الانتخابات الرئاسية اليمنية ومواقف الأحزاب
::cck::1546::/cck::
::introtext::
تعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في سبتمبر 2006 ثاني انتخابات رئاسية يشهدها اليمن، لكنها في ظل بيئة تشريعية مختلفة، إذ تمت الانتخابات الرئاسية الأولى في سبتمبر 1999 وفقاً للدستور المعدل عام 1994 والذي قضى بتغيير شكل رئاسة الدولة من مجلس رئاسة مكون من خمسة أعضاء إلى رئيس الجمهورية ينتخبه الشعب مباشرة ويعيّن بنفسه نائباً له، وحدد مدة ولايته بدورتين انتخابيتين مدة كل منهما خمس سنوات فقط لا يجوز بعد انقضائها الترشح مرة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
تعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في سبتمبر 2006 ثاني انتخابات رئاسية يشهدها اليمن، لكنها في ظل بيئة تشريعية مختلفة، إذ تمت الانتخابات الرئاسية الأولى في سبتمبر 1999 وفقاً للدستور المعدل عام 1994 والذي قضى بتغيير شكل رئاسة الدولة من مجلس رئاسة مكون من خمسة أعضاء إلى رئيس الجمهورية ينتخبه الشعب مباشرة ويعيّن بنفسه نائباً له، وحدد مدة ولايته بدورتين انتخابيتين مدة كل منهما خمس سنوات فقط لا يجوز بعد انقضائها الترشح مرة أخرى.
أما الانتخابات الرئاسية الثانية المقرر إجراؤها العام المقبل فتأتي وفقا للدستور المعدل عام 2001 التي أحدثت تطوراً ملحوظاً في بعض الخصائص اللازمة للدستور المعدل عام 1994 لاسيما في الجانب المتعلق بالأحكام المحددة لإجراءات تعديل الدستور، مما دفع بعض الباحثين المتخصصين بالشأن الدستوري إلى أن يصفوا الدستور المعدل 2001 بأنه يصنف من ناحية تعديله ضمن الدساتير التي تجمع بين المرونة والجمود، إذ ورد في التعديلات في نص المادة (107) المتعلقة بأحكام وإجراءات تعديل الدستور أنه إذا وافق ثلاثة أرباع مجلس النواب على تعديل أي من مواد البابين الأول والثاني و(21 مادة) أخرى محددة من الدستور فإنه يتم عرض ذلك على الشعب في استفتاء عام، ويعدل ما عدا ذلك بموافقة ثلاثة أرباع المجلس، بينما كان الدستور المعدل عام 1994 يعطي حق تعديل أي مادة دستورية إلى الاستفتاء الشعبي العام.
وتضمنت أهم التعديلات الدستورية عام 2001 تمديد ولاية رئيس الجمهورية من خمس سنوات إلى سبع سنوات وفقا لنص المادة (111) من الدستور المعدل عام 2001 وسيسري تطبيقها من الدورة الأولى الحالية لفترة رئيس الجمهورية الحالي، وهو ما يعني أن من حق الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أن يترشح مرة ثانية وفق هذا التعديل، بينما الدستور المعدل عام 1994 الذي جرت الانتخابات الرئاسية الأولى في إطاره فإنه يمنع الرئيس صالح من الترشح مرة أخرى، على اعتبار أن الانتخابات عام 1999 كانت الثانية بعد الانتخابات التي جرت بعد إقرار ذلك التعديل الدستوري في 1994 داخل مجلس النواب، واعتبرها الولاية الأولى للرئيس. ومن القوانين التي استهدفها التعديل عام 2001 الأسس الدستورية المنظمة للانتخابات الرئاسية بتخفيض النسبة المطلوبة لتزكية طالبي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية من (10 في المائة) من إجمالي أعضاء مجلس النواب البالغ (301) إلى 5 في المائة من إجمالي حضور الاجتماع المشترك لكل من أعضاء مجلس النواب والشورى البالغ قوامها الكلي (412) عضوا، بعد أن تبين أن اشتراط تزكية 10 في المائة من أعضاء البرلمان لمن يتقدم للترشح إلى الانتخابات الرئاسية أثار حفيظة المعارضة، وكان من مبررات قرار مقاطعتها للمشاركة في الانتخابات بعد أن رأت في هذا الشرط عائقا أمام وصول مرشحها للمشاركة في الانتخابات الرئاسية.
مواقف القوى المنقسمة من إعلان الرئيس صالح
يمثل موقع رئيس الجمهورية في النظام السياسي اليمني أهمية كبيرة لما يتمتع به هذا المنصب من صلاحيات دستورية واسعة دون أن تقابلها نصوص دستورية معادلة تضعه أمام الرقابة والمحاسبة الصارمة. ومن خلال قراءة الإعلان المبكر للرئيس صالح في السابع من يوليو الماضي عدم ترشحه لولاية رئاسية ثانية، نجد أن ثمة انقساماً في المجتمع الحزبي والسياسي اليمني في تفسير دواعيه ودوافعه، ومن ثم تحديد مواقف سياسية بشأنه.
ثمة فريق يشكك بجدية الرئيس بعدم الترشح، واعتبرها مجرد دعاية انتخابية، معتمدا على معطيات تاريخية تسند موقفه المتشكك، ويعتمدون على معطى يتمثل في تحمس صالح لتمديد فترة الرئاسة من خمس سنوات إلى سبع سنوات في التعديل الدستوري الذي تم عقب الانتخابات الرئاسية الأولى عام 1999، كما يذكّرون بإعلان الرئيس صالح في 23 مايو 1999 في مقابلة مع القناة الفضائية اللبنانية عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية الأولى، ثم عدوله عن قراره نزولا عند رغبة أعضاء المؤتمر السادس للحزب الحاكم في يوليو من العام نفسه، لكن آخرين يردون على هذا المعطى التاريخي بأن الرئيس صالح في المرة الأولى أعلن رغبته في قبل الاستحقاق الرئاسي بوقت قصير، مما أتاح له فرصة المناورة، أما هذه المرة فقد جاء إعلانه مبكرا وقبل نحو عام من الموعد الانتخابي، وهو ما جعله في وضع محرج داخلياً وخارجياً، لاسيما أن سياسيين ومفكرين أشادوا بمبادرة صالح واعتبروها تصب في الاتجاه الصحيح، مما يجعل القيام بأي مناورة مثل إخراج المسيرات أو جمع التوقيعات أو غيرها بهدف التراجع عن قراره، عملية محفوفة بكثير من المخاطر، وتجهز على ما تبقى له من رصيد إيجابي يتمتع به من قبل الداخل والخارج اليمني معاً، وسيفقد كاريزميته في ظل تزايد بؤس الأوضاع الاقتصادية، وتعاظم الاختناقات السياسية، وتنامي مشاعر انعزالية وانفصالية ومذهبية.
