مسيـــــرة العمـــل الاقتصادي الخليجي المشترك بين الطموحات والتحديات
::cck::2795::/cck::
::introtext::
شهدت العلاقات الاقتصادية بين أقطار مجلس التعاون الخليجي تطورات متعاقبة على مدى العقدين ونصف العقد الماضية، وأسهمت الدورات الأربع والعشرون السابقة على «قمة زايد» التي عقدت في «المنامة» عاصمة البحرين في شهر ديسمبر 2004 في دفع المسار الاقتصادي إلى الأمام بشكل ملحوظ.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت العلاقات الاقتصادية بين أقطار مجلس التعاون الخليجي تطورات متعاقبة على مدى العقدين ونصف العقد الماضية، وأسهمت الدورات الأربع والعشرون السابقة على «قمة زايد» التي عقدت في «المنامة» عاصمة البحرين في شهر ديسمبر 2004 في دفع المسار الاقتصادي إلى الأمام بشكل ملحوظ. وشهد العمل الخليجي المشترك في المجال الاقتصادي قرارات تتعلق بالاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة والتكامل الإنمائي، والوحدة النقدية على مدار القمم الخليجية.
وسعياً إلى متابعة المسيرة الاقتصادية الخليجية لرصد تطورها، ولتقييم أدائها، وإيضاح مدى ما حققته من طموح المواطنين في أقطار مجلس التعاون إلى تحقيق «المواطنة الخليجية» على مدى ربع قرن، نبدأ مع بداية هذه المسيرة. في أول قمة خليجية عربية وعقدت في أبوظبي في مايو عام 1981، أكد بيان القمة «أن الاندماج الخليجي أصبح هو العامل الحاسم نحو توحيد السياسة الاقتصادية مؤكداً عزم دول المجلس على تحويل الثروة النفطية إلى عملية تنمية شاملة لصالح شعوبها». وهذا يشير بوضوح إلى أن الاقتصاد كان حاضراً على جدول الأعمال منذ القمة الأولى لدول مجلس التعاون الخليجي لما للعامل الاقتصادي من أهمية في التأسيس للاندماج السياسي في المستقبل.
وقد تواصل الحضور الاقتصادي في القمم التالية وتطورت عمليات التنسيق في السياسات الاقتصادية سعياً إلى الوصول إلى تحقيق التكامل الاقتصادي أو «الاندماج» كما أشار إليه بيان القمة الأولى. وشهدت القمة الخليجية الثانية في «الرياض» في نوفمبر عام 1981 أول التزام تعاهدي لتحقيق هذا الهدف عندما وقع القادة «الاتفاقية الاقتصادية الموحدة». ثم توالت الخطوات في اتجاه تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول المجلس عندما قرر القادة في قمتهم الثالثة في «المنامة» في نوفمبر عام 1982 البدء في تطبيق ما وقعوا عليه في «الرياض» على مراحل حيث تقرر البدء بتنفيذ المرحلة الأولى من «الاتفاقية الاقتصادية الموحدة» اعتباراً من مارس عام 1983.
ومنذ هذه الانطلاقة في العام 1983 وحتى العام 2001 تحركت مسيرة العمل الخليجي المشترك على المسار الاقتصادي ترسخ الأساس لانطلاقة جديدة أبعد أفقاً وأوسع مدى سعياً من دول مجلس التعاون، لأن تكون مظلة مجلس التعاون عامل قوة لكل منها للتعامل كمجتمع واحد وسط التكتلات الاقتصادية العالمية. ففي الدورة العشرين للقمة الخليجية في «الرياض» في نوفمبر عام 1999 قرر القادة اتخاذ خطوة أوسع والانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً وذلك لتطوير الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بما يتواكب مع ما شهدته العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس على مدى السنوات الخمس عشرة السابقة، وما تتطلبه من ضرورة استكمال خطوات سعياً إلى التكامل الاقتصادي، وبما يستجيب للمتغيرات الاقتصادية العالمية.
وفي قمة «مسقط» عام 2001 وقع القادة «الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الجديدة» بعد التطوير من خلال لجان الخبراء، وحملت الاتفاقية الجديدة آفاقاً جديدة وتطويراً جذرياً للاتفاقية السابقة. وكان من أبرز ما تضمنته الاتفاقية الجديدة هو ما يتعلق بالاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي، كما خصصت الاتفاقية الجديدة فصلاً عن التكامل الإنمائي بين دول المجلس، وتنمية الموارد البشرية، كما تضمنت الاتفاقية الجديدة أيضاً فصلاً عن التعاون في مجالات البحث العلمي والتقني، والنقل والاتصالات والبنية الأساسية.
والجدير بالملاحظة أن هذه الاتفاقية الجديدة تعتبر نقلة نوعية حيث نصت بوضوح على «التكامل الاقتصادي» بما يعني الانتقال من مرحلة التعاون والتنسيق السابقة إلى مرحلة أكثر تقدماً على طريق الوحدة الاقتصادية الخليجية. فكما يسير العمل الخليجي السياسي المشترك متدرجاً ومتعدد المراحل، فإن الانتقال إلى مرحلة «التكامل» يضع الأساس ويمهد الطريق إلى المرحلة التالية المرجوة وهي مرحلة «الاتحاد» وهي في ترجمتها الاقتصادية على الساحة الخليجية تعني «السوق الخليجية المشتركة» التي من المقرر انطلاقها قبل عام 2007. وعلى طريق استكمال قواعد هذه السوق الخليجية، سارت دول المجلس في اتجاه تحقيق ما يمكن تسميته بـ «المواطنة الخليجية» وهي الترجمة الواقعية لنتائج قيام السوق المشتركة. وفي الطريق إلى إقامة هذه السوق نجحت تجربة «الاتحاد الجمركي» التي وضعت تعرفة جمركية موحدة في حدود 5،5٪ على السلع ذات المنشأ الخليجي العربي مع إعفاء السلع الأساسية.
وأكد الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في مجلس التعاون الخليجي محمد عبيد فارس المزروعي نجاح هذه التجربة بقوله: «إن كافة المؤشرات أثبتت نجاح هذه التجربة بصورة فاقت التوقعات رغم الصعوبات التي واجهت بداية التطبيق في عام 2003، والمقرر إتمام التطبيق في عام 2007». وحتى يجد هذا النجاح في هذه التجربة دليله من الوقائع والأرقام نستعرض هنا ما وصل إليه حجم التجارة البينية في دول مجلس التعاون ونسبة النمو فيها نتيجة تطبيق اتفاقية الاتحاد الجمركي طبقاً لما أكده الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية.
فقد شهد عام 2003 وهو العام الأول لبدء سريان تطبيق هذه الاتفاقية ارتفاعا في حجم التبادل التجاري بين دول المجلس بلغت نسبته 19.5٪ حيث قفز حجم التجارة البينية الخليجية إلى 21.5 مليار دولار وهو أعلى قيمة لإجمالي حجم هذه التجارة منذ قيام المجلس في العام 1981، حيث بلغ معدل الزيادة في العام الأول للتطبيق أكثر من ثلاثة أضعاف معدل النمو السنوي في السنوات العشر السابقة على بدء التطبيق.
وتجدر الإشارة إلى أن حجم التجارة بين دول المجلس كان قد ارتفع من حوالي 11.1 مليار دولار عام 1993 إلى 18 مليار دولار عام 2002 وهي السنة السابقة على التطبيق بمعدل سنوي قدره 7.5٪. وكان قرار قمة مجلس التعاون الخليجي بإقامة الاتحاد الجمركي قد وفر أداة فاعلة للتعامل مع العولمة الاقتصادية والنظام التجاري العالمي الجديد الذي يمنح الحق فقط للتكتلات الاقتصادية الدولية في إعطاء امتيازات للتعرفة الجمركية فيما بينها. لكن الأثر الأهم من نجاح هذه التجربة الذي أصبح واقعاً مضيئاً على المسار الاقتصادي لمجلس التعاون هو فتح الطريق تلقائياً للسوق الخليجية المشتركة المقرر بدء قيامها في العام 2007.
وهذه السوق المشتركة المأمولة، التي بدت ملامحها في الأفق بعد نجاح تجربة الاتحاد الجمركي، تعني في النهاية عدة دفعات كبرى للاقتصادات الخليجية ومواطني دول مجلس التعاون، حيث يسمح قيام السوق المشتركة بالانتقال الحر لهؤلاء المواطنين بين دول المجلس مستثمرين وعاملين من دون إجراءات. كما تعني التحرك الحر لرؤوس الأموال الخليجية العربية للاستثمار في دول المجلس بتسهيلات ومزايا تشجيعية. وتعني أيضاً الاستثمار الحر في «جميع المجالات» الاقتصادية، فضلاً عن حرية تملك العقارات لمواطني دول المجلس على امتداد أقطاره.
ومعنى ذلك كله ببساطة، أن يصبح مواطن أية دولة خليجية عربية متمتعاً بنفس الحقوق الاقتصادية لشقيقه مواطن الدولة العربية الخليجية الأخرى. أي بشكل أكثر تحديداً ووضوحاً، إن قيام السوق الخليجية المشتركة يعني إزالة الأسوار الحدودية والحواجز الجمركية والإجراءات التقليدية أمام حركة شعوب المجلس في المجال الاقتصادي، وفي حين تطلع الجميع في نهاية عام 2004 بعد نجاح الاتحاد الجمركي إلى قيام السوق الخليجية المشتركة في غضون العامين المقبلين وتطلع الجميع كذلك إلى القمة الخليجية الخامسة والعشرين في «المنامة» باعتبارها ستكون القمة الاقتصادية الأبرز على مسار القمم السابقة عليها لما حفل به جدول أعمالها من موضوعات اقتصادية عديدة من شأنها دفع مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي قدماً في اتجاه السوق الخليجية المشتركة التي تحقق بدورها «المواطنة الخليجية» إلا أن النتائج التي أسفرت عنها اجتماعات «قمة المنامة» لم تأت على قدر الطموحات أو التوقعات نتيجة للخلاف حول قيام مملكة البحرين بتوقيع اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية بما طرح العديد من التساؤلات وفجر المناقشات حول سلامة هذه الخطوة التي رأت فيها المملكة العربية السعودية خروجاً على ميثاق مجلس التعاون الذي يلزم جميع الأعضاء بالتعامل مع الدول والتكتلات الاقتصادية العالمية كتجمع اقتصادي واحد وليس دولاً منفردة.
ونتج عن هذا التباين في وجهات النظر والمخاوف التي صاحبته من مخاطر الاختراق الأجنبي لهذا التجمع الخليجي الصاعد الذي من شأنه وضع العراقيل على طريق إتمام وحدته، وإثارة عوامل الفرقة بين دوله. وبحكمة القادة رأت «قمة المنامة» إرجاء البت في موضوع الخلاف لإيجاد مساحة للوصول إلى تفاهم هادئ بين البحرين من جهة وبين المجلس، وكذلك للوصول إلى موقف مشترك عبر المشاورات من المساعي الحالية لإبرام كل من دولة الإمارات وسلطنة عمان لاتفاقيات ثنائية بين كل منها والولايات المتحدة مماثلة للاتفاقية البحرينية – الأمريكية مما يلقى بظلاله على مستقبل التكامل الاقتصادي الخليجي بالسرعة والقوة المقررة.
