التعليم واحتياجات سوق العمل في دول المجلس
::cck::2538::/cck::
::introtext::
يمثل النفط في دول مجلس التعاون الخليجي المصدر الأساسي للدخل القومي رغم أنه لا يمثل شيئاً يذكر أمام مصادر دخل الدول الصناعية الكبرى التي لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عندما وطنت التقنية وأصبحت منتجة.
::/introtext::
::fulltext::
يمثل النفط في دول مجلس التعاون الخليجي المصدر الأساسي للدخل القومي رغم أنه لا يمثل شيئاً يذكر أمام مصادر دخل الدول الصناعية الكبرى التي لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عندما وطنت التقنية وأصبحت منتجة.
ولا يمكن تنويع الخبرات والتعرف إلى أنماط النمو الاقتصادي والمعرفي والتقني الموجود في الدول المتقدمة إلا بفتح آفاق التفكير لدى الفرد في المجتمع الخليجي وتقبل أنماط جديدة ومختلفة عما نمارسه وعما نستورده.
إن الأداء التنموي لايزال مرتبطاً بعوامل وأسباب خارجية لا يمكن التحكم بها. فأهمية توطين التقنية عن طريق تشكيل منظمة متكاملة تستوعب النوابغ والمبدعين والعباقرة العرب والمسلمين للاستفادة من تعليمهم خارج الأوطان وتحويلهم إلى قنوات لنقل المعرفة بدلاً من أن نساهم وتساهم دولهم في هدر وفقد أفراد مهمين وفاعلين قادرين على صياغة علوم تقنية يبتكرها ويطورها الغير. ويجب أن يصاحبها إنفاق مزدوج الأول إنفاق استثماري والثاني والأهم وهو الاستثمار في تكوين الموارد البشرية القادرة على تحقيق الأهداف المرجوة.
لذلك فإننا مجتمع خليجي نحتاج إلى التخطيط لمواجهة أخطاء الماضي التي كانت تخرج أجيالاً متلاحقة لا علاقة لهم بما هو موجود في السوق الخليجية بسبب قدم المناهج التي لا تفي حتى بالحد الأدنى مما هو مواكب للتقنيات الحديثة.
إننا نعالج البطالة المرتفعة في دول مجلس التعاون الخليجي بالتوظيف والإحلال، ونترك المجتمع يعاني من الجهل ومن ثم نحكم عليه بالفشل غيابياً وهو بريء من ذلك والسبب هو وضع الجامعات والكليات والمعاهد وما تعانيه من الأمية في التقنية بين من يفترض بهم ان يكونوا أهلاً لها.
لذلك قبل هذا وذاك نحن بحاجة أولاً إلى تثقيف وتدريس العلماء والمهندسين والمديرين المحليين على آلية مسارات التقنية كي يتمكنوا من عملها محلياً، وإبراز أهمية التخطيط الاستراتيجي والتطوير في بناء المقدرة التنافسية مع استعراض دور مسارات التقنية كآلية فاعلة للتخطيط الاستراتيجي للبحث والتطوير العلمي والتقني والتعريف بأهمية البحث والتطوير المشترك والاتحادات الصناعية، ودور ذلك في رفع القدرة ونسبة النجاح لمشاريع البحث والتطوير الصناعي للوصول إلى تقنيات مستهدفة وهي من أهم الآليات التي أدت إلى التقدم التقني للعديد من الصناعات في الدول الصناعية الكبرى.