الفريق الثاني يذهب في تفسيره باتجاه أنها خطوة أساسية للتمهيد والتهيئة لتوريث المنصب الرئاسي لابنه العقيد أحمد، ويستند إلى معطى تاريخي أيضا، يتمثل في إصراره عند التعديل الدستوري عام 2001 باستثناء المادة 106 الخاصة بالشروط الواجب توافرها في مرشح الرئاسة، ومن بينها شرط العمر من الاستفتاء الشعبي عند الرغبة في تعديلها، وجعلها في نطاق صلاحيات مجلس النواب، وهو ما يمنح الحزب الحاكم فرصة سهلة لامتلاكه النصاب المطلوب،لكن مراقبين ومهتمين سياسيين يستبعدون هذا التفسير، ويرون أنه إذا كان في لحظة تاريخية بدت ثمة مؤشرات باتجاه توريث الحكم في اليمن، فإن المرحلة الحالية شهدت تراجع هذا التوجه بصورة ملحوظة، لاسيما أن الرئيس صالح قدم نفسه مع تفجر حرب صعدة، وتمرد حسين بدر الدين الحوثي، باعتباره راعي النظام الجمهوري وخصماً لدوداً لأي قوة تسعى بالعودة إلى الأنظمة الوراثية، وأدرك أن عملية توريث الحكم في اليمن بالأمر السهل بسبب تعقيدات التركيبة الاجتماعية والقبلية والمذهبية في المجتمع اليمني، الذي يختزن في داخله فئات لا تزال تعتقد أنها الأحق بالحكم لعرقيتها وانتسابها لبيت النبوة.
الفريق الثالث يعتقد أن إعلان الرئيس علي عبدالله صالح عدم ترشحه لولاية رئاسية أخرى هو إعلان جدي وصادق، ويرى أن هذا الإعلان جاء في سياق شعور الرئيس صالح بحجم الصعوبات الاقتصادية والاحتقانات السياسية التي يعيشها اليمن منذ فترة طويلة، ويورد تقارير منظمات دولية كالبنك الدولي والشفافية وبيت الحرية وغيرها التي تؤكد أن اليمن أصبح في وضع اقتصادي وسياسي حرج، وانكماش الهامش الديمقراطي، وتراجع حرية الصحافة، وهيمنة الإحباط من جدوى العملية السياسية، وتغلغل الفساد في كل هياكل ومؤسسات الدولة، الأمر الذي دفع بعض تلك المنظمات والمؤسسات عند تقييم اليمنإلى وضعها في مصاف الدول الفاشلة. ويؤكد هذا الفريق أن الرئيس صالح استشعر تفاقم الأوضاع في البلاد، فأراد أن يسجل لنفسه إنجازا تاريخيا يتمثل في سن مبدأ التداول السلمي على السلطة، بصورة عملية، ليضاف إلى رصيد إنجازاته التي حققها كتحقيق الوحدة اليمنية واستكشاف النفط، وتحقيق استقرار وطني في فترة زمنية ماضية، وهي إنجازات تكاد تستنزف وتستنفد مع مرور الأيام.
قوتان تتجاذبان الرئيس بعد الإعلان
بغض النظر عن الأهداف والدوافع والتفسيرات الباحثة عن دوافع وأهداف الإعلان المبكر للرئيس صالح عدم ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإنه في التحليل الأخير وضع نفسه بين ضغطين وتجاذبين ناشئين عن قوتين، الأولى يمكن تسميتها بالمراكز المستفيدة من استمرار تفاقم الأوضاع وتجذر الفساد تحرض علي صالح على التراجع عن قراره، وتتجاهل ما يمثله تنامي الشعور الشعبي منذ نحو عقد من الزمان بتحميله مسؤولية تردي الأوضاع، بل إن مسؤولين ووزراء، ربما باستثناء نائب الرئيس، أصبحوا يتنصلون من مسؤولياتهم والقرارات التي تتخذ في إطار الحكومة وخاصة التي تترتب عليها أعباء على المواطنين، ويلقونها في مرمى الرئاسة، ويؤكدون أنهم مجرد منفذين للتوجيهات العليا، وخاصة أن الدستور يساعد على نشر هذه الادعاءات، إذ إن نصوصه تمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات واسعة، وتنتزع في الآن نفسه صلاحيات بقية مؤسسات الدولة، وهو ما ضاعف من مشاعر النقمة والاستياء والتذمر من الرئيس صالح نفسه، وهي مشاعر شعبية لم تكن معروفة قبل عشر سنوات، في المقابل تقف القوة الضاغطة الثانية بتشجيع منه في المضي باتجاه تنفيذ قراره، وعدم العدول عنه، مستخدمة أساليب تصب كلها في ما يعنيه التراجع من إحراج صورة وسمعة شخص الرئيس، وما يجره من شماتة وسخرية من بعض الزعماء العرب، ولا تغيب هنا تلك المقولة التي ترددت على لسان الرئيس المصري تعليقا على قرار الرئيس صالح، عندما وصفه (بحركات نصف كم)، كما أن هذه القوة الضاغطة تعتبر أن الرئيس صالح في حال أصر على التراجع عن قراره، فإن احتمال فوز مرشح المعارضة وارد جداً، إذ سيستغل ما سيصفه بعدم وفاء المرشح صالح لوعوده، وعدم احترامه لقراراته، وسيستفيد من المتغيرات الدولية التي لم تكن معروفة في الانتخابات الرئاسية الأولى، وخاصة في حال وجود رقابة دولية على سير العملية الانتخابية.
