتبلورا بعد ولم يصلا إلى مرحلة التحقق، وأسباب ذلك كثيرة، وإذا استثنينا الوجود الأمريكي ودوره في عرقلة الحوار، فإن من الأسباب الرئيسية هو أن بعض الأحزاب أو القوى السياسية أو الشخصيات السياسية تعمل على تغليب المصلحة الفردية لهذه الجماعة أو تلك على حساب مصلحة الوطن، فضلاً عن ذلك الملاحظ هو غياب الأرضية أو الحد الأدنى من الاتفاق فيما بين القوى السياسية في النظر أو التعامل مع الاحتلال الأمريكي بين مؤيد ومعارض، بالإضافة إلى أن بعض القوى السياسية محملة بقناعات تعد من قبلها بمثابة ثوابت قبل الدخول في أي حوار وهو يتناقض أصلاً مع فكرة الحوار التي تقتضي حداً من المسلمات التي تؤمن بها الأطراف المتحاورة لكي يصار إلى العودة إليها لتحديد المقبول أو المرفوض من تفاصيل الحوار سعياً إلى مفاهيم مشتركة تقرب وجهات النظر والمواقف.
فإذا كنا سنحاور فهذا يستلزم مسلمات مشتركة، وهذا مطلب على قدر من الصعوبة، ليس بسبب التباين الحاد في الفهم والمواقف التي تفصح عنها الورقة، بل بسبب الافتراق الكبير بين المرجعيات العقائدية المنتجة للمفاهيم والمواقف للأسباب المذكورة أعلاه أن الحوار خلال عامين من الاحتلال كان متعثراً، ولم يصل بعد إلى مستوى التحديات التي تعرض لها العراق، ومن أجل أن يكون الحوار ضرورياً وفعالاً، يجب التزام أسلوب الاحترام والوضوح والصراحة فهذه شروط أساسية لإنجاحه، فالحوار لا يمكن بناؤه بحد ذاته إلا على أساس كهذا، ويجب على المشاركين فيه أن يكونوا مستعدين لتقبل النقد والتصويب برباطة جأش. فضلاً عن ضرورة إدراك أن الحوار ضرورة ملحة من ضرورات الحفاظ على وحدة المجتمع وحيويته وهي وحدة ينبغي أن تؤسس على التفاعل والانسجام والتواصل في أجواء من الشفافية والصدق. لان ذلك وحده كفيل بترصين فرص الاندماج وإبعاد شبح الانقسامية.
ماذا ترتب على تعثر عملية الحوار؟
إن التطورات التي شهدها العراق منذ سنتين بآثارها السلبية ولا سيما استعمال لغة العنف بديلاً عن الحوار، والاغتيالات السياسية، تتطلب اليوم قبل أي وقت مضى الحاجة إلى إقامة حوار بين القوى السياسية والشخصيات السياسية. ولم تكن تلك المحاولات غير موجودة في العراق، إذا سلمنا بأن القوى السياسية لا ترفض المصالحة الوطنية في حدّ ذاتها، ولكنهم يرفضونها لأنها تقتضي منهم أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بمختلف مكونات المجتمع العراقي والتسليم باحترام قواعد العمل الديمقراطي التي ينبغي التوافق عليها، والتسليم بعد ذلك بما ينتج عن تلك القواعد في إطار احترام وحدة البلاد واستقرارها واستقلالها، ولكن اكتنف هذه المحاولات غياب أحزاب رئيسية عنها في وقت تتطلب فيه المصالحة الوطنية الاعتراف المتبادل بكافة الأطراف الرئيسية في المجتمع العراقي ومراعاة الحد الأدنى من مطالبها ومصالحها، والتفاعل الإيجابي بينها، وإرساء قواعد وضوابط مشتركة متفق عليها تستند إليها وتحتكم إليها.
