العمالة الوافدة في الخليج .. التحدي الأمني والسياسي القادم

::cck::2453::/cck::
::introtext::

إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي لجأت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى الاستعانة بالعمالة الأجنبية بأعداد كبيرة للإسهام في تنفيذ برامج وخطط التنمية بها، لدرجة تحولت معها إلى ضرورة اقتصادية وتنموية، فإنها الآن في حاجة إلى إعادة تقييم هذه الرؤية في ظل التحولات الأخيرة التي صاحبت سوق العمل الدولية، ودخول الاتفاقيات الدولية التي تدعو إلى توطين العمالة الوافدة والمهاجرة، ومساواتها مع العمالة الوطنية في كافة الحقوق من أجور ورعاية صحية وتعليمية ومشاركة اجتماعية وسياسية حيز التنفيذ، الأمر الذي يحمل معه خطراً محتملاً على دول المجلس في المستقبل المنظور، بل قد يتحول معه مواطنو هذه الدول إلى أقليات في غضون العقدين المقبلين في حال تصديق حكوماتها على مثل هذه الاتفاقيات.

 

::/introtext::
::fulltext::

إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي لجأت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى الاستعانة بالعمالة الأجنبية بأعداد كبيرة للإسهام في تنفيذ برامج وخطط التنمية بها، لدرجة تحولت معها إلى ضرورة اقتصادية وتنموية، فإنها الآن في حاجة إلى إعادة تقييم هذه الرؤية في ظل التحولات الأخيرة التي صاحبت سوق العمل الدولية، ودخول الاتفاقيات الدولية التي تدعو إلى توطين العمالة الوافدة والمهاجرة، ومساواتها مع العمالة الوطنية في كافة الحقوق من أجور ورعاية صحية وتعليمية ومشاركة اجتماعية وسياسية حيز التنفيذ، الأمر الذي يحمل معه خطراً محتملاً على دول المجلس في المستقبل المنظور، بل قد يتحول معه مواطنو هذه الدول إلى أقليات في غضون العقدين المقبلين في حال تصديق حكوماتها على مثل هذه الاتفاقيات.

ويثير ما سبق تساؤلاً مهماً يتعلق بالانعكاسات المحتملة على دول المجلس أمنياً وسياسياً في حال اتجاهها إلى توطين هذه العمالة، ومنحها جنسياتها وفقاً لاتفاقيات العمل الدولية ؟ للإجابة عن هذا التساؤل، يقتضي الأمر أولاً التطرق إلى واقع المشكلة الديموغرافية، فمن المعروف أن هذه الدول تمثل حالة فريدة من الخلل في توزيع السكان، فعلى الرغم من كثرة موارد الثروة بها إلا أنها عانت من مشكلة تتمثل في قلة عدد السكان سواء للقيام بالمشروعات التنموية المختلفة في هذه البلاد، أو للدفاع عنها أمام التهديدات التي تواجهها.

وتتسم التركيبة السكانية في هذه الدول أيضاً بعدم التجانس الداخلي، فهي مكتظة بشتى أنواع البشر الذين تختلف عاداتهم وتقاليدهم، وتمثل العمالة الوافدة الجزء الأكبر من قوة العمل الرئيسية، حيث تنتشر في كافة قطاعات النشاط الاقتصادي إلى درجة تصل فيها إلى أكثر من ثلث قوة العمل في بعض الدول الخليجية الست(السعودية والبحرين) وإلى أكثر من الثلثين في بعضها الآخر(قطر والإمارات والكويت). 

ويبلغ عدد العمال الأجانب قرابة 12.5 مليون عامل يشكلون حوالي 38.5% من مجموع سكان الخليج البالغ 33 مليونًا، وتستضيف السعودية أكبر عدد من هؤلاء العمال إذا يبلغ 7 ملايين عامل يشكلون نسبة 30 في المائة من عدد سكانها، بينما توجد في الإمارات أعلى نسبة من هذه العمالة، و تشكل نسبة 76 في المائة من مجموع عدد السكان، ويوجد في الكويت 1.475 مليون عامل أي 65 في المائة من عدد السكان، وفي عمان 630 ألف عامل يشكلون 27 في المائة من عدد السكان، أما قطر فتستضيف 420 ألف عامل بنسبة 75 في المائة من مجموع السكان، فيما يوجد في البحرين 280 ألفاً أي ما نسبته 37 في المائة من عدد السكان.

