سكان الخليج وجهة نظر مغايرة
::cck::2957::/cck::
::introtext::
اليوم يطرح موضوع السكان في دول العالم المختلفة، كما لم يطرح قط في أدبيات التنمية سابقاً، فلقد كانت النظرة الكلاسيكية السابقة حول السكان هي الحفاظ على النسيج الاجتماعي أن يكون متشابهاً قدر ما أمكن في الوطن الواحد، ووضع العقبات القانونية والاقتصادية والخدمية بين (المواطنين) وغير المواطنين. أما اليوم فقد اختلفت النظرة كلياً، وأصبحت مبنية على أساس أن السكان هم أحد أهم عوامل التنمية الشاملة في المجتمع يصرف النظر عن مسقط رأسهم، والمهم هنا أن التفرقة ليست مبنية على الفكرة القديمة بين مواطنين وغير مواطنين، بل مبنية على إمكانات وقدرات السكان ككل، الفنية والتقنية، وماذا يمكن أن تضيف هذه القوى البشرية للقدرات الاقتصادية للمجتمع الذي يعيشون فيه؟
::/introtext::
::fulltext::
اليوم يطرح موضوع السكان في دول العالم المختلفة، كما لم يطرح قط في أدبيات التنمية سابقاً، فلقد كانت النظرة الكلاسيكية السابقة حول السكان هي الحفاظ على النسيج الاجتماعي أن يكون متشابهاً قدر ما أمكن في الوطن الواحد، ووضع العقبات القانونية والاقتصادية والخدمية بين (المواطنين) وغير المواطنين. أما اليوم فقد اختلفت النظرة كلياً، وأصبحت مبنية على أساس أن السكان هم أحد أهم عوامل التنمية الشاملة في المجتمع يصرف النظر عن مسقط رأسهم، والمهم هنا أن التفرقة ليست مبنية على الفكرة القديمة بين مواطنين وغير مواطنين، بل مبنية على إمكانات وقدرات السكان ككل، الفنية والتقنية، وماذا يمكن أن تضيف هذه القوى البشرية للقدرات الاقتصادية للمجتمع الذي يعيشون فيه؟
في منطقة الخليج تبنى كثيرون في السنوات الممتدة من الخمسينات حتى التسعينات، نظرية التفرقة بين المواطنين وغير المواطنين، نتيجة للتدفق السكاني الكبير على دول الخليج من الخارج كونها مناطق جذب، وتخوف كثيرون من هذه الهجرة، ولعبت الأيديولوجيا السياسية في هذا المضمار دور التخويف، حتى أفسدت النظر إلى الموضوع نظرة واقعية، في الوقت الذي لم ينته تدفق البشر من مناطق الدفع إلى منطقة الخليج (الجذب) طوال كل هذه العقود.
وفي البداية كانت الصيحة والتخوف من بعض القطاعات في الخليج من القادمين من الضفة الشرقية من الخليج (إيران) وفي الحقيقة عانى هؤلاء القادمون في بعض فترات التاريخ الحديث أشكالاً من التعصب ضدهم، إلى أن سارت الأمور مجراها الآخر بقبول نسبي لهؤلاء السكان الذين أصبحوا جزءاً من نسيج الخليج الوطني، فبدا قبول هؤلاء في النسيج الاجتماعي الخليجي، ثم تحول الصيحة ضد القادمين الجدد من شبه القارة الهندية، ومازالت بعض الأصوات (تحذر) من ظاهرة تكاثر الهجرة من هذه المناطق، خوفا على (عروبة) الخليج، وهي نظرة فيها أيضا شيء من (العنصرية) وتخوف مبالغ فيه ، كما كان التخوف الأول.
ولم ينج العرب القادمون من بلاد عربية للخليج من نظرة تشابه النظرة إلى القادمين من غير العرب، وإن شابها بعض التحفظ الممزوج بأيديولوجيا (عرقومية) متشددة، إلا أنها كانت غامضة وغير دقيقة، فأصبحت أوساط خليجية تتخوف من تدفق العمالة العربية بعدد كبير إلى مدنها خشية التأثيرات الأيديولوجية التي يحملها هؤلاء.
ولا أريد أن أقلل هنا من أن القلق في الحالات الثلاث لم يكن قريبا إلى الواقع، لكنني أريد أن أشدد على أنه كان خطابا مبالغا فيه، وما زالت هذه المبالغة تنتعش بين الفينة والأخرى، من دون أن نجد مناقشة عقلانية للسكان وحجمهم وقدراتهم في منطقة الخليج العربي.
لماذا انقلبت الصورة؟
الصورة الفضلى في الوجود السكاني للدولة في الخليج أو في أية منطقة أخرى من العالم انقلبت اليوم، بعد ثورة وسائل الاتصال والمواصلات، وبعد رياح العولمة. فإذا أخذنا تجارب دول مختلفة، خاصة غربية، فسنجد أن العالم ينظر إلى العنصر البشري كعامل (تنموي) مركزي مهم، وتبحث الشعوب عن أفضل العناصر البشرية المدربة كي تجلبها لها وتمكنها من المساهمة في التنمية، فالطبيب الحاذق، أو المحامي المتمرس أو المهندس الخلاق أو التقني المبادر، هؤلاء جميعا يضيفون إلي العمل الخلاق المراد في التنمية اليوم.
وقد بُني الخليج تعليمياً وتقانياً على أيدي عاملة قدمت من الخارج في النصف الأول من القرن العشرين، سواء أكانت مدربة أم متوسطة التدريب أم غير مدربة (كعمال البناء في الخمسينات والستينات) القادمين من إيران.
التخوف اليوم ليس من الكم من البشر، لكن من نوعية ومستوى الخبرات لهؤلاء البشر، فمن الطبيعي، كما أسلفنا، أن تتوجه الشعوب للاستفادة من العنصر البشري، وهو (بضاعة) غير متوفرة بكثرة في العالم، إلا أن الخلاف هو حول (مستوى تدريب) هذا العنصر، وقدرته على التكيف مع متطلبات العصر الحديث.
وأذكر هنا قصة تروى بأن أحد المستشفيات في الغرب لاحظ ظاهرة لافتة للنظر، وهي أن الوفيات من حجرة الإنعاش تحدث كل يوم أحد وبشكل متكرر، حتى لو كان المريض ليس في مرحلة الخطر، وبعد المتابعة وُجد أن عامل النظافة الآسيوي الذي يحضر كل يوم أحد لتنظيف الممر، يقوم بفصل وصلة الكهرباء المغذية لوحدة الإنعاش، لأنه يقوم بتوصيل آلة التنظيف الخاصة به في المقبس نفسه! هنا إشارة إلى أن العنصر البشري غير المدرب تدريبا عاليا يمكن أن يسبب الخسارة الكبرى من دون أن يفطن إلى ذلك إلى درجة التضحية بأرواح البشر.
ليس من المستحب اليوم الحديث عن القوى البشرية القادمة إلى الخليج حديثا (عنصريا) كما كان يتبع من البعض في وقت سابق، ومن الأفضل أن تقوم المؤسسات الخليجية بدراسة
الظاهرة دراسة علمية قائمة على أن (عمليات) الجذب السكاني، هي عمليات قام أهل الخليج بوضعها بشكل مباشر أو غير مباشر، من حيث استخدام عمالة يريد لها أن تؤدي أعمالاً مطلوبة في دول الخليج، ولو لم تكن هذه العمالة مطلوبة للاقتصاد المحلي لما تدفقت على مدن الخليج بهذا الكم الكبر.
إن عملية التنظيم هنا تحتاج إلى وقفة، فمن هي الأسرة الخليجية المتوسطة القادرة اليوم على الاستغناء عن (مساعدين) في البيت (مربية، سائق، طباخ.. إلى آخره من المهن) والداخلة في العمل اليومي لرب البيت، كما أن السؤال يتوسع ليقول، من هي المؤسسات الخليجية الاقتصادية القادرة على الاستغناء عن العمالة الرخيصة في أعمالها أو حتى الاستغناء عن العمالة المدربة في غياب خطة حقيقية للتدريب لليد العاملة المحلية، ثم أي من مسارات الثقافة المجتمعية التي تجعل من شباب الخليج قادراً أو راغباً في العمل العضلي أو البسيط، في ظل الظروف المعيشية السائدة وهي ظروف رفاه لا شك فيها؟
كل تلك الأسئلة لم يحدد جوابها من المسؤولين، الحديث السياسي عن تشغيل العمالة المحلية بدلا من الأجنبية، وهو حديث ربما استهدف الاستهلاك العام قبل أن يجد له مكانا للتنفيذ، أو حتى صدقية اقتصادية.
لقد وضعت دول الخليج الخطط لإحلال العمالة الوطنية بدلاً من العمالة الأجنبية، منذ ثلاثة عقود أو أكثر، ولكنها لم تنفذ أو نفذ بعضها بتكاسل، بسبب عدم جديتها أو عدم مواءمتها للواقع من جهة، وبسبب عدم الالتفات الجدي للتدريب والتأهيل لليد العاملة المحلية من جهة أخرى.
إن دول الخليج، ليس كلها، تستطيع أن تستغني بشكل قطعي عن العمالة الوافدة، فهناك عمالة ضرورية ما زالت موجودة في دول الخليج، لأنه لا توجد يد عاملة محلية تستطيع أن تحل محلها، هناك نقص في الفنيين، الكهربائيين، الفنيين في السباكة، أو محاسبين، بل وحتى أطباء وأساتذة جامعة وصحفيين، وهي مهن تحتاج إلى الكثير من التدريب والوقت من أجل إحلال العمالة المحلية في قطاعاتها بدلا من الأجنبية، وفي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار براميل النفط، فإن الحديث عن (الإحلال) يبدو حديثاً فولكلورياً. إلا أن الأسئلة لا تنتهي حول العمالة (الأجنبية) في الخليج، فهناك من يحبذ الإبقاء على العمالة الفنية غير الوطنية، إلى حين تأهيل المواطنين المحليين، وهناك من يرى عدم الاستغناء عن العمالة غير الفنية (خدم النظافة، والعاملون في المنازل.. إلى آخره). لذا نجد أن الحديث عن (أوضاع العمالة) في منطقتنا حديث موسمي، يشتد في بعض الأوقات لسبب ثم يختفي من دون أن يعرف أحد سبباً لاختفائه عن شاشات الأجندة الوطنية. وفي تقديري أن السبب في ذلك هو ابتعاد الحلول المقترحة عن الواقع، وأيضا عدم وجود نفس تخطيطي طويل المدى لإيجاد حلول علمية للمشكلة القائمة.
إن المشكلة في بعض بلدان الخليج ليست بهذه الحدة، و المقصود هنا بلد مثل سلطنة عُمان التي استطاعت أن تقدم حلولا وطنية لمشكلة العمالة الوافدة، وهذه الحلول بعضها مبتكر، إلا أنها لا تستطيع أن تقتلع المشكلة من أساسها، بسبب مستوى التطور التنموي الذي يحتاج مستقبلاً إلى عمالة أجنبية مدربة، أما في بعض دول الخليج الأخرى فإن المشكلة متفاقمة إلى درجة الاختناق.
ليس هناك حل سحري لمشكلة العمالة الوافدة في الخليج، وليس هناك عاقل يعتقد أنها يمكن أن تختفي بين ليلة وضحاها، ولكن المعقول هو أن ترسم سياسات طويلة المدى على مستوى دول الخليج قاطبة، للاستفادة أولاً من الفائض العملي في بعض بلدانها، وهو فائض لا يسبب اختلافاً بيناً في النسيج الاجتماعي، وثانياً خطط تدريب طويلة المدى لترقية مهارات اليد العاملة المحلية، وهي أفضل استثمار ممكن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2957::/cck::
::introtext::
اليوم يطرح موضوع السكان في دول العالم المختلفة، كما لم يطرح قط في أدبيات التنمية سابقاً، فلقد كانت النظرة الكلاسيكية السابقة حول السكان هي الحفاظ على النسيج الاجتماعي أن يكون متشابهاً قدر ما أمكن في الوطن الواحد، ووضع العقبات القانونية والاقتصادية والخدمية بين (المواطنين) وغير المواطنين. أما اليوم فقد اختلفت النظرة كلياً، وأصبحت مبنية على أساس أن السكان هم أحد أهم عوامل التنمية الشاملة في المجتمع يصرف النظر عن مسقط رأسهم، والمهم هنا أن التفرقة ليست مبنية على الفكرة القديمة بين مواطنين وغير مواطنين، بل مبنية على إمكانات وقدرات السكان ككل، الفنية والتقنية، وماذا يمكن أن تضيف هذه القوى البشرية للقدرات الاقتصادية للمجتمع الذي يعيشون فيه؟
::/introtext::
::fulltext::
اليوم يطرح موضوع السكان في دول العالم المختلفة، كما لم يطرح قط في أدبيات التنمية سابقاً، فلقد كانت النظرة الكلاسيكية السابقة حول السكان هي الحفاظ على النسيج الاجتماعي أن يكون متشابهاً قدر ما أمكن في الوطن الواحد، ووضع العقبات القانونية والاقتصادية والخدمية بين (المواطنين) وغير المواطنين. أما اليوم فقد اختلفت النظرة كلياً، وأصبحت مبنية على أساس أن السكان هم أحد أهم عوامل التنمية الشاملة في المجتمع يصرف النظر عن مسقط رأسهم، والمهم هنا أن التفرقة ليست مبنية على الفكرة القديمة بين مواطنين وغير مواطنين، بل مبنية على إمكانات وقدرات السكان ككل، الفنية والتقنية، وماذا يمكن أن تضيف هذه القوى البشرية للقدرات الاقتصادية للمجتمع الذي يعيشون فيه؟
في منطقة الخليج تبنى كثيرون في السنوات الممتدة من الخمسينات حتى التسعينات، نظرية التفرقة بين المواطنين وغير المواطنين، نتيجة للتدفق السكاني الكبير على دول الخليج من الخارج كونها مناطق جذب، وتخوف كثيرون من هذه الهجرة، ولعبت الأيديولوجيا السياسية في هذا المضمار دور التخويف، حتى أفسدت النظر إلى الموضوع نظرة واقعية، في الوقت الذي لم ينته تدفق البشر من مناطق الدفع إلى منطقة الخليج (الجذب) طوال كل هذه العقود.
وفي البداية كانت الصيحة والتخوف من بعض القطاعات في الخليج من القادمين من الضفة الشرقية من الخليج (إيران) وفي الحقيقة عانى هؤلاء القادمون في بعض فترات التاريخ الحديث أشكالاً من التعصب ضدهم، إلى أن سارت الأمور مجراها الآخر بقبول نسبي لهؤلاء السكان الذين أصبحوا جزءاً من نسيج الخليج الوطني، فبدا قبول هؤلاء في النسيج الاجتماعي الخليجي، ثم تحول الصيحة ضد القادمين الجدد من شبه القارة الهندية، ومازالت بعض الأصوات (تحذر) من ظاهرة تكاثر الهجرة من هذه المناطق، خوفا على (عروبة) الخليج، وهي نظرة فيها أيضا شيء من (العنصرية) وتخوف مبالغ فيه ، كما كان التخوف الأول.
ولم ينج العرب القادمون من بلاد عربية للخليج من نظرة تشابه النظرة إلى القادمين من غير العرب، وإن شابها بعض التحفظ الممزوج بأيديولوجيا (عرقومية) متشددة، إلا أنها كانت غامضة وغير دقيقة، فأصبحت أوساط خليجية تتخوف من تدفق العمالة العربية بعدد كبير إلى مدنها خشية التأثيرات الأيديولوجية التي يحملها هؤلاء.
ولا أريد أن أقلل هنا من أن القلق في الحالات الثلاث لم يكن قريبا إلى الواقع، لكنني أريد أن أشدد على أنه كان خطابا مبالغا فيه، وما زالت هذه المبالغة تنتعش بين الفينة والأخرى، من دون أن نجد مناقشة عقلانية للسكان وحجمهم وقدراتهم في منطقة الخليج العربي.
لماذا انقلبت الصورة؟
الصورة الفضلى في الوجود السكاني للدولة في الخليج أو في أية منطقة أخرى من العالم انقلبت اليوم، بعد ثورة وسائل الاتصال والمواصلات، وبعد رياح العولمة. فإذا أخذنا تجارب دول مختلفة، خاصة غربية، فسنجد أن العالم ينظر إلى العنصر البشري كعامل (تنموي) مركزي مهم، وتبحث الشعوب عن أفضل العناصر البشرية المدربة كي تجلبها لها وتمكنها من المساهمة في التنمية، فالطبيب الحاذق، أو المحامي المتمرس أو المهندس الخلاق أو التقني المبادر، هؤلاء جميعا يضيفون إلي العمل الخلاق المراد في التنمية اليوم.
وقد بُني الخليج تعليمياً وتقانياً على أيدي عاملة قدمت من الخارج في النصف الأول من القرن العشرين، سواء أكانت مدربة أم متوسطة التدريب أم غير مدربة (كعمال البناء في الخمسينات والستينات) القادمين من إيران.
التخوف اليوم ليس من الكم من البشر، لكن من نوعية ومستوى الخبرات لهؤلاء البشر، فمن الطبيعي، كما أسلفنا، أن تتوجه الشعوب للاستفادة من العنصر البشري، وهو (بضاعة) غير متوفرة بكثرة في العالم، إلا أن الخلاف هو حول (مستوى تدريب) هذا العنصر، وقدرته على التكيف مع متطلبات العصر الحديث.
وأذكر هنا قصة تروى بأن أحد المستشفيات في الغرب لاحظ ظاهرة لافتة للنظر، وهي أن الوفيات من حجرة الإنعاش تحدث كل يوم أحد وبشكل متكرر، حتى لو كان المريض ليس في مرحلة الخطر، وبعد المتابعة وُجد أن عامل النظافة الآسيوي الذي يحضر كل يوم أحد لتنظيف الممر، يقوم بفصل وصلة الكهرباء المغذية لوحدة الإنعاش، لأنه يقوم بتوصيل آلة التنظيف الخاصة به في المقبس نفسه! هنا إشارة إلى أن العنصر البشري غير المدرب تدريبا عاليا يمكن أن يسبب الخسارة الكبرى من دون أن يفطن إلى ذلك إلى درجة التضحية بأرواح البشر.
ليس من المستحب اليوم الحديث عن القوى البشرية القادمة إلى الخليج حديثا (عنصريا) كما كان يتبع من البعض في وقت سابق، ومن الأفضل أن تقوم المؤسسات الخليجية بدراسة
الظاهرة دراسة علمية قائمة على أن (عمليات) الجذب السكاني، هي عمليات قام أهل الخليج بوضعها بشكل مباشر أو غير مباشر، من حيث استخدام عمالة يريد لها أن تؤدي أعمالاً مطلوبة في دول الخليج، ولو لم تكن هذه العمالة مطلوبة للاقتصاد المحلي لما تدفقت على مدن الخليج بهذا الكم الكبر.
إن عملية التنظيم هنا تحتاج إلى وقفة، فمن هي الأسرة الخليجية المتوسطة القادرة اليوم على الاستغناء عن (مساعدين) في البيت (مربية، سائق، طباخ.. إلى آخره من المهن) والداخلة في العمل اليومي لرب البيت، كما أن السؤال يتوسع ليقول، من هي المؤسسات الخليجية الاقتصادية القادرة على الاستغناء عن العمالة الرخيصة في أعمالها أو حتى الاستغناء عن العمالة المدربة في غياب خطة حقيقية للتدريب لليد العاملة المحلية، ثم أي من مسارات الثقافة المجتمعية التي تجعل من شباب الخليج قادراً أو راغباً في العمل العضلي أو البسيط، في ظل الظروف المعيشية السائدة وهي ظروف رفاه لا شك فيها؟
كل تلك الأسئلة لم يحدد جوابها من المسؤولين، الحديث السياسي عن تشغيل العمالة المحلية بدلا من الأجنبية، وهو حديث ربما استهدف الاستهلاك العام قبل أن يجد له مكانا للتنفيذ، أو حتى صدقية اقتصادية.
لقد وضعت دول الخليج الخطط لإحلال العمالة الوطنية بدلاً من العمالة الأجنبية، منذ ثلاثة عقود أو أكثر، ولكنها لم تنفذ أو نفذ بعضها بتكاسل، بسبب عدم جديتها أو عدم مواءمتها للواقع من جهة، وبسبب عدم الالتفات الجدي للتدريب والتأهيل لليد العاملة المحلية من جهة أخرى.
إن دول الخليج، ليس كلها، تستطيع أن تستغني بشكل قطعي عن العمالة الوافدة، فهناك عمالة ضرورية ما زالت موجودة في دول الخليج، لأنه لا توجد يد عاملة محلية تستطيع أن تحل محلها، هناك نقص في الفنيين، الكهربائيين، الفنيين في السباكة، أو محاسبين، بل وحتى أطباء وأساتذة جامعة وصحفيين، وهي مهن تحتاج إلى الكثير من التدريب والوقت من أجل إحلال العمالة المحلية في قطاعاتها بدلا من الأجنبية، وفي الوقت الذي ترتفع فيه أسعار براميل النفط، فإن الحديث عن (الإحلال) يبدو حديثاً فولكلورياً. إلا أن الأسئلة لا تنتهي حول العمالة (الأجنبية) في الخليج، فهناك من يحبذ الإبقاء على العمالة الفنية غير الوطنية، إلى حين تأهيل المواطنين المحليين، وهناك من يرى عدم الاستغناء عن العمالة غير الفنية (خدم النظافة، والعاملون في المنازل.. إلى آخره). لذا نجد أن الحديث عن (أوضاع العمالة) في منطقتنا حديث موسمي، يشتد في بعض الأوقات لسبب ثم يختفي من دون أن يعرف أحد سبباً لاختفائه عن شاشات الأجندة الوطنية. وفي تقديري أن السبب في ذلك هو ابتعاد الحلول المقترحة عن الواقع، وأيضا عدم وجود نفس تخطيطي طويل المدى لإيجاد حلول علمية للمشكلة القائمة.
إن المشكلة في بعض بلدان الخليج ليست بهذه الحدة، و المقصود هنا بلد مثل سلطنة عُمان التي استطاعت أن تقدم حلولا وطنية لمشكلة العمالة الوافدة، وهذه الحلول بعضها مبتكر، إلا أنها لا تستطيع أن تقتلع المشكلة من أساسها، بسبب مستوى التطور التنموي الذي يحتاج مستقبلاً إلى عمالة أجنبية مدربة، أما في بعض دول الخليج الأخرى فإن المشكلة متفاقمة إلى درجة الاختناق.
ليس هناك حل سحري لمشكلة العمالة الوافدة في الخليج، وليس هناك عاقل يعتقد أنها يمكن أن تختفي بين ليلة وضحاها، ولكن المعقول هو أن ترسم سياسات طويلة المدى على مستوى دول الخليج قاطبة، للاستفادة أولاً من الفائض العملي في بعض بلدانها، وهو فائض لا يسبب اختلافاً بيناً في النسيج الاجتماعي، وثانياً خطط تدريب طويلة المدى لترقية مهارات اليد العاملة المحلية، وهي أفضل استثمار ممكن.
::/fulltext::
::cck::2957::/cck::
