اليمن وتحديات إدارة المحن
::cck::1491::/cck::
::introtext::
آخر ما مر باليمن من تحديات الشهر الماضي جاء على شكل مظاهرات صاخبة عمت معظم المدن اليمنية وفي مقدمتها العاصمة صنعاء. وكان الفتيل الذي أشعل اللهب في قلوب اليمنيين اعلان الحكومة بعض الاجراءات الاقتصادية التي نجم عنها رفع أسعار المحروقات وبعض السلع الضرورية، وتوقفت المظاهرات بسقوط العديد من الضحايا، ولم تتوقف الإجراءات الاقتصادية بطبيعة الحال.
::/introtext::
::fulltext::
آخر ما مر باليمن من تحديات الشهر الماضي جاء على شكل مظاهرات صاخبة عمت معظم المدن اليمنية وفي مقدمتها العاصمة صنعاء. وكان الفتيل الذي أشعل اللهب في قلوب اليمنيين اعلان الحكومة بعض الاجراءات الاقتصادية التي نجم عنها رفع أسعار المحروقات وبعض السلع الضرورية، وتوقفت المظاهرات بسقوط العديد من الضحايا، ولم تتوقف الإجراءات الاقتصادية بطبيعة الحال. وقبلها مباشرة أعلن الرئيس علي عبدالله صالح عدم نيته ترشيح نفسه مرة أخرى للرئاسة وترك الموقع اختيارا، وقوبل هذا الإعلان بترحيب المحبين الحقيقيين له واحتجاج مزدوج وغير بريء من القريبين منه والمستفيدين والمرتبطين بمصالح حيوية بعهده، ومن أعدائه الذين ينتابهم الشك في كل القرارات والسياسات الصادرة عن مكتب الرئاسة دون أي استثناء. وقبل هذا وذاك شهدت اليمن عودة فاشلة أخرى لحركة التمرد في جبال صعدة حين تحرك الحوثي الأب مستأنفاً حركة ابنه، ولكنه كما يبدو فطن إلى النهاية المحتومة وجنح للسلم ورضي بالمصالحة والرجوع عن استخدام العنف ضد الحكومة.
في مثل هذه الأجواء المتلبدة بغيوم التمردات والاحتجاجات والمظاهرات، يحاول الرئيس علي صالح البحث عن سبل لاستقرار بلاده وإخراجها من مربع الأزمات المضروب حولها، ويستخدم من أجل ذلك كل أساليب الترغيب والترهيب، إلا أن أوضاع اليمن بما تحمله من مواريث الإدارة والتخلف وثقافة الرفض ونزعات العنف المتأصلة في المجتمع اليمني تحول دائماً دون تحقيق طموح الإدارة، وتضع (صواميلها) الفولاذية قي عجلة التنمية بحيث لا تمكنها من الحركة، ناهيك عن القدرة على موازاة ما يحدث من قفزات تنموية هائلة في البيئة المحيطة باليمن ودول الخليج العربية على وجه الخصوص.
ان السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو من يا ترى وكيف ومتى يستطيع أن يخرج اليمن من مأزقه التاريخي الذي يعيشه طوال تاريخه الحديث برغم الجهود المخلصة والحثيثة التي تبذلها الأطراف الرسمية والشعبية والعربية وحتى الدولية لمساعدة اليمن على الخروج من هذا المأزق؟
في اليمن. ثروة لا تقدر بثمن، لكن فيه أيضاً إصرار غريب على تبديد هذه الثروة ليس له مثيل في التاريخ، فالناس فيه يحرصون على تبديد ما أعطاهم الله وما منحهم من خيراته. وفياليمن موارد كثيرة ومتنوعة لو أنها تجد من يستغلها ويحرص على تطوير مصادرها فسوف يصبح اليمن من أغنى الدول العربية بما فيها دول الخليج ذاتها. ففيه الثروة البشرية الهائلة حيث يقترب عدد السكان بعد تحقيق الوحدة من العشرين مليون نسمة. وفيه أيضاً مساحات زراعية تغطي مساحتها ثلث البلاد حيث تصل المساحة الكلية إلى 527970 كيلو متراً مربعاً والمساحة المزروعة لا تتعدى نسبة ثلاثة في المائة من تلك المساحة.
وفيه كذلك مساحات مائية هائلة تمتد شواطئها على البحر الأحمر وبحر العرب طولها 2500 كيلو متر، وفي أعماق هذه المساحة توجد أغلى مصائد الأسماك كاللوبستر والجمبري وأنواع أخرى من الأسماك المعروفة والنادرة على السواء.
ويمتلك اليمن معادن ثمينة حدد بعض مواقعها الإنجليز ثم الروس من بعد وحتى اليهود الذين كانت أعدادهم كبيرة في اليمن قبل 1948. وهي معادن تحملها جبال اليمن الشاهقة التي قال عنها أحد المستكشفين بأن الله سبحانه وتعالى وضع عليها أثقاله أي جباله.
ويوجد الذهب والحديد والمنجنيز، وكافة أنواع الأحجار الكريمة وفيها الثروة الأثرية والإمكانات السياحية الهائلة. فاليمن في ذاكرة الغربيين والعالم هو مهد الحضارة كمصر واليونان والعراق والصين، بل ربما تكون الحضارة الأفضل لأن كافة الدلائل الأثرية تؤكد أنها الحضارة الأولى وأن باطن الأرض اليمنية يحمل العديد من المفاجآت الأثرية التي قد تقود إلى قلب الكثير من النظريات عن حضارات وثقافات الأمم القديمة. ثم إن في اليمن الثروة النفطية التي يصل إنتاجها إلى حوالي 400 ألف برميل يوميا قابلة للزيادة في حالة القيام بالمزيد من التنقيب والاكتشافات البترولية.
فإذا أضفنا إلى كل ما سبق عامل الموقع الذي يتوسط العالم والطرق التجارية بين الشرق والغرب فإن لليمن قيمة خاصة تنبه لها المستعمرون القدماء، كالفراعنة الذين فهموا هذا الموقع واستخدموه في الالتفاف على الجزيرة العربية وطرق الشرق، ثم اليونان والرومان الذين تنبهوا لأهمية ثغور اليمن وأحسنوا استخدامها في رحلاتهم وغزواتهم التوسعية لبلاد الشرق. وحين بدأ الأوروبيون يجوبون بحار الشرق سارع الإنجليز (سادة البحار) في عهود الاستعمار إلى احتلال عدن وبناء قاعدة ضخمة قيل إنها كانت تحتوي على مخازن للأسلحة الذرية ولم يغادروها إلا عام 1967 بعد حرب تحرير ناجحة اعترف الإنجليز بأنها كانت من أنجح حروب التحرير التي واجهوها في مستعمراتهم في الشرق وفي الغرب.
وفي عصر العولمة والهيمنة الاقتصادية للتكتلات والقوى الكبرى وازدهار التجارة الحرة وإطلاق حرية التبادل التجاري بين الدول، تزداد أهمية الموقع المتوسط لميناء عدن والحديدة والمكلا في اليمن لكن هذه الأهمية تتواضع، بل قل إنها تختفي في ظل عدم الاستقرار وتوفر البنية التحتية وسن القوانين التي تسهل أمور المستثمرين وتوفير خدمات النقل والمواصلات والاتصالات.
فإذا سلمنا بأن في اليمن ثروات حقيقية وعلى هذه الدرجة من الوفرة وتنوع المصادر فكيف إذاً نفسر أن يتساوى ووفق التقرير الاستراتيجي لعام 2001 الذي صدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر الدخل القومي لليمن 18 مليون نسمة مع الدخل القومي للبحرين 500 ألف نسمة مع الأخذ في الاعتبار فروق المساحة ومصادر الثروة والموقع وكل قيم الإنتاج الأخرى؟
حقائق مؤلمة
للرد على هذا التساؤل المؤلم لا بد أن يتسع صدر القارئ وأخص بالذكر القارئ اليمني للكشف عن عدة حقائق قد تكون معروفة ومألوفة وإن كان الخوض فيها يدور في الأماكن المغلقة. فعلى أثر زيارة قمت بها لمدينة عدن ومن خلال حوار امتد كثيراً مع عدد من المثقفين اليمنيين وعدد آخر من بسطاء عدن تبين لي بشكل جلي بأن اليمنيين الآن وخلافاً لما كانوا عليه في الماضي يدركون حجم المأساة التي يغرقون في مياهها الراكدة ورمالها المتحركة، ويستشعرون الخطر الذي يحدق بهم ويجرهم إلى هاوية لا قرار لها. وإذا لم تحدث المعجزة وتتدارك القوى الخيرة داخل اليمن وفي إطارها العربي وعلى وجه الخصوص الأشقاء في منطقة الخليج فإن المأساة ستطول الجميع وتحرق نارها القريب والبعيد.
وبعيداً عن شعور التفاؤل المخادع الذي لا يرتكز إلى واقع ولا يقوم على رؤية علمية فإن إنشاد أغاني الفرح وأهازيج الانتصارات والمكاسب الوهمية والافتراض الزائف لن يفيد في شيء.
فالواقع السياسي غير مستقر حيث تتصارع الإرادات بين القائمين على السلطة والمعارضين لها، والواقع المتخلف الذي تتفشى فيه ظاهرة الفساد الإداري والأمني حيث يسود قانون القوة، وتنتفي صيغ الالتزام بالنظام والقانون الذي يترك آثاره على حياة المواطن اليمني، ويعبر عن نفسه على شكل انكفاء داخلي يبدو كأنه عصيان مدني صامت واللجوء إلى سلوكيات سلبية من اللامبالاة فيما يجري في الوطن على اتساعه.
