المرأة ومكانتها في الأحوال الشخصية
::cck::2816::/cck::
::introtext::
يتفاعل هاجس قديم للمرأة مع دعوات كثيرة حاليا لمنحها حقوقها كافة أو جزءا يسيرا منها. والغالب في المفهوم العام والتقليدي للبعض هو ربط مسألة إعادة النظر في حقوق هذا الكائن بدعوى تحريره مما هو فيه. وهنا تحتدم المسألة بين فريق من المعارضين يرون في أي مطالبة بحق للمرأة أو تسوية لمصلحتها بأنها دعوة للانسلاخ والتحرر الذي لا يتناسب مع بيئة وثقافة المرأة الخليجية، التي تستند إلى حضانة اجتماعية مملوءة بالموروث الاجتماعي والتقاليد، وجزء آخر وضئيل يؤيد نيلها مجمل حقوقها بهدف المساواة مع الرجل.
::/introtext::
::fulltext::
يتفاعل هاجس قديم للمرأة مع دعوات كثيرة حاليا لمنحها حقوقها كافة أو جزءا يسيرا منها. والغالب في المفهوم العام والتقليدي للبعض هو ربط مسألة إعادة النظر في حقوق هذا الكائن بدعوى تحريره مما هو فيه. وهنا تحتدم المسألة بين فريق من المعارضين يرون في أي مطالبة بحق للمرأة أو تسوية لمصلحتها بأنها دعوة للانسلاخ والتحرر الذي لا يتناسب مع بيئة وثقافة المرأة الخليجية، التي تستند إلى حضانة اجتماعية مملوءة بالموروث الاجتماعي والتقاليد، وجزء آخر وضئيل يؤيد نيلها مجمل حقوقها بهدف المساواة مع الرجل.
وفي مثل هذا الوقت الذي تنشط فيه مثل هذه الحوارات التي أصبحت قضية فعلا، يصمت الجميع حيال قوانين نائمة أو منوّمة وتغط في سبات عميق، وهي قوانين الأحوال الشخصية، التي لا يتناسب بعضها إلا مع أزمنة الرق والعبيد. ومنها ما جعل من هذا المخلوق تابعاً بلا أهلية، ومسحوق الكرامة، ووفر مساحة كبيرة للأطماع وللغزو العائلي والزوجي لحقوقها الانسانية والاقتصادية وحتى النفسية. ولو أن المطالبة بحقوق للمرأة توافقت ولو حتى في جزء بسيط منها مع مسألة إعادة النظر في مثل هذه القوانين لكان حل المشكلة أسهل بكثير من مخاطبة شفهية وآراء تتناطح أضدادها في الهواء، وتصبح المرأة القضية مجرد معلّقة للهجاء أو الاستناد من دون حلول جذرية أو عملية.
والمتعارف عليه أن مثل هذه القوانين الوضعية تتفاوت من منطقة لأخرى في الخليج تحديدا، وقد شهدنا مآسي عديدة بسبب أن القانون في بعض دول الخليج مثلاً يتجاهل حقوق المطلقة في المسكن، خصوصا عندما يكون لديها أولاد، وربما تلقى في العراء ولو بعد زواج استمر عقودا، فمنطق وروح القانون هنا لم يراعيا العشرة والعمر المديد، إذا حسبنا عامل الزمن، وأن المرأة التي تزوجت مثلا قبل ثلاثين عاما لن تعود إلى المنزل نفسه بأب أو أم، بل ربما أصبح البيت بلا أهل!
كما أن إضافة المرأة التابعة في دفاتر عائلية تعود إلى الرجل، بينما تعتبر وثيقة رسمية للمرأة التي لا تعلم عنها شيئا إذا كان (دفتر العائلة) ملك للرجل، وبعض الرجال أُذلت مطلقاتهم وعُذبن. حتى حين تضطر المطلقة لتسجيل أبنائها في المدرسة، فلا بد من اللجوء إلى كرم وشهامة هذا الرجل كي يتعاون أو يترك الأمور كما هي، والسبب أن لا حق قانونيا ولا رسميا لها في إثبات هويتها. وحتى حين أخرجت البطاقات الخاصة بالمرأة فإنها لم تعتق هذه الهوية فحسب، وما زالت نساء في أعمار متقدمة ينتظرن موافقة (الوصي) أو الولي الذي كان ربما حفيدا لها كي تستخرج إثبات هوية أو اعترافا أو حتى استخراج جواز سفر!
النقطة الأخرى هي عدم جدية هذا القانون في تقنين مسائل الحقوق المالية، فالمرأة التي تتكل على الرجل في كل شيء باعتباره وكيلا شرعيا لها، لا يمكن لها أن تخفي حقاً مالياً لها من دون علمه، وهو ما فتح المجال أمام كثير من الأزواج للطمع والاستبداد متخفين أمام القانون أو خلفه.
