مؤسسات الرأي وصناعة القرار: أين مراكز الأبحاث في دول الخليج؟
::cck::2454::/cck::
::introtext::
تحظى مراكز الأبحاث والدراسات العلمية بعناية فائقة في الدول والمجتمعات المتقدمة، إذ يشكل جهد هذه المراكز أهمية خاصة لدى صناع القرار والمهتمين بتطوير الشأن العام. فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم المتقدم من عشرات المراكز المتخصصة في مجال العمل البحثي، ورصد التحولات في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
تحظى مراكز الأبحاث والدراسات العلمية بعناية فائقة في الدول والمجتمعات المتقدمة، إذ يشكل جهد هذه المراكز أهمية خاصة لدى صناع القرار والمهتمين بتطوير الشأن العام. فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم المتقدم من عشرات المراكز المتخصصة في مجال العمل البحثي، ورصد التحولات في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وتشير التقارير إلى أن مجموع ما أنفقته الولايات المتحدة الأمريكية على البحث العلمي عام 1989 بلغ مائة مليار دولار، ويقدر هذا بـ 26% من الناتج القومي، تحصل منها أبحاث الفضاء على 12 مليار دولار سنويا. ويبلغ عدد الباحثين في الولايات المتحدة 85 باحثا لكل عشرة آلاف مواطن أمريكي. أما إسرائيل ( من باب اعرف عدوك ) فهي الأخرى تعد من دول الإنفاق الكبير على البحث العلمي الذي وصل عام 2000 إلى 3% من دخلها القومي، ويبلغ عدد الباحثين فيها 135 باحثا لكل عشرة آلاف مواطن إسرائيلي.
ويتوقع أنه خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة أن تكون الولايات المتحدة ثم إسرائيل وادي السيليكون (رقائق الكمبيوتر والعقول الالكترونية( الأول في العالم. لا غرابة والأمر كذلك إن تحدث الناطقون باسم الدول الصناعية عن سيناريو ما بعد الخمسين سنة المقبلة، ويصعب على أي جهة أن تهمل تقارير مراكز الرأي الغربية عن حالة بلادها والتغيرات التي سوف تشهدها لكون احتمالات صحتها كبيرة، إذ إن أي تنبؤ يعتمد اعتمادا كليا على مقدار توفر نظام علمي وتقني متطور، فعملية التخطيط، ووضع تصورات للمستقبل، وتجاوز عثرات الطريق نحو النمو، والتطوير الاجتماعي، إنما يعتمد بصورة أساسية على قوة المؤسسات العلمية القادرة على وضع الخطط والتصورات الدقيقة.
ومن خلال إطلالة سريعة على حجم الإنفاق في ميدان البحث العلمي مقارنة بمثيلاتها في الدول المتقدمة، نخلص إلى مقدار العجز المعرفي الذي تعاني منه الدول العربية قاطبة ومنها دول الخليج العربي، إذ يقدر الإنفاق على البحث العلمي في الدول العربية بـ 4 دولارات سنويا للفرد الواحد، أما في الولايات المتحدة فيقدر بـ 1200 دولار للفرد الواحد. حجم ما ينفق على البحث العلمي في العالم العربي يعادل 0.02%، أما في اليابان فيبلغ 5%، وفي أمريكا 2.8%، وفي إسرائيل يبلغ 1.8%. ويصل ما تصرفه اليابان على البحث العلمي إلى 8 مليارات في السنة، وفي أمريكا يصل حجم الإنفاق إلى 220 مليار دولار في السنة، وفي إسرائيل يبلغ 650 مليون دولار في السنة.
وبالنسبة لعدد مراكز البحث في العالم العربي وأغلبها في الجامعات فيصل إلى 600 مركز فقط، فيما يبلغ عدد المراكز البحثية في فرنسا وحدها 1500 مركز بحثي متقدم. وفي الولايات المتحدة يبلغ عدد مؤسسات البحث التي تعتني بكل ما يندرج تحت بند ” التحليلات السياسية ” من صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، وتطوير تكنولوجيا سياسية جديدة، وطرح تصورات في القضايا الداخلية حوالي 2000 مؤسسة.