إذاً، فارتفاع معدلات البطالة في دول المجلس التي تعج بالعمالة الأجنبية الرخيصة لا تستطيع أن تنافسه العمالة الوطنية نتيجة زيادة مستمرة في عرض العمالة الوطنية التي لا تقابلها زيادة مماثلة في الطلب عليها أي في وجود ضخ قوي في أسواق العمل لا تقابلها قوى مماثلة لامتصاص وتوظيف هذه العمالة. فإلى جانب ضعف محتوى المؤسسات التعليمية والتدريبية نتج عنه ضعف في الأداء الاقتصادي وسوء توجهات التنمية الأمر الذي يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية عميقة تتبع منهج اقتصاد السوق ولكن بعد توجيه الرعاية الكاملة للمؤسسات التعليمية لكي تتناسب مخرجاتها مع حاجة السوق. ثم نتجه إلى معالجة توطين الوظائف وفقاً لقواعد وآليات السوق والتي لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرارية توافد العمالة الأجنبية من دون قيود مما يتسبب في النمو المستمر في عدد العاطلين عن العمل والعجز الذي واجهته الأجهزة السابقة في تحقيق توطين العمالة الخليجية لأنها اعتمدت على حلول تقليدية مؤقتة.
إن الاستراتيجيات القديمة بنيت على أساس المجتمع الرفاهي وهي غير صالحة لفترات الركود التالية أو المعتمدة على محدودية دخل البترول الريعي خصوصاً مع الطفرة الكبيرة التي باتت تخرج أعداداً هائلة غير مؤهلة أو غير مدربة التدريب الكافي الذي يتناسب مع حاجة السوق وفي الوقت نفسه امتلأت أسواق العمل بالعمالة الأجنبية الرخيصة.
فإذا كان القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية يستوعب أكثر من 86 في المائة حتى عام (1420هـ – 1999م) من إجمالي القوى الوطنية فسوف ترتفع هذه النسبة بعد تطبيق الخصخصة.
لذلك لابد من إيجاد شراكة بين الجامعات والقطاع الخاص في البحث والتطوير وتكوين نقطة انطلاق نحو شراكة استراتيجية والعمل على دفعها إلى ما يخدم التنمية المستدامة في دول الخليج وتوجيه البحث والتطوير وكفاءات الجامعات نحو أولويات التنمية وتحسين الأداء الاقتصادي ومساهمة البحث العلمي في الاقتصاد الخليجي وإنشاء علاقات بين المؤسسات والمجموعات التي لها دور في تحقيق الشراكة وتحديد آليات لتفعيل هذه الشراكة.
وتأتي أهمية هذه الشراكة لأن كاتب هذه السطور قام بدراسة عن ( أهمية الخصخصة آفاق التحول إلى القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية سوف تنشر في مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية) وجد أن 75 في المائة من العمالة الأجنبية في المملكة العربية السعودية تعمل في شركات فردية تمثل 34 في المائة من عدد الشركات وبنسبة ضئيلة من رأس المال تقدر بـ 3 في المائة مما يعكس التقدم المحدود الذي تم تحقيقه في مجال توطين الوظائف، فالشراكة الحقيقية بين القطاعين هي التي تساهم في وضع حلول جذرية لتلك المشكلة.
إذاً، فالقضية ليست مسألة إحلالية لأن نسبة العمالة الأجنبية غير الماهرة تصل إلى 82 في المائة والتي تحتاجها دول الخليج كالسائقين والخدم ومن في حكمهما. فهناك حاجة إلى شراكة من نوع آخر هي شراكة من أجل تأهيل الشباب الخليجي ليتمكن من قيادة التنمية وتوسيع القاعدة الانتاجية الضيقة، ولا يتم ذلك إلا بمعالجة الخلل الموجود في مناهجنا، فأحد مواطن الخلل هو التركيز على الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية وإهمال بقية أنواع العلوم العلمية والتطبيقية وسبق أن نشرت دراسة في أواسط عام (1425هـ – 2004م) أفادت بأن عدد طلبة الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية يصل إلى 457 طالباً وطالبة بينما في بقية المجالات العلمية الأخرى لا يتجاوز الـ 430 طالباً وطالبة. فالعلم هو موازنة بين المادة والروح بل هما مكملان لبعضهما.