وينطبق الأمر على معظم دول الخليج التي يبدو فيها هذا القانون متفاوتا في معظم الجوانب، والمفروض أن مثل هذا القانون ذو سمة انسانية بالدرجة الأولى، ولهذا وجب تحديثه وعصرنته بما يتناسب مع المتغيرات والأحداث التي تصبح المرأة في معظمها هي الضحية.
ما يحدث الآن، ومن واقع معاناة المرأة الحقيقية، هو اللعب بورقتها سياسيا بعيدا عن عذاباتها، وأخص هنا فئة محدودة التعليم والدخل المادي والمكانة الاجتماعية (التي يستفيد منها البعض في مجتمعاتنا). هذه الفئة المسحوقة هي من لا تجد ملاذا إلا بالقانون، أو قانون الأحوال الشخصية تحديدا، في حين يجعل هذا القانون الكثير منهن يصرفن النظر عن اللجوء إليه في حالات من البؤس هرباً من الروتين وإضاعة الوقت في المحاكم.
لا أريد أن أفند كل مواد قانون الأحوال الشخصية، لكنني أستمد من المأساة بعض المحاور التي لا تطبق عطفاً على واقع الانحراف للشباب الصغار، ومن سقطوا في شرك الإرهاب والمخدرات وأنواع مختلفة من الجريمة، ومن تشوهت أفكارهم بفعل ظلام دامس، حين انتفض الجميع محاولا بحث الأسباب، وتناست الأكثرية غياب القبة العائلية السليمة والحضن الاجتماعي الصحي.
وعندما نسترق النظر إلى سير ذاتية أو اجتماعية لبعض هؤلاء الصغار نجد الكثيرين منهم قد تشتتوا بين أب وأم مطلقين، أو منهم من كان يرى أمه تضرب أمام عينيه من قبل الأب، والقانون هنا يُخضع المرأة للاستمرارية حتى لا تهدم الأسرة، وعليها هي فقط أن تستجيب لهذا الخيار الوحيد، حين يكون البديل طلاقاً وفراغاً وذهاباً إلى الضياع!
وعلى الرغم من أن مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء قد أوضحت كثيرا من الركائز الأساسية التي يجب أن تتكئ عليها نقاط حياتنا، فإن عدم تطبيقها أصبح أمرا شائعا، خصوصا في مسائل الحضانة، التي لا تقبل أن يؤخذ الرضيع من أمه قبل سنتين، ونرى أن في المحاكم قضايا لأمهات نزع منهن أطفالهن بعمر الشهور! إن تطوير وتعديل قانون الأحوال الشخصية في دول الخليج عموماً، يشكل جسراً تعبر عليه كثير من آليات الاستقرار الاجتماعي، والتي تضمن إخراج أجيال صحية ومعافاة من آفات التهور والانحلال، ومن دون هذا القانون الذي يجب أن يكون صريحا ومتطورا ومجتهدا أيضا، لا يمكننا أن نطالب بحقوق سياسية للمرأة إلا بعد ما تتحول إلى امرأة لا تضرب من الزوج بحكم القوامة ولا يستبد بها بحكم الوصاية، ولا تحرم من أمومتها بحق الحضانة، ولا تتجرع المرارات في حياة بائسة بعلّة الهروب من لعنة الطلاق في مجتمع ينبذها.
كلما رأيت العدالة مشرقة في أي مجتمع وسائدة والكل يحترم حقوق غيره كما هو حقه، أدركت أن هذه الدولة أو تلك تحتمي تحت نظام أو قانون للأحوال الشخصية صارم ومتطور ومنطقي، يجبر الجميع على احترامه، ولا يفرق بين قوي وضعيف. وقبل أن تبحث المرأة عن حقوقها خارج البيوت عليها أن تطالب بالسكينة والعدل والطمأنينة داخل هذه البيوت، وهذا لا يمكن أيضاً له أن يتأتى ما لم تنشأ قوانين أسرية حديثة ومتطورة ومنطقية أيضا، وهذا لا يمكن أيضا أن يغفل المطالبة بإيقاظ قوانين الأحوال الشخصية النائمة من سباتها، بعدما ثبت لنا أنه أهم قانون في الحياة الاجتماعية، ولا يمكن أن تستقيم الحياة بأوجهها كافة ما لم يتم التعديل فيه وعليه وبما يتناسب مع وضع المرأة في القرن الحادي والعشرين، خصوصا أن المرأة في قوانين الأحوال الشخصية الحالية هي كائن بلا شخصية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2816::/cck::
::introtext::
يتفاعل هاجس قديم للمرأة مع دعوات كثيرة حاليا لمنحها حقوقها كافة أو جزءا يسيرا منها. والغالب في المفهوم العام والتقليدي للبعض هو ربط مسألة إعادة النظر في حقوق هذا الكائن بدعوى تحريره مما هو فيه. وهنا تحتدم المسألة بين فريق من المعارضين يرون في أي مطالبة بحق للمرأة أو تسوية لمصلحتها بأنها دعوة للانسلاخ والتحرر الذي لا يتناسب مع بيئة وثقافة المرأة الخليجية، التي تستند إلى حضانة اجتماعية مملوءة بالموروث الاجتماعي والتقاليد، وجزء آخر وضئيل يؤيد نيلها مجمل حقوقها بهدف المساواة مع الرجل.
::/introtext::
::fulltext::
يتفاعل هاجس قديم للمرأة مع دعوات كثيرة حاليا لمنحها حقوقها كافة أو جزءا يسيرا منها. والغالب في المفهوم العام والتقليدي للبعض هو ربط مسألة إعادة النظر في حقوق هذا الكائن بدعوى تحريره مما هو فيه. وهنا تحتدم المسألة بين فريق من المعارضين يرون في أي مطالبة بحق للمرأة أو تسوية لمصلحتها بأنها دعوة للانسلاخ والتحرر الذي لا يتناسب مع بيئة وثقافة المرأة الخليجية، التي تستند إلى حضانة اجتماعية مملوءة بالموروث الاجتماعي والتقاليد، وجزء آخر وضئيل يؤيد نيلها مجمل حقوقها بهدف المساواة مع الرجل.
وفي مثل هذا الوقت الذي تنشط فيه مثل هذه الحوارات التي أصبحت قضية فعلا، يصمت الجميع حيال قوانين نائمة أو منوّمة وتغط في سبات عميق، وهي قوانين الأحوال الشخصية، التي لا يتناسب بعضها إلا مع أزمنة الرق والعبيد. ومنها ما جعل من هذا المخلوق تابعاً بلا أهلية، ومسحوق الكرامة، ووفر مساحة كبيرة للأطماع وللغزو العائلي والزوجي لحقوقها الانسانية والاقتصادية وحتى النفسية. ولو أن المطالبة بحقوق للمرأة توافقت ولو حتى في جزء بسيط منها مع مسألة إعادة النظر في مثل هذه القوانين لكان حل المشكلة أسهل بكثير من مخاطبة شفهية وآراء تتناطح أضدادها في الهواء، وتصبح المرأة القضية مجرد معلّقة للهجاء أو الاستناد من دون حلول جذرية أو عملية.
والمتعارف عليه أن مثل هذه القوانين الوضعية تتفاوت من منطقة لأخرى في الخليج تحديدا، وقد شهدنا مآسي عديدة بسبب أن القانون في بعض دول الخليج مثلاً يتجاهل حقوق المطلقة في المسكن، خصوصا عندما يكون لديها أولاد، وربما تلقى في العراء ولو بعد زواج استمر عقودا، فمنطق وروح القانون هنا لم يراعيا العشرة والعمر المديد، إذا حسبنا عامل الزمن، وأن المرأة التي تزوجت مثلا قبل ثلاثين عاما لن تعود إلى المنزل نفسه بأب أو أم، بل ربما أصبح البيت بلا أهل!
كما أن إضافة المرأة التابعة في دفاتر عائلية تعود إلى الرجل، بينما تعتبر وثيقة رسمية للمرأة التي لا تعلم عنها شيئا إذا كان (دفتر العائلة) ملك للرجل، وبعض الرجال أُذلت مطلقاتهم وعُذبن. حتى حين تضطر المطلقة لتسجيل أبنائها في المدرسة، فلا بد من اللجوء إلى كرم وشهامة هذا الرجل كي يتعاون أو يترك الأمور كما هي، والسبب أن لا حق قانونيا ولا رسميا لها في إثبات هويتها. وحتى حين أخرجت البطاقات الخاصة بالمرأة فإنها لم تعتق هذه الهوية فحسب، وما زالت نساء في أعمار متقدمة ينتظرن موافقة (الوصي) أو الولي الذي كان ربما حفيدا لها كي تستخرج إثبات هوية أو اعترافا أو حتى استخراج جواز سفر!
النقطة الأخرى هي عدم جدية هذا القانون في تقنين مسائل الحقوق المالية، فالمرأة التي تتكل على الرجل في كل شيء باعتباره وكيلا شرعيا لها، لا يمكن لها أن تخفي حقاً مالياً لها من دون علمه، وهو ما فتح المجال أمام كثير من الأزواج للطمع والاستبداد متخفين أمام القانون أو خلفه.