وتبقى قوة ثالثة بعيدة عن هذا الشد والجذب الذي وضع الرئيس نفسه وسطه، وترى أن المخرج لا يتأتى من خلال اعتماد أحد التجاذبين، إنما بقيام الرئيس صالح بحركة استباقية تتمثل بإنجاز تعديل دستوري يستبدل النظام السياسي من رئاسي إلى نيابي، وتقديم تعهد مباشر للناخبين بأن يصبح أثناء ولايته الرئاسية الأخيرة نقطة توازن بين مختلف القوى السياسية والفئات الاجتماعية، ويخفف من عملية التماهي بين سلطات الحزب الحاكم، وسلطات الدولة.
خارطة الأحزاب السياسية وموقفها من الانتخابات الرئاسية
تتبدى في المشهد السياسي خارطة الأحزاب اليمنية وموقفها من الانتخابات الرئاسية المقبلةعلى النحو التالي: الحزب الحاكم، وتكتلان لأحزاب المعارضة هما أحزاب اللقاء المشترك، وأحزاب المجلس الوطني، وتقف أحزاب صغيرة خارج هذين التكتلين:
أولاً- الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام)
يعد الحزب الحاكم الذي يرأسه الرئيس صالح الحزب السياسي اليمني المؤهل لخوض الانتخابات الرئاسية بسبب امتلاكه النسبة الدستورية لتزكية أي مرشح للانتخابات الرئاسية، وهي 5 في المائة، من الأعضاء الحاضرين الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى البالغ قوامه (416)، وبحسب المعلومات الأولية تفيد بأن قيادات الحزب الحاكم مصرة على إعلان الرئيس صالح مرشحا للحزب لولاية رئاسية ثانية، ولعل عقد المؤتمر السابع في أكتوبر أو نوفمبر المقبل سيشهد هذا الإعلان، وسيسبق زيارة الرئيس صالح المتوقعة إلى واشنطن نهاية ديسمبر المقبل، إذ سيعتبرها بمثابة تفويض حزبي وغطاء ديمقراطي يكرس حضوره الدولي.
لكن هناك احتمالا ضعيفا للغاية يقول إن الرئيس صالح قد يصر على عدم الترشح وفي هذه الحالة فإن من الصعوبة التكهن عن شخصية المرشح البديل، التي يمكنها أن تحظى بقبول وإجماع داخل المؤتمر الشعبي، بسبب تعقيدات وتناقض مصالح مكونات تركيبته التنظيمية وتنافرها بل وتصارعها، وهو ما يعطي احتمال فوز مرشح المعارضة بسهولة، ولذلك فإن من يعرف واقع نظام الحكم في اليمني يستبعد هذا الاحتمال.
ثانياً-أحزاب اللقاء المشترك
تعد صيغة أحزاب اللقاء المشترك تجمعاً معارضا للحزب الحاكم وتضم أحزاب المعارضة الرئيسية (التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، حزب البعث العربي القومي/جناح بغداد/، واتحاد القوى الشعبية، وحزب الحق).
وقد تبلور اللقاء المشترك أواسط أغسطس 1996 واتسم عند إعلانه بطابع لحظي ومطلبي، محدد، إذ انحصرت مواضيع الحوار آنذاك في نقطة حرية ونزاهة الانتخابات وتوفير الضمانات اللازمة لذلك، مع احتفاظ كل حزب بالحق في أن يجري حوارا ثنائيا مع أي حزب آخر، وبرغم مرور ثماني سنوات على إعلان اللقاء المشترك فإنه لم يستطع حتى الآن التحول إلى صيغة تحالفية أو جبهوية، ونجح نسبيا في إنجاز عملية تنسيق حملة الأحزاب المنضوية فيه إبان الانتخابات المحلية عام 2000 والبرلمانية عام 2003، لكنه أخفق في خوض الانتخابات الرئاسية الأولى عندما انفرد حزب الإصلاح بقراره إعلان الرئيس صالح مرشحا له، بينما أعلنت بقية أحزاب اللقاء مقاطعتها بسبب رفض مجلس النواب تزكية مرشحها (الأمين العام للحزب الاشتراكي). لذلك فإن من المغامرة الحديث عن أحزاب اللقاء المشترك كما لو أنه كتلة واحدة، وخاصة استكشاف مواقفه إزاء الانتخابات الرئاسية المقبلة، وخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المؤتمرات العامة: الثالث (الدورة الثانية) لحزب الإصلاح في يناير الماضي، والعاشر للتنظيم الناصري في فبراير الماضي، والاشتراكي اليمني في أغسطس لم يتطرق بيانها الختامي لأي إشارة إلى الانتخابات الرئاسية، مما أضفى غموضا على مواقفهم المحتملة، لكن المؤشرات الحالية تقول إن مستوى العلاقة تطورت باتجاه إيجابي بين هذه الأحزاب خاصة بانتخاب ياسين سعيد نعمان أميناً عاماً للاشتراكي، مما يجعل إمكانية نزولهم بمرشح واحد غير مستبعد، ويفضل تناول مكوناته الحزبية كلا على حدة.
التجمع اليمني للإصلاح
رغم أن الإصلاح أكبر أحزاب المعارضة، ويملك النسبة الدستورية التي تؤهله لتزكية مرشحه إلى الانتخابات الرئاسية، فإن موقفه لا يزال يتسم بالغموض، وعدم الوضوح، ودأبت قياداته على تكرار مقولة (قرارنا بهذا الشأن مرتبط بموقف بقية أحزاب اللقاء المشترك).
