لماذا لا يكون التعليم في دو ل الخليج العربي هوالأفضل عالمياً؟

::cck::2558::/cck::
::introtext::

لا أجد مبرراً واحداً يمنع دول الخليج العربية من أن تكون نظمها التعليمية هي الأفضل عالمياً. إذاً فلماذا لا تتحقق هذه المكانة التي توفرت لها كل مقومات النجاح التي لم تتوفر لغيرها من البلدان التي سبقتها وظهرت أخيراً في آسيا كقوى اقتصادية وصناعية منافسة عالمياً مثل ماليزيا وكوريا وهون كونج وسنغافورة وتايوان. وهنا لا مقارنة بين الإمكانات الخليجية وإمكانات تلك البلدان إذا ما تمت المقارنة التاريخية المبنية على المعطيات العلمية والإمكانات المادية والبشرية والجغرافية المتوفرة للجهتين. والمعادلة بسهولة تتمثل في مستوى الإرادة السياسية التي تقوم على مرجعية واضحة والمدعومة بالنظم والرؤى الاستراتيجية التي توفر الإمكانات وتعمل على استغلال كل الممكنات لتحقيق الغايات الوطنية في ظل أنظمة متابعة وتقويم ومراقبة مستقلة ومحترفة. ولكن يجب أن نتفق على أن التعليم ليس غاية ولكنه وسيلة لتحقيق الرفاه والاستقرار (الأمن في أشكاله المتعددة) والتنمية الشاملة والتطور المستمر والمعرفة، بل إنه الضمان الوحيد لمستقبل الأوطان والأفراد. وسوف أتجاوز الحديث عن الإرادة السياسية والنظم والاستراتيجية والإمكانات إلى الحديث عن عاملي نجاح مهمين هما البداية والنهاية في أي عملية إصلاح وتطوير ولا مناص عنهما وهما ما اعتمدت عليهما النظم التعليمية في البلدان حديثة التقدم التي سبق الحديث عنها.

::/introtext::
::fulltext::

لا أجد مبرراً واحداً يمنع دول الخليج العربية من أن تكون نظمها التعليمية هي الأفضل عالمياً. إذاً فلماذا لا تتحقق هذه المكانة التي توفرت لها كل مقومات النجاح التي لم تتوفر لغيرها من البلدان التي سبقتها وظهرت أخيراً في آسيا كقوى اقتصادية وصناعية منافسة عالمياً مثل ماليزيا وكوريا وهون كونج وسنغافورة وتايوان. وهنا لا مقارنة بين الإمكانات الخليجية وإمكانات تلك البلدان إذا ما تمت المقارنة التاريخية المبنية على المعطيات العلمية والإمكانات المادية والبشرية والجغرافية المتوفرة للجهتين. والمعادلة بسهولة تتمثل في مستوى الإرادة السياسية التي تقوم على مرجعية واضحة والمدعومة بالنظم والرؤى الاستراتيجية التي توفر الإمكانات وتعمل على استغلال كل الممكنات لتحقيق الغايات الوطنية في ظل أنظمة متابعة وتقويم ومراقبة مستقلة ومحترفة. ولكن يجب أن نتفق على أن التعليم ليس غاية ولكنه وسيلة لتحقيق الرفاه والاستقرار (الأمن في أشكاله المتعددة) والتنمية الشاملة والتطور المستمر والمعرفة، بل إنه الضمان الوحيد لمستقبل الأوطان والأفراد. وسوف أتجاوز الحديث عن الإرادة السياسية والنظم والاستراتيجية والإمكانات إلى الحديث عن عاملي نجاح مهمين هما البداية والنهاية في أي عملية إصلاح وتطوير ولا مناص عنهما وهما ما اعتمدت عليهما النظم التعليمية في البلدان حديثة التقدم التي سبق الحديث عنها.