ويزيد الأمر سوءاً غياب أجهزة الرقابة المكرسة لحماية القانون ومتابعة تطبيقاته في الإدارة ومواقع الإنتاج. إن وضع الرقابة الصارمة على تصرفات المسؤولين وومدى حرصهم على تطبيق القانون ساهم في نشوء فئة من المتنفذين تمكنت دون علم من السلطة أو بعلمها من السيطرة على قطاعات إنتاجية لا تمت لها بصلة، وسطت على الكثير من ممتلكات الدولة وفي أحيان كثيرة ممتلكات الناس البسطاء لحالات السطو على عقود الملكية للأرض والعقار المسجلة باسم بعض الأشخاص وتحويلها إلى ملكية المسؤولين من أصحاب النفوذ. وتشكل قصص هذه الفئة مادة يومية للصحافة في اليمن، حيث تكتظ صفحاتها بأخبار المظالم التي تنزل على رقاب الناس والتي تصل إلى حد الحرمان من منازلهم التي يملكون عقود التمليك لها ويقيمون فيها ولا يملكون سواها.
إن خطورة هذا الواقع المتسم بالفوضى تزداد حدة في أوساط الفئات التي تستوطن المدن حيث يفتقد أفرادها إلى الجذور القبلية والتي تشكل حملها للسلاح حماية لها كما نقرأ ونسمع في كثير من الأحيان عن تمرد قبلي أو خطف رهائن أجانب للمقايضة والحصول على بعض الامتيازات أو المطالبة بها كما يحدث للرهائن من السياح الغربيين.
باختصار شديد وتلك شهادة للتاريخ يسود في اليمن الآن واقع مخيف من السلبية والتدمير لقيم الإنتاج، وتنسحب هذه الظاهرة على المؤسسة الحاكمة وعلى الناس والأولى ترى أن الإصلاح ضرورة وأن المعجزة لا بد أن تتم في يوم من الأيام إلا أنها لا تملك آليات التغيير لا سيما في جانبها الفني والتقني، وقد يضاف إلى ذلك افتقارها للرؤية الاستراتيجية التي تمثل احتياجا ضروريا في مثل هذه الأحوال، أما الناس فإنهم عاجزون عن تقديم العون والمساهمة في توفير حلول ناجحة لمثل هذه التحديات المخيفة، إما لأن مؤسسات المجتمع المدني ضعيفة أو قل غائبة ومحاصرة لا تملك قدرة على المساهمة في إحداث مثل هذه التحولات، وإما لأنها ملهبة بالحوارات النظرية وإهدار الوقت في (جلسات القات). وفي الحالتين لابد من حدوث معجزة تخرج الجميع من واقع كهفي يبدو فيها الناس نياماً وما هم بنيام، لكن المعجزة تحتاج إلى استخدام العقل والتفكير واتخاذ القرار والأهم من ذلك العمل على تنفيذ ما يتفق عليه من عمل ممارسة وسلوكا.
ففي اليمن ثلاثة تحديات كبرى لا بد من مواجهتها والتغلب عليها إذا شاء اليمنيون إضاءة وجه اليمن المختفي الآن في عتمة الحاضر كاختفاء ثروته الأثرية الهائلة في باطن الأرض. التحدي الأول هو الأمن ومناخ الاستقرار. والتحدي الثاني هو قلة الموارد ونضوب المال الركيزة الحاسمة لآلية إرادة حقيقية للتنمية. والتحدي الثالث هو القات الذي يمتص أخصب ما في اليمن من أرض وزرع وضرع.
الأمن أولاً
لا يخطئ عاقل سواء من اليمنيين أو من لهم صلة ما باليمن بأن أزمة اليمن المستعصية ثلاثية الأركان لا متناهية الأبعاد كما أشرنا. الأول: يتمثل في الأمن واستحالة استتبابه دون إيجاد مخارج لتسلط القبيلة أو على الأقل الحد من سطوتها، ودون القدرة على فرض النظام والقانون والحرص على هيبة الدولة والنظام.
إن استتباب الأمن وتوفير الهدوء والحرص على الاستقرار الداخلي شرط أساسي، والتفكير مجرد التفكير في تنفيذ مشاريع التنمية الشاملة في اليمن يمثل الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الشامل في اليمن، الذي تعرض لتحديات صعبة بسبب ما تثيره بعض الفئات المتناحرة من قلاقل وأزمات، وكان اليمن في كل الأحوال الخاسر الوحيد طوال تاريخه.
واستبشر اليمنيون خيراً حين بدأت جهود تطوير وتوسيع ميناء عدن التاريخي الذي كان في مرحلة الخمسينات ثالث ميناء في العالم، وتجمدت دموع الفرح في مآقي أهله لحظة أن أطلقت فئة من المعتوهين صاروخاً على البارجة الأمريكية (كول). وبدا وكأن الصاروخ كان موجهاً في أساسه إلى صدور اليمنيين أنفسهم.
ولا بد أن حادثة ميناء الضبعة في المكلا وتكرار الضربة على ناقلة النفط الفرنسية عززا الاقتناع لدى التجار العرب والأجانب بأن أمن هذه الموانئ مهمة صعبة، والله يعلم كيف يمكن استعادة الثقة لدى التجار المستفيدين من استخدام موانئ اليمن المثالية في موقعها وفي استخداماتها. وأتذكر هنا أنني كنت أحاول إقناع أحد كبار التجار الخليجيين بأهمية أحد المشاريع الخدماتية في عدن وجاء رده ساخراً بالقول (شرطي الوحيد أن يتم بناء المقر للمشروع قبالة الموقع الذي ضربت فيه بارجة كول الأمريكية!).
على أن الأمن الذي نتحدث عنه لا يقتصر فقط على الأمن التجاري أو الخارجي. فالأمن الداخلي المرتبط بالإنسان اليمني العادي أقسى وأشد، فحمل السلاح في اليمن عادة بدائية سابقة لعصر تكوين الدولة. إنها عادة تعود في جذورها إلى عصر القبيلة التي بدت وكأنها ودعت زمانها في كل مكان فيما عدا اليمن وقليل من الدول التي فقدت المسار كما هو الحال في أفغانستان وبعض الدول الإفريقية.
وفي اليمن كثيراً ما تستباح شوارع المدن الكبرى وتتعالى في جنباتها طلقات الرصاص. وفيها أيضاً ظاهرة الثأر التي كادت أن تختفي أو أنها اختفت كليا في الجزء الجنوبي من اليمن في وقت سابق، وعادت إلى اليمن أكثر حدة واستفحالا في السنوات الأخيرة وعلى نحو قد يسقط فيها عشرات القتلى على خلفية صراع حول ملكية شجرة أو صخرة، ناهيك عن الخلاف حول الحقوق الأكثر أهمية وانتزاع ملكيات بعض الأشخاص. أذكر أن أحد المثقفين الذين كانوا يشغلون مناصب كبرى في الإدارة، قال إنه حاول إقناع أحد المسؤولين برفع يده عن أرضه فعجز واضطر المثقف إلى استدعاء أفراد قبيلته من حملة السلاح للدفاع عن حقه. إن اختفاء الثأر في الجنوب في مرحلة ما قبل الوحدة لا يعني اختفاء تلقائيا للعصبية القبلية، فقد عبرت هذه الأخيرة عن نفسها في الصراع الحزبي الذي احتدم بين أطراف السلطة ضمن الحزب الحاكم، وتوالت الاستقطابات على قاعدة الانتماء القبلي بين الفرقاء وأطراف الصراع بما أطلقت عليه عام 1986 الماركسية القبلية التي تسببت في نشوب حرب أهلية بين فرقاء الحزب الحاكم سقط فيها آلاف القتلى وبأعداد فاقت ضحايا حرب الوحدة عام 94.
باختصار نقول إن أمن المواطن في اليمن لم يتحقق، وتجاوزات المسؤولين وإشاعة الشك وعدم الثقة بين الناس، أمور قائمة وواقع يومي يلمسه الجميع ناهيك عن أمن الوطن الذي تهدده نزوات العابثين بمصالحه وأمنه واستقراره ومحاولاتهم الدائبة جره إلى صراع دولي على قاعدة مواجهة الإرهاب.
الـكـارثـة الـكـبـرى: الـقـات
والركن الثاني يتمثل في هذه الآفة التي اسمها (القات) والتي يحلو لبعض الساسة والمفكرين اليمنيين وبعض من علماء الدين الدفاع عنه كونه في نظرهم مصدر الترفيه الوحيد لليمنيين. فالقات وبكل الصرامة الموضوعية وبكل المعايير الأخلاقية يمثل التحدي الأكبر لليمنيين، بل إن الاعتقاد السائد الآن بين عقلاء اليمن، والصفة هنا من العقل، وليس التقدم في العمر كما يفهمه الناس في اليمن، هؤلاء العقلاء يجزمون بأن رحلة اليمن إلى المستقبل ضرب من الخيال إذا لم يتمكن أهله من التغلب على عادة مضغ القات. الذي يشكل سبباً لإلهاء الناس عن التفكير الهادئ وحب العمل والحرص على المنافسة وعشق التفوق وتحقيق النجاح.
إن القرارات التي عادة ما يتم اتخاذها أثناء جلسات القات وبعضها قرارات تاريخية تمس المصالح الحيوية للشعب اليمني مشكوك في سلامتها لأنها لا بد أن تخضع بدرجة كبيرة لبعض من مؤثراته. والوقت الذي يتم تبديده في جلساته الطويلة يمتد لأكثر من 6 ساعات يومياً تسبقها ساعتان للحديث عن اختياره وشرائه وترتيب جلسة المقيل. ثم يتلو ذلك ضياع 4 ساعات إلى 5 ساعات للتخلص من آثاره التي عادة ما تكون درجة قصوى من الشعور باليقظة والانتباه المفرط من اليقظة المفرطة وارتفاع مؤشرات ضغط الدم إلى حدود مخيفة. وقد حرصت شخصيا على قياس مستوى الضغط الدم لدى شخصين في أعمار مختلفة (ابن وابنه) فوجدت أن القياس الأسفل 115 والأعلى 180 وهي كما يعرفها الأطباء ومرضى الضغط مؤشرات مخيفة تهدد صحة أي إنسان.
بمعنى آخر تكون الساعات المهدرة من وقت اليمني في القات ما بين 12 إلى 13 ساعة وما تبقى من الوقت للنوم وتناول الطعام وقراءة الصحف وتلبية نداء الطبيعة والانتقال من المنزل إلى مقر العمل والعودة!
والإحصائيات التقريبية تؤكد أن الوقت الفعلي الذي يقضيه اليمنيون في القيام بواجباتهم الوظيفية لا تتعدى 15 في المائة من وقت العمل الفعلي لقوة العمل اليمنية وتلك إحصائية (اليونسكو).
وبالجزم فإن ما تبقى من الوقت يذهب في مجمله لمجالس القات والمراسيم التي تسبقه وتليه. ولنا أن نتخيلمقدار الخسارة التي تحيق بالاقتصاد اليمني المثقل بجراح الحروب الأهلية المتصلة. فقد اليمن منذ عام 1972 حربين بين ما كان جنوبا وشمالا، وحربي تصفية بين رفاق الحزب الواحد في الجنوب سقط فيها الرئيس سالم ربيع علي إعداما بالرصاص وسقط في الثانية الرئيس علي ناصر محمد منفيا من بلاده، ثم الحرب الخامسة المخيفة التي أطلق عليها البعض حرب الوحدة وآخرون حرب الانفصال، والمفهومان كلاهما يدوران حول مفهوم الدفاع عن الوحدة.
وقد توالت إضافة لذلك كوارث أخرى نزلت على الاقتصاد اليمني نزول الصاعقة فهذا هو ذات الاقتصاد المثخن بتداعيات حرب تحرير الكويت التي أجبر فيها أكثر من مليون عامل يمني على ترك أعمالهم في المملكة العربية السعودية وعادوا إلى اليمن ليضيفوا إلى ضائقاته المتراكمة ضائقة جديدة. كما أنه هو الاقتصاد ذاته الذي تتفنن بعض القوى في تهديم أركانه وسد قنواته، كما يحدث في نشاط المتطرفين من أعضاء وأنصار القاعدة ومن شيوخ بعض القبائل الذين يقايضون بناء مدرسة أو شق طريق برقاب السياح المحبين لليمن والضيوف على أهله وأرضه.
إن الحديث عن القات لا يكتمل أمره دون الإشارة إلى بعض الإحصائيات المخيفة ذات الدلالات القصوى في سياق التحليل الذي نحن بصدده الآن. فاليمن يقع على مساحة 527970 كيلو متر مربعاً وليس بها بحيرات أو أنهار ولها شواطئ طويلة على البحر الأحمر والبحر العربي طولها 2500 كيلو متر وعلى الرغم من خصوبة أرضها وتوفر مواسم سخية للأمطارالموسمية وتشكل الأرض المزروعة فعليا 3 في المائة من المساحة فقط. في حين تغطي المساحة القابلة للزراعة والمراعي 30 في المائة. بمعنى آخر فإن الأرض القابلة للاستصلاح الأراضي وفي ظروف مناخية صعبة. لا تتعدى مساحتها الـ 3600 كيلو متر مربع.
إن القول بأن القات كارثة اليمن الأولى ومن دون زواله يستحيل تحقيق أي قدر من النجاح لمشاريع التنمية قول له ما يبرره. إذ يكفي أن تتأمل في نسب المساحات المخصصة للمحاصيل الزراعية الأساسية ومن ضمنها القات للتأكد من حجم الكارثة، لا سيما بعد أن تضاعف عدد المتعاطين للقات وعلى نحو نستطيع أن نشاهد أطفالا في سن الثامنة يمضغون القات تقليدا للكبار.
ففي 1993 كانت المساحة المخصصة لزراعة البن اليمني الأكثر شهره في العالم 24569 هكتاراً وكان القات يغطي مساحة 84713 هكتاراً.
ومع مضي الوقت تبدلت هذه النسبة لصالح محصول القات وآخر إحصائية جاءت عام 1998 تقول بأن محصول البن غطى 32032 هكتاراً في حين غطت مساحة القات مساحة 97672 هكتاراً.
بمعنى آخر فإن قراءة هذه الإحصائية تؤكد أن جهود الاستصلاح والتوسع الزراعي تذهب لصالح شجرة القات وليس شجرة البن والمحاصيل الغذائية الأخرى. وكما نرى فإن نسبة من الذكور يستأثرون بإنتاج الأرض الخصبة لتلبية احتياجاتهم (للكيف) وتعاطي مادة صنفتها منظمة الصحة العالمية ضمن المواد المخدرة فبعد أبحاث استمرت ست سنوات أكد التقرير أن القات يشتمل على مادتي نوربسيدو فيدرين والكاثين المشابهتين في تأثيرهما السلبي في الجهاز العصبي لتأثير بعض المخدرات.
وما يقال عن القات كثير وأهم ما فيه أن خصوبة أرض اليمن وعطاءها لا يمنحان أهلها قيما غذائية هم أحوج ما يكونون لها، فاليمن ليس دولة صناعية تستطيع أن تستغني عن محاصيل أرضها الزراعية، وهي أيضا لا تدخل ضمن الدول المتطورة في اقتصادها الدولي تجارة وخدمات كما هو الحال في دبي.
ولهذا فإن الوقت قد حان لإقناع اليمنيين حكومة ومواطنين ببذل أقصى جهد ممكن لإيجاد حلول للتخلص من آفة القات ولدينا اقتراح عملي وعلمي.
حـرب الـقـات فـي الـيـمـن
ما يمكن أن يقال عن اليمن كثير، لم يأت زمانه وما سمحت به الظروف وكتب في هذه الورقة قليل فرضه واقع الحال.
وهو عبارة عن فكره لإدارة حرب ظافره ضد القات واقتلاع شجرته وشفاء هذا الجيل من اليمنيين من أمراضه الفتاكة صحيا واجتماعيا واقتصاديا. فالقات ولأول مرة في تاريخ وطبيعة الأوبئه أمراضه مركبة متعددة الأثر. فهو يضعف البدن ويصيبه بالاعتلال. ويقتل الوقت ويصيب أصحابه باللامبالاة وعدم الاكتراث ويشتت الأسر. ويحرم أفرادها الاستفاده من الموارد وإنفاقها فيما يفيد. والأدهى من كل هذا أنه قضى على طموح اليمنيين في تطوير وطنهم. وإلا كيف نفسر مرور قرابة 40 عاما على قيام الثورات في صنعاء وعدن ولم يتحقق لليمن مستوى يعتد به من التنمية والتطوير. ويكفي أن نذكر مرة أخرى أن الناتج القومي في اليمن يتساوى مع الناتج القومي في مملكة البحرين وشتان بين الاثنين مساحة وسكانا وموارد طبيعية.
إن الحديث عن إيجاد حل جذري لمعضلة القات يحتاج إلى قرار وتخطيط وتمويل سخي لهذا المشروع. والمتخصصون في علم الإدارة يعلمون أن هذه الشروط لا تتأتى ولن يكتب لها التحقيق دون إرادة حقيقية وحرص على التنفيذ. والأمر كما نرى يحتاج إلى ثلاثة أطراف تعمل معاً ويتحمل كل طرف جانباً من المسؤولية. والأطراف المؤهلة للقيام بهذه المهمة الحضارية والإنسانية والأخلاقية تشتمل على ثلاثة أطراف.
دول مجلس التعاون الخليجي.
- الحكومة في اليمن ورئيس الجمهورية على وجه الخصوص وقيادات المعارضه أحزابا ونقابات.
- أفراد الشعب اليمني من قادة الرأي وشيوخ القبائل.
ولكل جهة من الجهات الثلاث دورها الخاص وإسهاماتها المخلصة للوصول باليمن إلى مرحلة يقلع عنها ماضغو القات عن هذه العادة البدائية دون شعور بالأسف أو القسر والحرمان!
وحتى يقوم الجانب الخليجي في هذا المثلث الإصلاحي بدوره. لا بد أن يسبقه اقتناع عام وعلى أعلى مستوى بين المسؤولين والمواطنين بأهمية مد يد العون والمساعده لإخوتهم أبناء اليمن للتخلص من شجرة القات. ولابد أن يسود الاقتناع بأن ضعف اليمن اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا سوف يجر نفسه على مجمل الأوضاع في الخليج. وسوف يأتي اليوم الذي تستفحل فيه مؤثرات الواقع اليمني. ويتحول المتكأ البشري لمنطقة الخليج الواقع في الحزام الجنوبي إلى معضلة حقيقية تفوق معضلة القات على اليمن في الوقت الراهن.
فإذا توصل أصحاب القرار من قادة مجلس التعاون إلى قناعة بضرورة دعم التوجه الإصلاحي للتخلص من القات في اليمن، فإن الأمر يغدو سهلا ومقدور عليه. فما هو إذاً الدور الخليجي كما أتصوره وكما وافقني عليه عدد كبير من المثقفين اليمنيين الذين تحدثوا لي بشيء من الثقة والأمل والاطمئنان؟
الدور كما هو متصور يبدأ بقناعة حقيقية بضرورة استيعاب اليمن خليجيا بوضع الترتيبات لارتباط يمني أقوى بمجلس التعاون الخليجي، وعلى نحو يسمح بوضع بعض الشروط التي تفرض على اليمن الالتزام بذات القوانين الجنائية والعقوبات الجزائية المطبقة على دول مجلس التعاون. بمعنى آخر، يطلب من اليمن إذا شاء تقوية روابطه مع دول المجلس الالتزام بتصنيف المواد التي تدخل ضمن قائمة المخدرات ومنها القات فإذا قبل اليمن بهذا الشرط فإن حظر زراعته وتداوله يصبح مماثلا لزراعة وتداول مخدرات أخرى كالحشيش والإفيون وسواه.