كما نجد أن البحث العلمي في الدول المتقدمة هو صناعة لإنتاج الثروة وأحد عوامل قوة تلك الدول الذي جعلها تتقدم أشواطاً بعيدة عما لم يحققه العرب رغم احتكاكهم الحضاري والتاريخي والجغرافي. فالبحث العلمي بشقيه الأساسي والتطبيقي لهما فوائد اقتصادية واجتماعية وفي تصحيح مفاهيم مباشرة وغير مباشرة تقود إلى زيادة حجم الإنتاج عن طريق ابتكار منتجات جديدة من خلال عملية التطوير والتحديث في مراكز الأبحاث. فعملية البحث العلمي والإنفاق عليه من أولويات الدول المتقدمة التي لم تجد طريقها في دولنا، ونكتفي بحل المشكلات الآنية الملحة بدلاً من الانخراط في استثمارات طويلة الأجل التي تتطلبها عملية البحث العلمي والتطوير.
وكشفت دراسة أن دول العالم تخصص ما بين 0.1 و 3 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي لعمليات البحث والتطوير ويبلغ المتوسط العالمي نحو 1.6 في المائة، فيما يصل متوسط الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في بلدان العالم المتقدم إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما متوسط الإنفاق في الدول العربية بما فيها دول الخليج لا يتعدى 0.2 في المائة من الناتج الإجمالي، أي أقل بثماني مرات عن المتوسط العالمي وأدنى بما يزيد على 13 مرة من متوسط الإنفاق في البلدان المتقدمة، وتشير الدراسة إلى ان البلدان النامية غير العربية تخصص نحو 0.6 في المائة من ناتجها الإجمالي لأغراض البحث وهي تتفوق على العالم العربي بثلاث مرات، رغم أن دول الخليج تنفق على التعليم مبالغ طائلة فمثلاً السعودية تحتل المرتبة السابعة عالمياً في الإنفاق على التعليم 7 في المائة من الميزانية العامة للدولة تبلغ 63.65 مليار ريال وتتضاعف أهمية التعليم في توفير الكفاءات البشرية نوعاً وكماً لتحقيق التقدم المنشود في عصر الاقتصاد الجديد الذي أصبحت فيه المعلومات عنصراً أساسياً من عناصر الإنتاج، وأصبحت القدرة التنافسية للمجتمعات هي التي تحدد قدرة أبنائها على الاستخدام الأمثل للموارد والمعلومات في إحداث التقدم المنشود.
لذلك فإن التأهيل الجيد من خلال التعليم وإعادة التعليم هو الذي يمكننا من التحول من مرحلة استيراد التقنيات إلى مرحلة إنتاجها محلياً ولن يتحقق ذلك إلا إذا كانت مخرجات التعليم ذات نوعية جيدة واكبت التطوير المستمر لمناهج التعليم، خاصة أن القدرات الذهنية أصبحت مطلباً ملحاً في عصرنا الحاضر، لأن الآلة حلت محل جيوش من العاملين، وأصبح التعامل مع الآلة عن بعد بسبب تطور تقنيات الاتصال، وهذا يجعلنا نركز على المستوى المعرفي وتطوير النظرة الفلسفية للأمور في المجال النظري إلى المجال العلمي في مجال تطبيق المعرفة التي تأخذ في اعتبارها تشابهها مع ظروف العمل المستقبلية.
فمن البديهي أن تكون مخرجات التعليم في الوقت الحاضر تصب في سوق العمل مباشرة، فالأهمية لا تتوقف على مراكمة الاكتشافات والاختراعات، وإنما الأهم هو تمفصل الاكتشافات مع قدرة ديناميكية وذكية توظفها في تغيير الحركة السلوكية للإنسان، وهي بدأت في العصر الصناعي في الغرب وبعد تمكنه من الوصول إلى حالة الإنتاج الواسع والكثيف، وزادت كمية الإنتاج عما هي عليه عن طريق جزأين أساسيين هما المعلومات والذكاء متجهة نحو زيادة تنويع الإنتاج وإدخال تعديلات مستمرة عليه من دون كبير تكلفة وهي التي تسمى في وقتنا الحاضر بالعولمة المركبة بدءاً بالكشف واستغلال الكشف ومنطلقها واحد هو الفكر والبحث العلمي.