فبمراجعة تاريخية بسيطة للأمم والشعوب نستطيع القول بأنه لا يمكن لأي أمة من الأمم تطمع في النهوض والتطور أن تحقق أي تقدم مهما استوردت من المرجعيات والفلسفات (المنهجيات) والنظم والحلول والتقنيات إلا باعتمادها على مرجعية تنتمي لثقافتها ولقيمها ومبادئها. ولعل البلدان سابقة الذكر لم يغب عنها ذلك عندما أرادت أن تحقق النهضة والتطوروالأدبيات من دراسات وأبحاث وتقارير في هذا الجانب كثيرة جداً. لهذا فإن المرجعية الدينية واللغوية والدستورية (التشريعية) والقيم والمبادئ التي يجمع عليها المجتمع تشكل أساساً متيناً للنهضة ولا يمكن تجاهلها أو استنبات غيرها كما تم خلال فترات الاحتلال العسكري التي أدت إلى قيام مؤسسات تعمل لدعم نظم الاحتلال والتبعية له، تلتها الثورات التي اعتمدت على أيديولوجيات مستوردة أثبتت فشلها في البلدان المنتجة لتلك الثورات والأيديولوجيات وكان حال البلدان المستوردة لتلك الأيدولوجيات المتناقضة مع المرجعيات الطبيعية المرتبطة بالإنسان والمكان أن فشلت حتى إن حققت نجاحاً قصرياً يتمثل في تفردها بالسلطة على حساب المرجعيات المتأصلة في المجتمعات، غير أنه من الملاحظ أن الصراع بين المرجعيات المستوردة والمرجعيات المحلية أدى إلى صراع بين أتباع المرجعيتين، وقد نتج عن مثل تلك الصراعات تراجع في مكانة المرجعيات المحلية أمام المرجعيات المستوردة التي يحملها الغالبية من أبناء المجتمع في دواخلهم، ويعمل أتباع المرجعية المحلية على تنميتها بطرق مختلفة إما على شكل تنظيمات أو أحزاب أو تيارات أو بشكل فردي. وقد يختلف أتباع المرجعية من مجتمع عربي إلى آخر في أدبياتهم ومراجعهم ومدارسهم الفكرية حتى في داخل البلد الواحد. ونتيجة للصراع الداخلي حول المرجعيات يعمل بعض أتباعها على تنظيم حركات تأخذ أشكالاً مختلفة ومنها الباطنية للمحافظة على الهوية والانتماء والولاء وفق معطيات تلك المرجعيات. ويكون ذلك نتيجة للقمع والتهميش وعدم  توفر الحوار. وهناك أمثلة لمجتمعات كثيرة مرت بهذه التجربة ومنها الدول الإسلامية التي كانت خاضعة للاتحاد السوفييتي، والتي عانت من التصفيات والتهميش وسياسات الإدماج والقمع مما أدى إلى ظهور نشاطات باطنية أو هجرة خارجية  للمحافظة على مقومات المرجعيات التي تمت محاربتها على كل المستويات.

ولنا في تجارب استيراد المرجعيات في العالم الكثيرمن العبر التي يمكن الاستفادة منها حتى لا تتكرر مثل تلك التجارب المكلفة بكل المقاييس. وعندما نتحدث عن المرجعية بهذه الأهمية فإنني أؤكد على قضية الأمن والاستقرار المقرونة بالمرجعية ونوعية التنشئة التي تعتمد على نوعية التعليم وكفاءته في تحقيقها.

المرجعية الإسلامية والتعليم
ولكننا إذا تحققنا من نظم التعليم في العالم اليوم فسنجد أنها تعتمد على الفلسفة المادية سواء في مدخلاتها أو مخرجاتها وأيضا في مرجعياتها وفلسفاتها وسياساتها وبرامجها. وبالتالي فإنها تركزعلى التحصيل وعلى المهارات ولا تهتم بالقيم والأخلاقيات والسلوكيات بشكل كافٍ نتيجة لتلك الفلسفة المادية الرأسمالية.  من هنا فإن الغرب ينظر إلى التعليم على أنه سلعة للبيع والشراء من ناحية وحق من حقوق الإنسان التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة في 1948 من ناحية أخرى، وذلك لارتباطه أولاً بالإنتاجية والاستهلاك  والصناعة  بغية توفير الأيدي العاملة  وأيضاً ارتباطه بالعيش والدخل وتوزيع الثروة والوظيفة والمساواة وتكافؤ الفرص وغيرها من المصطلحات الغربية المختلفة، ومن هنا جاءت مصطلحات التعليم مدى الحياة وإلزامية التعليم والتعليم للجميع ومحو الأمية وتعليم الكبار وغيرها. وقد أخذت البلدان العربية والإسلامية وغيرها بهذه الرؤى التي لم تحقق المطلوب منها لعدم ارتباطها بالمرجعيات من ناحية وعدم اعتمادها على الإمكانات والقدرات المحلية من ناحية أخرى. وإذا ما أمعنا النظر في قضية المرجعية فإننا نرى في المرجعية الإسلامية مجالاً يفوق المرجعيات والنظم المادية. وبقي أن الاجتهاد الفقهي وحتى التنظيمي والمنهجي والفكري في هذا الجانب لم يأخذ حقه من الدراسة والبحث لعدم وجود مفكرين ومنظرين قادرين على ترجمة تلك المرجعيات إلى نظم وسياسات ومؤسسات وبرامج ومشاريع حيث إن الغالبية من المتخصصين وخاصة في الدين لم تتوفر فيهم الكفاءة العالية لوضع مثل تلك الرؤى العميقة الشاملة، ولو قارناهم بنظرائهم ممن سبقوهم من علماء الأمة الموسوعيين الذين وظفوا  سعة علمهم في البحث في العديد من الفرضيات تسهيلاً لفهم الناس لكيفية التعامل مع المستجدات والاحتياجات وقبل هذا كله مع الدور المطلوب من اتباع تلك المرجعيات. ونظرا لعدم التعمق في المرجعية الإسلامية بشكل كاف وتجاوزها إلى مرجعيات مستوردة، فقد عملت الخلافات بين أتباع المرجعيات على تضييع الفرصة على العرب والمسلمين الذين كان بإمكانهم تحقيق نجاحات كبيرة وتفوق على الأمم والثقافات العالمية، لو أنهم وظفوا جهدهم ووقتهم في دراسة المنهج الإسلامي وتحويله إلى نظم وسياسات وبرامج ومشاريع ومؤسسات عوضاً عن المواعظ والخطب مستفيدين من الآيات والأحاديث التي تؤكد على دراسة القرآن وليس القراءة فقط، لأن القراءة لا تعني أننا نستوعب ونفهم ونتعظ ونعمل ونتبع، ونحن في هذه الحالة شبيهون بالمسلم الذي يحفظ القرآن كاملاً ولا يعرف كيف يتكلم العربية. بما معناه لو نظرنا لرصيد واحد من العلماء السابقين العلمي

ولا يعرف كيف يتكلم العربية. بما معناه لو نظرنا لرصيد واحد من العلماء السابقين العلمي والفكري وقارناه برصيد علماء الحاضر مجتمعين لوجدنا أن هناك تراجعاً كبيراً في الفكر الإسلامي لعدة أسباب منها تأثير المرجعيات والنظم الوافدة على واقعنا ما أدى إلى أزمة في الهوية والولاء والانتماء وصراع على الدين محلياً تحول بعد ذلك إلى صراع عالمي، كما أن اللغة العربية يتراجع موقعها يوماً بعد يوم في ظل مزاحمة اللغة الإنجليزية التي تعمل على احتضان ثقافتنا لتصبح هي الكوب الذي نشرب منه، وبالتالي تتم صياغة العقول  وبرمجتها لتستوعب ولاءات وانتماءات وهويات مستوردة تعمق الصراع بين المرجعيات وتعزز الخلافات الفكرية والثقافية والمنهجية والتنظيمية والمؤسسية.

لماذ إذن نتحدث عن المرجعية الإسلامية بهذه الأهمية؟ لا يعرف الكثيرون بمن فيهم بعض المتخصصين بأن التعليم فريضة ملزمة للفرد والمجتمع لأسباب دينية ودنيوية حتى تحقق المصالح في أشكالها المتعددة والمختلفة، وبالتالي فإن فرضية التعليم في الإسلام مرتبطة مباشرة بحياة الفرد وآخرته وبوظيفة ومكانة المجتمع، ولذلك أصبح طلب العلم فريضة، لأن المسلم محاسب على التعليم بعد الموت (ففي الحديث: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث منها علم ينتفع به، وأيضاً يسأل عن أربع من بينها عن علمه ماذا عمل به) ولهذا فإن أهمية التعليم في الإسلام بدأت بأول توجيه رباني للرسول بقوله تعالى” اقرأ” ولم يوجهه للصلاة، ولا للصوم، ولا للجهاد بل أكد على القراءة لأنها مفتاح المعرفة لكل شيء، ثم أكد في آيات عديدة على العلم والعمل به وهنا لا نعني العلم الديني وحده كما يخيل للبعض، بل أيضاً العلم الذي يؤدي للقوة والرفاهية والاستقرار والمنعة والمعرفة. والله عزوجل يطلب من المسلمين الأخذ بأسباب القوة لحمايتهم وأيضاً للمحافظة على مصالحهم.