ويضم العالم العربي بجميع أقطاره باحثين يقدر عددهم بما لا يتجاوز تسعة عشر ألف باحث، فيما تضم فرنسا وحدها 31 ألف باحث، أما الولايات المتحدة فينهض بمؤسساتها ومراكزها البحثية ما يتجاوز الأربعمائة ألف باحث، وهذا يعني أن الفجوة بيننا وبين الدول الصناعية لن تبقى على حالها بل ستزداد اتساعا.
وتمثل هذه الأرقام إجابة قاطعة وصريحة عن علة تخلفنا وسر تفوقهم، فما تشهده هذه الدول من تقدم وتفوق على مختلف المستويات إنما هو واقع صيرورة حتمية لدور العلماء والباحثين المتواصل في عملية البناء الحضاري، ضمن مناخ يشجع على طلب العلم، ويحث على ضرورة الرصد والمتابعة، ويسمح بهامش كبير ليُبدع فيه الباحث من دون أن تطال أبحاثه مقص الرقيب أو زنزانته أو سيفه.
لقد أدرك الغربيون في وقت مبكر أن العلم لم يعد شارة تتزين بها المجتمعات، إنما هو أحد أهم أسلحة العصر، وعليه فإن مساحات توليد الطاقات والقدرات العلمية في الغرب لم تعد من اختصاص الجامعات وحدها، بل هناك المئات بل الآلاف من مراكز البحوث ومؤسسات البحث العلمي، بعضها تديره الدولة إدراكا منها لأهمية تفعيل مراصد البحث لامتلاك زمام الأمور، وأغلبها تدعمها مؤسسات مدنية يشرف عليها كبار المسؤولين السابقين والخبراء ممن لديهم خبرات متراكمة في مجالات معرفية تتعلق بالمشكلات والقضايا المطروحة، فيما يقوم على إدارتها والتفكير بآفاقها شباب طموح لا يعرفون غير لغة العلم والعمل والإتقان، ولا هدف لهم سوى التقدم بأنفسهم وبلادهم نحو المستقبل، كما تغذي هذه المراكز البحثية المؤسسات الحكومية بالباحثين والخبراء لينهضوا بواقع دولهم.
فقد خدم على سبيل المثال جيمز ستاينبرغ نائب رئيس ومدير برنامج دراسات السياسة الخارجية في بروكنغز، وهلموت سوننفلدت المدير السابق لمكتب الأبحاث حول الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية في وزارة الخارجية، ومارتن إنديك مدير مركز صبان لسياسة الشرق الأدنى التابع لمؤسسة بروكنغز في وزارة الخارجية أو في مجلس الأمن القومي وتبوؤوا أعلى المناصب.
هذا الاستعراض السريع لواقع البحث العلمي في البلدان الغربية لا يأتي من باب الانبهار بالآخر، أو من قبيل الشعور بالانهزام النفسي أمامه، كما يحلو للبعض أن يستعجل الحكم، وإنما الهدف من طرح الموضوع هو المقارنة مع واقع البحث العلمي في بلادنا، وتسليط الضوء على أبرز ملمح في التاريخ العربي المعاصر، وهو انفصال التوقعات والآمال عن الواقع المعاش.
إن أحد أهم العوائق أمام نمو مراكز الأبحاث في الدول العربية وبالخصوص دول الخليج هو طبيعة التركيبة السياسية فيها، فثمة توازنات لا يرغب أحد في تغييرها، إذ يخشى صناع القرار في بلادنا من أن تؤدي تطبيقات التنمية، وفعالية مؤسسات الفكر إلى إدخال العلماء والباحثين كطرف مؤثر في الحركة السياسية، لا سيما إذا أثبت الواقع صحة نظرياتهم وفساد رأي المتصدين للشأن السياسي حاليا، وباعتبار دول مجلس التعاون من أكثر البنى السياسية تقليدية، فإن إضافة أي طرف جديد في المعادلة السياسية سيؤدي في نظر الحذرين إلى تغييرات غير محسوبة العواقب.
وفي ظل هذا الحذر الخليجي تبدو القلة القليلة من مؤسسات الرأي في دول مجلس التعاون محدودة الفائدة ويصعب عليها أن تضطلع بأي مساهمة نوعية في الارتقاء بالقرار السياسي، يمكن على سبيل المثال الإشارة إلى ضآلة الدور الذي اضطلعت به مراكز الأبحاث في دولة الكويت رغم تعرض البلد لكارثة الاحتلال، حيث لم تنتج بعد خمس عشرة سنة سوى بعض الكراسات القليلة التي توثق بالصور والمعلومات جرائم النظام العراقي البائد، ورغم أهمية هذا الدور فإنه لم يرتق إلى مستوى وضع استراتيجية واضحة لدولة ما بعد الاحتلال، كما لم يتضح أنها استطاعت تقديم مشورة تساهم في انتشال البلد من حزمة المشكلات التي وجدت نفسها غارقة فيها. بينما انطلقت الموجة الثانية من مراكز الفكر في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنشئت مؤسسة “راند” سنة 1948 كمؤسسة مستقلة تمول من سلاح الطيران الأمريكي، وتدير المؤسسة ثلاثة مراكز أبحاث وتطوير فاعلة، وساهمت في إنجاز مشروع بحثي تحليلي موسع غير تقليدي حول الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والغربية، والصين واليابان وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بالصورة التي مكنت الولايات المتحدة من فهم المنافسين عن قرب و إحكام سيطرتها على العالم.
وأخيراً هناك ثمة قناعة لا يمكن استبعادها هي الأخرى عند التحقيق في سر غياب دور مؤسسات الفكر والرأي في دول الخليج، مفادها أن الانتقال من مرحلة استهلاك المنتجات الغربية والتبعية المطلقة للخارج إلى مرحلة إنتاج العلم والأخذ بزمام المبادرة الحضارية، إنما هو تعد على الدور المرسوم لها كسوق مستهلك لمنتجات العالم المتقدم، وكمعمل كبير تُطبق فيه الدول الكبرى والشركات العولمية خططها وبرامجها الضخمة وإن أتت على حساب الإنسان والوطن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2454::/cck::
::introtext::
تحظى مراكز الأبحاث والدراسات العلمية بعناية فائقة في الدول والمجتمعات المتقدمة، إذ يشكل جهد هذه المراكز أهمية خاصة لدى صناع القرار والمهتمين بتطوير الشأن العام. فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم المتقدم من عشرات المراكز المتخصصة في مجال العمل البحثي، ورصد التحولات في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
تحظى مراكز الأبحاث والدراسات العلمية بعناية فائقة في الدول والمجتمعات المتقدمة، إذ يشكل جهد هذه المراكز أهمية خاصة لدى صناع القرار والمهتمين بتطوير الشأن العام. فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم المتقدم من عشرات المراكز المتخصصة في مجال العمل البحثي، ورصد التحولات في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وتشير التقارير إلى أن مجموع ما أنفقته الولايات المتحدة الأمريكية على البحث العلمي عام 1989 بلغ مائة مليار دولار، ويقدر هذا بـ 26% من الناتج القومي، تحصل منها أبحاث الفضاء على 12 مليار دولار سنويا. ويبلغ عدد الباحثين في الولايات المتحدة 85 باحثا لكل عشرة آلاف مواطن أمريكي. أما إسرائيل ( من باب اعرف عدوك ) فهي الأخرى تعد من دول الإنفاق الكبير على البحث العلمي الذي وصل عام 2000 إلى 3% من دخلها القومي، ويبلغ عدد الباحثين فيها 135 باحثا لكل عشرة آلاف مواطن إسرائيلي.
ويتوقع أنه خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة أن تكون الولايات المتحدة ثم إسرائيل وادي السيليكون (رقائق الكمبيوتر والعقول الالكترونية( الأول في العالم. لا غرابة والأمر كذلك إن تحدث الناطقون باسم الدول الصناعية عن سيناريو ما بعد الخمسين سنة المقبلة، ويصعب على أي جهة أن تهمل تقارير مراكز الرأي الغربية عن حالة بلادها والتغيرات التي سوف تشهدها لكون احتمالات صحتها كبيرة، إذ إن أي تنبؤ يعتمد اعتمادا كليا على مقدار توفر نظام علمي وتقني متطور، فعملية التخطيط، ووضع تصورات للمستقبل، وتجاوز عثرات الطريق نحو النمو، والتطوير الاجتماعي، إنما يعتمد بصورة أساسية على قوة المؤسسات العلمية القادرة على وضع الخطط والتصورات الدقيقة.
ومن خلال إطلالة سريعة على حجم الإنفاق في ميدان البحث العلمي مقارنة بمثيلاتها في الدول المتقدمة، نخلص إلى مقدار العجز المعرفي الذي تعاني منه الدول العربية قاطبة ومنها دول الخليج العربي، إذ يقدر الإنفاق على البحث العلمي في الدول العربية بـ 4 دولارات سنويا للفرد الواحد، أما في الولايات المتحدة فيقدر بـ 1200 دولار للفرد الواحد. حجم ما ينفق على البحث العلمي في العالم العربي يعادل 0.02%، أما في اليابان فيبلغ 5%، وفي أمريكا 2.8%، وفي إسرائيل يبلغ 1.8%. ويصل ما تصرفه اليابان على البحث العلمي إلى 8 مليارات في السنة، وفي أمريكا يصل حجم الإنفاق إلى 220 مليار دولار في السنة، وفي إسرائيل يبلغ 650 مليون دولار في السنة.
وبالنسبة لعدد مراكز البحث في العالم العربي وأغلبها في الجامعات فيصل إلى 600 مركز فقط، فيما يبلغ عدد المراكز البحثية في فرنسا وحدها 1500 مركز بحثي متقدم. وفي الولايات المتحدة يبلغ عدد مؤسسات البحث التي تعتني بكل ما يندرج تحت بند ” التحليلات السياسية ” من صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، وتطوير تكنولوجيا سياسية جديدة، وطرح تصورات في القضايا الداخلية حوالي 2000 مؤسسة.
ويضم العالم العربي بجميع أقطاره باحثين يقدر عددهم بما لا يتجاوز تسعة عشر ألف باحث، فيما تضم فرنسا وحدها 31 ألف باحث، أما الولايات المتحدة فينهض بمؤسساتها ومراكزها البحثية ما يتجاوز الأربعمائة ألف باحث، وهذا يعني أن الفجوة بيننا وبين الدول الصناعية لن تبقى على حالها بل ستزداد اتساعا.
وتمثل هذه الأرقام إجابة قاطعة وصريحة عن علة تخلفنا وسر تفوقهم، فما تشهده هذه الدول من تقدم وتفوق على مختلف المستويات إنما هو واقع صيرورة حتمية لدور العلماء والباحثين المتواصل في عملية البناء الحضاري، ضمن مناخ يشجع على طلب العلم، ويحث على ضرورة الرصد والمتابعة، ويسمح بهامش كبير ليُبدع فيه الباحث من دون أن تطال أبحاثه مقص الرقيب أو زنزانته أو سيفه.
لقد أدرك الغربيون في وقت مبكر أن العلم لم يعد شارة تتزين بها المجتمعات، إنما هو أحد أهم أسلحة العصر، وعليه فإن مساحات توليد الطاقات والقدرات العلمية في الغرب لم تعد من اختصاص الجامعات وحدها، بل هناك المئات بل الآلاف من مراكز البحوث ومؤسسات البحث العلمي، بعضها تديره الدولة إدراكا منها لأهمية تفعيل مراصد البحث لامتلاك زمام الأمور، وأغلبها تدعمها مؤسسات مدنية يشرف عليها كبار المسؤولين السابقين والخبراء ممن لديهم خبرات متراكمة في مجالات معرفية تتعلق بالمشكلات والقضايا المطروحة، فيما يقوم على إدارتها والتفكير بآفاقها شباب طموح لا يعرفون غير لغة العلم والعمل والإتقان، ولا هدف لهم سوى التقدم بأنفسهم وبلادهم نحو المستقبل، كما تغذي هذه المراكز البحثية المؤسسات الحكومية بالباحثين والخبراء لينهضوا بواقع دولهم.
فقد خدم على سبيل المثال جيمز ستاينبرغ نائب رئيس ومدير برنامج دراسات السياسة الخارجية في بروكنغز، وهلموت سوننفلدت المدير السابق لمكتب الأبحاث حول الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية في وزارة الخارجية، ومارتن إنديك مدير مركز صبان لسياسة الشرق الأدنى التابع لمؤسسة بروكنغز في وزارة الخارجية أو في مجلس الأمن القومي وتبوؤوا أعلى المناصب.
هذا الاستعراض السريع لواقع البحث العلمي في البلدان الغربية لا يأتي من باب الانبهار بالآخر، أو من قبيل الشعور بالانهزام النفسي أمامه، كما يحلو للبعض أن يستعجل الحكم، وإنما الهدف من طرح الموضوع هو المقارنة مع واقع البحث العلمي في بلادنا، وتسليط الضوء على أبرز ملمح في التاريخ العربي المعاصر، وهو انفصال التوقعات والآمال عن الواقع المعاش.
إن أحد أهم العوائق أمام نمو مراكز الأبحاث في الدول العربية وبالخصوص دول الخليج هو طبيعة التركيبة السياسية فيها، فثمة توازنات لا يرغب أحد في تغييرها، إذ يخشى صناع القرار في بلادنا من أن تؤدي تطبيقات التنمية، وفعالية مؤسسات الفكر إلى إدخال العلماء والباحثين كطرف مؤثر في الحركة السياسية، لا سيما إذا أثبت الواقع صحة نظرياتهم وفساد رأي المتصدين للشأن السياسي حاليا، وباعتبار دول مجلس التعاون من أكثر البنى السياسية تقليدية، فإن إضافة أي طرف جديد في المعادلة السياسية سيؤدي في نظر الحذرين إلى تغييرات غير محسوبة العواقب.
وفي ظل هذا الحذر الخليجي تبدو القلة القليلة من مؤسسات الرأي في دول مجلس التعاون محدودة الفائدة ويصعب عليها أن تضطلع بأي مساهمة نوعية في الارتقاء بالقرار السياسي، يمكن على سبيل المثال الإشارة إلى ضآلة الدور الذي اضطلعت به مراكز الأبحاث في دولة الكويت رغم تعرض البلد لكارثة الاحتلال، حيث لم تنتج بعد خمس عشرة سنة سوى بعض الكراسات القليلة التي توثق بالصور والمعلومات جرائم النظام العراقي البائد، ورغم أهمية هذا الدور فإنه لم يرتق إلى مستوى وضع استراتيجية واضحة لدولة ما بعد الاحتلال، كما لم يتضح أنها استطاعت تقديم مشورة تساهم في انتشال البلد من حزمة المشكلات التي وجدت نفسها غارقة فيها. بينما انطلقت الموجة الثانية من مراكز الفكر في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أنشئت مؤسسة “راند” سنة 1948 كمؤسسة مستقلة تمول من سلاح الطيران الأمريكي، وتدير المؤسسة ثلاثة مراكز أبحاث وتطوير فاعلة، وساهمت في إنجاز مشروع بحثي تحليلي موسع غير تقليدي حول الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والغربية، والصين واليابان وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بالصورة التي مكنت الولايات المتحدة من فهم المنافسين عن قرب و إحكام سيطرتها على العالم.
وأخيراً هناك ثمة قناعة لا يمكن استبعادها هي الأخرى عند التحقيق في سر غياب دور مؤسسات الفكر والرأي في دول الخليج، مفادها أن الانتقال من مرحلة استهلاك المنتجات الغربية والتبعية المطلقة للخارج إلى مرحلة إنتاج العلم والأخذ بزمام المبادرة الحضارية، إنما هو تعد على الدور المرسوم لها كسوق مستهلك لمنتجات العالم المتقدم، وكمعمل كبير تُطبق فيه الدول الكبرى والشركات العولمية خططها وبرامجها الضخمة وإن أتت على حساب الإنسان والوطن.
::/fulltext::
::cck::2454::/cck::