وينطبق الأمر على معظم دول الخليج التي يبدو فيها هذا القانون متفاوتا في معظم الجوانب، والمفروض أن مثل هذا القانون ذو سمة انسانية بالدرجة الأولى، ولهذا وجب تحديثه وعصرنته بما يتناسب مع المتغيرات والأحداث التي تصبح المرأة في معظمها هي الضحية.
ما يحدث الآن، ومن واقع معاناة المرأة الحقيقية، هو اللعب بورقتها سياسيا بعيدا عن عذاباتها، وأخص هنا فئة محدودة التعليم والدخل المادي والمكانة الاجتماعية (التي يستفيد منها البعض في مجتمعاتنا). هذه الفئة المسحوقة هي من لا تجد ملاذا إلا بالقانون، أو قانون الأحوال الشخصية تحديدا، في حين يجعل هذا القانون الكثير منهن يصرفن النظر عن اللجوء إليه في حالات من البؤس هرباً من الروتين وإضاعة الوقت في المحاكم.
لا أريد أن أفند كل مواد قانون الأحوال الشخصية، لكنني أستمد من المأساة بعض المحاور التي لا تطبق عطفاً على واقع الانحراف للشباب الصغار، ومن سقطوا في شرك الإرهاب والمخدرات وأنواع مختلفة من الجريمة، ومن تشوهت أفكارهم بفعل ظلام دامس، حين انتفض الجميع محاولا بحث الأسباب، وتناست الأكثرية غياب القبة العائلية السليمة والحضن الاجتماعي الصحي.
وعندما نسترق النظر إلى سير ذاتية أو اجتماعية لبعض هؤلاء الصغار نجد الكثيرين منهم قد تشتتوا بين أب وأم مطلقين، أو منهم من كان يرى أمه تضرب أمام عينيه من قبل الأب، والقانون هنا يُخضع المرأة للاستمرارية حتى لا تهدم الأسرة، وعليها هي فقط أن تستجيب لهذا الخيار الوحيد، حين يكون البديل طلاقاً وفراغاً وذهاباً إلى الضياع!
وعلى الرغم من أن مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء قد أوضحت كثيرا من الركائز الأساسية التي يجب أن تتكئ عليها نقاط حياتنا، فإن عدم تطبيقها أصبح أمرا شائعا، خصوصا في مسائل الحضانة، التي لا تقبل أن يؤخذ الرضيع من أمه قبل سنتين، ونرى أن في المحاكم قضايا لأمهات نزع منهن أطفالهن بعمر الشهور! إن تطوير وتعديل قانون الأحوال الشخصية في دول الخليج عموماً، يشكل جسراً تعبر عليه كثير من آليات الاستقرار الاجتماعي، والتي تضمن إخراج أجيال صحية ومعافاة من آفات التهور والانحلال، ومن دون هذا القانون الذي يجب أن يكون صريحا ومتطورا ومجتهدا أيضا، لا يمكننا أن نطالب بحقوق سياسية للمرأة إلا بعد ما تتحول إلى امرأة لا تضرب من الزوج بحكم القوامة ولا يستبد بها بحكم الوصاية، ولا تحرم من أمومتها بحق الحضانة، ولا تتجرع المرارات في حياة بائسة بعلّة الهروب من لعنة الطلاق في مجتمع ينبذها.
كلما رأيت العدالة مشرقة في أي مجتمع وسائدة والكل يحترم حقوق غيره كما هو حقه، أدركت أن هذه الدولة أو تلك تحتمي تحت نظام أو قانون للأحوال الشخصية صارم ومتطور ومنطقي، يجبر الجميع على احترامه، ولا يفرق بين قوي وضعيف. وقبل أن تبحث المرأة عن حقوقها خارج البيوت عليها أن تطالب بالسكينة والعدل والطمأنينة داخل هذه البيوت، وهذا لا يمكن أيضاً له أن يتأتى ما لم تنشأ قوانين أسرية حديثة ومتطورة ومنطقية أيضا، وهذا لا يمكن أيضا أن يغفل المطالبة بإيقاظ قوانين الأحوال الشخصية النائمة من سباتها، بعدما ثبت لنا أنه أهم قانون في الحياة الاجتماعية، ولا يمكن أن تستقيم الحياة بأوجهها كافة ما لم يتم التعديل فيه وعليه وبما يتناسب مع وضع المرأة في القرن الحادي والعشرين، خصوصا أن المرأة في قوانين الأحوال الشخصية الحالية هي كائن بلا شخصية.
::/fulltext::
::cck::2816::/cck::
