هل تساعد أسعار النفط القياسية على التنوع الاقتصادي
::cck::3025::/cck::
::introtext::
بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام 2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح والحفاظ على الوضع الراهن.
::/introtext::
::fulltext::
بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام 2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح والحفاظ على الوضع الراهن.
ومن الجدير بالذكر أن قطاع النفط يمثل المصدر الأكبر بلا منازع من إجمالي الناتج المحلي لدول المجلس جميعها، وقد بقي الوضع على هذا الحال سنين عدة (انظر الشكل 1: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي). والمفارقة أن انتعاش أسعار النفط قد أدى إلى صرف الأنظار عن جهود التنويع الاقتصادي الأخيرة. ففي السنة الماضية ارتفعت نسبة النفط من الصادرات الإجمالية في كل دول المجلس باستثناء دولة واحدة، ارتفاعاً فعلياً بالمقارنة مع عام 1994 (انظر الشكل 2: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي الصادرات).
وإذا استثنينا الإمارات، التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، وحققت نجاحاً مميزاً في تنويع اقتصادها، يبدو لنا جلياً وجود ترابط بين العمر المتوقع لاحتياطيات النفط في بلد ما ودرجة التنوع الاقتصادي فيه. فالبحرين تمتلك أدنى الاحتياطيات على الإطلاق، حيث لا يتوقع لها، وفق مستويات الإنتاج الحالية، أن تدوم أكثر من بضع سنوات أخرى. وفي الوقت نفسه تعتبر البحرين الدولة الأكثر ليبرالية وتنوعاً اقتصادياً، كما تصنف بأنها الأكثر حرية بين دول المجلس في سجل الحرية الاقتصادية لدى مؤسسة التراث. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث انخفاض احتياطياتها، وقد بدأت حكومتها خصخصة بعض القطاعات المملوكة للدولة، ووضع تشريعات تسمح للأجانب بتملك بعض الشركات بنسبة 100 في المائة، وتستثمر مبالغ كبيرة في قطاع السياحة. وتهدف المبادرة الحكومية المسماة (رؤية 2020) إلى تنويع الاقتصاد تنويعاً كلياً بعيداً عن النفط بحلول عام 2020.
وعلى الجانب المقابل، هناك الكويت وقطر اللتان تمتلكان احتياطيات ضخمة من النفط والغاز وعدداً صغيراً نسبياً من
السكان، ولذلك فإن تنويع الاقتصاد بالنسبة لهما ليس على الدرجة نفسها من الإلحاح والحدة، كما أن المساهمة التي يمثلها النفط والغاز من إجمالي ناتجيهما المحليين هي العليا في المنطقة، حيث تبلغ 46.6 في المائة و62.2 في المائة على التوالي. إن هذا الترابط يبين أن التنويع قابل للتحقيق اقتصادياً، لكنه يتطلب إصراراً سياسياً حازماً أيضاً.
أما في السعودية فالمشكلة ليست مشكلة إمدادات آخذة في النضوب، فهي تمتلك 25 في المائة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، إضافة إلى تمتعها ببعض أدنى تكاليف الاستخراج والوصول إلى السوق في أي مكان في العالم، وإنما تتمثل المشكلة في التزايد السريع لعدد السكان، حيث يعتبر معدل النمو السكاني فيها من أعلى معدلات النمو في العالم، بالإضافة إلى مستويات البطالة الآخذة بالارتفاع. وصناعة النفط صناعة تستلزم استثمار مبالغ طائلة لا يمكن أن تستوعب أكثر من نسبة صغيرة من الشباب السعودي الذي يدخل سوق العمل سنوياً. ومنذ بدأ الازدهار الحالي في أسعار النفط، عملت السعودية على الاستثمار بقوة في أعمال التكرير والتسويق. ففي (رابغ) على سبيل المثال، يجري تطوير مشروع تكرير وتسويق ضخم تقدر قيمته بنحو 4 مليارات دولار أمريكي، وستقوم هذه المصفاة المتكاملة والمجمع البتروكيماوي الضخم بإنتاج منتجات مكررة وبتروكيماويات ذات مستوى رفيع، ونال هذا المشروع اهتمام شركة أجنبية هي سوميتومو اليابانية التي ستشارك بالعمل فيه مع شركة أرامكو السعودية. ولا بد أن مشاريع مثل مصفاة رابغ ستوفر على المدى الطويل مزيداً من الأعمال ذات المهارات الرفيعة للمواطنين السعوديين وتدفع الاقتصاد نحو تصدير مشتقات بترولية ذات (قيمة مضافة).
ومع ذلك، وبعد سنوات، بل في بعض الحالات بعد عقود من الإعلان عن سياسات التنويع الاقتصادي، لا تزال معظم دول المجلس تتكل اتكالاً شديداً على عائدات النفط (انظر الشكل 3: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي العائدات الحكومية) وبغض النظر عن كون احتياطيات المنطقة من النفط والغاز ـ باعتبارهما سلعتين محدودتين لا تتجددان ـ ستستنفد في نهاية المطاف، فهناك مشكلات كثيرة على المدى القصير تتعلق بالاعتماد على النفط، فأسعار النفط متقلبة بطبيعتها، وباعتبار أن الدخل الحكومي ـ المحرك الاقتصادي الرئيسي ـ يعتمد اعتماداً كبيراً عليها فإن المنطقة معرضة بشدة لفترات ازدهار وأزمات اقتصادية وتذبذبات دورية كبيرة. ويسبب هذا الوضع بشكل خاص مصاعب تتعلق بالتزامات الإنفاق المالي وتخطيط الاقتصاد والموازنات. ومن المشكلات الأخرى أن قطاع النفط والغاز قطاع ذو رأسمال كثيف، وهو بذلك لا يولد إلا القليل من فرص العمل التي تعتبر دول المجلس في أمس الحاجة إليها، حيث إن أعمار ما يقرب من 40 في المائة من السكان تحت سن 15 ومشكلة البطالة آخذة في التزايد، إضافة إلى مشكلة أخرى ترتبط بتصدير النفط تعرف باسم (المرض الهولندي)، حيث إن استيراد البضائع المصنعة يكون في الأغلب أرخص من إنتاجها محلياً في دول المجلس، مما يعني أن المنتجات المتنوعة، إذا تم تصنيعها محلياً، ستكون غير قادرة على المنافسة، وبالتالي فإن إمكانية توفير فرص العمل في القطاع الصناعي محدودة.
ومع هذا فثمة مؤشرات على أن جهوداً جادة تُبذل الآن للتنويع بعيداً عن الاعتماد على النفط، ولا سيما الاتكال على عائدات تصدير النفط الخام. ولا بد من التذكير بأن انتعاش أسعار النفط وارتفاع معدلات الإنتاج حالياً قد غطيا على النجاحات المتواضعة لسياسات التنويع حتى الآن. فعلى سبيل المثال تم إنشاء المجلس الاقتصادي في البحرين وسلطة الاستثمار العامة في السعودية خصيصاً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وقد يكون من الطرق المبتكرة في التنويع الاقتصادي شراء أصول أجنبية، فقد اشترت الإمارات مؤخراً نسبة 10% من الأسهم في شركة فولكسفاغن الألمانية المصنعة للسيارات، وبالمقابل ستقوم الشركة بإنشاء مصنع تجميع في أبوظبي، وتدرس شراء المكونات التي يتم إنتاجها في دول المجلس.
ومن جهة ثانية سيكون لدى دول المجلس في المستقبل المنظور ميزة نسبية في صناعات التكرير والتسويق البتروكيماوية وفي الصناعات التي تحتاج إلى مستوى عالٍ من التزويد بالطاقة مثل إنتاج الألمنيوم. وبداية يجب توجيه جهود التوزيع نحو مثل هذه الصناعات، لكن لأن هذه الصناعات تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة ولا توجد الكثير من فرص العمل، فإنه لا يمكنها وحدها جبه التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول المجلس حالياً. ولذلك حالما يتم استثمار واستغلال الميزات النسبية التي تتمتع بها دول المجلس، لا بد من القيام بجهود مركّزة لإيجاد فرص عمل في القطاع الخدمي. ولنا في البحرين وإمارة دبي مثالان بارزان على ذلك، وليس من قبيل المصادفة أن كلتيهما لا تملك إلا احتياطيات محدودة من النفط.
وتعتبر الجهود التكاملية لدول المجلس عنصراً محورياً في عملية التنويع عن طريق إقامة سوق واحدة، كما أن العمل باتجاه عملة واحدة ينبغي أن يعزز التجارة غير النفطية، ويجذب مستويات أعلى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل إجمالي. وفي هذا السياق يبين الأمين العام لمجلس التعاون عبد الرحمن العطية أن الاتحاد الجمركي لدول المجلس أدى منذ إنشائه عام 2003 إلى زيادة التجارة البينية في المنطقة بنسبة 19.5% على ما كانت عليه عام 2002.
ولا بد أن يمثل الركود الاقتصادي الذي ساد دول المجلس في عقد التسعينات تذكيراً بأن ارتفاع أسعار النفط ليس بالأمر المضمون. ولذلك فإن الدفع قدماً الآن بخطط وسياسات التنويع الاقتصادي الجريئة ـ في وقت ترتفع فيه العائدات والفوائض الحكومية ـ يمكن أن يخفض فعلاً من وقع انخفاض أسعار النفط مستقبلاً، والتعامل مع مشكلات البطالة المستقبلية قبل أن تستفحل. فالآن هو الوقت المناسب لإجراء الإصلاحات البنيوية والتنظيمية اللازمة لتنويع القاعدة الاقتصادية للمنطقة. أما الركون وعدم القيام بشيء في هذا الشأن فقد يعرضُ للخطر كلَّ مراحل النمو والإنجازات الكبيرة التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3025::/cck::
::introtext::
بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام 2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح والحفاظ على الوضع الراهن.
::/introtext::
::fulltext::
بلغت عائدات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة من النفط 190 مليار دولار أمريكي عام 2004، أي بزيادة قدرها 40 في المائة عن عام 2003، ومن المتوقع بحسب التوقعات أن تكون الزيادة في العائدات عام 2005 أكبر من ذلك أيضاً. حيث بلغ متوسط سعر برميل نفط غربي تكساس 42 دولاراً أمريكياً عام 2004، مرتفعاً من 31 دولاراً للبرميل عام 2003، بالمقارنة مع متوسط سعره خلال التسعينات حيث كان 20 دولاراً للبرميل. وقد اتسم ذلك العقد بركود النمو الاقتصادي وبمحاولات لتنويع البنى الاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط. ويمثل الارتفاع الكبير في أسعار النفط حالياً فرصة مثالية لدول مجلس التعاون الخليجي لتفعيل وتمويل طائفة من إجراءات التنوع الاقتصادي. لكن عندما يكون سعر النفط مرتفعاً يكون هناك اتجاه لتأخير الإصلاح والحفاظ على الوضع الراهن.
ومن الجدير بالذكر أن قطاع النفط يمثل المصدر الأكبر بلا منازع من إجمالي الناتج المحلي لدول المجلس جميعها، وقد بقي الوضع على هذا الحال سنين عدة (انظر الشكل 1: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي). والمفارقة أن انتعاش أسعار النفط قد أدى إلى صرف الأنظار عن جهود التنويع الاقتصادي الأخيرة. ففي السنة الماضية ارتفعت نسبة النفط من الصادرات الإجمالية في كل دول المجلس باستثناء دولة واحدة، ارتفاعاً فعلياً بالمقارنة مع عام 1994 (انظر الشكل 2: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي الصادرات).
وإذا استثنينا الإمارات، التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، وحققت نجاحاً مميزاً في تنويع اقتصادها، يبدو لنا جلياً وجود ترابط بين العمر المتوقع لاحتياطيات النفط في بلد ما ودرجة التنوع الاقتصادي فيه. فالبحرين تمتلك أدنى الاحتياطيات على الإطلاق، حيث لا يتوقع لها، وفق مستويات الإنتاج الحالية، أن تدوم أكثر من بضع سنوات أخرى. وفي الوقت نفسه تعتبر البحرين الدولة الأكثر ليبرالية وتنوعاً اقتصادياً، كما تصنف بأنها الأكثر حرية بين دول المجلس في سجل الحرية الاقتصادية لدى مؤسسة التراث. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث انخفاض احتياطياتها، وقد بدأت حكومتها خصخصة بعض القطاعات المملوكة للدولة، ووضع تشريعات تسمح للأجانب بتملك بعض الشركات بنسبة 100 في المائة، وتستثمر مبالغ كبيرة في قطاع السياحة. وتهدف المبادرة الحكومية المسماة (رؤية 2020) إلى تنويع الاقتصاد تنويعاً كلياً بعيداً عن النفط بحلول عام 2020.
وعلى الجانب المقابل، هناك الكويت وقطر اللتان تمتلكان احتياطيات ضخمة من النفط والغاز وعدداً صغيراً نسبياً من
السكان، ولذلك فإن تنويع الاقتصاد بالنسبة لهما ليس على الدرجة نفسها من الإلحاح والحدة، كما أن المساهمة التي يمثلها النفط والغاز من إجمالي ناتجيهما المحليين هي العليا في المنطقة، حيث تبلغ 46.6 في المائة و62.2 في المائة على التوالي. إن هذا الترابط يبين أن التنويع قابل للتحقيق اقتصادياً، لكنه يتطلب إصراراً سياسياً حازماً أيضاً.
أما في السعودية فالمشكلة ليست مشكلة إمدادات آخذة في النضوب، فهي تمتلك 25 في المائة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، إضافة إلى تمتعها ببعض أدنى تكاليف الاستخراج والوصول إلى السوق في أي مكان في العالم، وإنما تتمثل المشكلة في التزايد السريع لعدد السكان، حيث يعتبر معدل النمو السكاني فيها من أعلى معدلات النمو في العالم، بالإضافة إلى مستويات البطالة الآخذة بالارتفاع. وصناعة النفط صناعة تستلزم استثمار مبالغ طائلة لا يمكن أن تستوعب أكثر من نسبة صغيرة من الشباب السعودي الذي يدخل سوق العمل سنوياً. ومنذ بدأ الازدهار الحالي في أسعار النفط، عملت السعودية على الاستثمار بقوة في أعمال التكرير والتسويق. ففي (رابغ) على سبيل المثال، يجري تطوير مشروع تكرير وتسويق ضخم تقدر قيمته بنحو 4 مليارات دولار أمريكي، وستقوم هذه المصفاة المتكاملة والمجمع البتروكيماوي الضخم بإنتاج منتجات مكررة وبتروكيماويات ذات مستوى رفيع، ونال هذا المشروع اهتمام شركة أجنبية هي سوميتومو اليابانية التي ستشارك بالعمل فيه مع شركة أرامكو السعودية. ولا بد أن مشاريع مثل مصفاة رابغ ستوفر على المدى الطويل مزيداً من الأعمال ذات المهارات الرفيعة للمواطنين السعوديين وتدفع الاقتصاد نحو تصدير مشتقات بترولية ذات (قيمة مضافة).
ومع ذلك، وبعد سنوات، بل في بعض الحالات بعد عقود من الإعلان عن سياسات التنويع الاقتصادي، لا تزال معظم دول المجلس تتكل اتكالاً شديداً على عائدات النفط (انظر الشكل 3: النفط والغاز كنسبة مئوية من إجمالي العائدات الحكومية) وبغض النظر عن كون احتياطيات المنطقة من النفط والغاز ـ باعتبارهما سلعتين محدودتين لا تتجددان ـ ستستنفد في نهاية المطاف، فهناك مشكلات كثيرة على المدى القصير تتعلق بالاعتماد على النفط، فأسعار النفط متقلبة بطبيعتها، وباعتبار أن الدخل الحكومي ـ المحرك الاقتصادي الرئيسي ـ يعتمد اعتماداً كبيراً عليها فإن المنطقة معرضة بشدة لفترات ازدهار وأزمات اقتصادية وتذبذبات دورية كبيرة. ويسبب هذا الوضع بشكل خاص مصاعب تتعلق بالتزامات الإنفاق المالي وتخطيط الاقتصاد والموازنات. ومن المشكلات الأخرى أن قطاع النفط والغاز قطاع ذو رأسمال كثيف، وهو بذلك لا يولد إلا القليل من فرص العمل التي تعتبر دول المجلس في أمس الحاجة إليها، حيث إن أعمار ما يقرب من 40 في المائة من السكان تحت سن 15 ومشكلة البطالة آخذة في التزايد، إضافة إلى مشكلة أخرى ترتبط بتصدير النفط تعرف باسم (المرض الهولندي)، حيث إن استيراد البضائع المصنعة يكون في الأغلب أرخص من إنتاجها محلياً في دول المجلس، مما يعني أن المنتجات المتنوعة، إذا تم تصنيعها محلياً، ستكون غير قادرة على المنافسة، وبالتالي فإن إمكانية توفير فرص العمل في القطاع الصناعي محدودة.
ومع هذا فثمة مؤشرات على أن جهوداً جادة تُبذل الآن للتنويع بعيداً عن الاعتماد على النفط، ولا سيما الاتكال على عائدات تصدير النفط الخام. ولا بد من التذكير بأن انتعاش أسعار النفط وارتفاع معدلات الإنتاج حالياً قد غطيا على النجاحات المتواضعة لسياسات التنويع حتى الآن. فعلى سبيل المثال تم إنشاء المجلس الاقتصادي في البحرين وسلطة الاستثمار العامة في السعودية خصيصاً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وقد يكون من الطرق المبتكرة في التنويع الاقتصادي شراء أصول أجنبية، فقد اشترت الإمارات مؤخراً نسبة 10% من الأسهم في شركة فولكسفاغن الألمانية المصنعة للسيارات، وبالمقابل ستقوم الشركة بإنشاء مصنع تجميع في أبوظبي، وتدرس شراء المكونات التي يتم إنتاجها في دول المجلس.
ومن جهة ثانية سيكون لدى دول المجلس في المستقبل المنظور ميزة نسبية في صناعات التكرير والتسويق البتروكيماوية وفي الصناعات التي تحتاج إلى مستوى عالٍ من التزويد بالطاقة مثل إنتاج الألمنيوم. وبداية يجب توجيه جهود التوزيع نحو مثل هذه الصناعات، لكن لأن هذه الصناعات تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة ولا توجد الكثير من فرص العمل، فإنه لا يمكنها وحدها جبه التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول المجلس حالياً. ولذلك حالما يتم استثمار واستغلال الميزات النسبية التي تتمتع بها دول المجلس، لا بد من القيام بجهود مركّزة لإيجاد فرص عمل في القطاع الخدمي. ولنا في البحرين وإمارة دبي مثالان بارزان على ذلك، وليس من قبيل المصادفة أن كلتيهما لا تملك إلا احتياطيات محدودة من النفط.
وتعتبر الجهود التكاملية لدول المجلس عنصراً محورياً في عملية التنويع عن طريق إقامة سوق واحدة، كما أن العمل باتجاه عملة واحدة ينبغي أن يعزز التجارة غير النفطية، ويجذب مستويات أعلى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل إجمالي. وفي هذا السياق يبين الأمين العام لمجلس التعاون عبد الرحمن العطية أن الاتحاد الجمركي لدول المجلس أدى منذ إنشائه عام 2003 إلى زيادة التجارة البينية في المنطقة بنسبة 19.5% على ما كانت عليه عام 2002.
ولا بد أن يمثل الركود الاقتصادي الذي ساد دول المجلس في عقد التسعينات تذكيراً بأن ارتفاع أسعار النفط ليس بالأمر المضمون. ولذلك فإن الدفع قدماً الآن بخطط وسياسات التنويع الاقتصادي الجريئة ـ في وقت ترتفع فيه العائدات والفوائض الحكومية ـ يمكن أن يخفض فعلاً من وقع انخفاض أسعار النفط مستقبلاً، والتعامل مع مشكلات البطالة المستقبلية قبل أن تستفحل. فالآن هو الوقت المناسب لإجراء الإصلاحات البنيوية والتنظيمية اللازمة لتنويع القاعدة الاقتصادية للمنطقة. أما الركون وعدم القيام بشيء في هذا الشأن فقد يعرضُ للخطر كلَّ مراحل النمو والإنجازات الكبيرة التي شهدتها المنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية.
::/fulltext::
::cck::3025::/cck::
