النفط والعراق والسيارات الفخمة
::cck::2457::/cck::
::introtext::
“قطار الحرية يتحرك وسوف تجد الحرية طريقها”. بهذه العبارة، تحدث الرئيس جورج بوش. لكن ما الذي يعنيه الرئيس بوش بالتحديد؟ فبالنسبة للولايات المتحدة، ربما يرتبط الجواب عن هذا السؤال بمحركات ڤـي ـ 8 أكثر من صلته بعملية الانتخابات العراقية. وبحسب رأي جون براغ ، وهو متحدث باسم المركز الأمريكي للدفاع الأخلاقي عن الرأسمالية، فإن (السيارة تمثل أعظم رمز في العصر الحديث للحرية بالمفهوم الأمريكي .. فالسيارة تجسد رمزاً قوياً لعظمة أمريكا، ويجعلها أكثر الدول تمتعاً بالحرية في العالم). كما أن مشاعـرَ من هذا القبيل لا تقتصر بالضرورة على التيار اليميني المتطرف في الحياة السياسية الأمريكية، خصوصاً أن ظاهرة انتشار السيارات على نطاق واسع باتت تمثل الخاصية الرئيسية التي تحدد أسلوب حياة الإنسان الأمريكي.
::/introtext::
::fulltext::
“قطار الحرية يتحرك وسوف تجد الحرية طريقها”. بهذه العبارة، تحدث الرئيس جورج بوش . لكن ما الذي يعنيه الرئيس بوش بالتحديد؟ فبالنسبة للولايات المتحدة، ربما يرتبط الجواب عن هذا السؤال بمحركات ڤـي ـ 8 أكثر من صلته بعملية الانتخابات العراقية. وبحسب رأي جون براغ ، وهو متحدث باسم المركز الأمريكي للدفاع الأخلاقي عن الرأسمالية، فإن (السيارة تمثل أعظم رمز في العصر الحديث للحرية بالمفهوم الأمريكي .. فالسيارة تجسد رمزاً قوياً لعظمة أمريكا، ويجعلها أكثر الدول تمتعاً بالحرية في العالم). كما أن مشاعـرَ من هذا القبيل لا تقتصر بالضرورة على التيار اليميني المتطرف في الحياة السياسية الأمريكية، خصوصاً أن ظاهرة انتشار السيارات على نطاق واسع باتت تمثل الخاصية الرئيسية التي تحدد أسلوب حياة الإنسان الأمريكي.
وخلال شهر أكتوبر 2001، وبمناسبة الإعلان عن بدء الإنتاج في أحد الحقول النفطية في ألاسكا، صرح وزير الداخلية الأمريكي قائلاً: (في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، أوكل الشعب الأمريكي لحكومته مهمة تعزيز الأمن القومي. ويمثل هذا المشروع خطوة إيجابية في إطار ذلك التوجه). ثم إنه ومن باب تقديم شرح لما أدلى به، استرسل وزير الداخلية قائلاً: (إن النفط الذي سيتم إنتاجه من هذا الحقل سيكفي لملء خزانات الوقود لما يناهز مليون سيارة أمريكية خلال السنوات الست المقبلة). من الظاهر أن (الأمن القومي) في أمريكا في ظل عهد الرئيس بوش أصبح يوازي دوران مليون محرك، وبالتالي بات الأمن القومي يعني ضمان تدفق النفط بأسعار مقبولة بشكل منتظم وغير متقطع.
ولفهم جوهر هذه الرؤية، دعونا نتمعن في المعطيات التالية. اليوم، يمثل عدد سكان الولايات المتحدة خمسة في المائة من إجمالي سكان العالم، في حين يستهلك الأمريكيون نحو خمسة وعشرين في المائة من إنتاج النفط العالمي. ومع حلول مطلع القرن الحادي والعشرين، سجل حجم استهلاك السوق الأمريكية للنفط أرقاماً قياسية غير معهودة في التاريخ، إذ وصل حجم الاستهلاك إلى حدود 19.7 مليون برميل يومياً، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بنسبة 18 في المائة خلال عقد واحد من الزمن. علاوة على ذلك، مـثّـل استهلاك المركبات للنفط نحو 53 في المائة ـ أي نحو 10.6 مليون برميل نفط يومياً ـ وهذا الرقم يتجاوز حجم الإنتاج الإجمالي اليومي للمملكة العربية السعودية باعتبارها أكبر منتج للنفط في العالم، ويناهز في الوقت نفسه حجم الاستهلاك اليومي لكل من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية وقارة إفريقيا والاتحاد السوفييتي السابق.
وفي الواقع، فإن المجتمع الأمريكي يمتلك أكبر أسطول من السيارات في العالم، فكل ألف شخص في أمريكا يمتلكون نحو 834 مركبة مزودة بمحرك، وهذا المعدل يتجاوز بنسبة 50 في المائة المعدل المسجل في دول أوروبا الغربية. أضف إلى ذلك أن نحو 57 في المائة من الأسر الأمريكية تمتلك سيارة أو سيارتين، في حين يمتلك نحو 18.3 في المائة من الأسر الأمريكية ثلاث سيارات. ويصل معدل استهلاك الفرد الواحد في الولايات المتحدة من النفط إلى ثلاثة أضعاف ما يستهلكه الفرد الواحد في اليابان وما يستهلكه الفرد الواحد في ألمانيا وفرنسا مرتين ونصف المرة.
وخلال عام 2000، اشترى المواطنون الأمريكيون نحو 17.8 مليون مركبة، وتجاوز حجم مبيعات المركبات الخفيفة من طراز (البيك اب) و(اس. يو. ڤـي) و(ميني فان) لأول مرة حجم مبيعات السيارات العادية. وعلينا أن نستذكر أن الولايات المتحدة تمثل أكبر منتج للسيارات في العالم. وبحسب تقرير صدر عن مجلس الولايات المتحدة للأبحاث القومية، فإن (السيارة ليست تكنولوجيا أو وسيلة نقل فحسب، بل هي عامل أساسي يحدد مسيرة الاقتصاد برمته). وهكذا، أصبحت السيارة تحرك الاقتصاد الأمريكي. وبالتالي، فإن النفط، كما جاء في موقع وزارة الطاقة الأمريكية، يمثل (شريان حياة) الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، فإنه في العديد من ضواحي المدن الأمريكية، لا تتوفر وسائل النقل العام. ففي عام 1965، أشار أحد المؤرخين الأمريكيين إلى أن (الحياة في المدن الأمريكية الكبرى لن يكون بوسعها أن تستمر في حال توقفت محركات السيارات لأي سبب من الأسباب). وبعد انقضاء خمس وعشرين سنة، كتب مايكل براوز الصحفي بصحيفة (الفاينانشال تايمز) متحدثاً بعبارات تمثل صدى لمقولة المؤرخ الأمريكي: (إن المترجلين افتقدوا قدراتهم وسط هذا المد الحضري الذي تشهده الولايات المتحدة.. ولهذا السبب، أصبحت السيارة ـ والبنـزين الرخيص ـ من ضروريات الحياة بالنسبة للمستهلك العادي، إن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للإنسان العادي).
لكن ومع حلول نهاية القرن العشرين، أمسى (شريان الحياة) الذي أشار إليه موقع وزارة الطاقة في عهد إدارة الرئيس بوش بحاجة إلى عملية واسعة لضخ دم جديد. ففي عام 1998، تجاوز حجم واردات النفط الأمريكية 50 في المائة من إجمالي الاستهلاك المحلي. وبحلول عام 2001، وصلت تلك النسبة إلى 54 في المائة، بل الأدهى من ذلك أن حجم استهلاك النفط المستورد من دول الخليج العربي من قبل الولايات المتحدة (مع الأخذ في الاعتبار حجم الإنتاج المحلي) بلغ نحو 14.1 في المائة، وهي أعلى نسبة في تاريخ الولايات المتحدة. فضلاً عن ذلك، برزت مؤشرات خطيرة تتعلق بمستقبل أمريكا. فوزارة الطاقة الأمريكية نشرت توقعات تشير إلى أنه مع حلول عام 2010 سوف يتجاوز حجم الاستهلاك اليومي للنفط في الولايات المتحدة 23 مليون برميل. ومن المتوقع أن يتصاعد حجم الواردات النفطية إلى حدود أربعة عشر مليون برميل يومياً.
وتتمثل المشكلة الجوهرية هنا في كون حجم الطلب الأمريكي على واردات النفط الخليجية يتزايد بشكل مطرد، في حين ترفض الدول الخليجية المنتجة للنفط فتح قطاعاتها النفطية للشركات العالمية المتعددة الجنسيات التي تتوفر على إمكانية ضخ مبالغ هائلة لرفع مستوى الإنتاج. وصدر تقرير عن مجلس العلاقات الخارجية حذر ضمنه الرئيس بوش من أن (أزمة محتملة قد تتفجر في أي وقت من الأوقات.. فالعالم اليوم على وشك استنفاد قدراته المتاحة لإنتاج النفط، وبالتالي، سوف تتفاقم فرص حدوث أزمة على مستوى الإمدادات النفطية قد تحمل في طياتها عواقب أكثر حدة مما شهده العالم خلال العقود الثلاثة الماضية).
قد يتجادل المؤرخون لسنين طويلة حول الدوافع التي وقفت وراء عملية غزو العراق في عام 2003، لكن بعض الحقائق تبقى غير قابلة للجدل. فمنذ المراحل الأولى للتخطيط لاحتلال العراق، التقى مسؤولون من الإدارة الأمريكية في العديد من المناسبات مع مجموعة من العراقيين المقيمين في المنفى لمناقشة مستقبل نفط العراق. وبحسب رأي آر. جيرالد بايلي، المدير السابق لقسم الإنتاج في منطقة الخليح التابع لشركة إكسون موبيل، فإن جميع شركات النفط الأمريكية الرئيسية التقت بجماعات المعارضة العراقية المقيمة في المنفى. وخلال تلك اللقاءات، كان المعارضون العراقيون يقولون: (يمكنكم الحصول على نفط العراق في حال تمكنا من العودة إلى العراق). ومن بين القرارات التي تم اتخاذها رفع حجم إنتاج نفط العراق بأسرع وقت ممكن، وفتح المجال أمام الشركات الأجنبية لإبرام عقود لمحاصصة إنتاج النفط العراقي، وذلك بهدف رفع الإنتاج إلى أقصى الحدود في المستقبل بغض النظر عن سقف الحصص المفروض من قبل منظمة أوبك، وتبني ممارسات تفضيلية في التعامل مع المقاولات الأمريكية مع ضرورة تعيين (قيصر نفط) أمريكي ليتولى مهمة الإشراف على تنفيذ هذا المخطط. وفي إطار السعي إلى إبراز دور عامل النفط ضمن عملية غزو العراق وفي خضم حالة الفوضى التي تفشت في أعقاب احتلال بغداد، كانت وزارة النفط العراقية المبنى الوحيد الذي أحاطته قوات التحالف بحماية خاصة.
غير أن أمريكا وقد خاضت بالفعل حرباً من أجل النفط في منطقة الشرق الأوسط، فإنها قد خسرت تلك الحرب، فهي لم تتوقع اندلاع عمليات تمرد عنيفة، ولم تتوقع أيضاً حدوث عمليات تخريب عديدة طالت منشآت النفط العراقية بعد الإعلان عن الانتصار الأولي للحملة العسكرية. وبالتالي، لم تحدث الزيادة في إنتاج النفط العراقي كما كان مخططا لها. وقبيل شن عملية غزو العراق، توقع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أن يتمكن العراق مع حلول نهاية عام 2003 من إنتاج ثلاثة ملايين برميل يومياً من النفط. وفي الواقع، فإن العراق اليوم لا يزال يصدِّر كميات نفط أقل مما كان يصدِّره قبل الغزو، لكن الأمريكيين يستمرون في قيادة سياراتهم الفخمة، وبالتالي، ليس من المستغرب أن تستمر أسعار النفط في التصاعد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2457::/cck::
::introtext::
“قطار الحرية يتحرك وسوف تجد الحرية طريقها”. بهذه العبارة، تحدث الرئيس جورج بوش. لكن ما الذي يعنيه الرئيس بوش بالتحديد؟ فبالنسبة للولايات المتحدة، ربما يرتبط الجواب عن هذا السؤال بمحركات ڤـي ـ 8 أكثر من صلته بعملية الانتخابات العراقية. وبحسب رأي جون براغ ، وهو متحدث باسم المركز الأمريكي للدفاع الأخلاقي عن الرأسمالية، فإن (السيارة تمثل أعظم رمز في العصر الحديث للحرية بالمفهوم الأمريكي .. فالسيارة تجسد رمزاً قوياً لعظمة أمريكا، ويجعلها أكثر الدول تمتعاً بالحرية في العالم). كما أن مشاعـرَ من هذا القبيل لا تقتصر بالضرورة على التيار اليميني المتطرف في الحياة السياسية الأمريكية، خصوصاً أن ظاهرة انتشار السيارات على نطاق واسع باتت تمثل الخاصية الرئيسية التي تحدد أسلوب حياة الإنسان الأمريكي.
::/introtext::
::fulltext::
“قطار الحرية يتحرك وسوف تجد الحرية طريقها”. بهذه العبارة، تحدث الرئيس جورج بوش . لكن ما الذي يعنيه الرئيس بوش بالتحديد؟ فبالنسبة للولايات المتحدة، ربما يرتبط الجواب عن هذا السؤال بمحركات ڤـي ـ 8 أكثر من صلته بعملية الانتخابات العراقية. وبحسب رأي جون براغ ، وهو متحدث باسم المركز الأمريكي للدفاع الأخلاقي عن الرأسمالية، فإن (السيارة تمثل أعظم رمز في العصر الحديث للحرية بالمفهوم الأمريكي .. فالسيارة تجسد رمزاً قوياً لعظمة أمريكا، ويجعلها أكثر الدول تمتعاً بالحرية في العالم). كما أن مشاعـرَ من هذا القبيل لا تقتصر بالضرورة على التيار اليميني المتطرف في الحياة السياسية الأمريكية، خصوصاً أن ظاهرة انتشار السيارات على نطاق واسع باتت تمثل الخاصية الرئيسية التي تحدد أسلوب حياة الإنسان الأمريكي.
وخلال شهر أكتوبر 2001، وبمناسبة الإعلان عن بدء الإنتاج في أحد الحقول النفطية في ألاسكا، صرح وزير الداخلية الأمريكي قائلاً: (في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، أوكل الشعب الأمريكي لحكومته مهمة تعزيز الأمن القومي. ويمثل هذا المشروع خطوة إيجابية في إطار ذلك التوجه). ثم إنه ومن باب تقديم شرح لما أدلى به، استرسل وزير الداخلية قائلاً: (إن النفط الذي سيتم إنتاجه من هذا الحقل سيكفي لملء خزانات الوقود لما يناهز مليون سيارة أمريكية خلال السنوات الست المقبلة). من الظاهر أن (الأمن القومي) في أمريكا في ظل عهد الرئيس بوش أصبح يوازي دوران مليون محرك، وبالتالي بات الأمن القومي يعني ضمان تدفق النفط بأسعار مقبولة بشكل منتظم وغير متقطع.
ولفهم جوهر هذه الرؤية، دعونا نتمعن في المعطيات التالية. اليوم، يمثل عدد سكان الولايات المتحدة خمسة في المائة من إجمالي سكان العالم، في حين يستهلك الأمريكيون نحو خمسة وعشرين في المائة من إنتاج النفط العالمي. ومع حلول مطلع القرن الحادي والعشرين، سجل حجم استهلاك السوق الأمريكية للنفط أرقاماً قياسية غير معهودة في التاريخ، إذ وصل حجم الاستهلاك إلى حدود 19.7 مليون برميل يومياً، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بنسبة 18 في المائة خلال عقد واحد من الزمن. علاوة على ذلك، مـثّـل استهلاك المركبات للنفط نحو 53 في المائة ـ أي نحو 10.6 مليون برميل نفط يومياً ـ وهذا الرقم يتجاوز حجم الإنتاج الإجمالي اليومي للمملكة العربية السعودية باعتبارها أكبر منتج للنفط في العالم، ويناهز في الوقت نفسه حجم الاستهلاك اليومي لكل من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية وقارة إفريقيا والاتحاد السوفييتي السابق.
وفي الواقع، فإن المجتمع الأمريكي يمتلك أكبر أسطول من السيارات في العالم، فكل ألف شخص في أمريكا يمتلكون نحو 834 مركبة مزودة بمحرك، وهذا المعدل يتجاوز بنسبة 50 في المائة المعدل المسجل في دول أوروبا الغربية. أضف إلى ذلك أن نحو 57 في المائة من الأسر الأمريكية تمتلك سيارة أو سيارتين، في حين يمتلك نحو 18.3 في المائة من الأسر الأمريكية ثلاث سيارات. ويصل معدل استهلاك الفرد الواحد في الولايات المتحدة من النفط إلى ثلاثة أضعاف ما يستهلكه الفرد الواحد في اليابان وما يستهلكه الفرد الواحد في ألمانيا وفرنسا مرتين ونصف المرة.
وخلال عام 2000، اشترى المواطنون الأمريكيون نحو 17.8 مليون مركبة، وتجاوز حجم مبيعات المركبات الخفيفة من طراز (البيك اب) و(اس. يو. ڤـي) و(ميني فان) لأول مرة حجم مبيعات السيارات العادية. وعلينا أن نستذكر أن الولايات المتحدة تمثل أكبر منتج للسيارات في العالم. وبحسب تقرير صدر عن مجلس الولايات المتحدة للأبحاث القومية، فإن (السيارة ليست تكنولوجيا أو وسيلة نقل فحسب، بل هي عامل أساسي يحدد مسيرة الاقتصاد برمته). وهكذا، أصبحت السيارة تحرك الاقتصاد الأمريكي. وبالتالي، فإن النفط، كما جاء في موقع وزارة الطاقة الأمريكية، يمثل (شريان حياة) الاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، فإنه في العديد من ضواحي المدن الأمريكية، لا تتوفر وسائل النقل العام. ففي عام 1965، أشار أحد المؤرخين الأمريكيين إلى أن (الحياة في المدن الأمريكية الكبرى لن يكون بوسعها أن تستمر في حال توقفت محركات السيارات لأي سبب من الأسباب). وبعد انقضاء خمس وعشرين سنة، كتب مايكل براوز الصحفي بصحيفة (الفاينانشال تايمز) متحدثاً بعبارات تمثل صدى لمقولة المؤرخ الأمريكي: (إن المترجلين افتقدوا قدراتهم وسط هذا المد الحضري الذي تشهده الولايات المتحدة.. ولهذا السبب، أصبحت السيارة ـ والبنـزين الرخيص ـ من ضروريات الحياة بالنسبة للمستهلك العادي، إن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للإنسان العادي).
لكن ومع حلول نهاية القرن العشرين، أمسى (شريان الحياة) الذي أشار إليه موقع وزارة الطاقة في عهد إدارة الرئيس بوش بحاجة إلى عملية واسعة لضخ دم جديد. ففي عام 1998، تجاوز حجم واردات النفط الأمريكية 50 في المائة من إجمالي الاستهلاك المحلي. وبحلول عام 2001، وصلت تلك النسبة إلى 54 في المائة، بل الأدهى من ذلك أن حجم استهلاك النفط المستورد من دول الخليج العربي من قبل الولايات المتحدة (مع الأخذ في الاعتبار حجم الإنتاج المحلي) بلغ نحو 14.1 في المائة، وهي أعلى نسبة في تاريخ الولايات المتحدة. فضلاً عن ذلك، برزت مؤشرات خطيرة تتعلق بمستقبل أمريكا. فوزارة الطاقة الأمريكية نشرت توقعات تشير إلى أنه مع حلول عام 2010 سوف يتجاوز حجم الاستهلاك اليومي للنفط في الولايات المتحدة 23 مليون برميل. ومن المتوقع أن يتصاعد حجم الواردات النفطية إلى حدود أربعة عشر مليون برميل يومياً.
وتتمثل المشكلة الجوهرية هنا في كون حجم الطلب الأمريكي على واردات النفط الخليجية يتزايد بشكل مطرد، في حين ترفض الدول الخليجية المنتجة للنفط فتح قطاعاتها النفطية للشركات العالمية المتعددة الجنسيات التي تتوفر على إمكانية ضخ مبالغ هائلة لرفع مستوى الإنتاج. وصدر تقرير عن مجلس العلاقات الخارجية حذر ضمنه الرئيس بوش من أن (أزمة محتملة قد تتفجر في أي وقت من الأوقات.. فالعالم اليوم على وشك استنفاد قدراته المتاحة لإنتاج النفط، وبالتالي، سوف تتفاقم فرص حدوث أزمة على مستوى الإمدادات النفطية قد تحمل في طياتها عواقب أكثر حدة مما شهده العالم خلال العقود الثلاثة الماضية).
قد يتجادل المؤرخون لسنين طويلة حول الدوافع التي وقفت وراء عملية غزو العراق في عام 2003، لكن بعض الحقائق تبقى غير قابلة للجدل. فمنذ المراحل الأولى للتخطيط لاحتلال العراق، التقى مسؤولون من الإدارة الأمريكية في العديد من المناسبات مع مجموعة من العراقيين المقيمين في المنفى لمناقشة مستقبل نفط العراق. وبحسب رأي آر. جيرالد بايلي، المدير السابق لقسم الإنتاج في منطقة الخليح التابع لشركة إكسون موبيل، فإن جميع شركات النفط الأمريكية الرئيسية التقت بجماعات المعارضة العراقية المقيمة في المنفى. وخلال تلك اللقاءات، كان المعارضون العراقيون يقولون: (يمكنكم الحصول على نفط العراق في حال تمكنا من العودة إلى العراق). ومن بين القرارات التي تم اتخاذها رفع حجم إنتاج نفط العراق بأسرع وقت ممكن، وفتح المجال أمام الشركات الأجنبية لإبرام عقود لمحاصصة إنتاج النفط العراقي، وذلك بهدف رفع الإنتاج إلى أقصى الحدود في المستقبل بغض النظر عن سقف الحصص المفروض من قبل منظمة أوبك، وتبني ممارسات تفضيلية في التعامل مع المقاولات الأمريكية مع ضرورة تعيين (قيصر نفط) أمريكي ليتولى مهمة الإشراف على تنفيذ هذا المخطط. وفي إطار السعي إلى إبراز دور عامل النفط ضمن عملية غزو العراق وفي خضم حالة الفوضى التي تفشت في أعقاب احتلال بغداد، كانت وزارة النفط العراقية المبنى الوحيد الذي أحاطته قوات التحالف بحماية خاصة.
غير أن أمريكا وقد خاضت بالفعل حرباً من أجل النفط في منطقة الشرق الأوسط، فإنها قد خسرت تلك الحرب، فهي لم تتوقع اندلاع عمليات تمرد عنيفة، ولم تتوقع أيضاً حدوث عمليات تخريب عديدة طالت منشآت النفط العراقية بعد الإعلان عن الانتصار الأولي للحملة العسكرية. وبالتالي، لم تحدث الزيادة في إنتاج النفط العراقي كما كان مخططا لها. وقبيل شن عملية غزو العراق، توقع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أن يتمكن العراق مع حلول نهاية عام 2003 من إنتاج ثلاثة ملايين برميل يومياً من النفط. وفي الواقع، فإن العراق اليوم لا يزال يصدِّر كميات نفط أقل مما كان يصدِّره قبل الغزو، لكن الأمريكيين يستمرون في قيادة سياراتهم الفخمة، وبالتالي، ليس من المستغرب أن تستمر أسعار النفط في التصاعد.
::/fulltext::
::cck::2457::/cck::