تـضـحـيـة ومـكـاسـب
إن الميزة الأساسية في هذا القرار تتبدى في أمرين:
الأول: إن رغبة اليمنيين كمواطنين في حصول بلادهم على عضوية مجلس التعاون رغبة حقيقية وقوية ولا يختلف عليها اثنان. وأية إيماءة أو وعد بتحقيق هذا الأمل سوف يشيع بين اليمنيين حالة من الاستعداد لتقديم أي مقابل بما فيها التضحية بعادة التعاطي اليومي للقات وهي تضحية كبيرة بكل المقاييس.
الثاني: إن تبني مجلس التعاون لهذا الدور سوف يوفر لليمنيين مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة تستطيع الاستفادة من محاصيلها في انعاش الاقتصاد اليمني فضلا عن تطوير إنتاجية الفرد الذي يذهب معظم وقته الآن سدى بسبب عادة الارتهان إلى ساعات طويلة من الجلوس لمضغ القات دون فائدة تذكر. إن توفير مثل هذه الفرص لتطوير الاقتصاد اليمني سوف يقلل من أعباء والتزامات دول المجلس في تقديم العون والمساعدة لدعم الاحتياجات الضرورية في اليمن. وأكاد في هذا الصدد أن أجزم أن دول المجلس تقدم الآن معونات سخية لليمن لا يشعر بها أحد إما لأنها تذهب لتغطية بعض النفقات الآنية التي لا تدخل ضمن تمويل مشاريع التنمية، أو لأن تبديد الثروة الطبيعية وإهدار وقت العمل بسبب عادة القات يمتص تلك المساعدات التي تذهب لسد العجز في ميزانية الإنفاق دون الاستثمار.
وقبل أن نترك هذه الجزئية نرى أن في مقدور دول مجلس التعاون والمبادرة لدعم اليمن. أن تضع مشروعا لدعم اليمن يشترط زوال القات. إن هذا الدعم لا بد أن يأخذ في الاعتبار تحقيق ما يلي:
* إفساح المجال لدخول اليمن مجلس التعاون الخليجي خلال فتره زمنية يحددها المجلس ويطلب من اليمن التأهيل لهذه العضوية تماما كما حدث في حالة الاتحاد الأوروبي حين وضع شروطا للإصلاح على أسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا وحصلت هذه الدول على العضوية بعد إتمام استكمال شروط العضوية ما عدا تركيا.
* وضع مشروع ليس بالضرورة أن يكون شبيهاً بمشروع مارشال. بل يكفي أن يكون هذا المشروع أقل منه تكلفة. المهم أن يغطي الدعم المالي المقترح حجم التعويضات التي يمكن أن تقدم لمزارع القات، شريطة أن يذهب الجزء الأكبر من هذا التعويض لصالح استزراع نفس المساحات التي كانت تشغلها أشجار القات، وإستبدالها بمحاصيل إنتاجية كالبن الذي ينمو في نفس أجواء ونطاقات القات، أو المحاصيل الغذائية كالفواكه والخضراوات والحبوب. ولا نود أن نمضي في وضع تفاصيل الخطة حيث إن ضمانات النجاح لها تحتاج إلى فترة زمنية محددة يتم فيها الإحلال الزراعي والاقتصادي وحتى النفسي لجمهور عريض من الناس يستميتون في الدفاع عن القات ويشكلون ما نسبته 60 في المائة من اليمنيين.
دور السلطة في حرب القات
الطرف الثاني: هو الحكومة اليمنية أو السلطة الحالية في اليمن. وهي معنية بالدرجة الأولى بكل ما يدور في بلادها إن سلبا أو إيجابا. إنها وبمنطق الأشياء أكثر وعياً وعلماً وإدراكاً بهذه الأزمة التي ألقت ظلالها على الواقع الاقتصادي والواقع الاجتماعي وحتى السياسي في اليمن. إن خطورتها تتبدى في تأثيرها في جهود التنمية. وإذا سلمنا بأن القات استباح الأرض والإنسان وكل ما يرتبط بحياته من قيم العمل والإنتاج والإبداع، فإن القات سيكون ألد أعداء الوطن بأسره ومن ثم فإن مقاومة هذا العدو لا بد أن تبدأ من السلطة في اليمن.
إن تكوين الجيوش والإنفاق عليها ومدها بالوسائل التقنية الحديثة الهدف منها مقاومة أعداء البلاد، والقات يعتبر ألد أعداء اليمن مما يفرض على السلطة نفسها مواجهته واجتثاث جذوره واقتفاء أثره وإزالته من مزارعه المنتشرة في الأرض الخصبه شريطة أن يبدأ المسؤولون بإعطاء النموذج وإعطاء المثل بالتوقف عن تناول القات.
إن دور الحكومة اليمنية ضمن هذا المشروع أساسي وقيادي بنفس الوقت. فعلى فرضية الحرص على موامجهة تحديات التنمية التي ترفع الدولة شعارها عاليا وخاصة الحكومة الحالية بقيادة رئيس وزراء مثقف وعبد القادر باجمال وأفراد حكومته التي تتضمن عددا لا بأس به من التكنوقراط وفوق هذا وذاك ايضا حرص الرئيس علي عبد الله صالح على إدخال اليمن المنظومة الخليجية المتمثلة في مجلس التعاون. وعلى قاعدة التأييد الشعبي الكاسح لحصول اليمن على عضوية مجلس التعاون على قاعدة هذه العوامل فإن الحكومة اليمنية مدعوة لتبني وجهة النظر التي ترى أن التعجيل بإزالة شجرة القات خطوة أساسية تتلوها خطوات لدخول اليمن عضوية المجلس.
إن الدور الذي يقع على عاتق الحكومة اليمنية يبدأ بالترويج للفكرة عن طريق استخدام الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة وحتى المنطوقة بالاتصال المباشر كإقامة الندوات وعقد المؤتمرات. إن الترغيب بمستقبل أفضل لليمن في حالة تجاوز محنة القات سوف يجد صداه بين أصحاب العقول وحتى من لا عقول لهم.
إن دور الحكومة في توفير مصادر أخرى للتمويل من خارج الخليج لابد أن يترك أثره على نجاح المشروع والعمل ضمن المنظمات الدولية المنبثقة من الأمم المتحدة والدول الصديقة في أوروبا واليابان وسوف يجعل الإخوة في الخليج يشعرون بأن جهودهم ودعمهم لتمويل هذا المشروع لا يقتصران على دولهم فقط، بل إن هناك مصادر أخرى من دول أخرى تقف ذات الموقف الإنساني والمسؤول وتقدم الدعم السخي لمشروع سوف تحسب لدول مجلس التعاون في المراتب الأولى. ولا شك بأن تحقيق هذا الغرض سوف يوفر حالة من الحماس بين الأطراف الممولة للمشروع أو هذا ما نتوقع حدوثه، ولن يمر وقت طويل قبل أن تظهر نتيجة هذه الحملة على شجرة القات وقبل أن يصبح القات تاريخاً وذكرى حزينة تلهم بعض الشعراء والكتاب اليمنيين للكتابة عن آفة بدأت قبل 400 عام أو أكثر في اليمن عندما بدأ الناس يمضغون القات دون انقطاع حتى اليوم، حيث زاد عدد المدمنين عليه في العشرين عاماً الأخيرة أضعافاً أضعافاً.
ويبقى العنصر الثالث في هذه المعادلة المحسوبة لتخليص اليمن من معضلة القات، وهذا الفريق يغطي نصف السكان على وجه التقدير، ويشمل كل الذين يتعاطون القات ويساهمون بوتيرة عالية وإصرار عجيب على تدمير طاقات اليمن واقتصاده ومشروعه الحضاري برمته.
فالحل الذي نقترحه يصعب بل يستحيل تحقيقه دون اقتناع هؤلاء الناس بالتوقف عن تعاطي القات وموقف المستهلكين لهذه الشجرة الخبيثة يشكل نسبة 60 في المائة من الحل. والقضية هنا تتركز حول الوسائل التي يمكن إقناع الناس بالالتفاف حول الفكرة ودعم الجهود المبذولة لإنجاح مشروع التخلص من آفة الإدمان للقات وهي سهلة ويسيرة لا تقارن بصعوبة الإقلاع عن المخدرات الأخرى.
إن استمالة اليمنيين لترك القات يمكن أن تتحقق عن طريق الإغراء بالمكاسب الشخصية والعائد الاقتصادي لليمن ككل. وقد أدى بعض النقاش مع عدد من المثقفين اليمنيين حول إمكانية تضحية اليمنيين بالقات نظير السماح لليمن بدخول عضوية المجلس التعاون. وجاء الرد مشجعاً بل إن البعض قطع على نفسه وعداً بالتوقف عن التخزين فور إعلان الموافقة على العضوية، وأكثر من ذلك أكد المتحدث سوف يضع نفسه وقلمه وكل ما لديه من مقدرة على الاقناع في خدمة الدعوة والداعي لهذا الحل.
وكما نرى فإن الفكرة تبدو واضحة وموضوعية وقابلة للتطبيق وإن القوى الخيرة في الفئات الثلاث، دول مجلس التعاون، والسلطة في اليمن، وأفراد الشعب اليمني قادرون على تبني هذه الفكرة ودراستها وتطويرها ومن ثم العمل على تبنيها خدمة لليمن أولاً ودول مجلس التعاون ثانياً وللتاريخ والقيم العربية والإسلامية النبيلة ثالثاً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1491::/cck::
::introtext::
آخر ما مر باليمن من تحديات الشهر الماضي جاء على شكل مظاهرات صاخبة عمت معظم المدن اليمنية وفي مقدمتها العاصمة صنعاء. وكان الفتيل الذي أشعل اللهب في قلوب اليمنيين اعلان الحكومة بعض الاجراءات الاقتصادية التي نجم عنها رفع أسعار المحروقات وبعض السلع الضرورية، وتوقفت المظاهرات بسقوط العديد من الضحايا، ولم تتوقف الإجراءات الاقتصادية بطبيعة الحال.
::/introtext::
::fulltext::
آخر ما مر باليمن من تحديات الشهر الماضي جاء على شكل مظاهرات صاخبة عمت معظم المدن اليمنية وفي مقدمتها العاصمة صنعاء. وكان الفتيل الذي أشعل اللهب في قلوب اليمنيين اعلان الحكومة بعض الاجراءات الاقتصادية التي نجم عنها رفع أسعار المحروقات وبعض السلع الضرورية، وتوقفت المظاهرات بسقوط العديد من الضحايا، ولم تتوقف الإجراءات الاقتصادية بطبيعة الحال. وقبلها مباشرة أعلن الرئيس علي عبدالله صالح عدم نيته ترشيح نفسه مرة أخرى للرئاسة وترك الموقع اختيارا، وقوبل هذا الإعلان بترحيب المحبين الحقيقيين له واحتجاج مزدوج وغير بريء من القريبين منه والمستفيدين والمرتبطين بمصالح حيوية بعهده، ومن أعدائه الذين ينتابهم الشك في كل القرارات والسياسات الصادرة عن مكتب الرئاسة دون أي استثناء. وقبل هذا وذاك شهدت اليمن عودة فاشلة أخرى لحركة التمرد في جبال صعدة حين تحرك الحوثي الأب مستأنفاً حركة ابنه، ولكنه كما يبدو فطن إلى النهاية المحتومة وجنح للسلم ورضي بالمصالحة والرجوع عن استخدام العنف ضد الحكومة.
في مثل هذه الأجواء المتلبدة بغيوم التمردات والاحتجاجات والمظاهرات، يحاول الرئيس علي صالح البحث عن سبل لاستقرار بلاده وإخراجها من مربع الأزمات المضروب حولها، ويستخدم من أجل ذلك كل أساليب الترغيب والترهيب، إلا أن أوضاع اليمن بما تحمله من مواريث الإدارة والتخلف وثقافة الرفض ونزعات العنف المتأصلة في المجتمع اليمني تحول دائماً دون تحقيق طموح الإدارة، وتضع (صواميلها) الفولاذية قي عجلة التنمية بحيث لا تمكنها من الحركة، ناهيك عن القدرة على موازاة ما يحدث من قفزات تنموية هائلة في البيئة المحيطة باليمن ودول الخليج العربية على وجه الخصوص.
ان السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو من يا ترى وكيف ومتى يستطيع أن يخرج اليمن من مأزقه التاريخي الذي يعيشه طوال تاريخه الحديث برغم الجهود المخلصة والحثيثة التي تبذلها الأطراف الرسمية والشعبية والعربية وحتى الدولية لمساعدة اليمن على الخروج من هذا المأزق؟
في اليمن. ثروة لا تقدر بثمن، لكن فيه أيضاً إصرار غريب على تبديد هذه الثروة ليس له مثيل في التاريخ، فالناس فيه يحرصون على تبديد ما أعطاهم الله وما منحهم من خيراته. وفياليمن موارد كثيرة ومتنوعة لو أنها تجد من يستغلها ويحرص على تطوير مصادرها فسوف يصبح اليمن من أغنى الدول العربية بما فيها دول الخليج ذاتها. ففيه الثروة البشرية الهائلة حيث يقترب عدد السكان بعد تحقيق الوحدة من العشرين مليون نسمة. وفيه أيضاً مساحات زراعية تغطي مساحتها ثلث البلاد حيث تصل المساحة الكلية إلى 527970 كيلو متراً مربعاً والمساحة المزروعة لا تتعدى نسبة ثلاثة في المائة من تلك المساحة.
وفيه كذلك مساحات مائية هائلة تمتد شواطئها على البحر الأحمر وبحر العرب طولها 2500 كيلو متر، وفي أعماق هذه المساحة توجد أغلى مصائد الأسماك كاللوبستر والجمبري وأنواع أخرى من الأسماك المعروفة والنادرة على السواء.
ويمتلك اليمن معادن ثمينة حدد بعض مواقعها الإنجليز ثم الروس من بعد وحتى اليهود الذين كانت أعدادهم كبيرة في اليمن قبل 1948. وهي معادن تحملها جبال اليمن الشاهقة التي قال عنها أحد المستكشفين بأن الله سبحانه وتعالى وضع عليها أثقاله أي جباله.
ويوجد الذهب والحديد والمنجنيز، وكافة أنواع الأحجار الكريمة وفيها الثروة الأثرية والإمكانات السياحية الهائلة. فاليمن في ذاكرة الغربيين والعالم هو مهد الحضارة كمصر واليونان والعراق والصين، بل ربما تكون الحضارة الأفضل لأن كافة الدلائل الأثرية تؤكد أنها الحضارة الأولى وأن باطن الأرض اليمنية يحمل العديد من المفاجآت الأثرية التي قد تقود إلى قلب الكثير من النظريات عن حضارات وثقافات الأمم القديمة. ثم إن في اليمن الثروة النفطية التي يصل إنتاجها إلى حوالي 400 ألف برميل يوميا قابلة للزيادة في حالة القيام بالمزيد من التنقيب والاكتشافات البترولية.
فإذا أضفنا إلى كل ما سبق عامل الموقع الذي يتوسط العالم والطرق التجارية بين الشرق والغرب فإن لليمن قيمة خاصة تنبه لها المستعمرون القدماء، كالفراعنة الذين فهموا هذا الموقع واستخدموه في الالتفاف على الجزيرة العربية وطرق الشرق، ثم اليونان والرومان الذين تنبهوا لأهمية ثغور اليمن وأحسنوا استخدامها في رحلاتهم وغزواتهم التوسعية لبلاد الشرق. وحين بدأ الأوروبيون يجوبون بحار الشرق سارع الإنجليز (سادة البحار) في عهود الاستعمار إلى احتلال عدن وبناء قاعدة ضخمة قيل إنها كانت تحتوي على مخازن للأسلحة الذرية ولم يغادروها إلا عام 1967 بعد حرب تحرير ناجحة اعترف الإنجليز بأنها كانت من أنجح حروب التحرير التي واجهوها في مستعمراتهم في الشرق وفي الغرب.
وفي عصر العولمة والهيمنة الاقتصادية للتكتلات والقوى الكبرى وازدهار التجارة الحرة وإطلاق حرية التبادل التجاري بين الدول، تزداد أهمية الموقع المتوسط لميناء عدن والحديدة والمكلا في اليمن لكن هذه الأهمية تتواضع، بل قل إنها تختفي في ظل عدم الاستقرار وتوفر البنية التحتية وسن القوانين التي تسهل أمور المستثمرين وتوفير خدمات النقل والمواصلات والاتصالات.
فإذا سلمنا بأن في اليمن ثروات حقيقية وعلى هذه الدرجة من الوفرة وتنوع المصادر فكيف إذاً نفسر أن يتساوى ووفق التقرير الاستراتيجي لعام 2001 الذي صدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر الدخل القومي لليمن 18 مليون نسمة مع الدخل القومي للبحرين 500 ألف نسمة مع الأخذ في الاعتبار فروق المساحة ومصادر الثروة والموقع وكل قيم الإنتاج الأخرى؟
حقائق مؤلمة
للرد على هذا التساؤل المؤلم لا بد أن يتسع صدر القارئ وأخص بالذكر القارئ اليمني للكشف عن عدة حقائق قد تكون معروفة ومألوفة وإن كان الخوض فيها يدور في الأماكن المغلقة. فعلى أثر زيارة قمت بها لمدينة عدن ومن خلال حوار امتد كثيراً مع عدد من المثقفين اليمنيين وعدد آخر من بسطاء عدن تبين لي بشكل جلي بأن اليمنيين الآن وخلافاً لما كانوا عليه في الماضي يدركون حجم المأساة التي يغرقون في مياهها الراكدة ورمالها المتحركة، ويستشعرون الخطر الذي يحدق بهم ويجرهم إلى هاوية لا قرار لها. وإذا لم تحدث المعجزة وتتدارك القوى الخيرة داخل اليمن وفي إطارها العربي وعلى وجه الخصوص الأشقاء في منطقة الخليج فإن المأساة ستطول الجميع وتحرق نارها القريب والبعيد.
وبعيداً عن شعور التفاؤل المخادع الذي لا يرتكز إلى واقع ولا يقوم على رؤية علمية فإن إنشاد أغاني الفرح وأهازيج الانتصارات والمكاسب الوهمية والافتراض الزائف لن يفيد في شيء.
فالواقع السياسي غير مستقر حيث تتصارع الإرادات بين القائمين على السلطة والمعارضين لها، والواقع المتخلف الذي تتفشى فيه ظاهرة الفساد الإداري والأمني حيث يسود قانون القوة، وتنتفي صيغ الالتزام بالنظام والقانون الذي يترك آثاره على حياة المواطن اليمني، ويعبر عن نفسه على شكل انكفاء داخلي يبدو كأنه عصيان مدني صامت واللجوء إلى سلوكيات سلبية من اللامبالاة فيما يجري في الوطن على اتساعه.
ويزيد الأمر سوءاً غياب أجهزة الرقابة المكرسة لحماية القانون ومتابعة تطبيقاته في الإدارة ومواقع الإنتاج. إن وضع الرقابة الصارمة على تصرفات المسؤولين وومدى حرصهم على تطبيق القانون ساهم في نشوء فئة من المتنفذين تمكنت دون علم من السلطة أو بعلمها من السيطرة على قطاعات إنتاجية لا تمت لها بصلة، وسطت على الكثير من ممتلكات الدولة وفي أحيان كثيرة ممتلكات الناس البسطاء لحالات السطو على عقود الملكية للأرض والعقار المسجلة باسم بعض الأشخاص وتحويلها إلى ملكية المسؤولين من أصحاب النفوذ. وتشكل قصص هذه الفئة مادة يومية للصحافة في اليمن، حيث تكتظ صفحاتها بأخبار المظالم التي تنزل على رقاب الناس والتي تصل إلى حد الحرمان من منازلهم التي يملكون عقود التمليك لها ويقيمون فيها ولا يملكون سواها.
إن خطورة هذا الواقع المتسم بالفوضى تزداد حدة في أوساط الفئات التي تستوطن المدن حيث يفتقد أفرادها إلى الجذور القبلية والتي تشكل حملها للسلاح حماية لها كما نقرأ ونسمع في كثير من الأحيان عن تمرد قبلي أو خطف رهائن أجانب للمقايضة والحصول على بعض الامتيازات أو المطالبة بها كما يحدث للرهائن من السياح الغربيين.
باختصار شديد وتلك شهادة للتاريخ يسود في اليمن الآن واقع مخيف من السلبية والتدمير لقيم الإنتاج، وتنسحب هذه الظاهرة على المؤسسة الحاكمة وعلى الناس والأولى ترى أن الإصلاح ضرورة وأن المعجزة لا بد أن تتم في يوم من الأيام إلا أنها لا تملك آليات التغيير لا سيما في جانبها الفني والتقني، وقد يضاف إلى ذلك افتقارها للرؤية الاستراتيجية التي تمثل احتياجا ضروريا في مثل هذه الأحوال، أما الناس فإنهم عاجزون عن تقديم العون والمساهمة في توفير حلول ناجحة لمثل هذه التحديات المخيفة، إما لأن مؤسسات المجتمع المدني ضعيفة أو قل غائبة ومحاصرة لا تملك قدرة على المساهمة في إحداث مثل هذه التحولات، وإما لأنها ملهبة بالحوارات النظرية وإهدار الوقت في (جلسات القات). وفي الحالتين لابد من حدوث معجزة تخرج الجميع من واقع كهفي يبدو فيها الناس نياماً وما هم بنيام، لكن المعجزة تحتاج إلى استخدام العقل والتفكير واتخاذ القرار والأهم من ذلك العمل على تنفيذ ما يتفق عليه من عمل ممارسة وسلوكا.
ففي اليمن ثلاثة تحديات كبرى لا بد من مواجهتها والتغلب عليها إذا شاء اليمنيون إضاءة وجه اليمن المختفي الآن في عتمة الحاضر كاختفاء ثروته الأثرية الهائلة في باطن الأرض. التحدي الأول هو الأمن ومناخ الاستقرار. والتحدي الثاني هو قلة الموارد ونضوب المال الركيزة الحاسمة لآلية إرادة حقيقية للتنمية. والتحدي الثالث هو القات الذي يمتص أخصب ما في اليمن من أرض وزرع وضرع.
الأمن أولاً
لا يخطئ عاقل سواء من اليمنيين أو من لهم صلة ما باليمن بأن أزمة اليمن المستعصية ثلاثية الأركان لا متناهية الأبعاد كما أشرنا. الأول: يتمثل في الأمن واستحالة استتبابه دون إيجاد مخارج لتسلط القبيلة أو على الأقل الحد من سطوتها، ودون القدرة على فرض النظام والقانون والحرص على هيبة الدولة والنظام.
إن استتباب الأمن وتوفير الهدوء والحرص على الاستقرار الداخلي شرط أساسي، والتفكير مجرد التفكير في تنفيذ مشاريع التنمية الشاملة في اليمن يمثل الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الشامل في اليمن، الذي تعرض لتحديات صعبة بسبب ما تثيره بعض الفئات المتناحرة من قلاقل وأزمات، وكان اليمن في كل الأحوال الخاسر الوحيد طوال تاريخه.
واستبشر اليمنيون خيراً حين بدأت جهود تطوير وتوسيع ميناء عدن التاريخي الذي كان في مرحلة الخمسينات ثالث ميناء في العالم، وتجمدت دموع الفرح في مآقي أهله لحظة أن أطلقت فئة من المعتوهين صاروخاً على البارجة الأمريكية (كول). وبدا وكأن الصاروخ كان موجهاً في أساسه إلى صدور اليمنيين أنفسهم.
ولا بد أن حادثة ميناء الضبعة في المكلا وتكرار الضربة على ناقلة النفط الفرنسية عززا الاقتناع لدى التجار العرب والأجانب بأن أمن هذه الموانئ مهمة صعبة، والله يعلم كيف يمكن استعادة الثقة لدى التجار المستفيدين من استخدام موانئ اليمن المثالية في موقعها وفي استخداماتها. وأتذكر هنا أنني كنت أحاول إقناع أحد كبار التجار الخليجيين بأهمية أحد المشاريع الخدماتية في عدن وجاء رده ساخراً بالقول (شرطي الوحيد أن يتم بناء المقر للمشروع قبالة الموقع الذي ضربت فيه بارجة كول الأمريكية!).
على أن الأمن الذي نتحدث عنه لا يقتصر فقط على الأمن التجاري أو الخارجي. فالأمن الداخلي المرتبط بالإنسان اليمني العادي أقسى وأشد، فحمل السلاح في اليمن عادة بدائية سابقة لعصر تكوين الدولة. إنها عادة تعود في جذورها إلى عصر القبيلة التي بدت وكأنها ودعت زمانها في كل مكان فيما عدا اليمن وقليل من الدول التي فقدت المسار كما هو الحال في أفغانستان وبعض الدول الإفريقية.
وفي اليمن كثيراً ما تستباح شوارع المدن الكبرى وتتعالى في جنباتها طلقات الرصاص. وفيها أيضاً ظاهرة الثأر التي كادت أن تختفي أو أنها اختفت كليا في الجزء الجنوبي من اليمن في وقت سابق، وعادت إلى اليمن أكثر حدة واستفحالا في السنوات الأخيرة وعلى نحو قد يسقط فيها عشرات القتلى على خلفية صراع حول ملكية شجرة أو صخرة، ناهيك عن الخلاف حول الحقوق الأكثر أهمية وانتزاع ملكيات بعض الأشخاص. أذكر أن أحد المثقفين الذين كانوا يشغلون مناصب كبرى في الإدارة، قال إنه حاول إقناع أحد المسؤولين برفع يده عن أرضه فعجز واضطر المثقف إلى استدعاء أفراد قبيلته من حملة السلاح للدفاع عن حقه. إن اختفاء الثأر في الجنوب في مرحلة ما قبل الوحدة لا يعني اختفاء تلقائيا للعصبية القبلية، فقد عبرت هذه الأخيرة عن نفسها في الصراع الحزبي الذي احتدم بين أطراف السلطة ضمن الحزب الحاكم، وتوالت الاستقطابات على قاعدة الانتماء القبلي بين الفرقاء وأطراف الصراع بما أطلقت عليه عام 1986 الماركسية القبلية التي تسببت في نشوب حرب أهلية بين فرقاء الحزب الحاكم سقط فيها آلاف القتلى وبأعداد فاقت ضحايا حرب الوحدة عام 94.
باختصار نقول إن أمن المواطن في اليمن لم يتحقق، وتجاوزات المسؤولين وإشاعة الشك وعدم الثقة بين الناس، أمور قائمة وواقع يومي يلمسه الجميع ناهيك عن أمن الوطن الذي تهدده نزوات العابثين بمصالحه وأمنه واستقراره ومحاولاتهم الدائبة جره إلى صراع دولي على قاعدة مواجهة الإرهاب.
الـكـارثـة الـكـبـرى: الـقـات
والركن الثاني يتمثل في هذه الآفة التي اسمها (القات) والتي يحلو لبعض الساسة والمفكرين اليمنيين وبعض من علماء الدين الدفاع عنه كونه في نظرهم مصدر الترفيه الوحيد لليمنيين. فالقات وبكل الصرامة الموضوعية وبكل المعايير الأخلاقية يمثل التحدي الأكبر لليمنيين، بل إن الاعتقاد السائد الآن بين عقلاء اليمن، والصفة هنا من العقل، وليس التقدم في العمر كما يفهمه الناس في اليمن، هؤلاء العقلاء يجزمون بأن رحلة اليمن إلى المستقبل ضرب من الخيال إذا لم يتمكن أهله من التغلب على عادة مضغ القات. الذي يشكل سبباً لإلهاء الناس عن التفكير الهادئ وحب العمل والحرص على المنافسة وعشق التفوق وتحقيق النجاح.
إن القرارات التي عادة ما يتم اتخاذها أثناء جلسات القات وبعضها قرارات تاريخية تمس المصالح الحيوية للشعب اليمني مشكوك في سلامتها لأنها لا بد أن تخضع بدرجة كبيرة لبعض من مؤثراته. والوقت الذي يتم تبديده في جلساته الطويلة يمتد لأكثر من 6 ساعات يومياً تسبقها ساعتان للحديث عن اختياره وشرائه وترتيب جلسة المقيل. ثم يتلو ذلك ضياع 4 ساعات إلى 5 ساعات للتخلص من آثاره التي عادة ما تكون درجة قصوى من الشعور باليقظة والانتباه المفرط من اليقظة المفرطة وارتفاع مؤشرات ضغط الدم إلى حدود مخيفة. وقد حرصت شخصيا على قياس مستوى الضغط الدم لدى شخصين في أعمار مختلفة (ابن وابنه) فوجدت أن القياس الأسفل 115 والأعلى 180 وهي كما يعرفها الأطباء ومرضى الضغط مؤشرات مخيفة تهدد صحة أي إنسان.
بمعنى آخر تكون الساعات المهدرة من وقت اليمني في القات ما بين 12 إلى 13 ساعة وما تبقى من الوقت للنوم وتناول الطعام وقراءة الصحف وتلبية نداء الطبيعة والانتقال من المنزل إلى مقر العمل والعودة!
والإحصائيات التقريبية تؤكد أن الوقت الفعلي الذي يقضيه اليمنيون في القيام بواجباتهم الوظيفية لا تتعدى 15 في المائة من وقت العمل الفعلي لقوة العمل اليمنية وتلك إحصائية (اليونسكو).
وبالجزم فإن ما تبقى من الوقت يذهب في مجمله لمجالس القات والمراسيم التي تسبقه وتليه. ولنا أن نتخيلمقدار الخسارة التي تحيق بالاقتصاد اليمني المثقل بجراح الحروب الأهلية المتصلة. فقد اليمن منذ عام 1972 حربين بين ما كان جنوبا وشمالا، وحربي تصفية بين رفاق الحزب الواحد في الجنوب سقط فيها الرئيس سالم ربيع علي إعداما بالرصاص وسقط في الثانية الرئيس علي ناصر محمد منفيا من بلاده، ثم الحرب الخامسة المخيفة التي أطلق عليها البعض حرب الوحدة وآخرون حرب الانفصال، والمفهومان كلاهما يدوران حول مفهوم الدفاع عن الوحدة.
وقد توالت إضافة لذلك كوارث أخرى نزلت على الاقتصاد اليمني نزول الصاعقة فهذا هو ذات الاقتصاد المثخن بتداعيات حرب تحرير الكويت التي أجبر فيها أكثر من مليون عامل يمني على ترك أعمالهم في المملكة العربية السعودية وعادوا إلى اليمن ليضيفوا إلى ضائقاته المتراكمة ضائقة جديدة. كما أنه هو الاقتصاد ذاته الذي تتفنن بعض القوى في تهديم أركانه وسد قنواته، كما يحدث في نشاط المتطرفين من أعضاء وأنصار القاعدة ومن شيوخ بعض القبائل الذين يقايضون بناء مدرسة أو شق طريق برقاب السياح المحبين لليمن والضيوف على أهله وأرضه.
إن الحديث عن القات لا يكتمل أمره دون الإشارة إلى بعض الإحصائيات المخيفة ذات الدلالات القصوى في سياق التحليل الذي نحن بصدده الآن. فاليمن يقع على مساحة 527970 كيلو متر مربعاً وليس بها بحيرات أو أنهار ولها شواطئ طويلة على البحر الأحمر والبحر العربي طولها 2500 كيلو متر وعلى الرغم من خصوبة أرضها وتوفر مواسم سخية للأمطارالموسمية وتشكل الأرض المزروعة فعليا 3 في المائة من المساحة فقط. في حين تغطي المساحة القابلة للزراعة والمراعي 30 في المائة. بمعنى آخر فإن الأرض القابلة للاستصلاح الأراضي وفي ظروف مناخية صعبة. لا تتعدى مساحتها الـ 3600 كيلو متر مربع.
إن القول بأن القات كارثة اليمن الأولى ومن دون زواله يستحيل تحقيق أي قدر من النجاح لمشاريع التنمية قول له ما يبرره. إذ يكفي أن تتأمل في نسب المساحات المخصصة للمحاصيل الزراعية الأساسية ومن ضمنها القات للتأكد من حجم الكارثة، لا سيما بعد أن تضاعف عدد المتعاطين للقات وعلى نحو نستطيع أن نشاهد أطفالا في سن الثامنة يمضغون القات تقليدا للكبار.
ففي 1993 كانت المساحة المخصصة لزراعة البن اليمني الأكثر شهره في العالم 24569 هكتاراً وكان القات يغطي مساحة 84713 هكتاراً.
ومع مضي الوقت تبدلت هذه النسبة لصالح محصول القات وآخر إحصائية جاءت عام 1998 تقول بأن محصول البن غطى 32032 هكتاراً في حين غطت مساحة القات مساحة 97672 هكتاراً.
بمعنى آخر فإن قراءة هذه الإحصائية تؤكد أن جهود الاستصلاح والتوسع الزراعي تذهب لصالح شجرة القات وليس شجرة البن والمحاصيل الغذائية الأخرى. وكما نرى فإن نسبة من الذكور يستأثرون بإنتاج الأرض الخصبة لتلبية احتياجاتهم (للكيف) وتعاطي مادة صنفتها منظمة الصحة العالمية ضمن المواد المخدرة فبعد أبحاث استمرت ست سنوات أكد التقرير أن القات يشتمل على مادتي نوربسيدو فيدرين والكاثين المشابهتين في تأثيرهما السلبي في الجهاز العصبي لتأثير بعض المخدرات.
وما يقال عن القات كثير وأهم ما فيه أن خصوبة أرض اليمن وعطاءها لا يمنحان أهلها قيما غذائية هم أحوج ما يكونون لها، فاليمن ليس دولة صناعية تستطيع أن تستغني عن محاصيل أرضها الزراعية، وهي أيضا لا تدخل ضمن الدول المتطورة في اقتصادها الدولي تجارة وخدمات كما هو الحال في دبي.
ولهذا فإن الوقت قد حان لإقناع اليمنيين حكومة ومواطنين ببذل أقصى جهد ممكن لإيجاد حلول للتخلص من آفة القات ولدينا اقتراح عملي وعلمي.
حـرب الـقـات فـي الـيـمـن
ما يمكن أن يقال عن اليمن كثير، لم يأت زمانه وما سمحت به الظروف وكتب في هذه الورقة قليل فرضه واقع الحال.
وهو عبارة عن فكره لإدارة حرب ظافره ضد القات واقتلاع شجرته وشفاء هذا الجيل من اليمنيين من أمراضه الفتاكة صحيا واجتماعيا واقتصاديا. فالقات ولأول مرة في تاريخ وطبيعة الأوبئه أمراضه مركبة متعددة الأثر. فهو يضعف البدن ويصيبه بالاعتلال. ويقتل الوقت ويصيب أصحابه باللامبالاة وعدم الاكتراث ويشتت الأسر. ويحرم أفرادها الاستفاده من الموارد وإنفاقها فيما يفيد. والأدهى من كل هذا أنه قضى على طموح اليمنيين في تطوير وطنهم. وإلا كيف نفسر مرور قرابة 40 عاما على قيام الثورات في صنعاء وعدن ولم يتحقق لليمن مستوى يعتد به من التنمية والتطوير. ويكفي أن نذكر مرة أخرى أن الناتج القومي في اليمن يتساوى مع الناتج القومي في مملكة البحرين وشتان بين الاثنين مساحة وسكانا وموارد طبيعية.
إن الحديث عن إيجاد حل جذري لمعضلة القات يحتاج إلى قرار وتخطيط وتمويل سخي لهذا المشروع. والمتخصصون في علم الإدارة يعلمون أن هذه الشروط لا تتأتى ولن يكتب لها التحقيق دون إرادة حقيقية وحرص على التنفيذ. والأمر كما نرى يحتاج إلى ثلاثة أطراف تعمل معاً ويتحمل كل طرف جانباً من المسؤولية. والأطراف المؤهلة للقيام بهذه المهمة الحضارية والإنسانية والأخلاقية تشتمل على ثلاثة أطراف.
دول مجلس التعاون الخليجي.
- الحكومة في اليمن ورئيس الجمهورية على وجه الخصوص وقيادات المعارضه أحزابا ونقابات.
- أفراد الشعب اليمني من قادة الرأي وشيوخ القبائل.
ولكل جهة من الجهات الثلاث دورها الخاص وإسهاماتها المخلصة للوصول باليمن إلى مرحلة يقلع عنها ماضغو القات عن هذه العادة البدائية دون شعور بالأسف أو القسر والحرمان!
وحتى يقوم الجانب الخليجي في هذا المثلث الإصلاحي بدوره. لا بد أن يسبقه اقتناع عام وعلى أعلى مستوى بين المسؤولين والمواطنين بأهمية مد يد العون والمساعده لإخوتهم أبناء اليمن للتخلص من شجرة القات. ولابد أن يسود الاقتناع بأن ضعف اليمن اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا سوف يجر نفسه على مجمل الأوضاع في الخليج. وسوف يأتي اليوم الذي تستفحل فيه مؤثرات الواقع اليمني. ويتحول المتكأ البشري لمنطقة الخليج الواقع في الحزام الجنوبي إلى معضلة حقيقية تفوق معضلة القات على اليمن في الوقت الراهن.
فإذا توصل أصحاب القرار من قادة مجلس التعاون إلى قناعة بضرورة دعم التوجه الإصلاحي للتخلص من القات في اليمن، فإن الأمر يغدو سهلا ومقدور عليه. فما هو إذاً الدور الخليجي كما أتصوره وكما وافقني عليه عدد كبير من المثقفين اليمنيين الذين تحدثوا لي بشيء من الثقة والأمل والاطمئنان؟
الدور كما هو متصور يبدأ بقناعة حقيقية بضرورة استيعاب اليمن خليجيا بوضع الترتيبات لارتباط يمني أقوى بمجلس التعاون الخليجي، وعلى نحو يسمح بوضع بعض الشروط التي تفرض على اليمن الالتزام بذات القوانين الجنائية والعقوبات الجزائية المطبقة على دول مجلس التعاون. بمعنى آخر، يطلب من اليمن إذا شاء تقوية روابطه مع دول المجلس الالتزام بتصنيف المواد التي تدخل ضمن قائمة المخدرات ومنها القات فإذا قبل اليمن بهذا الشرط فإن حظر زراعته وتداوله يصبح مماثلا لزراعة وتداول مخدرات أخرى كالحشيش والإفيون وسواه.
تـضـحـيـة ومـكـاسـب
إن الميزة الأساسية في هذا القرار تتبدى في أمرين:
الأول: إن رغبة اليمنيين كمواطنين في حصول بلادهم على عضوية مجلس التعاون رغبة حقيقية وقوية ولا يختلف عليها اثنان. وأية إيماءة أو وعد بتحقيق هذا الأمل سوف يشيع بين اليمنيين حالة من الاستعداد لتقديم أي مقابل بما فيها التضحية بعادة التعاطي اليومي للقات وهي تضحية كبيرة بكل المقاييس.
الثاني: إن تبني مجلس التعاون لهذا الدور سوف يوفر لليمنيين مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة تستطيع الاستفادة من محاصيلها في انعاش الاقتصاد اليمني فضلا عن تطوير إنتاجية الفرد الذي يذهب معظم وقته الآن سدى بسبب عادة الارتهان إلى ساعات طويلة من الجلوس لمضغ القات دون فائدة تذكر. إن توفير مثل هذه الفرص لتطوير الاقتصاد اليمني سوف يقلل من أعباء والتزامات دول المجلس في تقديم العون والمساعدة لدعم الاحتياجات الضرورية في اليمن. وأكاد في هذا الصدد أن أجزم أن دول المجلس تقدم الآن معونات سخية لليمن لا يشعر بها أحد إما لأنها تذهب لتغطية بعض النفقات الآنية التي لا تدخل ضمن تمويل مشاريع التنمية، أو لأن تبديد الثروة الطبيعية وإهدار وقت العمل بسبب عادة القات يمتص تلك المساعدات التي تذهب لسد العجز في ميزانية الإنفاق دون الاستثمار.
وقبل أن نترك هذه الجزئية نرى أن في مقدور دول مجلس التعاون والمبادرة لدعم اليمن. أن تضع مشروعا لدعم اليمن يشترط زوال القات. إن هذا الدعم لا بد أن يأخذ في الاعتبار تحقيق ما يلي:
* إفساح المجال لدخول اليمن مجلس التعاون الخليجي خلال فتره زمنية يحددها المجلس ويطلب من اليمن التأهيل لهذه العضوية تماما كما حدث في حالة الاتحاد الأوروبي حين وضع شروطا للإصلاح على أسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا وحصلت هذه الدول على العضوية بعد إتمام استكمال شروط العضوية ما عدا تركيا.
* وضع مشروع ليس بالضرورة أن يكون شبيهاً بمشروع مارشال. بل يكفي أن يكون هذا المشروع أقل منه تكلفة. المهم أن يغطي الدعم المالي المقترح حجم التعويضات التي يمكن أن تقدم لمزارع القات، شريطة أن يذهب الجزء الأكبر من هذا التعويض لصالح استزراع نفس المساحات التي كانت تشغلها أشجار القات، وإستبدالها بمحاصيل إنتاجية كالبن الذي ينمو في نفس أجواء ونطاقات القات، أو المحاصيل الغذائية كالفواكه والخضراوات والحبوب. ولا نود أن نمضي في وضع تفاصيل الخطة حيث إن ضمانات النجاح لها تحتاج إلى فترة زمنية محددة يتم فيها الإحلال الزراعي والاقتصادي وحتى النفسي لجمهور عريض من الناس يستميتون في الدفاع عن القات ويشكلون ما نسبته 60 في المائة من اليمنيين.
دور السلطة في حرب القات
الطرف الثاني: هو الحكومة اليمنية أو السلطة الحالية في اليمن. وهي معنية بالدرجة الأولى بكل ما يدور في بلادها إن سلبا أو إيجابا. إنها وبمنطق الأشياء أكثر وعياً وعلماً وإدراكاً بهذه الأزمة التي ألقت ظلالها على الواقع الاقتصادي والواقع الاجتماعي وحتى السياسي في اليمن. إن خطورتها تتبدى في تأثيرها في جهود التنمية. وإذا سلمنا بأن القات استباح الأرض والإنسان وكل ما يرتبط بحياته من قيم العمل والإنتاج والإبداع، فإن القات سيكون ألد أعداء الوطن بأسره ومن ثم فإن مقاومة هذا العدو لا بد أن تبدأ من السلطة في اليمن.
إن تكوين الجيوش والإنفاق عليها ومدها بالوسائل التقنية الحديثة الهدف منها مقاومة أعداء البلاد، والقات يعتبر ألد أعداء اليمن مما يفرض على السلطة نفسها مواجهته واجتثاث جذوره واقتفاء أثره وإزالته من مزارعه المنتشرة في الأرض الخصبه شريطة أن يبدأ المسؤولون بإعطاء النموذج وإعطاء المثل بالتوقف عن تناول القات.
إن دور الحكومة اليمنية ضمن هذا المشروع أساسي وقيادي بنفس الوقت. فعلى فرضية الحرص على موامجهة تحديات التنمية التي ترفع الدولة شعارها عاليا وخاصة الحكومة الحالية بقيادة رئيس وزراء مثقف وعبد القادر باجمال وأفراد حكومته التي تتضمن عددا لا بأس به من التكنوقراط وفوق هذا وذاك ايضا حرص الرئيس علي عبد الله صالح على إدخال اليمن المنظومة الخليجية المتمثلة في مجلس التعاون. وعلى قاعدة التأييد الشعبي الكاسح لحصول اليمن على عضوية مجلس التعاون على قاعدة هذه العوامل فإن الحكومة اليمنية مدعوة لتبني وجهة النظر التي ترى أن التعجيل بإزالة شجرة القات خطوة أساسية تتلوها خطوات لدخول اليمن عضوية المجلس.
إن الدور الذي يقع على عاتق الحكومة اليمنية يبدأ بالترويج للفكرة عن طريق استخدام الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة وحتى المنطوقة بالاتصال المباشر كإقامة الندوات وعقد المؤتمرات. إن الترغيب بمستقبل أفضل لليمن في حالة تجاوز محنة القات سوف يجد صداه بين أصحاب العقول وحتى من لا عقول لهم.
إن دور الحكومة في توفير مصادر أخرى للتمويل من خارج الخليج لابد أن يترك أثره على نجاح المشروع والعمل ضمن المنظمات الدولية المنبثقة من الأمم المتحدة والدول الصديقة في أوروبا واليابان وسوف يجعل الإخوة في الخليج يشعرون بأن جهودهم ودعمهم لتمويل هذا المشروع لا يقتصران على دولهم فقط، بل إن هناك مصادر أخرى من دول أخرى تقف ذات الموقف الإنساني والمسؤول وتقدم الدعم السخي لمشروع سوف تحسب لدول مجلس التعاون في المراتب الأولى. ولا شك بأن تحقيق هذا الغرض سوف يوفر حالة من الحماس بين الأطراف الممولة للمشروع أو هذا ما نتوقع حدوثه، ولن يمر وقت طويل قبل أن تظهر نتيجة هذه الحملة على شجرة القات وقبل أن يصبح القات تاريخاً وذكرى حزينة تلهم بعض الشعراء والكتاب اليمنيين للكتابة عن آفة بدأت قبل 400 عام أو أكثر في اليمن عندما بدأ الناس يمضغون القات دون انقطاع حتى اليوم، حيث زاد عدد المدمنين عليه في العشرين عاماً الأخيرة أضعافاً أضعافاً.
ويبقى العنصر الثالث في هذه المعادلة المحسوبة لتخليص اليمن من معضلة القات، وهذا الفريق يغطي نصف السكان على وجه التقدير، ويشمل كل الذين يتعاطون القات ويساهمون بوتيرة عالية وإصرار عجيب على تدمير طاقات اليمن واقتصاده ومشروعه الحضاري برمته.
فالحل الذي نقترحه يصعب بل يستحيل تحقيقه دون اقتناع هؤلاء الناس بالتوقف عن تعاطي القات وموقف المستهلكين لهذه الشجرة الخبيثة يشكل نسبة 60 في المائة من الحل. والقضية هنا تتركز حول الوسائل التي يمكن إقناع الناس بالالتفاف حول الفكرة ودعم الجهود المبذولة لإنجاح مشروع التخلص من آفة الإدمان للقات وهي سهلة ويسيرة لا تقارن بصعوبة الإقلاع عن المخدرات الأخرى.
إن استمالة اليمنيين لترك القات يمكن أن تتحقق عن طريق الإغراء بالمكاسب الشخصية والعائد الاقتصادي لليمن ككل. وقد أدى بعض النقاش مع عدد من المثقفين اليمنيين حول إمكانية تضحية اليمنيين بالقات نظير السماح لليمن بدخول عضوية المجلس التعاون. وجاء الرد مشجعاً بل إن البعض قطع على نفسه وعداً بالتوقف عن التخزين فور إعلان الموافقة على العضوية، وأكثر من ذلك أكد المتحدث سوف يضع نفسه وقلمه وكل ما لديه من مقدرة على الاقناع في خدمة الدعوة والداعي لهذا الحل.
وكما نرى فإن الفكرة تبدو واضحة وموضوعية وقابلة للتطبيق وإن القوى الخيرة في الفئات الثلاث، دول مجلس التعاون، والسلطة في اليمن، وأفراد الشعب اليمني قادرون على تبني هذه الفكرة ودراستها وتطويرها ومن ثم العمل على تبنيها خدمة لليمن أولاً ودول مجلس التعاون ثانياً وللتاريخ والقيم العربية والإسلامية النبيلة ثالثاً.
::/fulltext::
::cck::1491::/cck::