وتتركز العمالة الأجنبية في معظمها في جنسيات محددة لاسيما منها الهندية تليها الباكستانية والبنغالية والفلبينية، إلى الحد الذي تشير فيه الإحصاءات على سبيل المثال إلى أن العمالة الهندية فقط قد تضاعف عددها في دول المجلس من منتصف السبعينات إلى عام 2001 من نحو 150 ألف عامل إلى 3.3 مليون عامل، أي بنسبة الثلث من جملة قوة العمل الأجنبية في المنطقة، من بينهم 1.5 مليون عامل، في السعودية تليها الإمارات بعدد 950 ألفاً ثم سلطنة عمان 312 ألفاً وبعدها الكويت بعدد 295 ألفاً ثم البحرين وقطر بعدد 130 ألف عامل لكل دولة.

في ضوء هذه التركيبة السكانية التي تتسم بعدم التجانس من ناحية، والاختلال الواضح من ناحية ثانية لصالح العمالة الوافدة، مع الأخذ في الاعتبار التحولات التي طرأت على اتفاقيات العمل الدولية، والقواعد الجديدة التي بدأت تتحكم بسوق العمل من ناحية ثالثة، يتبين لنا بوضوح أن قضية العمالة الوافدة أضحت بكل المقاييس قضية أمنية وسياسية في المقام الأول قبل أن تكون قضية ذات مضامين تنموية واقتصادية واجتماعية، ومن ثم فإنها تمثل ذلك الخطر القادم الذي يحمل في طياته الكثير من التحديات لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذا ما حذر منه وبوضوح رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في كلمته بمناسبة الذكرى الحادية والثلاثين لقيام دولة الإمارات في 2/12/2002 حين أعرب عن (قلقه البالغ إزاء الخلل في التركيبة السكانية للإمارات باعتبارها تمثل تهديداً لنسيح المجتمع الإماراتي ومصير الأجيال القادمة).

وليس من المبالغة أو التهويل في شيء القول إن العمالة الوافدة ستمثل أحد أخطر التحديات التي ستواجه دول المجلس في المستقبل، وخاصة تلك ذات الطابع الأمني والسياسي، وهو ما يمكن إيضاحه على النحو التالي:

أولاً : التحديات الأمنية: تمثل العمالة الوافدة تهديدا حقيقيا لأمن واستقرار دول المجلس، والذي يأخذ أشكالا مختلفة:

أ- التهديد الأمني المباشر، وذلك بتورط عناصر من هذه العمالة في بعض مظاهر الجريمة المنظمة كالتهريب بأشكاله المختلفة، والاتجار في المخدرات، ونجحت أجهزة الأمن الخليجية خلال الأعوام الماضية في اكتشاف شبكات لتهريب المخدرات والمجوهرات والخمور على علاقة بالعمالة الوافدة، وتحديداً الآسيوية، بل والأخطر أن بعض هذه العناصر ثبتت صلاته ببعض عصابات الجريمة المنظمة في الخارج، التي تدير أعمالاً مخالفة للقانون كغسيل الأموال وتزييف العملات والاتجار في المخدرات، أو القيام ببعض الأعمال غير المشروعة في الخارج، كحادث تفجير العبوات الناسفة الذي شهدته مدينة بومباي في مارس عام 1993، والذي راح ضحيته 257 قتيلاً وجرح فيه ما يزيد على 700 شخص، واتهمت فيه بعض أفراد الجالية الهندية الموجودة في أبو ظبي، ولهذا طلبت نيودلهي من حكومة الإمارات ـ آنذاك ـ بترحيل المشتبه بارتكابهم الحادث، لكن ذلك لم يتم لعدم وجود اتفاقية لترحيل المجرمين بين البلدين، وأثر هذا الحادث بالسلب على العلاقات الهندية-الإماراتية.

كما أن استمرار تدفق هجرة هذه العمالة بشكل مستمر ومن دون ضوابط واضحة ـ سواء بشكل رسمي أو غير شرعي ـ وانتشار البطالة بين عناصرها قد يؤدي إلى تزايد انخراطها في الجريمة والانحراف والاعتداء والسطو على الأموال والسرقة والنصب والتزوير والتهريب، الأمر الذي يمثل معه عبئاً على أجهزة الأمن الخليجية للتصدي لمثل هذه الأعمال، وما يستلزمه ذلك من زيادة نفقات الأمن الداخلي للحفاظ على الأوضاع في الداخل.

وقد ينتج عدم الاستقرار الأمني أيضاً نتيجة لقيام بعض عناصر العمالة الوافدة بأعمال تخريبية من شأنها إثارة عدم الاستقرار الداخلي، وذلك للمطالبة بتعديل أوضاع معينة خاصة بنظام العمل وفقاً لاتفاقيات العمل الدولية المذكورة، وهناك سوابق تؤكد ذلك، حيث قام العمال الهنود بإضراب في منطقة (الشعيبية) بالكويت عام 1978 مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل. ومن الأمور ذات الدلالة هنا أن هذا الإضراب أثار ردود فعل رسمية في الهند، حيث أعلن وزير الصناعة الهندي على أثر ذلك: أن الحكومة الهندية تنظر في مسألة (المضايقات) التي يتعرض لها الهنود في بعض أقطار الخلـيج، وادعى بعض أعضاء البرلمان الهندي بأن العمال الهنود العاملـين في الخليج يتعرضون إلى إجراءات تعسـفية وأنهم يعاملون (كما يعامل العبيد) على حد تعبيره.

وهذا الأمر قد يتكرر في المستقبل المنظور، وخاصة في ظل الضغوط الخارجية التي تدعو دول الخليج إلى التصديق على اتفاقيات العمل الدولية، بل وتصدر تقارير (مغلوطة) في بعض الأحيان، اعتمادا على شكاوى بعض عناصر هذه العمالة دونما تحقيق أو ثبوت من الواقع الحقيقي الذي تعيش فيه.

ب- التهديد الأمني غير المباشر، وقد ينتج بالأساس عن امتداد النزاعات الطائفية في بعض الدول المرسلة للعمالة إلى داخل الدول الخليجية، فالصراع بين المسلمين والهندوس في الهند مثلاً انتقل إلى الدول الخليجية من خلال تلك العمالة، فعندما حرق الهندوس مسجد (بابري) في الهند نشبت مظاهرات داخل الإمارات قامت قوات الأمن بتفريقها، كما أن قيام بعض عناصر العمالة الوافدة بممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بشكل غير شرعي من خلال إقامة معابد وأديرة خاصة بهم من دون علم الحكومات التي يعملون لديها، قد يؤدي إلى تداعيات سياسية سلبية تتعلق بعلاقات دول المجلس الخارجية مع حكومات هذه العمالة الوافدة، فخلال شهر يونيو 2001 كادت تحدث أزمة سياسية بين الحكومة الهندية والكويت بسبب الجدل الذي أثير حول اكتشاف معبد للسيخ في الكويت، حيث طالب نواب في مجلس الأمة الكويتي بإغلاقه بصفته مخالفاً للقانون وغير مرخص. واكتشف تنظيم سري هندي في أبو ظبي عرف باسم (التنظيم السيخي) في التسعينات وكان يخطط لأعمال تخريبية.

إضافة إلى ما سبق، فإن الخلافات السياسية الإقليمية بين بعض الدول المرسلة للعمالة قد تمتد إلى جالياتها في دول الخليج، فاستمرار النزاع الهندي – الباكستاني حول إقليم كشمير قد ينتقل إلى دول المجلس التي تعمل بها جاليات من الدولتين، وفي حال توتر العلاقات بين حكومتي نيودلهي وإسلام آباد فإن ذلك قد تمتد آثاره إلى الخليج، وتحدث بعض الاضطرابات نتيجة للمصادمات والاحتكاكات التي قد تحدث بين الجاليتين الهندية والباكستانية، الأمر الذي يؤدي معه إلى حالة من عدم الاستقرار الأمني داخل دول الخليج.

ثانياً: الضغوط السياسية: يمكن أن تمثل العمالة الوافدة عنصر ضغط سياسي على صانع القرار الخليجي، وقد يأخذ هذا الضغط الأشكال التالية:

أ‌- الضغط على دول المجلس من أجل تعديل قوانين حقوق العمالة الوافدة والأجنبية بها، واتفاقها مع لوائح منظمة العمل الدولية من دون الأخذ في الاعتبار الخصوصية الثقافية والحضارية والدينية والمجتمعية التي تتسم بها دول الخليج، بل إن بعض القوى الكبرى تسعى إلى تسييس قضية العمالة الوافدة، وتوظيفها كورقة ضغط ضد هذه الدول، فالولايات المتحدة مثلاً حثت دول المجلس في الآونة الأخيرة على تعديل قوانين العمالة بها لتكون أكثر إنصافا وعدلا، وذلك حتى تكون ـ كما تزعم ـ مؤهلة للانضمام إلى اتفاق التجارة الحرة.

ب‌- قيام بعض المنظمات الحقوقية باستغلال قضية العمالة الوافدة لتشويه صورة دول المجلس الخارجية، فمنظمة (هيومان رايتس ووتش) الأمريكية أرسلت عدة بيانات إلى كل دول مجلس التعاون كل على حدة في أبريل 2003 تطالبها فيها بالتصديق على معاهدات العمل الدولية لحماية حقوق العمال الأجانب وأفراد أسرهم والتي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2003، كما أصدرت المنظمة تقريراً في يوليو 2004 أدانت فيه بشكل واضح ما زعمت فيه انتهاك حقوق العمال الأجانب في السعودية، وهو الأمر الذي رفضته الرياض، معتبرة إياه تقريرا مبالغا فيه، ولا يمكن الاستناد إليه في الادعاء بأن أغلبية العمال الأجانب في المملكة يتعرضون لانتهاكات. والواضح أن تقارير منظمة (هيومان رايتس ووتش) تفتقر إلى الدقة والوضوح، فهي تعتمد على بيانات مغلوطة تستقيها من معارضين في الخارج أو من بعض عناصر العمالة الوافد من دون أن تتحقق من صحة هذه البيانات، ما يعني أنها تحمل في بعض الأحيان دلالات سياسية خفية تتعلق بالضغوط التي تمارس على دول الخليج منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

جـ – قد يؤدي تزايد الاعتماد على العمالة الوافدة والأجنبية بنفس المعدلات المذكورة في الجدول أعلاه إلى خلق ما يمكن تسميته بطابور خامس ـ في أوقات الأزمات والتوترات ـ هذا الطابور قد يصبح في الأمد البعيد قادرا على خلق قوة ضاغطة ليست في صالح الانتماء إلى الخليج العربي، وقد يتم توظيفه كورقة للضغط على دول الخليج في حال نشوب أية خلافات سياسية بينها وبين حكومات الدول المرسلة للعمالة، وخاصة من جانب دولة كالهند لها طموح أن تصبح قوة إقليمية كبرى.

ثالثاً: المخاوف من تذويب دول الخليج في كيانات جديدة، وتحويل المواطنين الخليجيين إلى أقليات داخل دولهم: ففي ظل اتفاقيات العمل الدولية المذكورة، فإن العمالة الوافدة والمهاجرة تتحول من فئة المستوطنين إلى فئة متوطنين لهم أوضاعهم الاجتماعية الخاصة بهم، وقد تترجم ذلك في مرحلة ما إلى حركات سياسية تعبر عن فكرهم وطموحاتهم ومطالبهم، بل وتطالب بعض هذه الجاليات -خاصة الآسيوية الهندية تحديداًـ في مرحلة زمنية ما بحق تقرير المصير. ومن الطبيعي أن يلقى أي تحرك من هذا النوع العطف والتأييد من حكومات تلك الجاليات، وبعض جماعات حقوق الإنسان الدولية، وهذا معناه أن شبه القارة الهندية قادرة على أن تضغط على صانع القرار السياسي الخليجي في صالح هذه الجالية الكبيرة، والدليل على ذلك أن بعض الحكومات الآسيوية طالبت أكثر من مرة دول المجلس بمراجعة اتفاقيات التوظيف بزعم عدم وجود إجراءات سلامة مناسبة في أماكن العمل.

وقد تضطر دول المجلس ـ تحت طائلة العولمة وحرية التجارة وحقوق الإنسان واندماج مختلف الأجناس العرقية بها من دون تمييز بينها بسبب الأصل أو الجنس أو اللغة أو العقيدة ـ إلى تغيير دساتيرها والتخلص من وصف دولها بالعربية والإسلامية، وما يترتب على ذلك من حدوث انفصام وتجزئة تقود في نهاية المطاف إلى تحلل أو تفسخ مفهوم الإطار القومي للخليج العربي.

وأخيراً، فإن دول مجلس التعاون الخليجي باتت في حاجة ـ الآن أكثر من أي وقت مضى ـ إلى اعتبار قضية العمالة الوافدة والأجنبية قضية أمن قومي تتصل اتصالاً وثيقاً بمسألة السلام والاستقرار الداخلي، وهذا يتطلب منها ضرورة تنسيق مواقفها إزاء اتفاقيات العمل الدولية، والاستعداد لمواجهة الضغوط التي قد تُفرض عليها في هذا الشأن بتوضيح الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تنطلق منها في التعامل مع هذه القضية، ووضع قائمة محددة بتحفظاتها على هذه الاتفاقيات وتوضيح مخاطرها على أمنها واستقرارها في المستقبل.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2453::/cck::
::introtext::

إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي لجأت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى الاستعانة بالعمالة الأجنبية بأعداد كبيرة للإسهام في تنفيذ برامج وخطط التنمية بها، لدرجة تحولت معها إلى ضرورة اقتصادية وتنموية، فإنها الآن في حاجة إلى إعادة تقييم هذه الرؤية في ظل التحولات الأخيرة التي صاحبت سوق العمل الدولية، ودخول الاتفاقيات الدولية التي تدعو إلى توطين العمالة الوافدة والمهاجرة، ومساواتها مع العمالة الوطنية في كافة الحقوق من أجور ورعاية صحية وتعليمية ومشاركة اجتماعية وسياسية حيز التنفيذ، الأمر الذي يحمل معه خطراً محتملاً على دول المجلس في المستقبل المنظور، بل قد يتحول معه مواطنو هذه الدول إلى أقليات في غضون العقدين المقبلين في حال تصديق حكوماتها على مثل هذه الاتفاقيات.

 

::/introtext::
::fulltext::

إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي لجأت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى الاستعانة بالعمالة الأجنبية بأعداد كبيرة للإسهام في تنفيذ برامج وخطط التنمية بها، لدرجة تحولت معها إلى ضرورة اقتصادية وتنموية، فإنها الآن في حاجة إلى إعادة تقييم هذه الرؤية في ظل التحولات الأخيرة التي صاحبت سوق العمل الدولية، ودخول الاتفاقيات الدولية التي تدعو إلى توطين العمالة الوافدة والمهاجرة، ومساواتها مع العمالة الوطنية في كافة الحقوق من أجور ورعاية صحية وتعليمية ومشاركة اجتماعية وسياسية حيز التنفيذ، الأمر الذي يحمل معه خطراً محتملاً على دول المجلس في المستقبل المنظور، بل قد يتحول معه مواطنو هذه الدول إلى أقليات في غضون العقدين المقبلين في حال تصديق حكوماتها على مثل هذه الاتفاقيات.

ويثير ما سبق تساؤلاً مهماً يتعلق بالانعكاسات المحتملة على دول المجلس أمنياً وسياسياً في حال اتجاهها إلى توطين هذه العمالة، ومنحها جنسياتها وفقاً لاتفاقيات العمل الدولية ؟ للإجابة عن هذا التساؤل، يقتضي الأمر أولاً التطرق إلى واقع المشكلة الديموغرافية، فمن المعروف أن هذه الدول تمثل حالة فريدة من الخلل في توزيع السكان، فعلى الرغم من كثرة موارد الثروة بها إلا أنها عانت من مشكلة تتمثل في قلة عدد السكان سواء للقيام بالمشروعات التنموية المختلفة في هذه البلاد، أو للدفاع عنها أمام التهديدات التي تواجهها.

وتتسم التركيبة السكانية في هذه الدول أيضاً بعدم التجانس الداخلي، فهي مكتظة بشتى أنواع البشر الذين تختلف عاداتهم وتقاليدهم، وتمثل العمالة الوافدة الجزء الأكبر من قوة العمل الرئيسية، حيث تنتشر في كافة قطاعات النشاط الاقتصادي إلى درجة تصل فيها إلى أكثر من ثلث قوة العمل في بعض الدول الخليجية الست(السعودية والبحرين) وإلى أكثر من الثلثين في بعضها الآخر(قطر والإمارات والكويت). 

ويبلغ عدد العمال الأجانب قرابة 12.5 مليون عامل يشكلون حوالي 38.5% من مجموع سكان الخليج البالغ 33 مليونًا، وتستضيف السعودية أكبر عدد من هؤلاء العمال إذا يبلغ 7 ملايين عامل يشكلون نسبة 30 في المائة من عدد سكانها، بينما توجد في الإمارات أعلى نسبة من هذه العمالة، و تشكل نسبة 76 في المائة من مجموع عدد السكان، ويوجد في الكويت 1.475 مليون عامل أي 65 في المائة من عدد السكان، وفي عمان 630 ألف عامل يشكلون 27 في المائة من عدد السكان، أما قطر فتستضيف 420 ألف عامل بنسبة 75 في المائة من مجموع السكان، فيما يوجد في البحرين 280 ألفاً أي ما نسبته 37 في المائة من عدد السكان.

وتتركز العمالة الأجنبية في معظمها في جنسيات محددة لاسيما منها الهندية تليها الباكستانية والبنغالية والفلبينية، إلى الحد الذي تشير فيه الإحصاءات على سبيل المثال إلى أن العمالة الهندية فقط قد تضاعف عددها في دول المجلس من منتصف السبعينات إلى عام 2001 من نحو 150 ألف عامل إلى 3.3 مليون عامل، أي بنسبة الثلث من جملة قوة العمل الأجنبية في المنطقة، من بينهم 1.5 مليون عامل، في السعودية تليها الإمارات بعدد 950 ألفاً ثم سلطنة عمان 312 ألفاً وبعدها الكويت بعدد 295 ألفاً ثم البحرين وقطر بعدد 130 ألف عامل لكل دولة.

في ضوء هذه التركيبة السكانية التي تتسم بعدم التجانس من ناحية، والاختلال الواضح من ناحية ثانية لصالح العمالة الوافدة، مع الأخذ في الاعتبار التحولات التي طرأت على اتفاقيات العمل الدولية، والقواعد الجديدة التي بدأت تتحكم بسوق العمل من ناحية ثالثة، يتبين لنا بوضوح أن قضية العمالة الوافدة أضحت بكل المقاييس قضية أمنية وسياسية في المقام الأول قبل أن تكون قضية ذات مضامين تنموية واقتصادية واجتماعية، ومن ثم فإنها تمثل ذلك الخطر القادم الذي يحمل في طياته الكثير من التحديات لدول مجلس التعاون الخليجي، وهذا ما حذر منه وبوضوح رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في كلمته بمناسبة الذكرى الحادية والثلاثين لقيام دولة الإمارات في 2/12/2002 حين أعرب عن (قلقه البالغ إزاء الخلل في التركيبة السكانية للإمارات باعتبارها تمثل تهديداً لنسيح المجتمع الإماراتي ومصير الأجيال القادمة).

وليس من المبالغة أو التهويل في شيء القول إن العمالة الوافدة ستمثل أحد أخطر التحديات التي ستواجه دول المجلس في المستقبل، وخاصة تلك ذات الطابع الأمني والسياسي، وهو ما يمكن إيضاحه على النحو التالي:

أولاً : التحديات الأمنية: تمثل العمالة الوافدة تهديدا حقيقيا لأمن واستقرار دول المجلس، والذي يأخذ أشكالا مختلفة:

أ- التهديد الأمني المباشر، وذلك بتورط عناصر من هذه العمالة في بعض مظاهر الجريمة المنظمة كالتهريب بأشكاله المختلفة، والاتجار في المخدرات، ونجحت أجهزة الأمن الخليجية خلال الأعوام الماضية في اكتشاف شبكات لتهريب المخدرات والمجوهرات والخمور على علاقة بالعمالة الوافدة، وتحديداً الآسيوية، بل والأخطر أن بعض هذه العناصر ثبتت صلاته ببعض عصابات الجريمة المنظمة في الخارج، التي تدير أعمالاً مخالفة للقانون كغسيل الأموال وتزييف العملات والاتجار في المخدرات، أو القيام ببعض الأعمال غير المشروعة في الخارج، كحادث تفجير العبوات الناسفة الذي شهدته مدينة بومباي في مارس عام 1993، والذي راح ضحيته 257 قتيلاً وجرح فيه ما يزيد على 700 شخص، واتهمت فيه بعض أفراد الجالية الهندية الموجودة في أبو ظبي، ولهذا طلبت نيودلهي من حكومة الإمارات ـ آنذاك ـ بترحيل المشتبه بارتكابهم الحادث، لكن ذلك لم يتم لعدم وجود اتفاقية لترحيل المجرمين بين البلدين، وأثر هذا الحادث بالسلب على العلاقات الهندية-الإماراتية.

كما أن استمرار تدفق هجرة هذه العمالة بشكل مستمر ومن دون ضوابط واضحة ـ سواء بشكل رسمي أو غير شرعي ـ وانتشار البطالة بين عناصرها قد يؤدي إلى تزايد انخراطها في الجريمة والانحراف والاعتداء والسطو على الأموال والسرقة والنصب والتزوير والتهريب، الأمر الذي يمثل معه عبئاً على أجهزة الأمن الخليجية للتصدي لمثل هذه الأعمال، وما يستلزمه ذلك من زيادة نفقات الأمن الداخلي للحفاظ على الأوضاع في الداخل.

وقد ينتج عدم الاستقرار الأمني أيضاً نتيجة لقيام بعض عناصر العمالة الوافدة بأعمال تخريبية من شأنها إثارة عدم الاستقرار الداخلي، وذلك للمطالبة بتعديل أوضاع معينة خاصة بنظام العمل وفقاً لاتفاقيات العمل الدولية المذكورة، وهناك سوابق تؤكد ذلك، حيث قام العمال الهنود بإضراب في منطقة (الشعيبية) بالكويت عام 1978 مطالبين بزيادة الأجور وتحسين شروط العمل. ومن الأمور ذات الدلالة هنا أن هذا الإضراب أثار ردود فعل رسمية في الهند، حيث أعلن وزير الصناعة الهندي على أثر ذلك: أن الحكومة الهندية تنظر في مسألة (المضايقات) التي يتعرض لها الهنود في بعض أقطار الخلـيج، وادعى بعض أعضاء البرلمان الهندي بأن العمال الهنود العاملـين في الخليج يتعرضون إلى إجراءات تعسـفية وأنهم يعاملون (كما يعامل العبيد) على حد تعبيره.

وهذا الأمر قد يتكرر في المستقبل المنظور، وخاصة في ظل الضغوط الخارجية التي تدعو دول الخليج إلى التصديق على اتفاقيات العمل الدولية، بل وتصدر تقارير (مغلوطة) في بعض الأحيان، اعتمادا على شكاوى بعض عناصر هذه العمالة دونما تحقيق أو ثبوت من الواقع الحقيقي الذي تعيش فيه.

ب- التهديد الأمني غير المباشر، وقد ينتج بالأساس عن امتداد النزاعات الطائفية في بعض الدول المرسلة للعمالة إلى داخل الدول الخليجية، فالصراع بين المسلمين والهندوس في الهند مثلاً انتقل إلى الدول الخليجية من خلال تلك العمالة، فعندما حرق الهندوس مسجد (بابري) في الهند نشبت مظاهرات داخل الإمارات قامت قوات الأمن بتفريقها، كما أن قيام بعض عناصر العمالة الوافدة بممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية بشكل غير شرعي من خلال إقامة معابد وأديرة خاصة بهم من دون علم الحكومات التي يعملون لديها، قد يؤدي إلى تداعيات سياسية سلبية تتعلق بعلاقات دول المجلس الخارجية مع حكومات هذه العمالة الوافدة، فخلال شهر يونيو 2001 كادت تحدث أزمة سياسية بين الحكومة الهندية والكويت بسبب الجدل الذي أثير حول اكتشاف معبد للسيخ في الكويت، حيث طالب نواب في مجلس الأمة الكويتي بإغلاقه بصفته مخالفاً للقانون وغير مرخص. واكتشف تنظيم سري هندي في أبو ظبي عرف باسم (التنظيم السيخي) في التسعينات وكان يخطط لأعمال تخريبية.

إضافة إلى ما سبق، فإن الخلافات السياسية الإقليمية بين بعض الدول المرسلة للعمالة قد تمتد إلى جالياتها في دول الخليج، فاستمرار النزاع الهندي – الباكستاني حول إقليم كشمير قد ينتقل إلى دول المجلس التي تعمل بها جاليات من الدولتين، وفي حال توتر العلاقات بين حكومتي نيودلهي وإسلام آباد فإن ذلك قد تمتد آثاره إلى الخليج، وتحدث بعض الاضطرابات نتيجة للمصادمات والاحتكاكات التي قد تحدث بين الجاليتين الهندية والباكستانية، الأمر الذي يؤدي معه إلى حالة من عدم الاستقرار الأمني داخل دول الخليج.

ثانياً: الضغوط السياسية: يمكن أن تمثل العمالة الوافدة عنصر ضغط سياسي على صانع القرار الخليجي، وقد يأخذ هذا الضغط الأشكال التالية:

أ‌- الضغط على دول المجلس من أجل تعديل قوانين حقوق العمالة الوافدة والأجنبية بها، واتفاقها مع لوائح منظمة العمل الدولية من دون الأخذ في الاعتبار الخصوصية الثقافية والحضارية والدينية والمجتمعية التي تتسم بها دول الخليج، بل إن بعض القوى الكبرى تسعى إلى تسييس قضية العمالة الوافدة، وتوظيفها كورقة ضغط ضد هذه الدول، فالولايات المتحدة مثلاً حثت دول المجلس في الآونة الأخيرة على تعديل قوانين العمالة بها لتكون أكثر إنصافا وعدلا، وذلك حتى تكون ـ كما تزعم ـ مؤهلة للانضمام إلى اتفاق التجارة الحرة.

ب‌- قيام بعض المنظمات الحقوقية باستغلال قضية العمالة الوافدة لتشويه صورة دول المجلس الخارجية، فمنظمة (هيومان رايتس ووتش) الأمريكية أرسلت عدة بيانات إلى كل دول مجلس التعاون كل على حدة في أبريل 2003 تطالبها فيها بالتصديق على معاهدات العمل الدولية لحماية حقوق العمال الأجانب وأفراد أسرهم والتي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2003، كما أصدرت المنظمة تقريراً في يوليو 2004 أدانت فيه بشكل واضح ما زعمت فيه انتهاك حقوق العمال الأجانب في السعودية، وهو الأمر الذي رفضته الرياض، معتبرة إياه تقريرا مبالغا فيه، ولا يمكن الاستناد إليه في الادعاء بأن أغلبية العمال الأجانب في المملكة يتعرضون لانتهاكات. والواضح أن تقارير منظمة (هيومان رايتس ووتش) تفتقر إلى الدقة والوضوح، فهي تعتمد على بيانات مغلوطة تستقيها من معارضين في الخارج أو من بعض عناصر العمالة الوافد من دون أن تتحقق من صحة هذه البيانات، ما يعني أنها تحمل في بعض الأحيان دلالات سياسية خفية تتعلق بالضغوط التي تمارس على دول الخليج منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

جـ – قد يؤدي تزايد الاعتماد على العمالة الوافدة والأجنبية بنفس المعدلات المذكورة في الجدول أعلاه إلى خلق ما يمكن تسميته بطابور خامس ـ في أوقات الأزمات والتوترات ـ هذا الطابور قد يصبح في الأمد البعيد قادرا على خلق قوة ضاغطة ليست في صالح الانتماء إلى الخليج العربي، وقد يتم توظيفه كورقة للضغط على دول الخليج في حال نشوب أية خلافات سياسية بينها وبين حكومات الدول المرسلة للعمالة، وخاصة من جانب دولة كالهند لها طموح أن تصبح قوة إقليمية كبرى.

ثالثاً: المخاوف من تذويب دول الخليج في كيانات جديدة، وتحويل المواطنين الخليجيين إلى أقليات داخل دولهم: ففي ظل اتفاقيات العمل الدولية المذكورة، فإن العمالة الوافدة والمهاجرة تتحول من فئة المستوطنين إلى فئة متوطنين لهم أوضاعهم الاجتماعية الخاصة بهم، وقد تترجم ذلك في مرحلة ما إلى حركات سياسية تعبر عن فكرهم وطموحاتهم ومطالبهم، بل وتطالب بعض هذه الجاليات -خاصة الآسيوية الهندية تحديداًـ في مرحلة زمنية ما بحق تقرير المصير. ومن الطبيعي أن يلقى أي تحرك من هذا النوع العطف والتأييد من حكومات تلك الجاليات، وبعض جماعات حقوق الإنسان الدولية، وهذا معناه أن شبه القارة الهندية قادرة على أن تضغط على صانع القرار السياسي الخليجي في صالح هذه الجالية الكبيرة، والدليل على ذلك أن بعض الحكومات الآسيوية طالبت أكثر من مرة دول المجلس بمراجعة اتفاقيات التوظيف بزعم عدم وجود إجراءات سلامة مناسبة في أماكن العمل.

وقد تضطر دول المجلس ـ تحت طائلة العولمة وحرية التجارة وحقوق الإنسان واندماج مختلف الأجناس العرقية بها من دون تمييز بينها بسبب الأصل أو الجنس أو اللغة أو العقيدة ـ إلى تغيير دساتيرها والتخلص من وصف دولها بالعربية والإسلامية، وما يترتب على ذلك من حدوث انفصام وتجزئة تقود في نهاية المطاف إلى تحلل أو تفسخ مفهوم الإطار القومي للخليج العربي.

وأخيراً، فإن دول مجلس التعاون الخليجي باتت في حاجة ـ الآن أكثر من أي وقت مضى ـ إلى اعتبار قضية العمالة الوافدة والأجنبية قضية أمن قومي تتصل اتصالاً وثيقاً بمسألة السلام والاستقرار الداخلي، وهذا يتطلب منها ضرورة تنسيق مواقفها إزاء اتفاقيات العمل الدولية، والاستعداد لمواجهة الضغوط التي قد تُفرض عليها في هذا الشأن بتوضيح الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تنطلق منها في التعامل مع هذه القضية، ووضع قائمة محددة بتحفظاتها على هذه الاتفاقيات وتوضيح مخاطرها على أمنها واستقرارها في المستقبل.

::/fulltext::
::cck::2453::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *