إبان غزو واحتلال العراق تحولات اللغة في سياقات الإعلام

::cck::2843::/cck::
::introtext::

منذ ابتدع الإنسان اللغة كوسيلة للتخاطب والتفاهم والتوصيل والتبليغ كانت ذا طابع علاماتي: إشاراتي، أو (منظومة من العلامات)، كما يقول رائد السيميولوجيا (علم العلامات) فرديناند دي سوسير، وقد انتقل الاستخدام البارع للغة – عبر العصور – بالعلامة من المؤدّى البدائي للرسالة إلى منظومة دلالية تنهل من منابع التجربة الإنسانية لتصب في المساحة الفاصلة بين منتج اللغة ومتلقّيها.

 

::/introtext::
::fulltext::

(1) مقدّمة في اللغة والإعلام

منذ ابتدع الإنسان اللغة كوسيلة للتخاطب والتفاهم والتوصيل والتبليغ كانت ذا طابع علاماتي: إشاراتي، أو (منظومة من العلامات)، كما يقول رائد السيميولوجيا (علم العلامات) فرديناند دي سوسير، وقد انتقل الاستخدام البارع للغة – عبر العصور – بالعلامة من المؤدّى البدائي للرسالة إلى منظومة دلالية تنهل من منابع التجربة الإنسانية لتصب في المساحة الفاصلة بين منتج اللغة ومتلقّيها.

وقد اكتسبت المفردة اللغوية عمقَها العلاماتي ذا التعدّد الدلالي من تعدّد أبعادها المكتسبة عبر العمر التاريخي، وهو ما تطرّقتُ إليه سابقاً في مقال بعنوان (أبعاد الكلمة):

البُعد اللغوي – المعجمي (بكارة اللغة)، البُعد المجتمعي (مدلول الكلمة في حياة الناس وما لها من وقعٍ في العلاقات الاجتماعية)، البُعد التاريخي (من حيث ارتباط الكلمة بالوقائع التاريخية)، البُعد السياسي ( حين تأخذ الكلمة مضموناً سياسياً)، البُعد الاقتصادي (لغة التعاملات الاقتصادية واصطلاحاتها)، البُعد النفسي ( في علاقة الأنا باللغة)، البعد الديني (ما تحمله الكلمة من دلالة في النص الديني)، البُعد الفولكلوري (ما ترمز له الكلمة في الحكم والأمثال الشعبية)، والبُعد الجمالي (ما ينحته الأدباء أو ما يشكّلونه جمالياً في لغتهم الخاصة).

ولا شكّ في أنّ هذا التعدّد في أبعاد الكلمة يعني ارتباطها التفاعلي بالثقافة: ثقافة شعب دون آخر، حيث تتغيّر تلك الأبعاد من جغرافيا لغوية إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، وقد لا تتلاقى، في أغلب الأحيان، سوى أبعادها المعجمية. فلكل لغة فلسفتها وبلاغتها ومن ثم أبعادها.

ففي السياسة تأخذ اللغة أشد أشكالها رداءةً من النواحي النحوية والبلاغية، ولكنها تكتنز بدهاءٍ بالغ في استثمارها للأبعاد الأخرى التي يُراد استحضار إحالاتها في الخطاب السياسي، ولعلّ أخطر ما في لغة هذا الخطاب هو كونها لغةً مخادعة تتحدّث عن شيء لتفعل شيئاً آخر، فالأقوياء يتحدثون كثيراً عن السلام بينما يخطّطون في الوقت ذاته للحرب.

وعادةً ما تُولى اللغة اهتماماً خاصاً واستخداماً دقيقاً في مرحلة الحرب، حيث يُراد منها حينئذ أن تكون ذات محمول دعائي يجعل من الكذب صدقاً مستساغاً مسلّحاً بأقصى مفاعيل الأبعاد الكامنة للكلمة، لتتحوّل الحرب والكذب إلى توأمين، كما تقول كاتبة سويدية. وحين يقال إن (الحقيقة أولى ضحايا الحرب) فإنّ السلاح الذي تُنحَرُ بنصلِهِ الحقيقة هو اللغة، كوسيلة لتوصيل الحقيقة ونقيضها (التضليل). ولأن الإعلام ابن شرعي للسياسة، فقد لبثَ متشبثّاً بأذيالها.

وما أريد الخوض فيه هنا هو اللغة الإعلامية بشكل عام، ولغة إعلام الحرب على وجه الخصوص، حينما تصبح اللغة متورِّطة بصناعة الموت وإسالة الدماء، ولأننا في زمنٍ أضحت فيه اللغة سلاحاً خطيراً ومدمِّراً بأيدي الأقوياء المستبدين (الذين يصنعون الحروب في بلدان أخرى ليشيعوا السلام والرفاهية في بلدانهم) أو بأيدي الضعفاء المستبدين (الذين لا تواتيهم القوة إلاّ عندما يكونون في مواجهة شعوبهم)، يتعيّن علينا أن نحاكم هذه اللغة ونحن نستحضر ما قاله الشاعر السويدي توماس ترانسترومر: (اللغة تسير في تناغم مع الجلاّدين) علينا أن نأتي بلغةٍ أخرى.

كثيراً ما نسمع بأن اللغة الصحفية لغة ميسّرة، أي فصحى بسيطة لتكون في متناول مدارك القراء على اختلاف مستوياتهم المعرفية، وهو قول صحيح إلى حد كبير من الناحية الشكلية، بَيْدَ أنه لا يضفي على هذه اللغة براءةً غائبة. فهذا التقويم يخص مهنيّة استخدام اللغة في النص الصحفي أو الإعلامي فحسب، ولكن عندما يتطلّب الظرف الموضوعي أو الموقف السياسي حذَراً أو مداهنَةً أو تواطؤاً فإن الآلة الإعلامية تشحذ دهاءها اللغوي لتستخدم المفاهيم والاصطلاحات والتعبيرات التي تلائم املاءات الظرف، فهي حيناً تلوي عنق اللغة بغية تطويعها لسلطة واقع الحال، وحيناً تُلبِسُ اللغةً قناعاً يجعلُها تبدو على غير حقيقة القول، وفي حينِ آخر تجتزئ اللغةَ حتى لا تتورّط بصراحة القول وما يترتّب على هذه الصراحة من عواقب، فهي تحاول تارةً تعمية الرأي العام عمّا يجري من حوله، وتارةً تعمل على تقديم صورة أخرى مغايرة للواقع، وتارةً أخرى تستلب الحقَ موقعه بصلافة لتحِلَّ محلَّهُ باطلاً صارخاً، وحين تجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها تنهمر عليها السهام من كل حدبٍ وصوب حتى تثوب إلى رشدها، الذي لا يعدو كونه في حقيقة الأمر غيّاً فاضحاً.

وفي ضجيج التعمية والتضليل والصلافة والموضوعية المبسترة يجد المتلقّي نفسَهُ محاصراً بخطابات واقع افتراضي يُراد منه أن يقبله ويتفاعل معه.

(2) حزبيّة اللغة الإعلامية وتحوّلاتها

في عصر الاتصالات والمعلومات والانترنت تصدّرت وسائل الإعلام آليات إنتاج وإعادة إنتاج الوعي وتشكيل ملامح الوعي الجماعي في سعي دائب للهيمنة على العقل الجماعي.

وتمتلك اللغة الإعلامية في هذا السياق قدرة فائقة التأثير على توجيه الرأي العام نحو مرادها، فالعنوان الرئيسي في النشرة التلفزيونية والمانشيت في الصحيفة يوحيان للمتلقي بما تريده هذه القناة التلفزيونية أو تلك الصحيفة أن يكون خبراً رئيسياً.

واللغة من منظور إعلامي تذهب في مسالك متعدّدة بغية إبلاغ الرسالة التي يجب أن تسترضي أصحاب القرار والسلطة (بمختلف أشكالها)، والتي يُراد توصيلها للقارئ محمّلة بالبُعد الأيديولوجي الذي تصطف إليه تلك المؤسسة الإعلامية. وبناءً عليه تخرج هذه اللغة دبلوماسية: لا تريد أن تزعج أحداً، أو جريئة: تعبّر عن عمقها الأيديولوجي واصطفافها السياسي، أو مراوغة: توزّع صوتَها على أكثر من جهة، أو مثيرة: لا تنشد سوى لفت الانتباه والإثارة. وبذلك تصبح اللغة الإعلامية وسيطاً (ناقلاً) للخطاب السياسي، الأمر الذي ينفي حياديتها، وينأى بها عن الزعم بالموضوعية التي يمكن أن تتحقّق بقدرٍ ما في أي مجال آخر غير الإعلام. لأن الإعلام خبرٌ يُنشرُ بشكل لا يتعارض مع سياسة المؤسسة، والإعلام كذلك موقف يراد تسويقه. ولا موضوعية في الحالين. أمّا المساحات التي يُقيّض للرأي الآخر أن يعبّر عن رؤيته من خلالها، فهي مساحات ضرورية في فلسفة الإعلام ليستقيم التوازن المطلوب الذي تستند إليه سياسة المؤسسة وموقفها.

ومن ذلك يمكننا القول، إن اللغة الإعلامية حزبية بالضرورة مهما بلغت ديمقراطية الفضاء الذي تشتغل فيه، لأن الأساس هنا هو ما تشتغل عليه. وللتعبير عن توجهات ومقاصد الإعلام يتم – حسبما تقتضي قنوات التوصيل – استنفار الأبعاد الدلالية اللغوية المطلوب حشدها لتؤتي أكلها في التعبئة أو الدعاية أو التحريض.

ولأن الرأي العام شبكة معقّدة من القيم الدينية والفولكلورية والثقافية والتاريخية والوطنية والسيكولوجية وما سواها، فإن المتمرسين في صناعة الإعلام يبرعون في كيفية مناجاة هذه القيم والتأثير في خلاياها الحسّاسة لينجحوا في النهاية في خلخلتها ومن ثم إعادة تنظيمها وتعبئتها – من حيث تدري أو لا تدري – في خدمة التوجهات الإعلامية في تلك اللحظة من دون سواها. وإذا حضرت لحظة أخرى بموجبات أخرى، فإن الآلة الإعلامية تعمل وبالطريقة ذاتها على تغيير دفّة الرأي العام حتى لو اقتضى الأمر تسييرها باتجاه معاكس. وفي كل مرّة، ضمن هذه الدورة، يمتلك الإعلام قدرة هائلة على ترويج الذرائع والمسوّغات لدفع المتلقّي على القبول بتلك التحولات التي قد تأتي أحياناً مع قدر من الفجائية.

فالإعلام الأمريكي – على سبيل المثال لا الحصر – الذي صمّ آذانه عن صرخات العراقيين، وتصرّف كما لو أنه لم ير مَشاهدَ ما يتعرضون له من قتل واضطهاد وقمع يومي، طيلة ستة وعشرين عاماً ونيّفاً (أي تحديداً منذ تموز 1977) وعندما شرَعتْ السلطة بحملة تصفية فاشية علنية لجميع القوى الديمقراطية التي لم يبادر أي منها إلى مشاكسة السلطة، لم يجد هذا الإعلام ذاته عناءً في الحديث، بعد ستة وعشرين عاماً من السكوت المتواطئ، عن شعب مضطهد في دولة تقيم في المريخ اسمها العراق! اكتشف دهاقنة السياسة الدولية ولو متأخراً أن هذا الشعب يقطن في وادي الرافدين، من حيثما أُخترِعتْ لهم الكتابة ليكتبوا، والشرائع ليحكموا بالعدل، والموسيقا ليعزفوا ويرقصوا بحرارة، وهندسة الري ليتعلموا كيف يسقون أراضيهم، وتعليق الجنائن ليبنوا ناطحات السحاب، وسبي اليهود ليسبونا ثأراً لهم!

هذا الإعلام هو ذاته الذي لم يعرض صور مقتل خمسة آلاف كردي بالسلاح الكيماوي عام 1988 لأكثر من يوم واحد، طالما قُتلوا ثمناً لحرب كانت تُخاض نيابةً عن الجيش الأمريكي ولخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

(3) اللغة والتضليل الإعلامي

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية برز الإعلام كقوة تعبوية في الحرب ذات طاقة خطابية كامنة تستطيع أن تجعل الناس يتشوّقون للموت في ساحات الوغى دفاعاً عن القيم التي رسّخها في عقولهم وأفئدتهم هذا الخطاب. وكان غوبلز رائداً في هذا المجال، إذ تمكّن بقدرته الخطابية وحسن استخدام اللغة من حشد الشعب الألماني خلف قيادة هتلر وفكره النازي.

ولم يحدث عبر حروب التاريخ الحديث أنْ تواطأَ الإعلام مع السياسة بالحجم الذي جرى ويجري في حربٍ بدأت لتحرير النفط بدعوى (تحرير الكويت) وتواصلت حتى التاسع من أبريل 2003، لتكون آخر فصولها: حرب الهيمنة على الشرق الأوسط، نفطاً وسخطاً، بدعوى (تحرير العراق).

وقد وُصِفتْ حرب 1991 بأنها حرب الإعلام، وكذلك الحال بالنسبة لحرب 2003. فالترابط التلقائي بين حرب الخليج 1991 والتلفزيون، والذي يتبادر على الفور إلى ذهنية الرأي العام، إنما يعكس حقيقةً أجمعَ عليها مَن كتبوا عن هذه الحرب في إنها (حرب البث التلفزيوني الأولى) والتي دارت رحاها في منطقة الخليج العربي من دون أن نرى طحيناً حول فكي الرحى.

وفي جميع فصول هذه الحرب كان للإعلام دورٌ غير عادي، بل لعله كان أكثر أسلحة هذه الحرب مضاءً، ولعلها أيضاً المرة الأولى التي تنجح فيها القوة الأكبر (الولايات المتحدة الأمريكية)، صاحبة أعظم آلة إعلامية في التاريخ، في تجنيد وسائل الإعلام لخدمة أغراضها العسكرية من خلال آليات عمل للصحفيين (المراسلين) لا تترك مجالاً لأي صحفي من التمرّد على لوائح البنتاغون، وإذا ما فعلها أحدهم فيجد نفسه خارج ميدان التغطية، وكان للولايات المتحدة تأثير حتى في الصحفيين الذين يعملون في أراضي العدو من خلال الضغط على المؤسسات التابعين لها.

وإبان غزو العراق بدتْ اللغة الإعلامية العربية قلقة (إذا افترضنا حسن النية) أو محايدة (إذا افترضنا قصد الموضوعية واختيار الحياد حيثما يمسي الحياد انحيازاً) أو متواطئة (باستخدامها مفاهيم الغزاة) أو خائفة (عندما سمّتْ الأشياء بغير أسمائها).

ولم يحصل في أيّما حرب، دارتْ رحاها في إقليم ذي جغرافيا متصلّة ولغة واحدة، أنْ تنوّعتْ التوصيفات الإعلامية لهذه الحرب وتداعياتها، كما حدثَ في حرب احتلال العراق. وكاد أن يكون هذا التنوّع بمقدار تعدّد وسائل الإعلام العربية، حيث اختارت اللغة الإعلامية – بعيداً عن مزاعم الموضوعية – الاصطفاف إلى حيث اقتضت الأيديولوجيا أو الموقف السياسي الراهن أو المصالح أو التحالفات أو التفرّد الإعلامي (بدرجة محدودة جداً)، ومن قراءة العناوين تكشّفت الخلفيات، فالبعض من وسائل الإعلام العربية سمّاها (الحرب على العراق) كما أرادها التحالف السياسي– الإعلامي الأمريكي، من دون أن يمعن النظر في مدلول حرف الجر (على) في هذا السياق.

إحدى القنوات خشيَتْ من تعريف الحرب وسمّتْها (الحرب). هكذا، من دون أن تقول أية حربٍ تعني، وهو اجتزاء صارخ ومفضوح للغة، فهذه التسمية كانت ستصلح لتوصيف حرب عالمية، ينقسم فيها العالم إلى جبهتين، وليس لتعريف حرب تشنّها دولتان معتديتان وغازيتان غير مدعومتين بأية شرعية دولية على دولة تكاد تكون مجرّدة من السلاح مقارنةً بما تمتلكه القوات الغازية من أسلحة متطوّرة وفتّاكة.

قناة أخرى لاذتْ بحياديّة الجغرافيا وجمّادية الرياضيات وسمّتها (حرب الخليج الثالثة)، حتى تتجنّب تعريفاً يشي بموقفها الحقيقي. وهي تسمية تعبّر عن سلبية وتواطؤ اللغة الإعلامية المرتبطة بالتوّجه السياسي. قناة واحدة غير رسمية متحرّرة من الهيمنة الأمريكية انسجمت مع واقع الحال وسمّت الحرب: (العدوان الأمريكي – البريطاني على العراق).

وفي توصيف القوات الغازية استكان بعض وسائل الإعلام إلى اصطلاح (قوات التحالف)، وهو توصيف متعاطف، يتطابق مع ما أراده البنتاغون وإعلامه. وبلغة خائفة ولكنها أكثر حيادية اختار البعض الآخر تسمية (القوات الأمريكية والبريطانية)، وهو اسم عَلَم نظيف خالٍ من أية دماء أو رائحة بارود أو صراخ جرحى أو آثار خراب، ولكن هذا البعض وغيره تجرأّ بعد ذلك وقال: (قوات الغزو).

وبعد أن انتهت الحرب وسقوط نظام صدام حسين خرجتْ علينا وسائل الإعلام العربية ببرامج ومسميات تدل على أن اللغة الإعلامية العربية انهزمت هي الأخرى. ولا مجال هنا لتناولها جميعاً بالتحليل، ولكنني سأستشهد – على سبيل المثال لا الحصر – بقناة (الجزيرة) لما تمتلك من أهمية وبراعة في التأثير بالرأي العام ودهاء في استخدام اللغة. مع نهاية الحرب واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية خرجت علينا الجزيرة ببرنامج اسمه (العراق ما بعد صدام)، ثم عدّلت التسمية إلى (العراق ما بعد الحرب). ولا شكّ في أن الجزيرة خشيتْ من القول (العراق تحت الاحتلال) حتى لا تصطدم بالأمريكيين القائلين بالتحرير. ولكن بعد أن أقرّ مجلس الأمن الدولي للولايات المتحدة باحتلالها للعراق وقبلتْ هي التسمية، ما زال البرنامج على مسماه رغم أن لا حرج على قناة تلفزيونية مثل الجزيرة فيما لو تماشتْ مع قرارات مجلس الأمن واصطلاحاتها!

أما أغلب وسائل الإعلام الأخرى فهي ملكية أكثر من الملك، وهي تتحدث وتكتب بلغة إعلامية موالية لغير الناطقين بها. إنها محنة اللغة، وأزمة ثقافية: في أن يرى الناس في طبقات الواقع شيئاً آخر تماماً غير ما تقول به اللغة الإعلامية: إنها اللغة عندما تكون وسيلة للتضليل.

(4) بلادة المحاكاة إعلامياً

من مثالب الإعلام العربي، وتحديداً الصحافة اليومية، انكماشها وحذرها في ميادين القضايا التي تستلزم قدراً من الجرأة والشجاعة اللتين ينبغي أن يتحلّى بهما الصحفي إذا أراد أن يكون أميناً ولامعاً في هذا المضمار، وفي الوقت ذاته أو بعد حين، يندفع بعض الصحفيين، ممن يفتقرون لهاتين الخصلتين، في تناول أهوج لقضايا تقتضي منهم التأنّي واستيفاء شروط الحِرفية قبل الاندفاع مع الريح المواتية!

ومن الخطورة بمكان أن يأخذ الصحفيون على محمل الجد كل ما تبثه وكالات الأنباء من دون تدقيق وغربلة وإعادة إنتاج وإدراك لفخ الانجرار خلف ما يريد الآخرون ترويجه أو تمريره.

وليس جديداً القول إن الإعلام العربي عموماً ظلَّ لعقود طويلة، وما زال في أغلب الأحيان، مستهلِكاً غير تفاعلي لما تنتجه آلة الإعلام الغربي العملاقة، التي لا تتعامل مع المادة الإعلامية بالاعتباطية التي درجتْ عليها الصحافة العربية في التعامل مع الخبر، فكل شيء محسوب ومرسوم ونابع من موقف، ونحن نقتفي أثره من دون حساب لنرسم كما رسموا بلا تمحيص، ونحاكي مواقفهم من القضايا التي هي قضايانا أحياناً، لنتحوّل في النهاية إلى ناقلي إعلام وليس صانعي إعلام.

فما إن أطلقت وسائل الإعلام الأمريكي على غزو العراق واحتلاله تسمية War on Iraq تبنّت أغلب وسائل الإعلام العربية هذه التسمية بصيغتها العربية (الحرب على العراق) من دون تدقيق في الدلالة اللغوية لهذه التسمية التي أُريدَ للحرف (على) أن يكسبَها شرعيةً لغوية تحاكي شرعية الحق (كما هي الحال عندما يسلخ استخدام الفعل ذاته الشرعية اللغوية عن حرب أخرى، في قولنا: الحرب على الإرهاب، لنعني حرباً ظالمة وباطلة)، كما قصدَ التعميمُ في اصطلاح الحرب على العراق (أي عدم تحديد حرب مَن هذه) جعلها حرب الجميع على العراق. وارتضى بعض الإعلام العربي أيضاً التورّط بإشكالية لغوية أخلاقية بقبوله استخدام كلمة (العراق)، وهو بلد عربي، كما لو أنه موطن الشر، وأن هذه الحرب هي حرب الخير الأمريكي ضد الشر العراقي، في تطابق تام مع تصنيف البيت الأبيض للعراق كضلعٍ في (محور الشر).

وكأنهم (الإعلام الأمريكي وبعض وسائل الإعلام العربي) حريصون على القول بالحقيقة: في أن المستهدَف ليس نظام صدام حسين بالمقام الأول بل العراق، لذا فإن العنوان أو التسمية تعكس الهدف الجوهري: في كونها حرباً على العراق. ولو أن الإعلام العربي استخدم (ضد) بدلاً من (على)، لاختلف المعنى كليّاً وأصبح أكثر تطابقاً مع حقيقة الفعل. وفي هذا السياق تواصل المحاكاة بلادتها في بعض المؤسسات الإعلامية العربية التي تفعل عن وعي أو هي عاجزة عن إعادة إنتاج ما يصلها من وكالات الأنباء العالمية ووسائل الإعلام الغربية. ويعمل هذا النوع من الإعلام العربي على استهلاك ما ينتجه الإعلام الغربي وتصديره كما هو في محاكاة لا تضاهيها سوى البلادة. وقد رأينا بعض وسائل الإعلام العربية وهي تتحرّج من استخدام تعبير (المقاومة العراقية) لتقول بما يقول به إعلام (البنتاغون) من أن مجهولين قاموا بمهاجمة القوات الأمريكية.

وهكذا تتحوّل اللغة الإعلامية العربية إلى وسيلة تضليل أو تواطؤ يمسي العراقيون المقاومون في معجمها مجرّد مجهولين، وكأن عليهم أن يبلّغوا وسائل الإعلام بأسمائهم وعناوينهم ليتم اعتقالهم من قبل قوات الاحتلال. ثمّ هل هناك تعريف بالذات أكثر تعريفية من أن يضحّي الإنسان بنفسه في مقاومة الاحتلال دفاعاً عن وطنه؟ وكما أضحى أبطال الانتفاضة الفلسطينية المدافعون عن حريتهم واستقلالهم (إرهابيين) في المعجم الإسرائيلي- الأمريكي، يتواطأ عربٌ كثر مع إعلام (البنتاغون) في وصف المقاومين العراقيين بأنهم من بقايا نظام صدام حسين. وهي تهمة لا يستطيع العقلاء نكران كونها شرفاً لا يناله رجال صدام حسين الذين لم يسوسوا البلاد كما يفعل السياسيون ولم يدافعوا عنها كما يفعل المقاتلون.

لقد شهدت حرب احتلال العراق كيف أن إعلام (البنتاغون) مارسَ هروباً فاضحاً من ذكر حقائق الحرب، فهو لم يتحدث خلال الحرب إلا عن سقوط طائراته بنيران صديقة! ولا يعترف بالعدد الحقيقي لقتلاه جراء عمليات المقاومة، وكأن العراقيين يطلقون عليهم حجاراً وليس رصاصاً! وهو الإعلام ذاته الذي يصف كل مَن يقاوم الاحتلال بأنه من بقايا صدام. ولا شكّ في أن الكذب الإعلامي هو صناعة حربية يحترفها البنتاغون أكثر من سواه. وها هي الأيام قد شهدتْ كيف تمّ تسويق التضليل السياسي والإعلامي في واشنطن ولندن بشأن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل لتبرير حرب يعلم مشعلوها علم اليقين أن لا أسلحة دمار شامل في حوزة العراق. ولكن من المؤسف أن تلجأ بعض وسائل الإعلام العربي إلى محاكاة إعلام البنتاغون في بلاده عوضاً عن محاكاة الحقيقة.

(5) ثعالب وعقارب وأفاعٍ في صحراء لغة الحرب!

لكل إمبراطورية معادلها الموضوعي في اللغة السياسية والإعلامية من حيث تعريف الأشياء ومفاهيمها في التعبير عن الظواهر، ولكن غالباً ما تُستمدُ هذه اللغة من إشارات تاريخية أو ثقافية أو بيئية متصّلة بمحيط هذه الإمبراطورية. وأي خروج عن هذا السياق يدفع بالمتأمِّل إلى الاستغراب والحاجة إلى التحليل.

عندما قادتْ الولايات المتحدة في عام 1991 تحالفاً دولياً لشن حرب تحرير الكويت والتي سمّتها (عاصفة الصحراء)، كانت التسمية متناغمة مع واقع الحال: حين – انطلاقاً من الصحراء العربية – عصفتْ الجيوش المتحالفة بالقوّات العراقية وأخرجتها من الكويت، وكانت حقاً (عاصفةُ الصحراء) عاصفةً جعلتْ من العراق عصفاً مأكولاً، ولو بعد حين. بيد أن ما يستدعي الفضول المعرفي ذاكَ إصرار الولايات المتحدة (بعد احتلال العراق) على تسمية حملاتها (لملاحقة المقاومين العراقيين) بأسماء حيوانات صحراوية ارتبطت في الثقافة العربية بالاحتيال والمخادعة (الثعلب)، وباللسع واللدغ ونفث السموم (العقرب والأفعى). وكلّها مترادفات تُستخدم في البلاغة العربية مجازاً للتعبير عن الغدر والدناءة والقتل.

فما هي الدلالات التي تريد الولايات المتحدة الإيحاء بها من خلال هذه التسميات؟
سأحاول هنا مقاربة هذه التسميات من حيث كونها لغةً غير منقطعة عن سياقها (السياسي والعسكري وحتى الثقافي). ولنبدأ بالتساؤلات كاستهلال حصين.

لماذا لا تسترفد الولايات المتحدة إشارات خطابها السياسي – العسكري من إحالات إلى موحيات ثقافتها وتاريخها، في إنشاء لغة حرب تخوضها هي، ويموت فيها جنودها؟
هل تريد الولايات المتحدة من هذه التوصيفات القول إن هذه النعوت إنما هي صفاتها في إدارة الصراعات: في أن تأخذ من ثقافة الصحراء عقاربها وأفاعيها وثعالبها؟!

وهل هذا يعني أن الولايات المتحدة قرّرت أن تقلب للعراقيين ظهر المجن، وتتحوّل بالدور من (التحرير) إلى التثعلب والتفاعي والتعقرب في مواجهة العراقيين؟

إن المتابعين للسياسة الأمريكية وخاصة الخارجية يعلمون جيداً أن واضعي هذه السياسة من مواقع استراتيجية لا تتسّرب الاعتباطية إلى تفكيرهم أو قراراتهم، وإذا حدثَ ذلك فإنه أمر مقصود، لكي يبدو الأمر اعتباطياً حينما تأتي النتائج على غير ما خُطِّطَ لها. ويمكن القطع بأن كلَّ ما يتم الإعلان عنه أو التصريح به من قبل الدوائر الأمريكية، حتى لو كان زلّة لسان (كما يقال أحياناً)، هو فعل مدروس، تمثّلُ فيه زلّةُ اللسان المزعومة عيّنة اختبار لجس ردود فعل مَن يتوجّه إليهم الخطاب أو الرسالة المضمرة.

وعلى أساس هذه القناعة لابدَّ للغة البنتاغون العسكرية والإعلامية من مؤدّى دلالي حينما تستعير مجازَها من ميدان الحدث وثقافته أن ترحّل ما للصحراء العربية من ثعالب وعقارب وأفاعٍ في اللغة العربية إلى عناوين لمعارك حرب (احتلال) أمريكية على أرض عربية.

ولعلّ الولايات المتحدة أرادتْ من ذلك تهييج الخوف في الذاكرة العراقية، فالعراقي (كأي عربي) يخاف – منذ طفولته – من العقارب والأفاعي، ويخشى من مخاتلة الثعلب وخداعه. ولكي يكون لحملاتها العسكرية ضد خصومها عمق لغوي ذو بُعد نفسي اختارَ البنتاغون أن يسمّي هذه الحملات بمفردات التخويف من دون اكتراث لما في هذا الاختيار من هزال أخلاقي (ثقافياً).

إنها اللغة في ميدان الحرب، اللغة حين يتم استنفار مكنوناتها لتخدم أغراض الحرب أو أغراض القتل، وهي الحرب حين تستعير لغة الضحية لتقتله بمجازات لغته وبيئته. وهي الهيمنة حين تهيمن على كل شيء، وخاصةً الثقافة ولغتها، وهي (الأمركة) حين تستبد بكل شيء، وهي (حرية العراق) التي استهلّتْ مسيرتها بالعقارب والأفاعي والثعالب، والله وحده يعلم ما هي حيوانات الختام؟!

ومن الضروري التنويه بأن الحديث عن هذه الحيوانات يجوز فقط في سياقه من حيث الإضافة إلى الصحراء العربية ومن حيث استخدامها الآن: هنا. وفي ما عدا ذلك فإن الحيوانات كثيرة في صحارى كثيرة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2843::/cck::
::introtext::

منذ ابتدع الإنسان اللغة كوسيلة للتخاطب والتفاهم والتوصيل والتبليغ كانت ذا طابع علاماتي: إشاراتي، أو (منظومة من العلامات)، كما يقول رائد السيميولوجيا (علم العلامات) فرديناند دي سوسير، وقد انتقل الاستخدام البارع للغة – عبر العصور – بالعلامة من المؤدّى البدائي للرسالة إلى منظومة دلالية تنهل من منابع التجربة الإنسانية لتصب في المساحة الفاصلة بين منتج اللغة ومتلقّيها.

 

::/introtext::
::fulltext::

(1) مقدّمة في اللغة والإعلام

منذ ابتدع الإنسان اللغة كوسيلة للتخاطب والتفاهم والتوصيل والتبليغ كانت ذا طابع علاماتي: إشاراتي، أو (منظومة من العلامات)، كما يقول رائد السيميولوجيا (علم العلامات) فرديناند دي سوسير، وقد انتقل الاستخدام البارع للغة – عبر العصور – بالعلامة من المؤدّى البدائي للرسالة إلى منظومة دلالية تنهل من منابع التجربة الإنسانية لتصب في المساحة الفاصلة بين منتج اللغة ومتلقّيها.

وقد اكتسبت المفردة اللغوية عمقَها العلاماتي ذا التعدّد الدلالي من تعدّد أبعادها المكتسبة عبر العمر التاريخي، وهو ما تطرّقتُ إليه سابقاً في مقال بعنوان (أبعاد الكلمة):

البُعد اللغوي – المعجمي (بكارة اللغة)، البُعد المجتمعي (مدلول الكلمة في حياة الناس وما لها من وقعٍ في العلاقات الاجتماعية)، البُعد التاريخي (من حيث ارتباط الكلمة بالوقائع التاريخية)، البُعد السياسي ( حين تأخذ الكلمة مضموناً سياسياً)، البُعد الاقتصادي (لغة التعاملات الاقتصادية واصطلاحاتها)، البُعد النفسي ( في علاقة الأنا باللغة)، البعد الديني (ما تحمله الكلمة من دلالة في النص الديني)، البُعد الفولكلوري (ما ترمز له الكلمة في الحكم والأمثال الشعبية)، والبُعد الجمالي (ما ينحته الأدباء أو ما يشكّلونه جمالياً في لغتهم الخاصة).

ولا شكّ في أنّ هذا التعدّد في أبعاد الكلمة يعني ارتباطها التفاعلي بالثقافة: ثقافة شعب دون آخر، حيث تتغيّر تلك الأبعاد من جغرافيا لغوية إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، وقد لا تتلاقى، في أغلب الأحيان، سوى أبعادها المعجمية. فلكل لغة فلسفتها وبلاغتها ومن ثم أبعادها.

ففي السياسة تأخذ اللغة أشد أشكالها رداءةً من النواحي النحوية والبلاغية، ولكنها تكتنز بدهاءٍ بالغ في استثمارها للأبعاد الأخرى التي يُراد استحضار إحالاتها في الخطاب السياسي، ولعلّ أخطر ما في لغة هذا الخطاب هو كونها لغةً مخادعة تتحدّث عن شيء لتفعل شيئاً آخر، فالأقوياء يتحدثون كثيراً عن السلام بينما يخطّطون في الوقت ذاته للحرب.

وعادةً ما تُولى اللغة اهتماماً خاصاً واستخداماً دقيقاً في مرحلة الحرب، حيث يُراد منها حينئذ أن تكون ذات محمول دعائي يجعل من الكذب صدقاً مستساغاً مسلّحاً بأقصى مفاعيل الأبعاد الكامنة للكلمة، لتتحوّل الحرب والكذب إلى توأمين، كما تقول كاتبة سويدية. وحين يقال إن (الحقيقة أولى ضحايا الحرب) فإنّ السلاح الذي تُنحَرُ بنصلِهِ الحقيقة هو اللغة، كوسيلة لتوصيل الحقيقة ونقيضها (التضليل). ولأن الإعلام ابن شرعي للسياسة، فقد لبثَ متشبثّاً بأذيالها.

وما أريد الخوض فيه هنا هو اللغة الإعلامية بشكل عام، ولغة إعلام الحرب على وجه الخصوص، حينما تصبح اللغة متورِّطة بصناعة الموت وإسالة الدماء، ولأننا في زمنٍ أضحت فيه اللغة سلاحاً خطيراً ومدمِّراً بأيدي الأقوياء المستبدين (الذين يصنعون الحروب في بلدان أخرى ليشيعوا السلام والرفاهية في بلدانهم) أو بأيدي الضعفاء المستبدين (الذين لا تواتيهم القوة إلاّ عندما يكونون في مواجهة شعوبهم)، يتعيّن علينا أن نحاكم هذه اللغة ونحن نستحضر ما قاله الشاعر السويدي توماس ترانسترومر: (اللغة تسير في تناغم مع الجلاّدين) علينا أن نأتي بلغةٍ أخرى.

كثيراً ما نسمع بأن اللغة الصحفية لغة ميسّرة، أي فصحى بسيطة لتكون في متناول مدارك القراء على اختلاف مستوياتهم المعرفية، وهو قول صحيح إلى حد كبير من الناحية الشكلية، بَيْدَ أنه لا يضفي على هذه اللغة براءةً غائبة. فهذا التقويم يخص مهنيّة استخدام اللغة في النص الصحفي أو الإعلامي فحسب، ولكن عندما يتطلّب الظرف الموضوعي أو الموقف السياسي حذَراً أو مداهنَةً أو تواطؤاً فإن الآلة الإعلامية تشحذ دهاءها اللغوي لتستخدم المفاهيم والاصطلاحات والتعبيرات التي تلائم املاءات الظرف، فهي حيناً تلوي عنق اللغة بغية تطويعها لسلطة واقع الحال، وحيناً تُلبِسُ اللغةً قناعاً يجعلُها تبدو على غير حقيقة القول، وفي حينِ آخر تجتزئ اللغةَ حتى لا تتورّط بصراحة القول وما يترتّب على هذه الصراحة من عواقب، فهي تحاول تارةً تعمية الرأي العام عمّا يجري من حوله، وتارةً تعمل على تقديم صورة أخرى مغايرة للواقع، وتارةً أخرى تستلب الحقَ موقعه بصلافة لتحِلَّ محلَّهُ باطلاً صارخاً، وحين تجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها تنهمر عليها السهام من كل حدبٍ وصوب حتى تثوب إلى رشدها، الذي لا يعدو كونه في حقيقة الأمر غيّاً فاضحاً.

وفي ضجيج التعمية والتضليل والصلافة والموضوعية المبسترة يجد المتلقّي نفسَهُ محاصراً بخطابات واقع افتراضي يُراد منه أن يقبله ويتفاعل معه.

(2) حزبيّة اللغة الإعلامية وتحوّلاتها

في عصر الاتصالات والمعلومات والانترنت تصدّرت وسائل الإعلام آليات إنتاج وإعادة إنتاج الوعي وتشكيل ملامح الوعي الجماعي في سعي دائب للهيمنة على العقل الجماعي.

وتمتلك اللغة الإعلامية في هذا السياق قدرة فائقة التأثير على توجيه الرأي العام نحو مرادها، فالعنوان الرئيسي في النشرة التلفزيونية والمانشيت في الصحيفة يوحيان للمتلقي بما تريده هذه القناة التلفزيونية أو تلك الصحيفة أن يكون خبراً رئيسياً.

واللغة من منظور إعلامي تذهب في مسالك متعدّدة بغية إبلاغ الرسالة التي يجب أن تسترضي أصحاب القرار والسلطة (بمختلف أشكالها)، والتي يُراد توصيلها للقارئ محمّلة بالبُعد الأيديولوجي الذي تصطف إليه تلك المؤسسة الإعلامية. وبناءً عليه تخرج هذه اللغة دبلوماسية: لا تريد أن تزعج أحداً، أو جريئة: تعبّر عن عمقها الأيديولوجي واصطفافها السياسي، أو مراوغة: توزّع صوتَها على أكثر من جهة، أو مثيرة: لا تنشد سوى لفت الانتباه والإثارة. وبذلك تصبح اللغة الإعلامية وسيطاً (ناقلاً) للخطاب السياسي، الأمر الذي ينفي حياديتها، وينأى بها عن الزعم بالموضوعية التي يمكن أن تتحقّق بقدرٍ ما في أي مجال آخر غير الإعلام. لأن الإعلام خبرٌ يُنشرُ بشكل لا يتعارض مع سياسة المؤسسة، والإعلام كذلك موقف يراد تسويقه. ولا موضوعية في الحالين. أمّا المساحات التي يُقيّض للرأي الآخر أن يعبّر عن رؤيته من خلالها، فهي مساحات ضرورية في فلسفة الإعلام ليستقيم التوازن المطلوب الذي تستند إليه سياسة المؤسسة وموقفها.

ومن ذلك يمكننا القول، إن اللغة الإعلامية حزبية بالضرورة مهما بلغت ديمقراطية الفضاء الذي تشتغل فيه، لأن الأساس هنا هو ما تشتغل عليه. وللتعبير عن توجهات ومقاصد الإعلام يتم – حسبما تقتضي قنوات التوصيل – استنفار الأبعاد الدلالية اللغوية المطلوب حشدها لتؤتي أكلها في التعبئة أو الدعاية أو التحريض.

ولأن الرأي العام شبكة معقّدة من القيم الدينية والفولكلورية والثقافية والتاريخية والوطنية والسيكولوجية وما سواها، فإن المتمرسين في صناعة الإعلام يبرعون في كيفية مناجاة هذه القيم والتأثير في خلاياها الحسّاسة لينجحوا في النهاية في خلخلتها ومن ثم إعادة تنظيمها وتعبئتها – من حيث تدري أو لا تدري – في خدمة التوجهات الإعلامية في تلك اللحظة من دون سواها. وإذا حضرت لحظة أخرى بموجبات أخرى، فإن الآلة الإعلامية تعمل وبالطريقة ذاتها على تغيير دفّة الرأي العام حتى لو اقتضى الأمر تسييرها باتجاه معاكس. وفي كل مرّة، ضمن هذه الدورة، يمتلك الإعلام قدرة هائلة على ترويج الذرائع والمسوّغات لدفع المتلقّي على القبول بتلك التحولات التي قد تأتي أحياناً مع قدر من الفجائية.

فالإعلام الأمريكي – على سبيل المثال لا الحصر – الذي صمّ آذانه عن صرخات العراقيين، وتصرّف كما لو أنه لم ير مَشاهدَ ما يتعرضون له من قتل واضطهاد وقمع يومي، طيلة ستة وعشرين عاماً ونيّفاً (أي تحديداً منذ تموز 1977) وعندما شرَعتْ السلطة بحملة تصفية فاشية علنية لجميع القوى الديمقراطية التي لم يبادر أي منها إلى مشاكسة السلطة، لم يجد هذا الإعلام ذاته عناءً في الحديث، بعد ستة وعشرين عاماً من السكوت المتواطئ، عن شعب مضطهد في دولة تقيم في المريخ اسمها العراق! اكتشف دهاقنة السياسة الدولية ولو متأخراً أن هذا الشعب يقطن في وادي الرافدين، من حيثما أُخترِعتْ لهم الكتابة ليكتبوا، والشرائع ليحكموا بالعدل، والموسيقا ليعزفوا ويرقصوا بحرارة، وهندسة الري ليتعلموا كيف يسقون أراضيهم، وتعليق الجنائن ليبنوا ناطحات السحاب، وسبي اليهود ليسبونا ثأراً لهم!

هذا الإعلام هو ذاته الذي لم يعرض صور مقتل خمسة آلاف كردي بالسلاح الكيماوي عام 1988 لأكثر من يوم واحد، طالما قُتلوا ثمناً لحرب كانت تُخاض نيابةً عن الجيش الأمريكي ولخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

(3) اللغة والتضليل الإعلامي

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية برز الإعلام كقوة تعبوية في الحرب ذات طاقة خطابية كامنة تستطيع أن تجعل الناس يتشوّقون للموت في ساحات الوغى دفاعاً عن القيم التي رسّخها في عقولهم وأفئدتهم هذا الخطاب. وكان غوبلز رائداً في هذا المجال، إذ تمكّن بقدرته الخطابية وحسن استخدام اللغة من حشد الشعب الألماني خلف قيادة هتلر وفكره النازي.

ولم يحدث عبر حروب التاريخ الحديث أنْ تواطأَ الإعلام مع السياسة بالحجم الذي جرى ويجري في حربٍ بدأت لتحرير النفط بدعوى (تحرير الكويت) وتواصلت حتى التاسع من أبريل 2003، لتكون آخر فصولها: حرب الهيمنة على الشرق الأوسط، نفطاً وسخطاً، بدعوى (تحرير العراق).

وقد وُصِفتْ حرب 1991 بأنها حرب الإعلام، وكذلك الحال بالنسبة لحرب 2003. فالترابط التلقائي بين حرب الخليج 1991 والتلفزيون، والذي يتبادر على الفور إلى ذهنية الرأي العام، إنما يعكس حقيقةً أجمعَ عليها مَن كتبوا عن هذه الحرب في إنها (حرب البث التلفزيوني الأولى) والتي دارت رحاها في منطقة الخليج العربي من دون أن نرى طحيناً حول فكي الرحى.

وفي جميع فصول هذه الحرب كان للإعلام دورٌ غير عادي، بل لعله كان أكثر أسلحة هذه الحرب مضاءً، ولعلها أيضاً المرة الأولى التي تنجح فيها القوة الأكبر (الولايات المتحدة الأمريكية)، صاحبة أعظم آلة إعلامية في التاريخ، في تجنيد وسائل الإعلام لخدمة أغراضها العسكرية من خلال آليات عمل للصحفيين (المراسلين) لا تترك مجالاً لأي صحفي من التمرّد على لوائح البنتاغون، وإذا ما فعلها أحدهم فيجد نفسه خارج ميدان التغطية، وكان للولايات المتحدة تأثير حتى في الصحفيين الذين يعملون في أراضي العدو من خلال الضغط على المؤسسات التابعين لها.

وإبان غزو العراق بدتْ اللغة الإعلامية العربية قلقة (إذا افترضنا حسن النية) أو محايدة (إذا افترضنا قصد الموضوعية واختيار الحياد حيثما يمسي الحياد انحيازاً) أو متواطئة (باستخدامها مفاهيم الغزاة) أو خائفة (عندما سمّتْ الأشياء بغير أسمائها).

ولم يحصل في أيّما حرب، دارتْ رحاها في إقليم ذي جغرافيا متصلّة ولغة واحدة، أنْ تنوّعتْ التوصيفات الإعلامية لهذه الحرب وتداعياتها، كما حدثَ في حرب احتلال العراق. وكاد أن يكون هذا التنوّع بمقدار تعدّد وسائل الإعلام العربية، حيث اختارت اللغة الإعلامية – بعيداً عن مزاعم الموضوعية – الاصطفاف إلى حيث اقتضت الأيديولوجيا أو الموقف السياسي الراهن أو المصالح أو التحالفات أو التفرّد الإعلامي (بدرجة محدودة جداً)، ومن قراءة العناوين تكشّفت الخلفيات، فالبعض من وسائل الإعلام العربية سمّاها (الحرب على العراق) كما أرادها التحالف السياسي– الإعلامي الأمريكي، من دون أن يمعن النظر في مدلول حرف الجر (على) في هذا السياق.

إحدى القنوات خشيَتْ من تعريف الحرب وسمّتْها (الحرب). هكذا، من دون أن تقول أية حربٍ تعني، وهو اجتزاء صارخ ومفضوح للغة، فهذه التسمية كانت ستصلح لتوصيف حرب عالمية، ينقسم فيها العالم إلى جبهتين، وليس لتعريف حرب تشنّها دولتان معتديتان وغازيتان غير مدعومتين بأية شرعية دولية على دولة تكاد تكون مجرّدة من السلاح مقارنةً بما تمتلكه القوات الغازية من أسلحة متطوّرة وفتّاكة.

قناة أخرى لاذتْ بحياديّة الجغرافيا وجمّادية الرياضيات وسمّتها (حرب الخليج الثالثة)، حتى تتجنّب تعريفاً يشي بموقفها الحقيقي. وهي تسمية تعبّر عن سلبية وتواطؤ اللغة الإعلامية المرتبطة بالتوّجه السياسي. قناة واحدة غير رسمية متحرّرة من الهيمنة الأمريكية انسجمت مع واقع الحال وسمّت الحرب: (العدوان الأمريكي – البريطاني على العراق).

وفي توصيف القوات الغازية استكان بعض وسائل الإعلام إلى اصطلاح (قوات التحالف)، وهو توصيف متعاطف، يتطابق مع ما أراده البنتاغون وإعلامه. وبلغة خائفة ولكنها أكثر حيادية اختار البعض الآخر تسمية (القوات الأمريكية والبريطانية)، وهو اسم عَلَم نظيف خالٍ من أية دماء أو رائحة بارود أو صراخ جرحى أو آثار خراب، ولكن هذا البعض وغيره تجرأّ بعد ذلك وقال: (قوات الغزو).

وبعد أن انتهت الحرب وسقوط نظام صدام حسين خرجتْ علينا وسائل الإعلام العربية ببرامج ومسميات تدل على أن اللغة الإعلامية العربية انهزمت هي الأخرى. ولا مجال هنا لتناولها جميعاً بالتحليل، ولكنني سأستشهد – على سبيل المثال لا الحصر – بقناة (الجزيرة) لما تمتلك من أهمية وبراعة في التأثير بالرأي العام ودهاء في استخدام اللغة. مع نهاية الحرب واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية خرجت علينا الجزيرة ببرنامج اسمه (العراق ما بعد صدام)، ثم عدّلت التسمية إلى (العراق ما بعد الحرب). ولا شكّ في أن الجزيرة خشيتْ من القول (العراق تحت الاحتلال) حتى لا تصطدم بالأمريكيين القائلين بالتحرير. ولكن بعد أن أقرّ مجلس الأمن الدولي للولايات المتحدة باحتلالها للعراق وقبلتْ هي التسمية، ما زال البرنامج على مسماه رغم أن لا حرج على قناة تلفزيونية مثل الجزيرة فيما لو تماشتْ مع قرارات مجلس الأمن واصطلاحاتها!

أما أغلب وسائل الإعلام الأخرى فهي ملكية أكثر من الملك، وهي تتحدث وتكتب بلغة إعلامية موالية لغير الناطقين بها. إنها محنة اللغة، وأزمة ثقافية: في أن يرى الناس في طبقات الواقع شيئاً آخر تماماً غير ما تقول به اللغة الإعلامية: إنها اللغة عندما تكون وسيلة للتضليل.

(4) بلادة المحاكاة إعلامياً

من مثالب الإعلام العربي، وتحديداً الصحافة اليومية، انكماشها وحذرها في ميادين القضايا التي تستلزم قدراً من الجرأة والشجاعة اللتين ينبغي أن يتحلّى بهما الصحفي إذا أراد أن يكون أميناً ولامعاً في هذا المضمار، وفي الوقت ذاته أو بعد حين، يندفع بعض الصحفيين، ممن يفتقرون لهاتين الخصلتين، في تناول أهوج لقضايا تقتضي منهم التأنّي واستيفاء شروط الحِرفية قبل الاندفاع مع الريح المواتية!

ومن الخطورة بمكان أن يأخذ الصحفيون على محمل الجد كل ما تبثه وكالات الأنباء من دون تدقيق وغربلة وإعادة إنتاج وإدراك لفخ الانجرار خلف ما يريد الآخرون ترويجه أو تمريره.

وليس جديداً القول إن الإعلام العربي عموماً ظلَّ لعقود طويلة، وما زال في أغلب الأحيان، مستهلِكاً غير تفاعلي لما تنتجه آلة الإعلام الغربي العملاقة، التي لا تتعامل مع المادة الإعلامية بالاعتباطية التي درجتْ عليها الصحافة العربية في التعامل مع الخبر، فكل شيء محسوب ومرسوم ونابع من موقف، ونحن نقتفي أثره من دون حساب لنرسم كما رسموا بلا تمحيص، ونحاكي مواقفهم من القضايا التي هي قضايانا أحياناً، لنتحوّل في النهاية إلى ناقلي إعلام وليس صانعي إعلام.

فما إن أطلقت وسائل الإعلام الأمريكي على غزو العراق واحتلاله تسمية War on Iraq تبنّت أغلب وسائل الإعلام العربية هذه التسمية بصيغتها العربية (الحرب على العراق) من دون تدقيق في الدلالة اللغوية لهذه التسمية التي أُريدَ للحرف (على) أن يكسبَها شرعيةً لغوية تحاكي شرعية الحق (كما هي الحال عندما يسلخ استخدام الفعل ذاته الشرعية اللغوية عن حرب أخرى، في قولنا: الحرب على الإرهاب، لنعني حرباً ظالمة وباطلة)، كما قصدَ التعميمُ في اصطلاح الحرب على العراق (أي عدم تحديد حرب مَن هذه) جعلها حرب الجميع على العراق. وارتضى بعض الإعلام العربي أيضاً التورّط بإشكالية لغوية أخلاقية بقبوله استخدام كلمة (العراق)، وهو بلد عربي، كما لو أنه موطن الشر، وأن هذه الحرب هي حرب الخير الأمريكي ضد الشر العراقي، في تطابق تام مع تصنيف البيت الأبيض للعراق كضلعٍ في (محور الشر).

وكأنهم (الإعلام الأمريكي وبعض وسائل الإعلام العربي) حريصون على القول بالحقيقة: في أن المستهدَف ليس نظام صدام حسين بالمقام الأول بل العراق، لذا فإن العنوان أو التسمية تعكس الهدف الجوهري: في كونها حرباً على العراق. ولو أن الإعلام العربي استخدم (ضد) بدلاً من (على)، لاختلف المعنى كليّاً وأصبح أكثر تطابقاً مع حقيقة الفعل. وفي هذا السياق تواصل المحاكاة بلادتها في بعض المؤسسات الإعلامية العربية التي تفعل عن وعي أو هي عاجزة عن إعادة إنتاج ما يصلها من وكالات الأنباء العالمية ووسائل الإعلام الغربية. ويعمل هذا النوع من الإعلام العربي على استهلاك ما ينتجه الإعلام الغربي وتصديره كما هو في محاكاة لا تضاهيها سوى البلادة. وقد رأينا بعض وسائل الإعلام العربية وهي تتحرّج من استخدام تعبير (المقاومة العراقية) لتقول بما يقول به إعلام (البنتاغون) من أن مجهولين قاموا بمهاجمة القوات الأمريكية.

وهكذا تتحوّل اللغة الإعلامية العربية إلى وسيلة تضليل أو تواطؤ يمسي العراقيون المقاومون في معجمها مجرّد مجهولين، وكأن عليهم أن يبلّغوا وسائل الإعلام بأسمائهم وعناوينهم ليتم اعتقالهم من قبل قوات الاحتلال. ثمّ هل هناك تعريف بالذات أكثر تعريفية من أن يضحّي الإنسان بنفسه في مقاومة الاحتلال دفاعاً عن وطنه؟ وكما أضحى أبطال الانتفاضة الفلسطينية المدافعون عن حريتهم واستقلالهم (إرهابيين) في المعجم الإسرائيلي- الأمريكي، يتواطأ عربٌ كثر مع إعلام (البنتاغون) في وصف المقاومين العراقيين بأنهم من بقايا نظام صدام حسين. وهي تهمة لا يستطيع العقلاء نكران كونها شرفاً لا يناله رجال صدام حسين الذين لم يسوسوا البلاد كما يفعل السياسيون ولم يدافعوا عنها كما يفعل المقاتلون.

لقد شهدت حرب احتلال العراق كيف أن إعلام (البنتاغون) مارسَ هروباً فاضحاً من ذكر حقائق الحرب، فهو لم يتحدث خلال الحرب إلا عن سقوط طائراته بنيران صديقة! ولا يعترف بالعدد الحقيقي لقتلاه جراء عمليات المقاومة، وكأن العراقيين يطلقون عليهم حجاراً وليس رصاصاً! وهو الإعلام ذاته الذي يصف كل مَن يقاوم الاحتلال بأنه من بقايا صدام. ولا شكّ في أن الكذب الإعلامي هو صناعة حربية يحترفها البنتاغون أكثر من سواه. وها هي الأيام قد شهدتْ كيف تمّ تسويق التضليل السياسي والإعلامي في واشنطن ولندن بشأن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل لتبرير حرب يعلم مشعلوها علم اليقين أن لا أسلحة دمار شامل في حوزة العراق. ولكن من المؤسف أن تلجأ بعض وسائل الإعلام العربي إلى محاكاة إعلام البنتاغون في بلاده عوضاً عن محاكاة الحقيقة.

(5) ثعالب وعقارب وأفاعٍ في صحراء لغة الحرب!

لكل إمبراطورية معادلها الموضوعي في اللغة السياسية والإعلامية من حيث تعريف الأشياء ومفاهيمها في التعبير عن الظواهر، ولكن غالباً ما تُستمدُ هذه اللغة من إشارات تاريخية أو ثقافية أو بيئية متصّلة بمحيط هذه الإمبراطورية. وأي خروج عن هذا السياق يدفع بالمتأمِّل إلى الاستغراب والحاجة إلى التحليل.

عندما قادتْ الولايات المتحدة في عام 1991 تحالفاً دولياً لشن حرب تحرير الكويت والتي سمّتها (عاصفة الصحراء)، كانت التسمية متناغمة مع واقع الحال: حين – انطلاقاً من الصحراء العربية – عصفتْ الجيوش المتحالفة بالقوّات العراقية وأخرجتها من الكويت، وكانت حقاً (عاصفةُ الصحراء) عاصفةً جعلتْ من العراق عصفاً مأكولاً، ولو بعد حين. بيد أن ما يستدعي الفضول المعرفي ذاكَ إصرار الولايات المتحدة (بعد احتلال العراق) على تسمية حملاتها (لملاحقة المقاومين العراقيين) بأسماء حيوانات صحراوية ارتبطت في الثقافة العربية بالاحتيال والمخادعة (الثعلب)، وباللسع واللدغ ونفث السموم (العقرب والأفعى). وكلّها مترادفات تُستخدم في البلاغة العربية مجازاً للتعبير عن الغدر والدناءة والقتل.

فما هي الدلالات التي تريد الولايات المتحدة الإيحاء بها من خلال هذه التسميات؟
سأحاول هنا مقاربة هذه التسميات من حيث كونها لغةً غير منقطعة عن سياقها (السياسي والعسكري وحتى الثقافي). ولنبدأ بالتساؤلات كاستهلال حصين.

لماذا لا تسترفد الولايات المتحدة إشارات خطابها السياسي – العسكري من إحالات إلى موحيات ثقافتها وتاريخها، في إنشاء لغة حرب تخوضها هي، ويموت فيها جنودها؟
هل تريد الولايات المتحدة من هذه التوصيفات القول إن هذه النعوت إنما هي صفاتها في إدارة الصراعات: في أن تأخذ من ثقافة الصحراء عقاربها وأفاعيها وثعالبها؟!

وهل هذا يعني أن الولايات المتحدة قرّرت أن تقلب للعراقيين ظهر المجن، وتتحوّل بالدور من (التحرير) إلى التثعلب والتفاعي والتعقرب في مواجهة العراقيين؟

إن المتابعين للسياسة الأمريكية وخاصة الخارجية يعلمون جيداً أن واضعي هذه السياسة من مواقع استراتيجية لا تتسّرب الاعتباطية إلى تفكيرهم أو قراراتهم، وإذا حدثَ ذلك فإنه أمر مقصود، لكي يبدو الأمر اعتباطياً حينما تأتي النتائج على غير ما خُطِّطَ لها. ويمكن القطع بأن كلَّ ما يتم الإعلان عنه أو التصريح به من قبل الدوائر الأمريكية، حتى لو كان زلّة لسان (كما يقال أحياناً)، هو فعل مدروس، تمثّلُ فيه زلّةُ اللسان المزعومة عيّنة اختبار لجس ردود فعل مَن يتوجّه إليهم الخطاب أو الرسالة المضمرة.

وعلى أساس هذه القناعة لابدَّ للغة البنتاغون العسكرية والإعلامية من مؤدّى دلالي حينما تستعير مجازَها من ميدان الحدث وثقافته أن ترحّل ما للصحراء العربية من ثعالب وعقارب وأفاعٍ في اللغة العربية إلى عناوين لمعارك حرب (احتلال) أمريكية على أرض عربية.

ولعلّ الولايات المتحدة أرادتْ من ذلك تهييج الخوف في الذاكرة العراقية، فالعراقي (كأي عربي) يخاف – منذ طفولته – من العقارب والأفاعي، ويخشى من مخاتلة الثعلب وخداعه. ولكي يكون لحملاتها العسكرية ضد خصومها عمق لغوي ذو بُعد نفسي اختارَ البنتاغون أن يسمّي هذه الحملات بمفردات التخويف من دون اكتراث لما في هذا الاختيار من هزال أخلاقي (ثقافياً).

إنها اللغة في ميدان الحرب، اللغة حين يتم استنفار مكنوناتها لتخدم أغراض الحرب أو أغراض القتل، وهي الحرب حين تستعير لغة الضحية لتقتله بمجازات لغته وبيئته. وهي الهيمنة حين تهيمن على كل شيء، وخاصةً الثقافة ولغتها، وهي (الأمركة) حين تستبد بكل شيء، وهي (حرية العراق) التي استهلّتْ مسيرتها بالعقارب والأفاعي والثعالب، والله وحده يعلم ما هي حيوانات الختام؟!

ومن الضروري التنويه بأن الحديث عن هذه الحيوانات يجوز فقط في سياقه من حيث الإضافة إلى الصحراء العربية ومن حيث استخدامها الآن: هنا. وفي ما عدا ذلك فإن الحيوانات كثيرة في صحارى كثيرة.

::/fulltext::
::cck::2843::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *