معوقات تعترض مسيرة التكامل الأمني لدول “التعاون”
::cck::2549::/cck::
::introtext::
كان الأمن في قلب الظروف التي أدت إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو عام 1981، حيث جاء إنشاؤه لمواجهة مجموعة من التحديات الأمنية بالأساس، بعضها إقليمي مثل: الثورة الإيرانية في عام 1979، والحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت عام 1980، واستمرت إلى عام 1988، وألقت بتأثيراتها السلبية المباشرة على أمن المنطقة واستقرار دولها. وبعضها الآخر ارتبط بالصراع الدولي، وخاصة بعد تزايد النفوذ السوفييتي في بعض المناطق القريبة من الخليج مثل أفغانستان (بعد غزوه لها في عام 1979) والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي أوجد لدى دول المنطقة مخاوف من امتداد النفوذ السوفييتي إليها، كما أثار لديها مخاوف من محاولات النفوذ الغربي وخاصة الأمريكي كمحاولة لمواجهة النفوذ السوفييتي. والبعض الثالث ارتبط بالأوضاع الداخلية الخاصة بدول الخليج العربي، وفي مقدمتها: صغر حجم وتعداد سكان بعض هذه الدول مثل دولة قطر ومملكة البحرين اللتين يزيد تعداد سكانهما بقليل على نصف المليون نسمة مقارنة بدول إقليمية أخرى مثل العراق وإيران، وضعف القدرات العسكرية لهذه الدول وحاجتها الشديدة للتعاون معا لمواجهة التهديدات الخارجية.
::/introtext::
::fulltext::
كان الأمن في قلب الظروف التي أدت إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو عام 1981، حيث جاء إنشاؤه لمواجهة مجموعة من التحديات الأمنية بالأساس، بعضها إقليمي مثل: الثورة الإيرانية في عام 1979، والحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت عام 1980، واستمرت إلى عام 1988، وألقت بتأثيراتها السلبية المباشرة على أمن المنطقة واستقرار دولها. وبعضها الآخر ارتبط بالصراع الدولي، وخاصة بعد تزايد النفوذ السوفييتي في بعض المناطق القريبة من الخليج مثل أفغانستان (بعد غزوه لها في عام 1979) والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي أوجد لدى دول المنطقة مخاوف من امتداد النفوذ السوفييتي إليها، كما أثار لديها مخاوف من محاولات النفوذ الغربي وخاصة الأمريكي كمحاولة لمواجهة النفوذ السوفييتي. والبعض الثالث ارتبط بالأوضاع الداخلية الخاصة بدول الخليج العربي، وفي مقدمتها: صغر حجم وتعداد سكان بعض هذه الدول مثل دولة قطر ومملكة البحرين اللتين يزيد تعداد سكانهما بقليل على نصف المليون نسمة مقارنة بدول إقليمية أخرى مثل العراق وإيران، وضعف القدرات العسكرية لهذه الدول وحاجتها الشديدة للتعاون معا لمواجهة التهديدات الخارجية.
ولهذا أقدمت دول الخليج الست (السعودية، البحرين، الإمارات، عُمان، الكويت، قطر) على إنشاء مجلس التعاون كسياج يحميها من التأثيرات السلبية لهذه التطورات أو الانجراف فيها، ويكون فيما بعد الإطار للأمن الجماعي والتعاون فيما بينها لسد احتياجات الأمن الناشئة في المنطقة، وللحد من الضغوط والإغراءات التي قد تدفع الدول الكبرى إلى التدخل في شؤونها. والتساؤل الذي يفرض نفسه الآن في الذكرى الرابعة والعشرين لتأسيس مجلس التعاون هو: هل نجح المجلس في تحقيق التكامل الأمني بين دوله؟ هذا ما تحاول السطور التالية الإجابة عنه.
إن المراقب لمسيرة المجلس وأدائه طيلة الأربعة والعشرين عاماً الماضية، يلاحظ أنه لم يحقق ما كان يصبو إليه من أهداف، بل تفاقمت مشكلاته الأمنية لدرجة أصبح معها شعور دوله بعدم الأمان يتعاظم من كل اتجاه داخليا وإقليميا ودوليا، ويرجع ذلك بالأساس إلى تجدد عوامل القلق وعدم الاستقرار في منطقة الخليج، فلا تكاد تنتهي أزمة إلا وتتولد أخرى أو تتم إثارتها، وكأن عدم استقرار المنطقة أصبح يمثل مصلحة استراتيجية لقوى دولية كي تبرر وجودها بالمنطقة.
بنهاية حرب الخليج الأولى التي نشبت بين العراق وإيران تطلعت دول المجلس ـ التي عانت من ويلات هذه الحرب ـ إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والأمن، لكن آمالها تبخرت واصطدمت بطموحات (أطماع) العراق الإقليمية الذي خرج من الحرب بقوة عسكرية هائلة، وبدأ يثير المشكلات مع جيرانه من دول المجلس، تطورت إلى غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990، والذي شكّل بدوره حلقة جديدة من حلقات عدم الاستقرار في المنطقة استمرت طيلة عقد التسعينات.
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تعرضت لها الولايات المتحدة ـ وما ارتبط بها من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب ـ لتشكل مأزقا أمنيا جديدا لدول مجلس التعاون لاعتبارات عديدة: أولها أن القائمة التي نشرتها جهات التحقيق الأمريكية للمتهمين في الحادث معظمها لمواطنين خليجيين (سعوديين بالأساس). ثانيها اتهام الجمعيات الخيرية بدعم وتمويل الجماعات الإرهابية وطلبت الولايات المتحدة من دول المجلس في هذا الخصوص ضرورة مراقبة هذه الجمعيات، وخاصة في ما يتعلق بمصادر تمويلها، وأوجه الصرف الخاصة بها. ثالثها تعرض دول مجلس التعاون، وخاصة السعودية، لحملة إعلامية ضارية وموجة حادة من الانتقادات العنيفة في الصحف الأمريكية والغربية أثرت في صورتها ومكانتها وعلى علاقتها السياسية مع الولايات المتحدة، فقد اتهمت وسائل الإعلام هذه الدول بأنها مصدر التطرف والإرهاب، وكانت نتيجة ذلك أن أصبحت دول المجلس مستهدفة إعلاميا وسياسيا وثقافيا وتعليميا، وباتت مطالبة بإدخال إصلاحات سياسية وإعادة النظر في مناهجها الدراسية، وسياساتها التعليمية، وقناعاتها الفكرية.
ولم تكد دول مجلس التعاون الخليجي تخرج من أزمة 11 سبتمبر، إلا وجاء الغزو الأمريكي للعراق ليضعها أمام واقع آخر جديد ومختلف، وذلك قبل أن تستفيق من صدمة سبتمبر وتداعياتها، وجاءت حرب الخليج الثالثة لتكمل مثلث الحروب في منطقة الخليج، ولتفاقم من المأزق الأمني لدول المجلس، وتدخل المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار بصورة أكثر حدة عن أي فترة مضت. وليس من المستبعد أن تثير الولايات المتحدة حربا رابعة في الخليج ضد إيران في المستقبل المنظور في ضوء تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران على خلفية القضايا المتفجرة بينهما، وفي مقدمتها الملف النووي، والاستقرار في العراق، والموقف من جماعات المقاومة وحزب الله.
لكن، رغم عظم التحديات الأمنية التي واجهت مجلس التعاون الخليجي طيلة السنوات الأربع والعشرين الماضية، إلا أنه يلاحظ افتقار دوله إلى الرؤية الأمنية والاستراتيجية الموحدة، فرغم أن مصادر التهديد التي واجهت – وتواجه- هذه الدول تكاد تكون واحدة، فلم تكن هناك رؤية واستراتيجية أمنية واضحة للتعاطي معها، بل تعرضت هذه الرؤية للتغيير كلما تعرضت المنطقة لأزمة ما (إقليمية أو دولية)، وهو ما يؤكد الفكرة السائدة بأن أمن الخليج من القضايا القابلة للتغيير والتطور، ويتأثر بدرجة واضحة بأي متغيرات إقليمية أو دولية جديدة، ويبدو هذا واضحا لدى مقارنة رؤية دول المجلس الأمنية منذ نشأته وحتى العام 2005، حيث مر هذا الإدراك بعدة مراحل، كان لكل مرحلة خصائصها الواضحة، وذلك على النحو التالي:
المرحلة الأولى (1981-1990) التي بدأت بتأسيس مجلس التعاون في مايو 1981 بدأ الإدراك الأمني لدول المجلس يتبلور، وبدا أن هناك اتفاقا خليجيا على ضرورة الاعتماد على الذات في تحقيق الأمن، ورفض نفوذ القوى الأجنبية في المنطقة، وضرورة إبعاد المنطقة عن الصراعات الدولية، وصاغت هذه الدول مبدأ أمنيا أساسيا يتمثل في أن أمن الخليج واستقراره هما من مسؤولية دوله، وما يرتبط بذلك من ضرورة إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية، وخاصة تمركز الأساطيل العسكرية والقواعد الأجنبية لما فيه مصلحتها ومصلحة العالم، وقد تكرر هذا المبدأ أيضًا في البيانات الختامية لقمم مجلس التعاون الخليجي.
وخلال هذه المرحلة أيضا كانت هناك بداية إدراك من دول المجلس بخطورة التهديدات التي تفرضها البيئة الداخلية والمتمثلة بالأساس في التطرف والإرهاب والجماعات الراديكالية التي تتبنى أعمال العنف منهجا لها، وترجم ذلك في إقرار دول المجلس لأهداف الاستراتيجية الأمنية الشاملة.
المرحلة الثانية وتبدأ من الغزو العراقي للكويت أغسطس 1990 وحتى أحداث 11 سبتمبر: وفي هذه المرحلة حدث تغير في نظرة دول المجلس إلى كيفية الحفاظ على أمنها، بحيث لم يعد أمن مجلس التعاون أمنا خليجيا عربيا فحسب أو مسؤولية دوله، بل تم الربط بين الأمن الدولي وأمن دول مجلس التعاون، وأصبحت القوى الخارجية التي كانت تمثل خطرا من قبل هي مصدر الأمن والاستقرار في المنطقة، فقد صار أمن الخليج يعني أمن واستقرار وسيادة دول أعضاء مجلس التعاون من العدوان العراقي المتربص آنذاك، واكتسب أبعادا جديدة، أبرزها أولوية الخطر الخارجي والتهديدات الخارجية على التهديدات والأخطار الداخلية، والقبول بالوجود العسكري الأجنبي باعتباره أهم ضمانات هذا الأمن الجديد، وارتبط ذلك بتقليص وتهميش الدور العربي في أمن الخليج الذي عبرت عنه صيغة إعلان دمشق، وفقدت المجموعة الخليجية ثقتها بالارتباط بالأمن القومي العربي، ما أدى إلى تقويض مبادئ الأمن القومي العربي، وترتب على ذلك تكثيف الوجود العسكري في المنطقة، وعمّق من المصالح، وكانت نتيجة ذلك أن أصبح أمن الخليج قضية دولية من جانب، وجزءاً لا يتجزأ من الأمن والمصالح العليا للدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
المرحلة الثالثة: وتبدأ منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى الآن(2005): وتركت هذه المرحلة تأثيرها الواضح على أمن دول المجلس، انعكست على رؤيتها وإدراكاتها الأمنية في أكثر من زاوية، فقد عادت الاعتبارات الأمنية الوطنية الداخلية لتتصدر قائمة الأولويات الخليجية، بعد أن سلطت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الضوء على تحديات البيئة الداخلية التي تمثل تهديدا لأمن دول المجلس، والمتمثلة بالأساس في خطر التطرف والعنف الذي تؤمن به بعض الجماعات الأصولية الراديكالية ذات الصلة بتنظيم القاعدة، والمتهم بالوقوف وراء هذه الأحداث، وبدأت هذه الدول كذلك تهتم بمنظومتها الثقافية والتربوية والتعليمية وتعيد النظر في مكوناتها، بعد أن ربطت العديد من التحليلات الغربية بين هذه المنظومة وبين الغلو والتطرف وتفريخ الإرهاب، وبرزت دعوات لاستبدال البنية التعليمية التقليدية ببنية عصرية تكرس علوم التقانة والعصر على حساب العلوم الدينية، وواجهت دول المجلس ضغوطًا شديدة في هذا الاتجاه.
والمستجد في رؤية دول المجلس في هذه المرحلة أن أصبح الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة يمثل عامل قلق، وليس عاملاً للأمن والاستقرار كما كان سائدا بعد أزمة وحرب الخليج الثانية، بعد أن أصبح الشك المتبادل والتوجس يسود علاقة الجانبين( الولايات المتحدة وبعض دول مجلس التعاون) في ضوء السياسات الأمريكية المعلنة والخفية والرامية إلى تغيير الوضع الراهن فيها.
ومن هنا بدأت تثار المطالب بضرورة انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة، حيث إن هذا الوجود لم يعد له ما يبرره، وربما هذا يفسر الموقف السعودي المتحفظ على استمرار القوات الأمريكية على أراضيها بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، ومطالبته بسحب هذه القوات، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على علاقات واشنطن والرياض. لكن على الجانب المقابل فإن بعض الدول الأخرى (قطر والبحرين وسلطنة عُمان) اتجهت إلى تعميق علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، ما يعني معه حدوث انقسام في الموقف الخليجي العام إزاء العلاقة الأمنية والدفاعية مع الولايات المتحدة.
واللافت أيضا أن حرب الخليج الثالثة لم تؤد كما كان متوقعا إلى انتهاء الخطر العراقي أو بالأحرى الخطر الذي كان يمثله نظام صدام حسين بل تغيرت طبيعة هذا الخطر، وتحوّل من تهديد قائم وواقع بالفعل طيلة عقد التسعينات إلى تهديد محتمل وكامن بعد الاحتلال الأمريكي، فاستمرار انفلات المشهد الأمني في العراق أفرز تداعيات سلبية على دول المجلس. ويمكن القول إن المأزق الأمني الذي تتعرض له السعودية منذ مايو 2003 وحتى الآن، وتعرض بعض الدول الأخرى لحوادث إرهابية كما في الكويت وقطر في الربع الأول من العام 2005 لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن الأوضاع في العراق واستمرار الاحتلال الأمريكي له.
هذا التطور في رؤية دول المجلس الأمنية من مرحلة لأخرى، بل واختلافه داخل الدولة الواحدة من مرحلة لأخرى، شكل بدوره أحد أهم المعوقات أمام تحقيق التكامل الأمني لمجلس التعاون، ويعود هذا التغير الإدراكي بالأساس إلى العوامل التالية:
1) خصوصية الأوضاع الداخلية لكل دولة من دول المجلس، الأمر الذي يجعل لكل دولة إدراكها الخاص لمصادر تهديد الأمن الإقليمي، وحيث إن كل دولة تعطي أولوية حاسمة لأمنها القطري فإنها تنجرف إلى إدراكات مختلفة للأمن الإقليمي، بحيث يصبح مرادفا لأمنها الوطني. ولهذا فإن عملية تحديد مسائل بعينها كمصادر للتهديد تواجه دول مجلس التعاون مجتمعة تبدو مهمة صعبة في ضوء غلبة النظرة الذاتية لكل دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون إلى هذه المصادر وللتداخل بين هذه النظرة وبين ما يروج له من القوى الخارجية كمصادر للتهديد في إقليم الخليج سواء أكانت إقليمية أو خارجية.
2) التنافس – الذي يصل في بعض الأحيان إلى درجة الصراع- بين بعض دول المجلس على القيادة والنفوذ، فضلاً عن الخلافات البينية التي تنشب بينها، كل هذا له انعكاساته السلبية على عدم الاتفاق على مصادر التهديد وكيفية سبل مواجهتها.
3) غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة لدول المجلس حول طبيعة الترتيبات الأمنية، فهذه الرؤية تكون في الأغلب رد فعل لأزمة إقليمية أو دولية أو حتى داخلية. بمعنى آخر إن السياسات الأمنية التي اتخذتها دول المجلس طيلة الأربعة وعشرين عاماً الماضية لم تكن نتيجة رؤية مشتركة بقدر ما كانت استجابة لضغوط وتحديات البيئتين الخارجية والداخلية، ويؤكد ذلك أن الاتفاق الأمني لمكافحة الإرهاب الذي تم التوصل إليه بين دول المجلس في شهر مايو 2004 لا يمكن فصله عن تعاظم المخاوف من تنامي التطرف الأصولي في المنطقة، والأزمة الأمنية التي بدأت تشهدها بعض دول المجلس بعد الغزو العراقي للكويت.
4) تفاوت الاعتماد على الأطراف الخارجية ودرجة كثافته من دولة لأخرى، ما بين عقد اتفاقيات دفاعية ذات عقد زمني ممتد كما هو حال الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها الولايات مع الكويت بعد حرب الخليج الثانية، وتم تجديدها في عام 2001، أو الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها قطر عام 2002 مع الولايات المتحدة، وجاءت في إطار التحضير للحرب على العراق، أما بالنسبة للسعودية فيلاحظ أن مستوى التعاون الأمني مع الولايات المتحدة آخذ في الانكماش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتوتر الذي أصاب العلاقات الثنائية.
5) التناقض الذي يكتنف الرؤية الأمنية لدول مجلس التعاون في بعض الأحيان، والانفصال بين اتفاقيات الأمن الوطني الداخلي والأمن الدفاعي الإقليمي التي تبرمها، فبينما تتجه بعض دول المجلس إلى تعزيز التعاون الأمني الداخلي مع إيران (محاربة الإرهاب، مكافحة المخدرات..)، فإنها في المقابل تمضي نحو تعزيز علاقاتها الدفاعية والعسكرية مع الولايات المتحدة من خلال الاتفاقيات الدفاعية، وهي الاتفاقيات التي يتم تجديدها واكتسبت أبعادا ومفاهيم جديدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب ضد الإرهاب. وتكمن المشكلة في ذلك بالنسبة لدول المجلس في صعوبة التوفيق بين هذين المستويين (الأمني الداخلي – الدفاعي العسكري). وقد تبرز المعضلة الحقيقية فيما لو قررت الولايات المتحدة استهداف إيران أو القيام بضربة إجهاضية لمنشآتها النووية في المستقبل، ففي هذه الحالة هل ستسمح دول المجلس بانسحاب الخدمات والتسهيلات الدفاعية التي تنص عليها الاتفاقيات الدفاعية التي وقعتها مع واشنطن ضد إيران كما حدث من قبل مع العراق أثناء الإعداد للحرب ؟ لو حدث ذلك فإنه قد يكرس التناقض ما بين التزامات دول المجلس الأمنية الداخلية مع إيران مع الالتزامات الدفاعية والعسكرية مع الولايات المتحدة.
ومن ناحية ثانية، يلاحظ عدم وجود إطار جماعي للأمن الداخلي الوطني بين دول المجلس ككل وإيران- ومع أن الجانبين يرتبطان باتفاقيات أو مذكرات أمنية ثنائية- وربما العائق أمام ذلك ليس لأن هناك مشكلات في العلاقات الثنائية بين كل دولة وإيران (مثل مشكلة الجزر التي ستظل عائقًا أمام أي هيكل خليجي مشترك للأمن الإقليمي الداخلي أو الأمن الإقليمي الدفاعي) فقط، بل لأن هناك ثمة تعارضاً بين الموقف الجماعي الذي تعبر عنه هذه الدول في قمم ومؤسسات المجلس، وبين الموقف الذي تتخذه كل دولة على حدة إزاء العلاقات مع إيران والتعاون معها، ففي الوقت الذي يأتي فيه الموقف الجماعي للمجلس أكثر تشددا، كما تظهره البيانات الختامية للقمم الخليجية – والذي يؤكد على أن تطور العلاقات مع إيران لن يكون على حساب قضية الجزر الثلاث أو دعم الإمارات فيها، بل ويشدد على أن هذه القضية قضية خليجية وليست إماراتية فقط، ويؤكد دعم مجلس التعاون كمؤسسة ومنظمة عربية إقليمية لحق الإمارات في الجزر الثلاث- فإن بعض السياسات المنفردة التي تتبعها دول المجلس إزاء التقارب مع إيران تتعارض في أحيان كثيرة مع الموقف الجماعي، بل وتتسبب في إحداث توترات في العلاقات بين الإمارات وتلك الدول التي تتقارب مع إيران.
ويكشف هذا عن وجود تنوع في التوجهات السياسية لدول المجلس، وحرص قد يكون مبالغا فيه من جانب بعض الدول الأعضاء في بعض الأحيان على تأكيد التمايز، سواء كان هذا التمايز بهدف تأكيد المكانة أو الدور أو لتحقيق المصالح الخاصة لكل دولة على حدة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مجلس التعاون الخليجي في الذكرى الرابعة والعشرين من إنشائه لم يصل بعد إلى مرحلة التكامل الأمني، وإنما يكتفي بالتنسيق فيما بين دوله لتقليل التباين والاختلاف إزاء بعض القضايا والتحديات التي تهدد أمن دوله.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2549::/cck::
::introtext::
كان الأمن في قلب الظروف التي أدت إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو عام 1981، حيث جاء إنشاؤه لمواجهة مجموعة من التحديات الأمنية بالأساس، بعضها إقليمي مثل: الثورة الإيرانية في عام 1979، والحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت عام 1980، واستمرت إلى عام 1988، وألقت بتأثيراتها السلبية المباشرة على أمن المنطقة واستقرار دولها. وبعضها الآخر ارتبط بالصراع الدولي، وخاصة بعد تزايد النفوذ السوفييتي في بعض المناطق القريبة من الخليج مثل أفغانستان (بعد غزوه لها في عام 1979) والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي أوجد لدى دول المنطقة مخاوف من امتداد النفوذ السوفييتي إليها، كما أثار لديها مخاوف من محاولات النفوذ الغربي وخاصة الأمريكي كمحاولة لمواجهة النفوذ السوفييتي. والبعض الثالث ارتبط بالأوضاع الداخلية الخاصة بدول الخليج العربي، وفي مقدمتها: صغر حجم وتعداد سكان بعض هذه الدول مثل دولة قطر ومملكة البحرين اللتين يزيد تعداد سكانهما بقليل على نصف المليون نسمة مقارنة بدول إقليمية أخرى مثل العراق وإيران، وضعف القدرات العسكرية لهذه الدول وحاجتها الشديدة للتعاون معا لمواجهة التهديدات الخارجية.
::/introtext::
::fulltext::
كان الأمن في قلب الظروف التي أدت إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو عام 1981، حيث جاء إنشاؤه لمواجهة مجموعة من التحديات الأمنية بالأساس، بعضها إقليمي مثل: الثورة الإيرانية في عام 1979، والحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت عام 1980، واستمرت إلى عام 1988، وألقت بتأثيراتها السلبية المباشرة على أمن المنطقة واستقرار دولها. وبعضها الآخر ارتبط بالصراع الدولي، وخاصة بعد تزايد النفوذ السوفييتي في بعض المناطق القريبة من الخليج مثل أفغانستان (بعد غزوه لها في عام 1979) والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي أوجد لدى دول المنطقة مخاوف من امتداد النفوذ السوفييتي إليها، كما أثار لديها مخاوف من محاولات النفوذ الغربي وخاصة الأمريكي كمحاولة لمواجهة النفوذ السوفييتي. والبعض الثالث ارتبط بالأوضاع الداخلية الخاصة بدول الخليج العربي، وفي مقدمتها: صغر حجم وتعداد سكان بعض هذه الدول مثل دولة قطر ومملكة البحرين اللتين يزيد تعداد سكانهما بقليل على نصف المليون نسمة مقارنة بدول إقليمية أخرى مثل العراق وإيران، وضعف القدرات العسكرية لهذه الدول وحاجتها الشديدة للتعاون معا لمواجهة التهديدات الخارجية.
ولهذا أقدمت دول الخليج الست (السعودية، البحرين، الإمارات، عُمان، الكويت، قطر) على إنشاء مجلس التعاون كسياج يحميها من التأثيرات السلبية لهذه التطورات أو الانجراف فيها، ويكون فيما بعد الإطار للأمن الجماعي والتعاون فيما بينها لسد احتياجات الأمن الناشئة في المنطقة، وللحد من الضغوط والإغراءات التي قد تدفع الدول الكبرى إلى التدخل في شؤونها. والتساؤل الذي يفرض نفسه الآن في الذكرى الرابعة والعشرين لتأسيس مجلس التعاون هو: هل نجح المجلس في تحقيق التكامل الأمني بين دوله؟ هذا ما تحاول السطور التالية الإجابة عنه.
إن المراقب لمسيرة المجلس وأدائه طيلة الأربعة والعشرين عاماً الماضية، يلاحظ أنه لم يحقق ما كان يصبو إليه من أهداف، بل تفاقمت مشكلاته الأمنية لدرجة أصبح معها شعور دوله بعدم الأمان يتعاظم من كل اتجاه داخليا وإقليميا ودوليا، ويرجع ذلك بالأساس إلى تجدد عوامل القلق وعدم الاستقرار في منطقة الخليج، فلا تكاد تنتهي أزمة إلا وتتولد أخرى أو تتم إثارتها، وكأن عدم استقرار المنطقة أصبح يمثل مصلحة استراتيجية لقوى دولية كي تبرر وجودها بالمنطقة.
بنهاية حرب الخليج الأولى التي نشبت بين العراق وإيران تطلعت دول المجلس ـ التي عانت من ويلات هذه الحرب ـ إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والأمن، لكن آمالها تبخرت واصطدمت بطموحات (أطماع) العراق الإقليمية الذي خرج من الحرب بقوة عسكرية هائلة، وبدأ يثير المشكلات مع جيرانه من دول المجلس، تطورت إلى غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990، والذي شكّل بدوره حلقة جديدة من حلقات عدم الاستقرار في المنطقة استمرت طيلة عقد التسعينات.
ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تعرضت لها الولايات المتحدة ـ وما ارتبط بها من الحملة الأمريكية ضد الإرهاب ـ لتشكل مأزقا أمنيا جديدا لدول مجلس التعاون لاعتبارات عديدة: أولها أن القائمة التي نشرتها جهات التحقيق الأمريكية للمتهمين في الحادث معظمها لمواطنين خليجيين (سعوديين بالأساس). ثانيها اتهام الجمعيات الخيرية بدعم وتمويل الجماعات الإرهابية وطلبت الولايات المتحدة من دول المجلس في هذا الخصوص ضرورة مراقبة هذه الجمعيات، وخاصة في ما يتعلق بمصادر تمويلها، وأوجه الصرف الخاصة بها. ثالثها تعرض دول مجلس التعاون، وخاصة السعودية، لحملة إعلامية ضارية وموجة حادة من الانتقادات العنيفة في الصحف الأمريكية والغربية أثرت في صورتها ومكانتها وعلى علاقتها السياسية مع الولايات المتحدة، فقد اتهمت وسائل الإعلام هذه الدول بأنها مصدر التطرف والإرهاب، وكانت نتيجة ذلك أن أصبحت دول المجلس مستهدفة إعلاميا وسياسيا وثقافيا وتعليميا، وباتت مطالبة بإدخال إصلاحات سياسية وإعادة النظر في مناهجها الدراسية، وسياساتها التعليمية، وقناعاتها الفكرية.
ولم تكد دول مجلس التعاون الخليجي تخرج من أزمة 11 سبتمبر، إلا وجاء الغزو الأمريكي للعراق ليضعها أمام واقع آخر جديد ومختلف، وذلك قبل أن تستفيق من صدمة سبتمبر وتداعياتها، وجاءت حرب الخليج الثالثة لتكمل مثلث الحروب في منطقة الخليج، ولتفاقم من المأزق الأمني لدول المجلس، وتدخل المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار بصورة أكثر حدة عن أي فترة مضت. وليس من المستبعد أن تثير الولايات المتحدة حربا رابعة في الخليج ضد إيران في المستقبل المنظور في ضوء تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران على خلفية القضايا المتفجرة بينهما، وفي مقدمتها الملف النووي، والاستقرار في العراق، والموقف من جماعات المقاومة وحزب الله.
لكن، رغم عظم التحديات الأمنية التي واجهت مجلس التعاون الخليجي طيلة السنوات الأربع والعشرين الماضية، إلا أنه يلاحظ افتقار دوله إلى الرؤية الأمنية والاستراتيجية الموحدة، فرغم أن مصادر التهديد التي واجهت – وتواجه- هذه الدول تكاد تكون واحدة، فلم تكن هناك رؤية واستراتيجية أمنية واضحة للتعاطي معها، بل تعرضت هذه الرؤية للتغيير كلما تعرضت المنطقة لأزمة ما (إقليمية أو دولية)، وهو ما يؤكد الفكرة السائدة بأن أمن الخليج من القضايا القابلة للتغيير والتطور، ويتأثر بدرجة واضحة بأي متغيرات إقليمية أو دولية جديدة، ويبدو هذا واضحا لدى مقارنة رؤية دول المجلس الأمنية منذ نشأته وحتى العام 2005، حيث مر هذا الإدراك بعدة مراحل، كان لكل مرحلة خصائصها الواضحة، وذلك على النحو التالي:
المرحلة الأولى (1981-1990) التي بدأت بتأسيس مجلس التعاون في مايو 1981 بدأ الإدراك الأمني لدول المجلس يتبلور، وبدا أن هناك اتفاقا خليجيا على ضرورة الاعتماد على الذات في تحقيق الأمن، ورفض نفوذ القوى الأجنبية في المنطقة، وضرورة إبعاد المنطقة عن الصراعات الدولية، وصاغت هذه الدول مبدأ أمنيا أساسيا يتمثل في أن أمن الخليج واستقراره هما من مسؤولية دوله، وما يرتبط بذلك من ضرورة إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية، وخاصة تمركز الأساطيل العسكرية والقواعد الأجنبية لما فيه مصلحتها ومصلحة العالم، وقد تكرر هذا المبدأ أيضًا في البيانات الختامية لقمم مجلس التعاون الخليجي.
وخلال هذه المرحلة أيضا كانت هناك بداية إدراك من دول المجلس بخطورة التهديدات التي تفرضها البيئة الداخلية والمتمثلة بالأساس في التطرف والإرهاب والجماعات الراديكالية التي تتبنى أعمال العنف منهجا لها، وترجم ذلك في إقرار دول المجلس لأهداف الاستراتيجية الأمنية الشاملة.
المرحلة الثانية وتبدأ من الغزو العراقي للكويت أغسطس 1990 وحتى أحداث 11 سبتمبر: وفي هذه المرحلة حدث تغير في نظرة دول المجلس إلى كيفية الحفاظ على أمنها، بحيث لم يعد أمن مجلس التعاون أمنا خليجيا عربيا فحسب أو مسؤولية دوله، بل تم الربط بين الأمن الدولي وأمن دول مجلس التعاون، وأصبحت القوى الخارجية التي كانت تمثل خطرا من قبل هي مصدر الأمن والاستقرار في المنطقة، فقد صار أمن الخليج يعني أمن واستقرار وسيادة دول أعضاء مجلس التعاون من العدوان العراقي المتربص آنذاك، واكتسب أبعادا جديدة، أبرزها أولوية الخطر الخارجي والتهديدات الخارجية على التهديدات والأخطار الداخلية، والقبول بالوجود العسكري الأجنبي باعتباره أهم ضمانات هذا الأمن الجديد، وارتبط ذلك بتقليص وتهميش الدور العربي في أمن الخليج الذي عبرت عنه صيغة إعلان دمشق، وفقدت المجموعة الخليجية ثقتها بالارتباط بالأمن القومي العربي، ما أدى إلى تقويض مبادئ الأمن القومي العربي، وترتب على ذلك تكثيف الوجود العسكري في المنطقة، وعمّق من المصالح، وكانت نتيجة ذلك أن أصبح أمن الخليج قضية دولية من جانب، وجزءاً لا يتجزأ من الأمن والمصالح العليا للدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
المرحلة الثالثة: وتبدأ منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى الآن(2005): وتركت هذه المرحلة تأثيرها الواضح على أمن دول المجلس، انعكست على رؤيتها وإدراكاتها الأمنية في أكثر من زاوية، فقد عادت الاعتبارات الأمنية الوطنية الداخلية لتتصدر قائمة الأولويات الخليجية، بعد أن سلطت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الضوء على تحديات البيئة الداخلية التي تمثل تهديدا لأمن دول المجلس، والمتمثلة بالأساس في خطر التطرف والعنف الذي تؤمن به بعض الجماعات الأصولية الراديكالية ذات الصلة بتنظيم القاعدة، والمتهم بالوقوف وراء هذه الأحداث، وبدأت هذه الدول كذلك تهتم بمنظومتها الثقافية والتربوية والتعليمية وتعيد النظر في مكوناتها، بعد أن ربطت العديد من التحليلات الغربية بين هذه المنظومة وبين الغلو والتطرف وتفريخ الإرهاب، وبرزت دعوات لاستبدال البنية التعليمية التقليدية ببنية عصرية تكرس علوم التقانة والعصر على حساب العلوم الدينية، وواجهت دول المجلس ضغوطًا شديدة في هذا الاتجاه.
والمستجد في رؤية دول المجلس في هذه المرحلة أن أصبح الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة يمثل عامل قلق، وليس عاملاً للأمن والاستقرار كما كان سائدا بعد أزمة وحرب الخليج الثانية، بعد أن أصبح الشك المتبادل والتوجس يسود علاقة الجانبين( الولايات المتحدة وبعض دول مجلس التعاون) في ضوء السياسات الأمريكية المعلنة والخفية والرامية إلى تغيير الوضع الراهن فيها.
ومن هنا بدأت تثار المطالب بضرورة انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة، حيث إن هذا الوجود لم يعد له ما يبرره، وربما هذا يفسر الموقف السعودي المتحفظ على استمرار القوات الأمريكية على أراضيها بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، ومطالبته بسحب هذه القوات، وهو الأمر الذي انعكس سلبا على علاقات واشنطن والرياض. لكن على الجانب المقابل فإن بعض الدول الأخرى (قطر والبحرين وسلطنة عُمان) اتجهت إلى تعميق علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، ما يعني معه حدوث انقسام في الموقف الخليجي العام إزاء العلاقة الأمنية والدفاعية مع الولايات المتحدة.
واللافت أيضا أن حرب الخليج الثالثة لم تؤد كما كان متوقعا إلى انتهاء الخطر العراقي أو بالأحرى الخطر الذي كان يمثله نظام صدام حسين بل تغيرت طبيعة هذا الخطر، وتحوّل من تهديد قائم وواقع بالفعل طيلة عقد التسعينات إلى تهديد محتمل وكامن بعد الاحتلال الأمريكي، فاستمرار انفلات المشهد الأمني في العراق أفرز تداعيات سلبية على دول المجلس. ويمكن القول إن المأزق الأمني الذي تتعرض له السعودية منذ مايو 2003 وحتى الآن، وتعرض بعض الدول الأخرى لحوادث إرهابية كما في الكويت وقطر في الربع الأول من العام 2005 لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن الأوضاع في العراق واستمرار الاحتلال الأمريكي له.
هذا التطور في رؤية دول المجلس الأمنية من مرحلة لأخرى، بل واختلافه داخل الدولة الواحدة من مرحلة لأخرى، شكل بدوره أحد أهم المعوقات أمام تحقيق التكامل الأمني لمجلس التعاون، ويعود هذا التغير الإدراكي بالأساس إلى العوامل التالية:
1) خصوصية الأوضاع الداخلية لكل دولة من دول المجلس، الأمر الذي يجعل لكل دولة إدراكها الخاص لمصادر تهديد الأمن الإقليمي، وحيث إن كل دولة تعطي أولوية حاسمة لأمنها القطري فإنها تنجرف إلى إدراكات مختلفة للأمن الإقليمي، بحيث يصبح مرادفا لأمنها الوطني. ولهذا فإن عملية تحديد مسائل بعينها كمصادر للتهديد تواجه دول مجلس التعاون مجتمعة تبدو مهمة صعبة في ضوء غلبة النظرة الذاتية لكل دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون إلى هذه المصادر وللتداخل بين هذه النظرة وبين ما يروج له من القوى الخارجية كمصادر للتهديد في إقليم الخليج سواء أكانت إقليمية أو خارجية.
2) التنافس – الذي يصل في بعض الأحيان إلى درجة الصراع- بين بعض دول المجلس على القيادة والنفوذ، فضلاً عن الخلافات البينية التي تنشب بينها، كل هذا له انعكاساته السلبية على عدم الاتفاق على مصادر التهديد وكيفية سبل مواجهتها.
3) غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة لدول المجلس حول طبيعة الترتيبات الأمنية، فهذه الرؤية تكون في الأغلب رد فعل لأزمة إقليمية أو دولية أو حتى داخلية. بمعنى آخر إن السياسات الأمنية التي اتخذتها دول المجلس طيلة الأربعة وعشرين عاماً الماضية لم تكن نتيجة رؤية مشتركة بقدر ما كانت استجابة لضغوط وتحديات البيئتين الخارجية والداخلية، ويؤكد ذلك أن الاتفاق الأمني لمكافحة الإرهاب الذي تم التوصل إليه بين دول المجلس في شهر مايو 2004 لا يمكن فصله عن تعاظم المخاوف من تنامي التطرف الأصولي في المنطقة، والأزمة الأمنية التي بدأت تشهدها بعض دول المجلس بعد الغزو العراقي للكويت.
4) تفاوت الاعتماد على الأطراف الخارجية ودرجة كثافته من دولة لأخرى، ما بين عقد اتفاقيات دفاعية ذات عقد زمني ممتد كما هو حال الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها الولايات مع الكويت بعد حرب الخليج الثانية، وتم تجديدها في عام 2001، أو الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها قطر عام 2002 مع الولايات المتحدة، وجاءت في إطار التحضير للحرب على العراق، أما بالنسبة للسعودية فيلاحظ أن مستوى التعاون الأمني مع الولايات المتحدة آخذ في الانكماش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتوتر الذي أصاب العلاقات الثنائية.
5) التناقض الذي يكتنف الرؤية الأمنية لدول مجلس التعاون في بعض الأحيان، والانفصال بين اتفاقيات الأمن الوطني الداخلي والأمن الدفاعي الإقليمي التي تبرمها، فبينما تتجه بعض دول المجلس إلى تعزيز التعاون الأمني الداخلي مع إيران (محاربة الإرهاب، مكافحة المخدرات..)، فإنها في المقابل تمضي نحو تعزيز علاقاتها الدفاعية والعسكرية مع الولايات المتحدة من خلال الاتفاقيات الدفاعية، وهي الاتفاقيات التي يتم تجديدها واكتسبت أبعادا ومفاهيم جديدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب ضد الإرهاب. وتكمن المشكلة في ذلك بالنسبة لدول المجلس في صعوبة التوفيق بين هذين المستويين (الأمني الداخلي – الدفاعي العسكري). وقد تبرز المعضلة الحقيقية فيما لو قررت الولايات المتحدة استهداف إيران أو القيام بضربة إجهاضية لمنشآتها النووية في المستقبل، ففي هذه الحالة هل ستسمح دول المجلس بانسحاب الخدمات والتسهيلات الدفاعية التي تنص عليها الاتفاقيات الدفاعية التي وقعتها مع واشنطن ضد إيران كما حدث من قبل مع العراق أثناء الإعداد للحرب ؟ لو حدث ذلك فإنه قد يكرس التناقض ما بين التزامات دول المجلس الأمنية الداخلية مع إيران مع الالتزامات الدفاعية والعسكرية مع الولايات المتحدة.
ومن ناحية ثانية، يلاحظ عدم وجود إطار جماعي للأمن الداخلي الوطني بين دول المجلس ككل وإيران- ومع أن الجانبين يرتبطان باتفاقيات أو مذكرات أمنية ثنائية- وربما العائق أمام ذلك ليس لأن هناك مشكلات في العلاقات الثنائية بين كل دولة وإيران (مثل مشكلة الجزر التي ستظل عائقًا أمام أي هيكل خليجي مشترك للأمن الإقليمي الداخلي أو الأمن الإقليمي الدفاعي) فقط، بل لأن هناك ثمة تعارضاً بين الموقف الجماعي الذي تعبر عنه هذه الدول في قمم ومؤسسات المجلس، وبين الموقف الذي تتخذه كل دولة على حدة إزاء العلاقات مع إيران والتعاون معها، ففي الوقت الذي يأتي فيه الموقف الجماعي للمجلس أكثر تشددا، كما تظهره البيانات الختامية للقمم الخليجية – والذي يؤكد على أن تطور العلاقات مع إيران لن يكون على حساب قضية الجزر الثلاث أو دعم الإمارات فيها، بل ويشدد على أن هذه القضية قضية خليجية وليست إماراتية فقط، ويؤكد دعم مجلس التعاون كمؤسسة ومنظمة عربية إقليمية لحق الإمارات في الجزر الثلاث- فإن بعض السياسات المنفردة التي تتبعها دول المجلس إزاء التقارب مع إيران تتعارض في أحيان كثيرة مع الموقف الجماعي، بل وتتسبب في إحداث توترات في العلاقات بين الإمارات وتلك الدول التي تتقارب مع إيران.
ويكشف هذا عن وجود تنوع في التوجهات السياسية لدول المجلس، وحرص قد يكون مبالغا فيه من جانب بعض الدول الأعضاء في بعض الأحيان على تأكيد التمايز، سواء كان هذا التمايز بهدف تأكيد المكانة أو الدور أو لتحقيق المصالح الخاصة لكل دولة على حدة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مجلس التعاون الخليجي في الذكرى الرابعة والعشرين من إنشائه لم يصل بعد إلى مرحلة التكامل الأمني، وإنما يكتفي بالتنسيق فيما بين دوله لتقليل التباين والاختلاف إزاء بعض القضايا والتحديات التي تهدد أمن دوله.
::/fulltext::
::cck::2549::/cck::