ولأن العلاقة وثيقة بين السياسة والاقتصاد والتأثير فيها متبادل، فإن الإرادة السياسية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، التي كان لها الدور الأساسي في الوصول بالتعاون الاقتصادي الخليجي المشترك إلى ما وصل إليه بعد نجاح الاتحاد الجمركي وعلى أبواب السوق المشتركة، هي القادرة على الوصول إلى حلول لكل ما هو مطروح من رؤى وتباينات. وبالحكمة والمشاورات الهادئة نأمل بأن يتمكنوا في النهاية من تجاوز كل ما يعترض طريق الوحدة الاقتصادية من عقبات أو اختراقات أو تحديات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2795::/cck::
::introtext::
شهدت العلاقات الاقتصادية بين أقطار مجلس التعاون الخليجي تطورات متعاقبة على مدى العقدين ونصف العقد الماضية، وأسهمت الدورات الأربع والعشرون السابقة على «قمة زايد» التي عقدت في «المنامة» عاصمة البحرين في شهر ديسمبر 2004 في دفع المسار الاقتصادي إلى الأمام بشكل ملحوظ.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت العلاقات الاقتصادية بين أقطار مجلس التعاون الخليجي تطورات متعاقبة على مدى العقدين ونصف العقد الماضية، وأسهمت الدورات الأربع والعشرون السابقة على «قمة زايد» التي عقدت في «المنامة» عاصمة البحرين في شهر ديسمبر 2004 في دفع المسار الاقتصادي إلى الأمام بشكل ملحوظ. وشهد العمل الخليجي المشترك في المجال الاقتصادي قرارات تتعلق بالاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة والتكامل الإنمائي، والوحدة النقدية على مدار القمم الخليجية.
وسعياً إلى متابعة المسيرة الاقتصادية الخليجية لرصد تطورها، ولتقييم أدائها، وإيضاح مدى ما حققته من طموح المواطنين في أقطار مجلس التعاون إلى تحقيق «المواطنة الخليجية» على مدى ربع قرن، نبدأ مع بداية هذه المسيرة. في أول قمة خليجية عربية وعقدت في أبوظبي في مايو عام 1981، أكد بيان القمة «أن الاندماج الخليجي أصبح هو العامل الحاسم نحو توحيد السياسة الاقتصادية مؤكداً عزم دول المجلس على تحويل الثروة النفطية إلى عملية تنمية شاملة لصالح شعوبها». وهذا يشير بوضوح إلى أن الاقتصاد كان حاضراً على جدول الأعمال منذ القمة الأولى لدول مجلس التعاون الخليجي لما للعامل الاقتصادي من أهمية في التأسيس للاندماج السياسي في المستقبل.
وقد تواصل الحضور الاقتصادي في القمم التالية وتطورت عمليات التنسيق في السياسات الاقتصادية سعياً إلى الوصول إلى تحقيق التكامل الاقتصادي أو «الاندماج» كما أشار إليه بيان القمة الأولى. وشهدت القمة الخليجية الثانية في «الرياض» في نوفمبر عام 1981 أول التزام تعاهدي لتحقيق هذا الهدف عندما وقع القادة «الاتفاقية الاقتصادية الموحدة». ثم توالت الخطوات في اتجاه تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول المجلس عندما قرر القادة في قمتهم الثالثة في «المنامة» في نوفمبر عام 1982 البدء في تطبيق ما وقعوا عليه في «الرياض» على مراحل حيث تقرر البدء بتنفيذ المرحلة الأولى من «الاتفاقية الاقتصادية الموحدة» اعتباراً من مارس عام 1983.
ومنذ هذه الانطلاقة في العام 1983 وحتى العام 2001 تحركت مسيرة العمل الخليجي المشترك على المسار الاقتصادي ترسخ الأساس لانطلاقة جديدة أبعد أفقاً وأوسع مدى سعياً من دول مجلس التعاون، لأن تكون مظلة مجلس التعاون عامل قوة لكل منها للتعامل كمجتمع واحد وسط التكتلات الاقتصادية العالمية. ففي الدورة العشرين للقمة الخليجية في «الرياض» في نوفمبر عام 1999 قرر القادة اتخاذ خطوة أوسع والانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً وذلك لتطوير الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بما يتواكب مع ما شهدته العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس على مدى السنوات الخمس عشرة السابقة، وما تتطلبه من ضرورة استكمال خطوات سعياً إلى التكامل الاقتصادي، وبما يستجيب للمتغيرات الاقتصادية العالمية.
وفي قمة «مسقط» عام 2001 وقع القادة «الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الجديدة» بعد التطوير من خلال لجان الخبراء، وحملت الاتفاقية الجديدة آفاقاً جديدة وتطويراً جذرياً للاتفاقية السابقة. وكان من أبرز ما تضمنته الاتفاقية الجديدة هو ما يتعلق بالاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي، كما خصصت الاتفاقية الجديدة فصلاً عن التكامل الإنمائي بين دول المجلس، وتنمية الموارد البشرية، كما تضمنت الاتفاقية الجديدة أيضاً فصلاً عن التعاون في مجالات البحث العلمي والتقني، والنقل والاتصالات والبنية الأساسية.
والجدير بالملاحظة أن هذه الاتفاقية الجديدة تعتبر نقلة نوعية حيث نصت بوضوح على «التكامل الاقتصادي» بما يعني الانتقال من مرحلة التعاون والتنسيق السابقة إلى مرحلة أكثر تقدماً على طريق الوحدة الاقتصادية الخليجية. فكما يسير العمل الخليجي السياسي المشترك متدرجاً ومتعدد المراحل، فإن الانتقال إلى مرحلة «التكامل» يضع الأساس ويمهد الطريق إلى المرحلة التالية المرجوة وهي مرحلة «الاتحاد» وهي في ترجمتها الاقتصادية على الساحة الخليجية تعني «السوق الخليجية المشتركة» التي من المقرر انطلاقها قبل عام 2007. وعلى طريق استكمال قواعد هذه السوق الخليجية، سارت دول المجلس في اتجاه تحقيق ما يمكن تسميته بـ «المواطنة الخليجية» وهي الترجمة الواقعية لنتائج قيام السوق المشتركة. وفي الطريق إلى إقامة هذه السوق نجحت تجربة «الاتحاد الجمركي» التي وضعت تعرفة جمركية موحدة في حدود 5،5٪ على السلع ذات المنشأ الخليجي العربي مع إعفاء السلع الأساسية.
وأكد الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في مجلس التعاون الخليجي محمد عبيد فارس المزروعي نجاح هذه التجربة بقوله: «إن كافة المؤشرات أثبتت نجاح هذه التجربة بصورة فاقت التوقعات رغم الصعوبات التي واجهت بداية التطبيق في عام 2003، والمقرر إتمام التطبيق في عام 2007». وحتى يجد هذا النجاح في هذه التجربة دليله من الوقائع والأرقام نستعرض هنا ما وصل إليه حجم التجارة البينية في دول مجلس التعاون ونسبة النمو فيها نتيجة تطبيق اتفاقية الاتحاد الجمركي طبقاً لما أكده الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية.
فقد شهد عام 2003 وهو العام الأول لبدء سريان تطبيق هذه الاتفاقية ارتفاعا في حجم التبادل التجاري بين دول المجلس بلغت نسبته 19.5٪ حيث قفز حجم التجارة البينية الخليجية إلى 21.5 مليار دولار وهو أعلى قيمة لإجمالي حجم هذه التجارة منذ قيام المجلس في العام 1981، حيث بلغ معدل الزيادة في العام الأول للتطبيق أكثر من ثلاثة أضعاف معدل النمو السنوي في السنوات العشر السابقة على بدء التطبيق.
وتجدر الإشارة إلى أن حجم التجارة بين دول المجلس كان قد ارتفع من حوالي 11.1 مليار دولار عام 1993 إلى 18 مليار دولار عام 2002 وهي السنة السابقة على التطبيق بمعدل سنوي قدره 7.5٪. وكان قرار قمة مجلس التعاون الخليجي بإقامة الاتحاد الجمركي قد وفر أداة فاعلة للتعامل مع العولمة الاقتصادية والنظام التجاري العالمي الجديد الذي يمنح الحق فقط للتكتلات الاقتصادية الدولية في إعطاء امتيازات للتعرفة الجمركية فيما بينها. لكن الأثر الأهم من نجاح هذه التجربة الذي أصبح واقعاً مضيئاً على المسار الاقتصادي لمجلس التعاون هو فتح الطريق تلقائياً للسوق الخليجية المشتركة المقرر بدء قيامها في العام 2007.
وهذه السوق المشتركة المأمولة، التي بدت ملامحها في الأفق بعد نجاح تجربة الاتحاد الجمركي، تعني في النهاية عدة دفعات كبرى للاقتصادات الخليجية ومواطني دول مجلس التعاون، حيث يسمح قيام السوق المشتركة بالانتقال الحر لهؤلاء المواطنين بين دول المجلس مستثمرين وعاملين من دون إجراءات. كما تعني التحرك الحر لرؤوس الأموال الخليجية العربية للاستثمار في دول المجلس بتسهيلات ومزايا تشجيعية. وتعني أيضاً الاستثمار الحر في «جميع المجالات» الاقتصادية، فضلاً عن حرية تملك العقارات لمواطني دول المجلس على امتداد أقطاره.
ومعنى ذلك كله ببساطة، أن يصبح مواطن أية دولة خليجية عربية متمتعاً بنفس الحقوق الاقتصادية لشقيقه مواطن الدولة العربية الخليجية الأخرى. أي بشكل أكثر تحديداً ووضوحاً، إن قيام السوق الخليجية المشتركة يعني إزالة الأسوار الحدودية والحواجز الجمركية والإجراءات التقليدية أمام حركة شعوب المجلس في المجال الاقتصادي، وفي حين تطلع الجميع في نهاية عام 2004 بعد نجاح الاتحاد الجمركي إلى قيام السوق الخليجية المشتركة في غضون العامين المقبلين وتطلع الجميع كذلك إلى القمة الخليجية الخامسة والعشرين في «المنامة» باعتبارها ستكون القمة الاقتصادية الأبرز على مسار القمم السابقة عليها لما حفل به جدول أعمالها من موضوعات اقتصادية عديدة من شأنها دفع مسيرة العمل الاقتصادي الخليجي قدماً في اتجاه السوق الخليجية المشتركة التي تحقق بدورها «المواطنة الخليجية» إلا أن النتائج التي أسفرت عنها اجتماعات «قمة المنامة» لم تأت على قدر الطموحات أو التوقعات نتيجة للخلاف حول قيام مملكة البحرين بتوقيع اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية بما طرح العديد من التساؤلات وفجر المناقشات حول سلامة هذه الخطوة التي رأت فيها المملكة العربية السعودية خروجاً على ميثاق مجلس التعاون الذي يلزم جميع الأعضاء بالتعامل مع الدول والتكتلات الاقتصادية العالمية كتجمع اقتصادي واحد وليس دولاً منفردة.
ونتج عن هذا التباين في وجهات النظر والمخاوف التي صاحبته من مخاطر الاختراق الأجنبي لهذا التجمع الخليجي الصاعد الذي من شأنه وضع العراقيل على طريق إتمام وحدته، وإثارة عوامل الفرقة بين دوله. وبحكمة القادة رأت «قمة المنامة» إرجاء البت في موضوع الخلاف لإيجاد مساحة للوصول إلى تفاهم هادئ بين البحرين من جهة وبين المجلس، وكذلك للوصول إلى موقف مشترك عبر المشاورات من المساعي الحالية لإبرام كل من دولة الإمارات وسلطنة عمان لاتفاقيات ثنائية بين كل منها والولايات المتحدة مماثلة للاتفاقية البحرينية – الأمريكية مما يلقى بظلاله على مستقبل التكامل الاقتصادي الخليجي بالسرعة والقوة المقررة.
ولأن العلاقة وثيقة بين السياسة والاقتصاد والتأثير فيها متبادل، فإن الإرادة السياسية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، التي كان لها الدور الأساسي في الوصول بالتعاون الاقتصادي الخليجي المشترك إلى ما وصل إليه بعد نجاح الاتحاد الجمركي وعلى أبواب السوق المشتركة، هي القادرة على الوصول إلى حلول لكل ما هو مطروح من رؤى وتباينات. وبالحكمة والمشاورات الهادئة نأمل بأن يتمكنوا في النهاية من تجاوز كل ما يعترض طريق الوحدة الاقتصادية من عقبات أو اختراقات أو تحديات.
::/fulltext::
::cck::2795::/cck::