ويختلف حزب الإصلاح في موقفه من الانتخابات الرئاسية الأولى عام 1999، جذريا عن موقفه في الانتخابات المقبلة، إذ كان أثناء الأولى يقف في المنطقة الوسطى بين مربعي السلطة والمعارضة، حفاظاً على بعض مصالحه وعلاقاته وخاصة مراهناته على إمكانية إبقاء مؤسسة المعاهد العلمية التربوية في قبضته، لكن متغيرات وأحداثاً كثيرة وقعت منذ انتهاء الانتخابات الرئاسية الأولى دفعته بعيدا عن مربع السلطة باتجاه شاطئ المعارضة، وتوطدت إيجابا علاقاته مع أحزاب المعارضة وخاصة الاشتراكي والناصري، ودخل في تنسيق انتخابي ناجح نسبيا في المحليات عام 2000، والبرلمانية عام 2003، لذلك فإن المؤشرات الجديدة تستبعد احتمال تكرار سيناريو انتخابات الرئاسة عام 1999، في الوقت ذاته يستبعد مراقبون أن يخوض الإصلاح غمار المنافسة الانتخابية بمرشح خاص به بعيدا عن تأييد بقية أحزاب المعارضة المنضوية معه في صيغة اللقاء المشترك، ومن ثم فإن حزب الإصلاح يقف الآن في محطة انتظار ما قد تسفر عنه لقاءاته وحواراته مع بقية شركائه في المعارضة، ولقد عبرت قياداته عن ارتياحها الكبير لنجاح مؤتمر الحزب الاشتراكي، الذي يعد ثاني أكبر أحزاب المعارضة، وما أسفر عنه من انتخاب الدكتور ياسين سعيد نعمان أميناً عاماً للحزب، وهو شخصية مقبولة في صفوف الإصلاح كما بقية الأحزاب السياسية المعارضة.
الحزب الاشتراكي اليمني
من أهم المتغيرات التي شهدها الحزب الاشتراكي في المسافة الزمنية الفاصلة بين الانتخابات الرئاسية الأولى والمقبلة أنه تجاوز مرحلة التبعثر والتشتت التي عاشها منذ خروجه من حرب صيف 1994 مثخنا بجراحات الهزيمة وإخراجه عنوة من مؤسسات الدولة.
وبنجاح مؤتمره العام الخامس الشهر الماضي، غادر مربع الشكوى من آثار حرب صيف 1994، والمراوحة بين الحنين للعودة إلى دار الرئاسة بصفقة سياسية باعتباره شريكا للحزب الحاكم الحالي في صناعة الوحدة اليمنية، والنضال السياسي للعودة إلى الرئاسة من بوابة الإرادة الشعبية، مستفيدا من حسمه الموقف من أدلجة الحزب، واعتماد الهوية سياسية بدلا عن الأيديولوجية الاجتماعية التي طبعت نشاطه منذ استولى على السلطة في جنوب اليمن، وبالتالي فإن الحزب الاشتراكي يرى اليوم أن خوض الانتخابات الرئاسية متوقف على تسوية الملعب الانتخابي بالنسبة لطرف السلطة، وعلى إنجاز برنامج الإصلاح الشامل بالنسبة لطرف المعارضة المنضوية معه في اللقاء المشترك.
التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري
يقف التنظيم الوحدوي الناصري من الانتخابات الرئاسية المقبلة في مربع التربص واستكشاف ما ستسفر عنه الحوارات الجارية حالياً بين بقية أحزاب اللقاء المشترك والحزب الحاكم، ورغم أن مؤتمره العام العاشر الذي انقد في فبراير الماضي لم يتطرق إلى هذه النقطة كما فعل حزب الإصلاح قبله، والاشتراكي بعده، إلا أن قياداته تؤكد أنها على استعداد لخوض المنافسة الرئاسية من خلال مظلة اللقاء المشترك، أو حتى من خارجها، في حال وصلت عملية التنسيق إلى طريق مسدود، وخاصة أن ثمة خلافاً يلوح بينه وبين الحزب الاشتراكي اليمني حول إقرار وثيقة مشروع أحزاب اللقاء المشترك للإصلاح السياسي، إذ يصر الأخير ومعه اتحاد القوى الشعبية على إقرار المشروع في التكوينات الحزبية لتكون بمثابة موجهات للبرنامج الانتخابي لمرشح المعارضة إلى الرئاسة، بينما يتلكأ الناصريون بهذا الشأن لاعتبارات خاصة بتنظيمهم.
حزب البعث العربي القومي واتحاد القوى الشعبية وحزب الحق
هذه الأحزاب تعاني من ضعف شديد في بنيتها التنظيمية، وغياب حضورها الشعبي، إذ إن العددالإجمالي للأصوات التي حصدتها مجتمعة لا يتجاوز 40 ألف صوت، ولا تمتلك أي ممثل لها في البرلمان، وهو ما يضعها في مربع التابع للثلاثة أحزاب الرئيسية في اللقاء المشترك، لكنها رغم هذه الوضعية فإنها تشكل أهمية كبيرة، لا سيما أن بعضها يعبر عن مصالح فئات اجتماعية مثل حزب الحق واتحاد القوى الشعبية.
ثالثاً: أحزاب المجلس الوطني للمعارضة
وتضم ثمانية أحزاب مجهرية هي: الحزب الناصري الديمقراطي، والجبهة الوطنية الديمقراطية، والحزب القومي الاجتماعي، وحزب جبهة التحرير، وحزب الوحدة الشعبية، وحزب الرابطة اليمنية، وحزب التحرير الشعبي الوحدوي، والاتحاد الديمقراطي للقوى الشعبية، وليس لأي حزب منها تمثيل في البرلمان.
وتضع هذه الأحزاب الصغيرة نفسها دائماً في صف الحزب الحاكم، ولم يعرف عنها مواقف سياسية معارضة جادة في الساحة اليمنية، ومن المتوقع أن تؤيد هذه الأحزاب مرشح الحزب الحاكم.
وهناك أحزاب سياسية يمنية تقف خارج تكتلي اللقاء المشترك والمجلس الوطني وهي حزب رابطة أبناء اليمن وحزب التجمع الوحدوي اليمني، الأول كان هو الحزب الوحيد الذي أصدر بياناً رحب فيه بمبادرة الرئيس صالح بعدم ترشحه إلى انتخابات الرئاسة، غير أنه لا يمتلك أي تمثيل برلماني، ووجوده محدود في ساحة جغرافية في حضرموت أو عدن، أما الثاني فهو حزب يساري نخبوي، ومحدود الأثر السياسي، ولا يمتلك حضوراً برلمانياً أو شعبياً مؤثراً، ومن المتوقع أن يعلن هذان الحزبان مقاطعتهما للانتخابات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1546::/cck::
::introtext::
تعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في سبتمبر 2006 ثاني انتخابات رئاسية يشهدها اليمن، لكنها في ظل بيئة تشريعية مختلفة، إذ تمت الانتخابات الرئاسية الأولى في سبتمبر 1999 وفقاً للدستور المعدل عام 1994 والذي قضى بتغيير شكل رئاسة الدولة من مجلس رئاسة مكون من خمسة أعضاء إلى رئيس الجمهورية ينتخبه الشعب مباشرة ويعيّن بنفسه نائباً له، وحدد مدة ولايته بدورتين انتخابيتين مدة كل منهما خمس سنوات فقط لا يجوز بعد انقضائها الترشح مرة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
تعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في سبتمبر 2006 ثاني انتخابات رئاسية يشهدها اليمن، لكنها في ظل بيئة تشريعية مختلفة، إذ تمت الانتخابات الرئاسية الأولى في سبتمبر 1999 وفقاً للدستور المعدل عام 1994 والذي قضى بتغيير شكل رئاسة الدولة من مجلس رئاسة مكون من خمسة أعضاء إلى رئيس الجمهورية ينتخبه الشعب مباشرة ويعيّن بنفسه نائباً له، وحدد مدة ولايته بدورتين انتخابيتين مدة كل منهما خمس سنوات فقط لا يجوز بعد انقضائها الترشح مرة أخرى.
أما الانتخابات الرئاسية الثانية المقرر إجراؤها العام المقبل فتأتي وفقا للدستور المعدل عام 2001 التي أحدثت تطوراً ملحوظاً في بعض الخصائص اللازمة للدستور المعدل عام 1994 لاسيما في الجانب المتعلق بالأحكام المحددة لإجراءات تعديل الدستور، مما دفع بعض الباحثين المتخصصين بالشأن الدستوري إلى أن يصفوا الدستور المعدل 2001 بأنه يصنف من ناحية تعديله ضمن الدساتير التي تجمع بين المرونة والجمود، إذ ورد في التعديلات في نص المادة (107) المتعلقة بأحكام وإجراءات تعديل الدستور أنه إذا وافق ثلاثة أرباع مجلس النواب على تعديل أي من مواد البابين الأول والثاني و(21 مادة) أخرى محددة من الدستور فإنه يتم عرض ذلك على الشعب في استفتاء عام، ويعدل ما عدا ذلك بموافقة ثلاثة أرباع المجلس، بينما كان الدستور المعدل عام 1994 يعطي حق تعديل أي مادة دستورية إلى الاستفتاء الشعبي العام.
وتضمنت أهم التعديلات الدستورية عام 2001 تمديد ولاية رئيس الجمهورية من خمس سنوات إلى سبع سنوات وفقا لنص المادة (111) من الدستور المعدل عام 2001 وسيسري تطبيقها من الدورة الأولى الحالية لفترة رئيس الجمهورية الحالي، وهو ما يعني أن من حق الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أن يترشح مرة ثانية وفق هذا التعديل، بينما الدستور المعدل عام 1994 الذي جرت الانتخابات الرئاسية الأولى في إطاره فإنه يمنع الرئيس صالح من الترشح مرة أخرى، على اعتبار أن الانتخابات عام 1999 كانت الثانية بعد الانتخابات التي جرت بعد إقرار ذلك التعديل الدستوري في 1994 داخل مجلس النواب، واعتبرها الولاية الأولى للرئيس. ومن القوانين التي استهدفها التعديل عام 2001 الأسس الدستورية المنظمة للانتخابات الرئاسية بتخفيض النسبة المطلوبة لتزكية طالبي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية من (10 في المائة) من إجمالي أعضاء مجلس النواب البالغ (301) إلى 5 في المائة من إجمالي حضور الاجتماع المشترك لكل من أعضاء مجلس النواب والشورى البالغ قوامها الكلي (412) عضوا، بعد أن تبين أن اشتراط تزكية 10 في المائة من أعضاء البرلمان لمن يتقدم للترشح إلى الانتخابات الرئاسية أثار حفيظة المعارضة، وكان من مبررات قرار مقاطعتها للمشاركة في الانتخابات بعد أن رأت في هذا الشرط عائقا أمام وصول مرشحها للمشاركة في الانتخابات الرئاسية.
مواقف القوى المنقسمة من إعلان الرئيس صالح
يمثل موقع رئيس الجمهورية في النظام السياسي اليمني أهمية كبيرة لما يتمتع به هذا المنصب من صلاحيات دستورية واسعة دون أن تقابلها نصوص دستورية معادلة تضعه أمام الرقابة والمحاسبة الصارمة. ومن خلال قراءة الإعلان المبكر للرئيس صالح في السابع من يوليو الماضي عدم ترشحه لولاية رئاسية ثانية، نجد أن ثمة انقساماً في المجتمع الحزبي والسياسي اليمني في تفسير دواعيه ودوافعه، ومن ثم تحديد مواقف سياسية بشأنه.
ثمة فريق يشكك بجدية الرئيس بعدم الترشح، واعتبرها مجرد دعاية انتخابية، معتمدا على معطيات تاريخية تسند موقفه المتشكك، ويعتمدون على معطى يتمثل في تحمس صالح لتمديد فترة الرئاسة من خمس سنوات إلى سبع سنوات في التعديل الدستوري الذي تم عقب الانتخابات الرئاسية الأولى عام 1999، كما يذكّرون بإعلان الرئيس صالح في 23 مايو 1999 في مقابلة مع القناة الفضائية اللبنانية عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية الأولى، ثم عدوله عن قراره نزولا عند رغبة أعضاء المؤتمر السادس للحزب الحاكم في يوليو من العام نفسه، لكن آخرين يردون على هذا المعطى التاريخي بأن الرئيس صالح في المرة الأولى أعلن رغبته في قبل الاستحقاق الرئاسي بوقت قصير، مما أتاح له فرصة المناورة، أما هذه المرة فقد جاء إعلانه مبكرا وقبل نحو عام من الموعد الانتخابي، وهو ما جعله في وضع محرج داخلياً وخارجياً، لاسيما أن سياسيين ومفكرين أشادوا بمبادرة صالح واعتبروها تصب في الاتجاه الصحيح، مما يجعل القيام بأي مناورة مثل إخراج المسيرات أو جمع التوقيعات أو غيرها بهدف التراجع عن قراره، عملية محفوفة بكثير من المخاطر، وتجهز على ما تبقى له من رصيد إيجابي يتمتع به من قبل الداخل والخارج اليمني معاً، وسيفقد كاريزميته في ظل تزايد بؤس الأوضاع الاقتصادية، وتعاظم الاختناقات السياسية، وتنامي مشاعر انعزالية وانفصالية ومذهبية.
الفريق الثاني يذهب في تفسيره باتجاه أنها خطوة أساسية للتمهيد والتهيئة لتوريث المنصب الرئاسي لابنه العقيد أحمد، ويستند إلى معطى تاريخي أيضا، يتمثل في إصراره عند التعديل الدستوري عام 2001 باستثناء المادة 106 الخاصة بالشروط الواجب توافرها في مرشح الرئاسة، ومن بينها شرط العمر من الاستفتاء الشعبي عند الرغبة في تعديلها، وجعلها في نطاق صلاحيات مجلس النواب، وهو ما يمنح الحزب الحاكم فرصة سهلة لامتلاكه النصاب المطلوب،لكن مراقبين ومهتمين سياسيين يستبعدون هذا التفسير، ويرون أنه إذا كان في لحظة تاريخية بدت ثمة مؤشرات باتجاه توريث الحكم في اليمن، فإن المرحلة الحالية شهدت تراجع هذا التوجه بصورة ملحوظة، لاسيما أن الرئيس صالح قدم نفسه مع تفجر حرب صعدة، وتمرد حسين بدر الدين الحوثي، باعتباره راعي النظام الجمهوري وخصماً لدوداً لأي قوة تسعى بالعودة إلى الأنظمة الوراثية، وأدرك أن عملية توريث الحكم في اليمن بالأمر السهل بسبب تعقيدات التركيبة الاجتماعية والقبلية والمذهبية في المجتمع اليمني، الذي يختزن في داخله فئات لا تزال تعتقد أنها الأحق بالحكم لعرقيتها وانتسابها لبيت النبوة.
الفريق الثالث يعتقد أن إعلان الرئيس علي عبدالله صالح عدم ترشحه لولاية رئاسية أخرى هو إعلان جدي وصادق، ويرى أن هذا الإعلان جاء في سياق شعور الرئيس صالح بحجم الصعوبات الاقتصادية والاحتقانات السياسية التي يعيشها اليمن منذ فترة طويلة، ويورد تقارير منظمات دولية كالبنك الدولي والشفافية وبيت الحرية وغيرها التي تؤكد أن اليمن أصبح في وضع اقتصادي وسياسي حرج، وانكماش الهامش الديمقراطي، وتراجع حرية الصحافة، وهيمنة الإحباط من جدوى العملية السياسية، وتغلغل الفساد في كل هياكل ومؤسسات الدولة، الأمر الذي دفع بعض تلك المنظمات والمؤسسات عند تقييم اليمنإلى وضعها في مصاف الدول الفاشلة. ويؤكد هذا الفريق أن الرئيس صالح استشعر تفاقم الأوضاع في البلاد، فأراد أن يسجل لنفسه إنجازا تاريخيا يتمثل في سن مبدأ التداول السلمي على السلطة، بصورة عملية، ليضاف إلى رصيد إنجازاته التي حققها كتحقيق الوحدة اليمنية واستكشاف النفط، وتحقيق استقرار وطني في فترة زمنية ماضية، وهي إنجازات تكاد تستنزف وتستنفد مع مرور الأيام.
قوتان تتجاذبان الرئيس بعد الإعلان
بغض النظر عن الأهداف والدوافع والتفسيرات الباحثة عن دوافع وأهداف الإعلان المبكر للرئيس صالح عدم ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإنه في التحليل الأخير وضع نفسه بين ضغطين وتجاذبين ناشئين عن قوتين، الأولى يمكن تسميتها بالمراكز المستفيدة من استمرار تفاقم الأوضاع وتجذر الفساد تحرض علي صالح على التراجع عن قراره، وتتجاهل ما يمثله تنامي الشعور الشعبي منذ نحو عقد من الزمان بتحميله مسؤولية تردي الأوضاع، بل إن مسؤولين ووزراء، ربما باستثناء نائب الرئيس، أصبحوا يتنصلون من مسؤولياتهم والقرارات التي تتخذ في إطار الحكومة وخاصة التي تترتب عليها أعباء على المواطنين، ويلقونها في مرمى الرئاسة، ويؤكدون أنهم مجرد منفذين للتوجيهات العليا، وخاصة أن الدستور يساعد على نشر هذه الادعاءات، إذ إن نصوصه تمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات واسعة، وتنتزع في الآن نفسه صلاحيات بقية مؤسسات الدولة، وهو ما ضاعف من مشاعر النقمة والاستياء والتذمر من الرئيس صالح نفسه، وهي مشاعر شعبية لم تكن معروفة قبل عشر سنوات، في المقابل تقف القوة الضاغطة الثانية بتشجيع منه في المضي باتجاه تنفيذ قراره، وعدم العدول عنه، مستخدمة أساليب تصب كلها في ما يعنيه التراجع من إحراج صورة وسمعة شخص الرئيس، وما يجره من شماتة وسخرية من بعض الزعماء العرب، ولا تغيب هنا تلك المقولة التي ترددت على لسان الرئيس المصري تعليقا على قرار الرئيس صالح، عندما وصفه (بحركات نصف كم)، كما أن هذه القوة الضاغطة تعتبر أن الرئيس صالح في حال أصر على التراجع عن قراره، فإن احتمال فوز مرشح المعارضة وارد جداً، إذ سيستغل ما سيصفه بعدم وفاء المرشح صالح لوعوده، وعدم احترامه لقراراته، وسيستفيد من المتغيرات الدولية التي لم تكن معروفة في الانتخابات الرئاسية الأولى، وخاصة في حال وجود رقابة دولية على سير العملية الانتخابية.
وتبقى قوة ثالثة بعيدة عن هذا الشد والجذب الذي وضع الرئيس نفسه وسطه، وترى أن المخرج لا يتأتى من خلال اعتماد أحد التجاذبين، إنما بقيام الرئيس صالح بحركة استباقية تتمثل بإنجاز تعديل دستوري يستبدل النظام السياسي من رئاسي إلى نيابي، وتقديم تعهد مباشر للناخبين بأن يصبح أثناء ولايته الرئاسية الأخيرة نقطة توازن بين مختلف القوى السياسية والفئات الاجتماعية، ويخفف من عملية التماهي بين سلطات الحزب الحاكم، وسلطات الدولة.
خارطة الأحزاب السياسية وموقفها من الانتخابات الرئاسية
تتبدى في المشهد السياسي خارطة الأحزاب اليمنية وموقفها من الانتخابات الرئاسية المقبلةعلى النحو التالي: الحزب الحاكم، وتكتلان لأحزاب المعارضة هما أحزاب اللقاء المشترك، وأحزاب المجلس الوطني، وتقف أحزاب صغيرة خارج هذين التكتلين:
أولاً- الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام)
يعد الحزب الحاكم الذي يرأسه الرئيس صالح الحزب السياسي اليمني المؤهل لخوض الانتخابات الرئاسية بسبب امتلاكه النسبة الدستورية لتزكية أي مرشح للانتخابات الرئاسية، وهي 5 في المائة، من الأعضاء الحاضرين الاجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى البالغ قوامه (416)، وبحسب المعلومات الأولية تفيد بأن قيادات الحزب الحاكم مصرة على إعلان الرئيس صالح مرشحا للحزب لولاية رئاسية ثانية، ولعل عقد المؤتمر السابع في أكتوبر أو نوفمبر المقبل سيشهد هذا الإعلان، وسيسبق زيارة الرئيس صالح المتوقعة إلى واشنطن نهاية ديسمبر المقبل، إذ سيعتبرها بمثابة تفويض حزبي وغطاء ديمقراطي يكرس حضوره الدولي.
لكن هناك احتمالا ضعيفا للغاية يقول إن الرئيس صالح قد يصر على عدم الترشح وفي هذه الحالة فإن من الصعوبة التكهن عن شخصية المرشح البديل، التي يمكنها أن تحظى بقبول وإجماع داخل المؤتمر الشعبي، بسبب تعقيدات وتناقض مصالح مكونات تركيبته التنظيمية وتنافرها بل وتصارعها، وهو ما يعطي احتمال فوز مرشح المعارضة بسهولة، ولذلك فإن من يعرف واقع نظام الحكم في اليمني يستبعد هذا الاحتمال.
ثانياً-أحزاب اللقاء المشترك
تعد صيغة أحزاب اللقاء المشترك تجمعاً معارضا للحزب الحاكم وتضم أحزاب المعارضة الرئيسية (التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، حزب البعث العربي القومي/جناح بغداد/، واتحاد القوى الشعبية، وحزب الحق).
وقد تبلور اللقاء المشترك أواسط أغسطس 1996 واتسم عند إعلانه بطابع لحظي ومطلبي، محدد، إذ انحصرت مواضيع الحوار آنذاك في نقطة حرية ونزاهة الانتخابات وتوفير الضمانات اللازمة لذلك، مع احتفاظ كل حزب بالحق في أن يجري حوارا ثنائيا مع أي حزب آخر، وبرغم مرور ثماني سنوات على إعلان اللقاء المشترك فإنه لم يستطع حتى الآن التحول إلى صيغة تحالفية أو جبهوية، ونجح نسبيا في إنجاز عملية تنسيق حملة الأحزاب المنضوية فيه إبان الانتخابات المحلية عام 2000 والبرلمانية عام 2003، لكنه أخفق في خوض الانتخابات الرئاسية الأولى عندما انفرد حزب الإصلاح بقراره إعلان الرئيس صالح مرشحا له، بينما أعلنت بقية أحزاب اللقاء مقاطعتها بسبب رفض مجلس النواب تزكية مرشحها (الأمين العام للحزب الاشتراكي). لذلك فإن من المغامرة الحديث عن أحزاب اللقاء المشترك كما لو أنه كتلة واحدة، وخاصة استكشاف مواقفه إزاء الانتخابات الرئاسية المقبلة، وخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المؤتمرات العامة: الثالث (الدورة الثانية) لحزب الإصلاح في يناير الماضي، والعاشر للتنظيم الناصري في فبراير الماضي، والاشتراكي اليمني في أغسطس لم يتطرق بيانها الختامي لأي إشارة إلى الانتخابات الرئاسية، مما أضفى غموضا على مواقفهم المحتملة، لكن المؤشرات الحالية تقول إن مستوى العلاقة تطورت باتجاه إيجابي بين هذه الأحزاب خاصة بانتخاب ياسين سعيد نعمان أميناً عاماً للاشتراكي، مما يجعل إمكانية نزولهم بمرشح واحد غير مستبعد، ويفضل تناول مكوناته الحزبية كلا على حدة.
التجمع اليمني للإصلاح
رغم أن الإصلاح أكبر أحزاب المعارضة، ويملك النسبة الدستورية التي تؤهله لتزكية مرشحه إلى الانتخابات الرئاسية، فإن موقفه لا يزال يتسم بالغموض، وعدم الوضوح، ودأبت قياداته على تكرار مقولة (قرارنا بهذا الشأن مرتبط بموقف بقية أحزاب اللقاء المشترك).
ويختلف حزب الإصلاح في موقفه من الانتخابات الرئاسية الأولى عام 1999، جذريا عن موقفه في الانتخابات المقبلة، إذ كان أثناء الأولى يقف في المنطقة الوسطى بين مربعي السلطة والمعارضة، حفاظاً على بعض مصالحه وعلاقاته وخاصة مراهناته على إمكانية إبقاء مؤسسة المعاهد العلمية التربوية في قبضته، لكن متغيرات وأحداثاً كثيرة وقعت منذ انتهاء الانتخابات الرئاسية الأولى دفعته بعيدا عن مربع السلطة باتجاه شاطئ المعارضة، وتوطدت إيجابا علاقاته مع أحزاب المعارضة وخاصة الاشتراكي والناصري، ودخل في تنسيق انتخابي ناجح نسبيا في المحليات عام 2000، والبرلمانية عام 2003، لذلك فإن المؤشرات الجديدة تستبعد احتمال تكرار سيناريو انتخابات الرئاسة عام 1999، في الوقت ذاته يستبعد مراقبون أن يخوض الإصلاح غمار المنافسة الانتخابية بمرشح خاص به بعيدا عن تأييد بقية أحزاب المعارضة المنضوية معه في صيغة اللقاء المشترك، ومن ثم فإن حزب الإصلاح يقف الآن في محطة انتظار ما قد تسفر عنه لقاءاته وحواراته مع بقية شركائه في المعارضة، ولقد عبرت قياداته عن ارتياحها الكبير لنجاح مؤتمر الحزب الاشتراكي، الذي يعد ثاني أكبر أحزاب المعارضة، وما أسفر عنه من انتخاب الدكتور ياسين سعيد نعمان أميناً عاماً للحزب، وهو شخصية مقبولة في صفوف الإصلاح كما بقية الأحزاب السياسية المعارضة.
الحزب الاشتراكي اليمني
من أهم المتغيرات التي شهدها الحزب الاشتراكي في المسافة الزمنية الفاصلة بين الانتخابات الرئاسية الأولى والمقبلة أنه تجاوز مرحلة التبعثر والتشتت التي عاشها منذ خروجه من حرب صيف 1994 مثخنا بجراحات الهزيمة وإخراجه عنوة من مؤسسات الدولة.
وبنجاح مؤتمره العام الخامس الشهر الماضي، غادر مربع الشكوى من آثار حرب صيف 1994، والمراوحة بين الحنين للعودة إلى دار الرئاسة بصفقة سياسية باعتباره شريكا للحزب الحاكم الحالي في صناعة الوحدة اليمنية، والنضال السياسي للعودة إلى الرئاسة من بوابة الإرادة الشعبية، مستفيدا من حسمه الموقف من أدلجة الحزب، واعتماد الهوية سياسية بدلا عن الأيديولوجية الاجتماعية التي طبعت نشاطه منذ استولى على السلطة في جنوب اليمن، وبالتالي فإن الحزب الاشتراكي يرى اليوم أن خوض الانتخابات الرئاسية متوقف على تسوية الملعب الانتخابي بالنسبة لطرف السلطة، وعلى إنجاز برنامج الإصلاح الشامل بالنسبة لطرف المعارضة المنضوية معه في اللقاء المشترك.
التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري
يقف التنظيم الوحدوي الناصري من الانتخابات الرئاسية المقبلة في مربع التربص واستكشاف ما ستسفر عنه الحوارات الجارية حالياً بين بقية أحزاب اللقاء المشترك والحزب الحاكم، ورغم أن مؤتمره العام العاشر الذي انقد في فبراير الماضي لم يتطرق إلى هذه النقطة كما فعل حزب الإصلاح قبله، والاشتراكي بعده، إلا أن قياداته تؤكد أنها على استعداد لخوض المنافسة الرئاسية من خلال مظلة اللقاء المشترك، أو حتى من خارجها، في حال وصلت عملية التنسيق إلى طريق مسدود، وخاصة أن ثمة خلافاً يلوح بينه وبين الحزب الاشتراكي اليمني حول إقرار وثيقة مشروع أحزاب اللقاء المشترك للإصلاح السياسي، إذ يصر الأخير ومعه اتحاد القوى الشعبية على إقرار المشروع في التكوينات الحزبية لتكون بمثابة موجهات للبرنامج الانتخابي لمرشح المعارضة إلى الرئاسة، بينما يتلكأ الناصريون بهذا الشأن لاعتبارات خاصة بتنظيمهم.
حزب البعث العربي القومي واتحاد القوى الشعبية وحزب الحق
هذه الأحزاب تعاني من ضعف شديد في بنيتها التنظيمية، وغياب حضورها الشعبي، إذ إن العددالإجمالي للأصوات التي حصدتها مجتمعة لا يتجاوز 40 ألف صوت، ولا تمتلك أي ممثل لها في البرلمان، وهو ما يضعها في مربع التابع للثلاثة أحزاب الرئيسية في اللقاء المشترك، لكنها رغم هذه الوضعية فإنها تشكل أهمية كبيرة، لا سيما أن بعضها يعبر عن مصالح فئات اجتماعية مثل حزب الحق واتحاد القوى الشعبية.
ثالثاً: أحزاب المجلس الوطني للمعارضة
وتضم ثمانية أحزاب مجهرية هي: الحزب الناصري الديمقراطي، والجبهة الوطنية الديمقراطية، والحزب القومي الاجتماعي، وحزب جبهة التحرير، وحزب الوحدة الشعبية، وحزب الرابطة اليمنية، وحزب التحرير الشعبي الوحدوي، والاتحاد الديمقراطي للقوى الشعبية، وليس لأي حزب منها تمثيل في البرلمان.
وتضع هذه الأحزاب الصغيرة نفسها دائماً في صف الحزب الحاكم، ولم يعرف عنها مواقف سياسية معارضة جادة في الساحة اليمنية، ومن المتوقع أن تؤيد هذه الأحزاب مرشح الحزب الحاكم.
وهناك أحزاب سياسية يمنية تقف خارج تكتلي اللقاء المشترك والمجلس الوطني وهي حزب رابطة أبناء اليمن وحزب التجمع الوحدوي اليمني، الأول كان هو الحزب الوحيد الذي أصدر بياناً رحب فيه بمبادرة الرئيس صالح بعدم ترشحه إلى انتخابات الرئاسة، غير أنه لا يمتلك أي تمثيل برلماني، ووجوده محدود في ساحة جغرافية في حضرموت أو عدن، أما الثاني فهو حزب يساري نخبوي، ومحدود الأثر السياسي، ولا يمتلك حضوراً برلمانياً أو شعبياً مؤثراً، ومن المتوقع أن يعلن هذان الحزبان مقاطعتهما للانتخابات.
::/fulltext::
::cck::1546::/cck::