إن المشروع الحضاري بحاجة إلى قوة اقتصادية دافعة ليس مع المستحدثات والتداعيات الطارئة فقط، بل أمر تمليه طبيعة التطوير والتحضر في اضمحلال قوة الآلة ونشوء قوة المعرفة في الاقتصاد الجديد كتقنية المعلومات والاتصالات والتدريب العلمي والتطبيقي. فالاحتياجات المستقبلية للمشروعات التنموية والاقتصادية التي تسعى دول الخليج لإنجازها وسط متغيرات بالغة الدقة محلياً وخارجياً ترتكز في مجملها على التنمية المستدامة وعلى قدرة القطاع الخاص في تحمل مسؤولياته.
إن معظم الدول المتقدمة بما فيها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها من الدول تقوم بإصلاحات هيكلية مستمرة على أنظمتها التعليمية لتحافظ على السبق في المجال العلمي والتكنولوجي وتعزيز القدرة التنافسية لمنتجاتها في السوق العالمية. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يتخلف عن الولايات المتحدة في التجارة الالكترونية وتكنولوجيا المعلومات فإنه اتخذ الخطوات اللازمة لتضييق هذه الفجوة في غضون سنتين 2000 – 2002. وبالتأكيد فإن الفجوة شاسعة بيننا وبين الدول المتقدمة ونتخلف عنهم في أغلب المجالات، ولكن هل اتخذنا خطوات مماثلة لمعالجة تلك الفجوة الشاسعة، كالخطوات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي وبنفس الفاعلية وفي مدد محددة لتقليص الفجوة مع مرور الزمن للتخلص من التبعية وللانتقال من المجتمع الاستهلاكي إلى المجتمع الإنتاجي، وهو الهاجس الكبير الذي نعيشه من أجل تطوير اقتصادياتنا وتنمية قوانا البشرية وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص وتشجيع الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.
إن المقدرة البشرية وتطورها هما المكون الأساسي لتراكم رأس المال البشري، فكما نوظف رأس المال في الإنتاج يكون توظيف رأس المال البشري أكثر أهمية واكتساب التعليم قيمة مضافة، يتحدد به مستقبل المجتمع في ضوء قدراته العلمية ومقدراته على استيعاب التقنيات الجديدة وتطويرها للانتقال من حالة التأثر إلى حالة التأثير، فالمجتمعات المتقدمة تقاس بالرصيد المعرفي لا بالرصيد من الثروات المالية.
الرصيد المعرفي لن يرفض إعادة إنتاج الأفكار التقليدية الموروثة من دون أن تتمكن من الانخراط في التحديث على مستوى إنتاج المعرفة العلمية العقلية التي يشترطها كل تحديث مهما كانت سياقاته الثقافية، بل يشترط إنجاز رهان الحداثة وهضمها وتحديث المعرفة وتحديدها بشكل مطرد.
إنها ظروف تحدٍ يجب أن نزداد فيها نجاحاً وتألقاً في زمن تتسارع فيه الأحداث والمتغيرات، ويجب أن نبني نجاحاتنا على الإيقاع السريع لا البطيء أو على النجاحات المرحلية حتى نحقق طموحاتنا وأهدافنا ونتخلص من تبعات الماضي لندخل في مرحلة جديدة في عصر العولمة، إذ لا يمكن التعاطي مع قضية تحديث التعليم بجهود فردية أو مستقلة وإنما من خلال تعاون مشترك بين الأطراف المسؤولة بشكل متوازن ومدروس حتى نصل في المستقبل القريب إلى ما نصبو إليه.
وبالمحصلة نقول إذا كان الاستقرار والتقدم العلمي سبيلين للنجاح الاقتصادي فإن المهارات رفيعة المستوى والمرونة الأعظم في سوق العمل هي التي تقود الطريق نحو وسائل الإنتاج الأكثر أهمية في الاقتصاد الحديث، فجعل الاستثمار في المعارف والعلوم والمشاريع الاستثمارية هو أولوية يمكن بها أن تجعل اقتصاد الدول إحدى أعظم قصص النجاح في الاقتصاد العالمي الجديد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2538::/cck::
::introtext::
يمثل النفط في دول مجلس التعاون الخليجي المصدر الأساسي للدخل القومي رغم أنه لا يمثل شيئاً يذكر أمام مصادر دخل الدول الصناعية الكبرى التي لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عندما وطنت التقنية وأصبحت منتجة.
::/introtext::
::fulltext::
يمثل النفط في دول مجلس التعاون الخليجي المصدر الأساسي للدخل القومي رغم أنه لا يمثل شيئاً يذكر أمام مصادر دخل الدول الصناعية الكبرى التي لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عندما وطنت التقنية وأصبحت منتجة.
ولا يمكن تنويع الخبرات والتعرف إلى أنماط النمو الاقتصادي والمعرفي والتقني الموجود في الدول المتقدمة إلا بفتح آفاق التفكير لدى الفرد في المجتمع الخليجي وتقبل أنماط جديدة ومختلفة عما نمارسه وعما نستورده.
إن الأداء التنموي لايزال مرتبطاً بعوامل وأسباب خارجية لا يمكن التحكم بها. فأهمية توطين التقنية عن طريق تشكيل منظمة متكاملة تستوعب النوابغ والمبدعين والعباقرة العرب والمسلمين للاستفادة من تعليمهم خارج الأوطان وتحويلهم إلى قنوات لنقل المعرفة بدلاً من أن نساهم وتساهم دولهم في هدر وفقد أفراد مهمين وفاعلين قادرين على صياغة علوم تقنية يبتكرها ويطورها الغير. ويجب أن يصاحبها إنفاق مزدوج الأول إنفاق استثماري والثاني والأهم وهو الاستثمار في تكوين الموارد البشرية القادرة على تحقيق الأهداف المرجوة.
لذلك فإننا مجتمع خليجي نحتاج إلى التخطيط لمواجهة أخطاء الماضي التي كانت تخرج أجيالاً متلاحقة لا علاقة لهم بما هو موجود في السوق الخليجية بسبب قدم المناهج التي لا تفي حتى بالحد الأدنى مما هو مواكب للتقنيات الحديثة.
إننا نعالج البطالة المرتفعة في دول مجلس التعاون الخليجي بالتوظيف والإحلال، ونترك المجتمع يعاني من الجهل ومن ثم نحكم عليه بالفشل غيابياً وهو بريء من ذلك والسبب هو وضع الجامعات والكليات والمعاهد وما تعانيه من الأمية في التقنية بين من يفترض بهم ان يكونوا أهلاً لها.
لذلك قبل هذا وذاك نحن بحاجة أولاً إلى تثقيف وتدريس العلماء والمهندسين والمديرين المحليين على آلية مسارات التقنية كي يتمكنوا من عملها محلياً، وإبراز أهمية التخطيط الاستراتيجي والتطوير في بناء المقدرة التنافسية مع استعراض دور مسارات التقنية كآلية فاعلة للتخطيط الاستراتيجي للبحث والتطوير العلمي والتقني والتعريف بأهمية البحث والتطوير المشترك والاتحادات الصناعية، ودور ذلك في رفع القدرة ونسبة النجاح لمشاريع البحث والتطوير الصناعي للوصول إلى تقنيات مستهدفة وهي من أهم الآليات التي أدت إلى التقدم التقني للعديد من الصناعات في الدول الصناعية الكبرى.
إذاً، فارتفاع معدلات البطالة في دول المجلس التي تعج بالعمالة الأجنبية الرخيصة لا تستطيع أن تنافسه العمالة الوطنية نتيجة زيادة مستمرة في عرض العمالة الوطنية التي لا تقابلها زيادة مماثلة في الطلب عليها أي في وجود ضخ قوي في أسواق العمل لا تقابلها قوى مماثلة لامتصاص وتوظيف هذه العمالة. فإلى جانب ضعف محتوى المؤسسات التعليمية والتدريبية نتج عنه ضعف في الأداء الاقتصادي وسوء توجهات التنمية الأمر الذي يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية عميقة تتبع منهج اقتصاد السوق ولكن بعد توجيه الرعاية الكاملة للمؤسسات التعليمية لكي تتناسب مخرجاتها مع حاجة السوق. ثم نتجه إلى معالجة توطين الوظائف وفقاً لقواعد وآليات السوق والتي لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرارية توافد العمالة الأجنبية من دون قيود مما يتسبب في النمو المستمر في عدد العاطلين عن العمل والعجز الذي واجهته الأجهزة السابقة في تحقيق توطين العمالة الخليجية لأنها اعتمدت على حلول تقليدية مؤقتة.
إن الاستراتيجيات القديمة بنيت على أساس المجتمع الرفاهي وهي غير صالحة لفترات الركود التالية أو المعتمدة على محدودية دخل البترول الريعي خصوصاً مع الطفرة الكبيرة التي باتت تخرج أعداداً هائلة غير مؤهلة أو غير مدربة التدريب الكافي الذي يتناسب مع حاجة السوق وفي الوقت نفسه امتلأت أسواق العمل بالعمالة الأجنبية الرخيصة.
فإذا كان القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية يستوعب أكثر من 86 في المائة حتى عام (1420هـ – 1999م) من إجمالي القوى الوطنية فسوف ترتفع هذه النسبة بعد تطبيق الخصخصة.
لذلك لابد من إيجاد شراكة بين الجامعات والقطاع الخاص في البحث والتطوير وتكوين نقطة انطلاق نحو شراكة استراتيجية والعمل على دفعها إلى ما يخدم التنمية المستدامة في دول الخليج وتوجيه البحث والتطوير وكفاءات الجامعات نحو أولويات التنمية وتحسين الأداء الاقتصادي ومساهمة البحث العلمي في الاقتصاد الخليجي وإنشاء علاقات بين المؤسسات والمجموعات التي لها دور في تحقيق الشراكة وتحديد آليات لتفعيل هذه الشراكة.
وتأتي أهمية هذه الشراكة لأن كاتب هذه السطور قام بدراسة عن ( أهمية الخصخصة آفاق التحول إلى القطاع الخاص في المملكة العربية السعودية سوف تنشر في مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية) وجد أن 75 في المائة من العمالة الأجنبية في المملكة العربية السعودية تعمل في شركات فردية تمثل 34 في المائة من عدد الشركات وبنسبة ضئيلة من رأس المال تقدر بـ 3 في المائة مما يعكس التقدم المحدود الذي تم تحقيقه في مجال توطين الوظائف، فالشراكة الحقيقية بين القطاعين هي التي تساهم في وضع حلول جذرية لتلك المشكلة.
إذاً، فالقضية ليست مسألة إحلالية لأن نسبة العمالة الأجنبية غير الماهرة تصل إلى 82 في المائة والتي تحتاجها دول الخليج كالسائقين والخدم ومن في حكمهما. فهناك حاجة إلى شراكة من نوع آخر هي شراكة من أجل تأهيل الشباب الخليجي ليتمكن من قيادة التنمية وتوسيع القاعدة الانتاجية الضيقة، ولا يتم ذلك إلا بمعالجة الخلل الموجود في مناهجنا، فأحد مواطن الخلل هو التركيز على الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية وإهمال بقية أنواع العلوم العلمية والتطبيقية وسبق أن نشرت دراسة في أواسط عام (1425هـ – 2004م) أفادت بأن عدد طلبة الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية يصل إلى 457 طالباً وطالبة بينما في بقية المجالات العلمية الأخرى لا يتجاوز الـ 430 طالباً وطالبة. فالعلم هو موازنة بين المادة والروح بل هما مكملان لبعضهما.
كما نجد أن البحث العلمي في الدول المتقدمة هو صناعة لإنتاج الثروة وأحد عوامل قوة تلك الدول الذي جعلها تتقدم أشواطاً بعيدة عما لم يحققه العرب رغم احتكاكهم الحضاري والتاريخي والجغرافي. فالبحث العلمي بشقيه الأساسي والتطبيقي لهما فوائد اقتصادية واجتماعية وفي تصحيح مفاهيم مباشرة وغير مباشرة تقود إلى زيادة حجم الإنتاج عن طريق ابتكار منتجات جديدة من خلال عملية التطوير والتحديث في مراكز الأبحاث. فعملية البحث العلمي والإنفاق عليه من أولويات الدول المتقدمة التي لم تجد طريقها في دولنا، ونكتفي بحل المشكلات الآنية الملحة بدلاً من الانخراط في استثمارات طويلة الأجل التي تتطلبها عملية البحث العلمي والتطوير.
وكشفت دراسة أن دول العالم تخصص ما بين 0.1 و 3 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي لعمليات البحث والتطوير ويبلغ المتوسط العالمي نحو 1.6 في المائة، فيما يصل متوسط الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في بلدان العالم المتقدم إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما متوسط الإنفاق في الدول العربية بما فيها دول الخليج لا يتعدى 0.2 في المائة من الناتج الإجمالي، أي أقل بثماني مرات عن المتوسط العالمي وأدنى بما يزيد على 13 مرة من متوسط الإنفاق في البلدان المتقدمة، وتشير الدراسة إلى ان البلدان النامية غير العربية تخصص نحو 0.6 في المائة من ناتجها الإجمالي لأغراض البحث وهي تتفوق على العالم العربي بثلاث مرات، رغم أن دول الخليج تنفق على التعليم مبالغ طائلة فمثلاً السعودية تحتل المرتبة السابعة عالمياً في الإنفاق على التعليم 7 في المائة من الميزانية العامة للدولة تبلغ 63.65 مليار ريال وتتضاعف أهمية التعليم في توفير الكفاءات البشرية نوعاً وكماً لتحقيق التقدم المنشود في عصر الاقتصاد الجديد الذي أصبحت فيه المعلومات عنصراً أساسياً من عناصر الإنتاج، وأصبحت القدرة التنافسية للمجتمعات هي التي تحدد قدرة أبنائها على الاستخدام الأمثل للموارد والمعلومات في إحداث التقدم المنشود.
لذلك فإن التأهيل الجيد من خلال التعليم وإعادة التعليم هو الذي يمكننا من التحول من مرحلة استيراد التقنيات إلى مرحلة إنتاجها محلياً ولن يتحقق ذلك إلا إذا كانت مخرجات التعليم ذات نوعية جيدة واكبت التطوير المستمر لمناهج التعليم، خاصة أن القدرات الذهنية أصبحت مطلباً ملحاً في عصرنا الحاضر، لأن الآلة حلت محل جيوش من العاملين، وأصبح التعامل مع الآلة عن بعد بسبب تطور تقنيات الاتصال، وهذا يجعلنا نركز على المستوى المعرفي وتطوير النظرة الفلسفية للأمور في المجال النظري إلى المجال العلمي في مجال تطبيق المعرفة التي تأخذ في اعتبارها تشابهها مع ظروف العمل المستقبلية.
فمن البديهي أن تكون مخرجات التعليم في الوقت الحاضر تصب في سوق العمل مباشرة، فالأهمية لا تتوقف على مراكمة الاكتشافات والاختراعات، وإنما الأهم هو تمفصل الاكتشافات مع قدرة ديناميكية وذكية توظفها في تغيير الحركة السلوكية للإنسان، وهي بدأت في العصر الصناعي في الغرب وبعد تمكنه من الوصول إلى حالة الإنتاج الواسع والكثيف، وزادت كمية الإنتاج عما هي عليه عن طريق جزأين أساسيين هما المعلومات والذكاء متجهة نحو زيادة تنويع الإنتاج وإدخال تعديلات مستمرة عليه من دون كبير تكلفة وهي التي تسمى في وقتنا الحاضر بالعولمة المركبة بدءاً بالكشف واستغلال الكشف ومنطلقها واحد هو الفكر والبحث العلمي.
إن المشروع الحضاري بحاجة إلى قوة اقتصادية دافعة ليس مع المستحدثات والتداعيات الطارئة فقط، بل أمر تمليه طبيعة التطوير والتحضر في اضمحلال قوة الآلة ونشوء قوة المعرفة في الاقتصاد الجديد كتقنية المعلومات والاتصالات والتدريب العلمي والتطبيقي. فالاحتياجات المستقبلية للمشروعات التنموية والاقتصادية التي تسعى دول الخليج لإنجازها وسط متغيرات بالغة الدقة محلياً وخارجياً ترتكز في مجملها على التنمية المستدامة وعلى قدرة القطاع الخاص في تحمل مسؤولياته.
إن معظم الدول المتقدمة بما فيها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها من الدول تقوم بإصلاحات هيكلية مستمرة على أنظمتها التعليمية لتحافظ على السبق في المجال العلمي والتكنولوجي وتعزيز القدرة التنافسية لمنتجاتها في السوق العالمية. فإذا كان الاتحاد الأوروبي يتخلف عن الولايات المتحدة في التجارة الالكترونية وتكنولوجيا المعلومات فإنه اتخذ الخطوات اللازمة لتضييق هذه الفجوة في غضون سنتين 2000 – 2002. وبالتأكيد فإن الفجوة شاسعة بيننا وبين الدول المتقدمة ونتخلف عنهم في أغلب المجالات، ولكن هل اتخذنا خطوات مماثلة لمعالجة تلك الفجوة الشاسعة، كالخطوات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي وبنفس الفاعلية وفي مدد محددة لتقليص الفجوة مع مرور الزمن للتخلص من التبعية وللانتقال من المجتمع الاستهلاكي إلى المجتمع الإنتاجي، وهو الهاجس الكبير الذي نعيشه من أجل تطوير اقتصادياتنا وتنمية قوانا البشرية وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص وتشجيع الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.
إن المقدرة البشرية وتطورها هما المكون الأساسي لتراكم رأس المال البشري، فكما نوظف رأس المال في الإنتاج يكون توظيف رأس المال البشري أكثر أهمية واكتساب التعليم قيمة مضافة، يتحدد به مستقبل المجتمع في ضوء قدراته العلمية ومقدراته على استيعاب التقنيات الجديدة وتطويرها للانتقال من حالة التأثر إلى حالة التأثير، فالمجتمعات المتقدمة تقاس بالرصيد المعرفي لا بالرصيد من الثروات المالية.
الرصيد المعرفي لن يرفض إعادة إنتاج الأفكار التقليدية الموروثة من دون أن تتمكن من الانخراط في التحديث على مستوى إنتاج المعرفة العلمية العقلية التي يشترطها كل تحديث مهما كانت سياقاته الثقافية، بل يشترط إنجاز رهان الحداثة وهضمها وتحديث المعرفة وتحديدها بشكل مطرد.
إنها ظروف تحدٍ يجب أن نزداد فيها نجاحاً وتألقاً في زمن تتسارع فيه الأحداث والمتغيرات، ويجب أن نبني نجاحاتنا على الإيقاع السريع لا البطيء أو على النجاحات المرحلية حتى نحقق طموحاتنا وأهدافنا ونتخلص من تبعات الماضي لندخل في مرحلة جديدة في عصر العولمة، إذ لا يمكن التعاطي مع قضية تحديث التعليم بجهود فردية أو مستقلة وإنما من خلال تعاون مشترك بين الأطراف المسؤولة بشكل متوازن ومدروس حتى نصل في المستقبل القريب إلى ما نصبو إليه.
وبالمحصلة نقول إذا كان الاستقرار والتقدم العلمي سبيلين للنجاح الاقتصادي فإن المهارات رفيعة المستوى والمرونة الأعظم في سوق العمل هي التي تقود الطريق نحو وسائل الإنتاج الأكثر أهمية في الاقتصاد الحديث، فجعل الاستثمار في المعارف والعلوم والمشاريع الاستثمارية هو أولوية يمكن بها أن تجعل اقتصاد الدول إحدى أعظم قصص النجاح في الاقتصاد العالمي الجديد.
::/fulltext::
::cck::2538::/cck::