لذلك يمكن أن نقول إن الكثير من السلوك السياسي الذي اتبع في العراق في محاولات إجراء الحوار أدى بدلاً من الحوار إلى تصعيد متبادل، وأنصاف حلول، وقرارات ارتجالية إلى حد ما. وهذه كلها أساليب تُبعد عن الحوار، وتتنافى مع المصالح العليا للشعب العراقي الذي تكبد أفدح الخسائر.
من المسؤول عن تعثر الحوار
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية الركن الأهم والأكثر مسؤولية في عرقلة الحوار أو المساعي تجاهه بمستوياته الثلاثة السابق ذكرها، وإذا كانت هذه المسألة مفهومة ولا تحتاج إلى أدلة، انطلاقاً من أن الولايات المتحدة مهتمة أصلاً بتحقيق أهداف مرحلية وأخرى استراتيجية، وتلعب على وتر التنوع الموجود في المجتمع العراقي، فضلاً عن مسعاها الرامي إلى عرقلة أي حوار يتعارض مع أهدافها المرحلية والاستراتيجية، غير آبهة بمطالب الشعب العراقي وحاجاته الأساسية.
يمثل الإقليم معوقاً آخر للحوار بسبب التدخلات، والإسهام بشكل مباشر أو غير مباشر في عرقلة مساعي الحوار. نعم عقدت مؤتمرات مثل: مؤتمر الرياض الذي انفضّ بإثارة الكثير من نقاط الخلاف، لا سيما حول وضع الأكراد العراقيين. ومؤتمر الكويت الذي انعقد في فبراير 2004، وانتهى بيانه الختامي بخلوه من أية إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأمن الحدود. لذلك فالإقليم لم يأتِ بشيء يُعبر عن شعور بالإسهام في حل مشكلة العراق، بل على العكس من ذلك ساهم مساهمة فاعلة في تأزيم الأوضاع وعرقلة الحوار.
أما الداخل، فله النصيب الأكبر في الإسهام في عرقلة مساعي الحوار، إذ صار مليئاً بالعوامل الضاغطة باتجاه عدم تفعيل الحوار، بل على العكس نلاحظ فيه:
1- غلبة لغة المصالح على لغة الوطن.
2- غلبة لغة السلاح على لغة الحوار.
3- غلبة القناعات المسبقة على المرونة والمفاهيم المشتركة المتعلقة بالوطن.
أي حوار نريد؟
لا يمكن تحقيق مطالب الحوار وتحقيق المصالحة الوطنية، إن لم يتم السعي باتجاه إجراء أكثر من حوار وبطريقة متسلسلة، حتى نصل إلى النتيجة المتوخاة من وراء الحوار وأول تلك الحوارات هو إذا أردنا أو لم نرد، إذا أملنا أو لم نأمل، إذا اعتقدنا أنه محتمل أو غير محتمل، هو الحوار بين القوى السياسية وقوات الاحتلال الأمريكي لوضع أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها، حوار ليس من أجل الحقائب الوزارية أو المناصب الحكومية الرئيسية وإنما حول مستقبل العراق. لكن مثل هذا الحوار لم يجد له صدى في معظم القوى السياسية الفاعلة في العراق حتى الآن.
الحوار الثاني وهو الأهم وممكن التحقق بعد الاتفاق على مجموعة من المسلمات منها: أن يترفع المسؤولون العراقيون كافة، سواء أكانوا في مناصب الحكم أم في المعارضة عن كل قصور ونظرة ضيقة، وأن يضحوا بمصالحهم الشخصية ومصالح أحزابهم وعصبياتهم لكي يعملوا على إيجاد مخرج للعراق من الأزمة السياسية الوطنية الراهنة، ويستلفت انتباههم إلى أن الأولوية اليوم ليست في معرفة من يحكم العراق في المرحلة الانتقالية، وإنما هي كيفية إعادة الثقة بين الحكام والشعب وتخفيف تكاليف المرحلة الانتقالية الغامضة، والعمل بغير أنانية ليرجعوا في أقرب الآجال إلى الاستقلال والتحرير. فضلاً عن ذلك لا بد من التركيز على أنه في صميم الوحدة الموضوعية للشعب العراقي ذخيرة لا تنفذ هي الإسلام عقيدة وحضارة إذا امتزجت بالوطنية الطموحة والشغوفة بالحرية وهي طاقة لا حدود لها وقادرة تحت أقسى الظروف على التعبئة ومناهضة الظلم الاجتماعي والعدوان الخارجي، ومستميتة في الدفاع عن الهوية الوطنية.
لذلك نرى أن التمسك بما ذكر أعلاه يؤدي إلى أرضية “لحوار” مثمر وجدي وقادر في الوقت نفسه على إنجاح الحوار الأول والفكاك من أسر الاحتلال. لاسيما أن الحوار الناجح يؤدي إلى أن يكون مدخلاً لموضوعين مهمين مرتبطين بتمتين أواصر المجتمع العراقي، والتخفيف من وطأة الاحتلال والشروع بإعادة بناء الدولة والمؤسسات وهما:
1- الدمج السياسي بمعنى حالة التماسك القائمة في مجتمع سياسي (مثل دولة أو إقليم أو اتحاد فيدرالي) كما تظهر ذلك درجة عالية من التفاعل السياسي المتبادل بين أعضاء ذلك المجتمع، أفرادا أو جماعات، وهو تفاعل مستند إلى القبول وليس القسر.
2- الحوار الناجح يعزز الوحدة الوطنية والوحدة الوطنية – في أوسع معانيها – تعني قيام رابطة قوية بين مواطني دولة معينة، تقوم على عناصر واضحة، يحس بها الجميع، ويؤمنون بها، ويستعدون للتضحية في الدفاع عنها.
بالختام أقول لقد أثرت هذين الموضوعين باعتبار أنهما أساس في تقوية أواصر المجتمع، في وقت شهدنا فيه خلال العامين الماضيين دفعاً باتجاه استهدافهما من قوى سياسية فاعلة في الساحة العراقية من خلال عرقلة الحوار الذي لا يمكن أن يكون أو أن يصبح ناجحاً ما لم تكن أرضيته العراق كله.
وبناء عليه، لا العامل الدولي يخدم الحوار ولا الإقليم يخدمه، وصار الحوار واجباً أن ينطلق من الداخل العراقي نفسه، نعم قد تكون هناك ما تفرضه الظروف الصعبة والقاسية والملحة على التشكيلات الحزبية والتيارات المؤتلفة للخروج بصيغ يرونها الأكثر تناسباً مع أطياف الشعب العراقي، ولكن أيضاً إن في الحوار المنبثق من الداخل مصلحة لكل الأطراف، ومحصلة تلك الفائدة تنعكس بالضرورة على المجتمع العراقي. لذلك يقع على عاتق القوى السياسية الفاعلة في العراق مسؤولية إجراء الحوار من أجل مصلحة العراق لا أن يكون بفرض من الخارج، لأن مخرجات ذلك ستكون بالضرورة في غير صالح العراق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2420::/cck::
::introtext::
لم يكن العراق بحاجة إلى الحوار والمصالحة الوطنية في تاريخه المعاصر، مثلما هو بحاجة إليه اليوم، إذ وبعد مرور عامين من الاحتلال مازالا يشكلان مطلباً رئيسياً في أجندة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومطلباً ملحاً، بسبب ما آل إليه الاحتلال من نتائج وخيمة الأثر أهمها : تمزيق البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي وإثارة مكوناته الطبيعية عن قصدٍ وتعمد بشتى السبل حتى صار الحديث عن تركيبة المجتمع العراقي فيه شيء من الاستهجان أو كانت تركيبته التي عرفها منذ آلاف السنين، طارئة عليه أو تكونت بفعل فاعل، مختزلة في الوقت نفسه تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر في سنين ويراد من خلالها التأسيس لواقع جديد لم يعرفه المجتمع العراقي.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن العراق بحاجة إلى الحوار والمصالحة الوطنية في تاريخه المعاصر، مثلما هو بحاجة إليه اليوم، إذ وبعد مرور عامين من الاحتلال مازالا يشكلان مطلباً رئيسياً في أجندة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومطلباً ملحاً، بسبب ما آل إليه الاحتلال من نتائج وخيمة الأثر أهمها : تمزيق البنية الاجتماعية للمجتمع العراقي وإثارة مكوناته الطبيعية عن قصدٍ وتعمد بشتى السبل حتى صار الحديث عن تركيبة المجتمع العراقي فيه شيء من الاستهجان أو كانت تركيبته التي عرفها منذ آلاف السنين، طارئة عليه أو تكونت بفعل فاعل، مختزلة في الوقت نفسه تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر في سنين ويراد من خلالها التأسيس لواقع جديد لم يعرفه المجتمع العراقي.
الحوار والمصالحة الوطنية في عامين
بسبب النتائج السلبية التي عاشها أبناؤه خلال العامين الماضيين جراء الاحتلال الأمريكي صار الحوار هدفاً يتطلع إليه العراقيون للحد من الآثار السلبية، وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي أريد لها أن تكون سمة المجتمع العراقي. نعم، نجحت الولايات المتحدة الأمريكية خلال العامين المنصرمين في أن تجعل كل سبل الحوار مقطوعة، ولغمت كل الطرق المفضية إليه، حتى صار الحديث عن الحوار بمثابة الحديث عن شيء صعب المنال بدءاً من الحوار بين القوى السياسية الفاعلة مروراً بالعلاقة فيما بينها وصولاً إلى علاقة تلك القوى بالمجتمع (الحوار الوطني).
الحوار ومستوياته في الواقع العراقي
لا يختلف اثنان على أن الحوار وسيلة مهمة كي نفهم بعضنا بعضاً، إذ به تتكرس قيم التواصل والتفاهم وبالتالي فان توسيع دائرته وشموليته وعدم حصر إجرائه بمسميات مثل: الحوار السياسي فقط أو ما شابه ذلك من مصطلحات تنظيرية (القصد منها تضييق الخناق على الحوار والحد من أفقه وشموليته على جميع أبناء الوطن لتبقيه في مساحات معينة)، لاسيما أن مثل هذا في ضوء التجربة يَمدُ واقع الوحدة الوطنية بالمزيد من الحيوية والفاعلية، لأن الحوار المفتوح على كل القضايا والأمور والذي يدار بشفافية ونزاهة كفيل بإجلاء حقائق الوحدة الوطنية وتقويتها. فالتحديات التي تواجه أي مجتمع تلزم بتعميق خيار “الحوار” طريقاً وحيداً، لتمتين الداخل، وتجاوز المخاطر التي تواجهه في مختلف المجالات. لذا فإن أي مبادرة وطنية للحوار والتواصل، يجب أن تكون موضع تقدير واحترام كل من يهمه مصلحة الوطن.
لقد تميز المشهد العراقي خلال العامين الماضيين بوجود ثلاثة مستويات للحوار مختلفة في درجة الإقبال عليها من القوى السياسية الفاعلة في تحقيقها أو حتى الشروع بها، بالرغم من الدرجة القصوى من التدهور التي بلغها الوضع في العراق في السنة الثانية للاحتلال وهي:
المستوى الأول: يتمثل في الحوار بين القوة السياسية نفسها.
المستوى الثاني: يتمثل في الحوار بين القوى السياسية.
المستوى الثالث: الحوار بين القوى السياسية والمجتمع أو ما يمكن تسميته بـ (الحوار الوطني).
وتباينت درجة وصول كل مستوى من المستويات آنفة الذكر إلى درجة الحوار الجدي الفاعل، وإذا استثنينا المستوى الأول الذي يمكن أن يكون قد تحقق لأسباب تعود في معظمها إلى طبيعة القوة السياسية سواء أكانت حزباً أم تجمعاً.. في سعيها إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، وهذا هدف يتطلع إليه أي حزب سياسي، لذلك فالحوار لازم ولكن في مستواه الضيق. لكن السؤال هو فيما لو لم يقدر لها أن تصل إلى السلطة أو المشاركة فيها؟ عند ذاك لا يمكن تصور إمكانية استمرار الحوار.
أما بالنسبة للمستويين الثاني والثالث فإنهما وعلى مدار عامين لم يتبلورا بعد ولم يصلا إلى مرحلة التحقق، وأسباب ذلك كثيرة، وإذا استثنينا الوجود الأمريكي ودوره في عرقلة الحوار، فإن من الأسباب الرئيسية هو أن بعض الأحزاب أو القوى السياسية أو الشخصيات السياسية تعمل على تغليب المصلحة الفردية لهذه الجماعة أو تلك على حساب مصلحة الوطن، فضلاً عن ذلك الملاحظ هو غياب الأرضية أو الحد الأدنى من الاتفاق فيما بين القوى السياسية في النظر أو التعامل مع الاحتلال الأمريكي بين مؤيد ومعارض، بالإضافة إلى أن بعض القوى السياسية محملة بقناعات تعد من قبلها بمثابة ثوابت قبل الدخول في أي حوار وهو يتناقض أصلاً مع فكرة الحوار التي تقتضي حداً من المسلمات التي تؤمن بها الأطراف المتحاورة لكي يصار إلى العودة إليها لتحديد المقبول أو المرفوض من تفاصيل الحوار سعياً إلى مفاهيم مشتركة تقرب وجهات النظر والمواقف.
فإذا كنا سنحاور فهذا يستلزم مسلمات مشتركة، وهذا مطلب على قدر من الصعوبة، ليس بسبب التباين الحاد في الفهم والمواقف التي تفصح عنها الورقة، بل بسبب الافتراق الكبير بين المرجعيات العقائدية المنتجة للمفاهيم والمواقف للأسباب المذكورة أعلاه أن الحوار خلال عامين من الاحتلال كان متعثراً، ولم يصل بعد إلى مستوى التحديات التي تعرض لها العراق، ومن أجل أن يكون الحوار ضرورياً وفعالاً، يجب التزام أسلوب الاحترام والوضوح والصراحة فهذه شروط أساسية لإنجاحه، فالحوار لا يمكن بناؤه بحد ذاته إلا على أساس كهذا، ويجب على المشاركين فيه أن يكونوا مستعدين لتقبل النقد والتصويب برباطة جأش. فضلاً عن ضرورة إدراك أن الحوار ضرورة ملحة من ضرورات الحفاظ على وحدة المجتمع وحيويته وهي وحدة ينبغي أن تؤسس على التفاعل والانسجام والتواصل في أجواء من الشفافية والصدق. لان ذلك وحده كفيل بترصين فرص الاندماج وإبعاد شبح الانقسامية.
ماذا ترتب على تعثر عملية الحوار؟
إن التطورات التي شهدها العراق منذ سنتين بآثارها السلبية ولا سيما استعمال لغة العنف بديلاً عن الحوار، والاغتيالات السياسية، تتطلب اليوم قبل أي وقت مضى الحاجة إلى إقامة حوار بين القوى السياسية والشخصيات السياسية. ولم تكن تلك المحاولات غير موجودة في العراق، إذا سلمنا بأن القوى السياسية لا ترفض المصالحة الوطنية في حدّ ذاتها، ولكنهم يرفضونها لأنها تقتضي منهم أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بمختلف مكونات المجتمع العراقي والتسليم باحترام قواعد العمل الديمقراطي التي ينبغي التوافق عليها، والتسليم بعد ذلك بما ينتج عن تلك القواعد في إطار احترام وحدة البلاد واستقرارها واستقلالها، ولكن اكتنف هذه المحاولات غياب أحزاب رئيسية عنها في وقت تتطلب فيه المصالحة الوطنية الاعتراف المتبادل بكافة الأطراف الرئيسية في المجتمع العراقي ومراعاة الحد الأدنى من مطالبها ومصالحها، والتفاعل الإيجابي بينها، وإرساء قواعد وضوابط مشتركة متفق عليها تستند إليها وتحتكم إليها.
لذلك يمكن أن نقول إن الكثير من السلوك السياسي الذي اتبع في العراق في محاولات إجراء الحوار أدى بدلاً من الحوار إلى تصعيد متبادل، وأنصاف حلول، وقرارات ارتجالية إلى حد ما. وهذه كلها أساليب تُبعد عن الحوار، وتتنافى مع المصالح العليا للشعب العراقي الذي تكبد أفدح الخسائر.
من المسؤول عن تعثر الحوار
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية الركن الأهم والأكثر مسؤولية في عرقلة الحوار أو المساعي تجاهه بمستوياته الثلاثة السابق ذكرها، وإذا كانت هذه المسألة مفهومة ولا تحتاج إلى أدلة، انطلاقاً من أن الولايات المتحدة مهتمة أصلاً بتحقيق أهداف مرحلية وأخرى استراتيجية، وتلعب على وتر التنوع الموجود في المجتمع العراقي، فضلاً عن مسعاها الرامي إلى عرقلة أي حوار يتعارض مع أهدافها المرحلية والاستراتيجية، غير آبهة بمطالب الشعب العراقي وحاجاته الأساسية.
يمثل الإقليم معوقاً آخر للحوار بسبب التدخلات، والإسهام بشكل مباشر أو غير مباشر في عرقلة مساعي الحوار. نعم عقدت مؤتمرات مثل: مؤتمر الرياض الذي انفضّ بإثارة الكثير من نقاط الخلاف، لا سيما حول وضع الأكراد العراقيين. ومؤتمر الكويت الذي انعقد في فبراير 2004، وانتهى بيانه الختامي بخلوه من أية إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأمن الحدود. لذلك فالإقليم لم يأتِ بشيء يُعبر عن شعور بالإسهام في حل مشكلة العراق، بل على العكس من ذلك ساهم مساهمة فاعلة في تأزيم الأوضاع وعرقلة الحوار.
أما الداخل، فله النصيب الأكبر في الإسهام في عرقلة مساعي الحوار، إذ صار مليئاً بالعوامل الضاغطة باتجاه عدم تفعيل الحوار، بل على العكس نلاحظ فيه:
1- غلبة لغة المصالح على لغة الوطن.
2- غلبة لغة السلاح على لغة الحوار.
3- غلبة القناعات المسبقة على المرونة والمفاهيم المشتركة المتعلقة بالوطن.
أي حوار نريد؟
لا يمكن تحقيق مطالب الحوار وتحقيق المصالحة الوطنية، إن لم يتم السعي باتجاه إجراء أكثر من حوار وبطريقة متسلسلة، حتى نصل إلى النتيجة المتوخاة من وراء الحوار وأول تلك الحوارات هو إذا أردنا أو لم نرد، إذا أملنا أو لم نأمل، إذا اعتقدنا أنه محتمل أو غير محتمل، هو الحوار بين القوى السياسية وقوات الاحتلال الأمريكي لوضع أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها، حوار ليس من أجل الحقائب الوزارية أو المناصب الحكومية الرئيسية وإنما حول مستقبل العراق. لكن مثل هذا الحوار لم يجد له صدى في معظم القوى السياسية الفاعلة في العراق حتى الآن.
الحوار الثاني وهو الأهم وممكن التحقق بعد الاتفاق على مجموعة من المسلمات منها: أن يترفع المسؤولون العراقيون كافة، سواء أكانوا في مناصب الحكم أم في المعارضة عن كل قصور ونظرة ضيقة، وأن يضحوا بمصالحهم الشخصية ومصالح أحزابهم وعصبياتهم لكي يعملوا على إيجاد مخرج للعراق من الأزمة السياسية الوطنية الراهنة، ويستلفت انتباههم إلى أن الأولوية اليوم ليست في معرفة من يحكم العراق في المرحلة الانتقالية، وإنما هي كيفية إعادة الثقة بين الحكام والشعب وتخفيف تكاليف المرحلة الانتقالية الغامضة، والعمل بغير أنانية ليرجعوا في أقرب الآجال إلى الاستقلال والتحرير. فضلاً عن ذلك لا بد من التركيز على أنه في صميم الوحدة الموضوعية للشعب العراقي ذخيرة لا تنفذ هي الإسلام عقيدة وحضارة إذا امتزجت بالوطنية الطموحة والشغوفة بالحرية وهي طاقة لا حدود لها وقادرة تحت أقسى الظروف على التعبئة ومناهضة الظلم الاجتماعي والعدوان الخارجي، ومستميتة في الدفاع عن الهوية الوطنية.
لذلك نرى أن التمسك بما ذكر أعلاه يؤدي إلى أرضية “لحوار” مثمر وجدي وقادر في الوقت نفسه على إنجاح الحوار الأول والفكاك من أسر الاحتلال. لاسيما أن الحوار الناجح يؤدي إلى أن يكون مدخلاً لموضوعين مهمين مرتبطين بتمتين أواصر المجتمع العراقي، والتخفيف من وطأة الاحتلال والشروع بإعادة بناء الدولة والمؤسسات وهما:
1- الدمج السياسي بمعنى حالة التماسك القائمة في مجتمع سياسي (مثل دولة أو إقليم أو اتحاد فيدرالي) كما تظهر ذلك درجة عالية من التفاعل السياسي المتبادل بين أعضاء ذلك المجتمع، أفرادا أو جماعات، وهو تفاعل مستند إلى القبول وليس القسر.
2- الحوار الناجح يعزز الوحدة الوطنية والوحدة الوطنية – في أوسع معانيها – تعني قيام رابطة قوية بين مواطني دولة معينة، تقوم على عناصر واضحة، يحس بها الجميع، ويؤمنون بها، ويستعدون للتضحية في الدفاع عنها.
بالختام أقول لقد أثرت هذين الموضوعين باعتبار أنهما أساس في تقوية أواصر المجتمع، في وقت شهدنا فيه خلال العامين الماضيين دفعاً باتجاه استهدافهما من قوى سياسية فاعلة في الساحة العراقية من خلال عرقلة الحوار الذي لا يمكن أن يكون أو أن يصبح ناجحاً ما لم تكن أرضيته العراق كله.
وبناء عليه، لا العامل الدولي يخدم الحوار ولا الإقليم يخدمه، وصار الحوار واجباً أن ينطلق من الداخل العراقي نفسه، نعم قد تكون هناك ما تفرضه الظروف الصعبة والقاسية والملحة على التشكيلات الحزبية والتيارات المؤتلفة للخروج بصيغ يرونها الأكثر تناسباً مع أطياف الشعب العراقي، ولكن أيضاً إن في الحوار المنبثق من الداخل مصلحة لكل الأطراف، ومحصلة تلك الفائدة تنعكس بالضرورة على المجتمع العراقي. لذلك يقع على عاتق القوى السياسية الفاعلة في العراق مسؤولية إجراء الحوار من أجل مصلحة العراق لا أن يكون بفرض من الخارج، لأن مخرجات ذلك ستكون بالضرورة في غير صالح العراق.
::/fulltext::
::cck::2420::/cck::