لهذا  فإن طلب العلم على أساس أنه فريضة يجب أن يتقنها ويعرفها الفرد والمجتمع، لأنه محاسب عليها في حياته وبعد مماته مقارنة بذهابه للمدرسة لأنه لابد أن ينجح ويحصل على عمل في نهاية المطاف، لذلك وجدنا بوناً شاسعاً في النتائج لأن النتائج المادية محسومة سلفاً بينما النتائج الدينية مرتبطة بإيمان وقناعات الأفراد، ولعل العلم وفضله وأهميته في الإسلام يفوق خيال الكثيرين من المنظرين في الإسلام أو العالم عامة. والإشكالية تعود إلى غياب المؤسسات البحثية التي تهتم بهذا الجانب والتأسيس لدراسات وأبحاث وتجارب جادة تعتمد على استراتيجية مرتبطة بالسياسات والخطط والبرامج التعليمية التي يجب أن تخضع للتحليل والقياس والتقويم والمراقبة والمحاسبة.

لقد اختار الله عزوجل الإنسان أن يكون خليفة له في الأرض ليعمرها بكل شئ من العبادة حتى البناء والتشييد والزراعة والتصنيع، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون علم، بل إن الله دعا الإنس والجن للاكتشاف والبحث. ويأتي سلطان العلم والمعرفة والمال في أول المتطلبات لتحقيق ذلك التوجيه الرباني الكريم. وعندما ينظر الفرد والمجتمع للتعليم على أنه فريضة سوف تتحقق المعجزات وتتغير القوى. وقد فضل الله طالب العلم على العابد، وفي الحديث (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم) وهناك آيات وأحاديث تؤسس لنظم فعالة في المجتمع تفوق كل النظريات المادية والفلسفية والأيديولوجيات التي تعتمد عليها النظم الغربية حتى إن

اعتمدت في بعضها على المرجعية الدينية المسيحية والتوراتية. وإذا كانت دول الخليج العربية أكثر المجتمعات العربية تجانساً وتوافقاً في مرجعياتها وفي ثقافتها وقيمها وتقاليدها فإنها المرشح الأقوى للأخذ بهذه الأطروحة مع التذكير بأن النظم التعليمية في دول الخليج خليط من عدد من النظم المستوردة وليست نتاجاً محلياً إلا في طلابها والغالبية من الأساتذة والمعلمين فيها. أما النظم والسياسات والبرامج والمشاريع وحتى المحتوى العلمي فإنها مستورد منقولة وليست بالضرورة مرتبط باحتياجات المجتمع وإنما أيضا بالتنمية المحلية القائمة على مقومات وعناصر أساسية مستوردة وخاصة المادية من الغرب. ولعل منهجيات عملها ووظائفها أيضا تعمل وفق رؤى وفهم المنتج لتلك المعطيات المادية التي تصمم في الغالب لخدمة البلدان المنتجة أولاً ثم تصدر وتستورد. والمسألة هنا متعلقة بملائمة تلك المنتجات لواقع المجتمع المستورد واحتياجاته وإمكاناته وتطلعاته، وبالتالي فإن المورد أو المصنع لا يمكن أن يجعل من المستهلك منتجاً أو منافساً له. وهذا يعود إلى المرجعية التي يعتمدها الطرفان ومرونة كل مرجعية في التعامل مع الأخرى. ولهذا لا يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية التعليم كمفهوم ومرجعية في بلدان غير ديمقراطية إنما هي تعتمد نظماً مختلفة عن الغرب يقرها المجتمع ويلتف حولها مهما حصل من الكوارث (وغزو الكويت أكبر دليل على ذلك) وهذا الجانب يحتاج إلى بحث موسع ومعمق من مؤسسات البحث العلمي بكل موضوعية وتجرد لإثبات أو نفي هذا الطرح وربط هذا بالتعليم في دول الخليج العربية، نظراً لأن التعليم فيها بحاجة ماسة إلى توحيد المرجعيات و السياسات ووضع خطط طموحة شاملة لأدق التفاصيل وبناء على دراسات وليس على خبرات الأفراد أو هوى المؤسسات التي ليست بالضرورة تعمل وفق المعرفة والخبرة وضمن خطط استراتيجية مثل غيرها من البلدان الآسيوية سابقة الذكر. عندها يمكن القول إن التعليم في دول الخليج يتميز عن غيره بمعطيات كثيرة.

الخريجون وأثرهم في التنمية بدول الخليج
أما الجانب الآخر الذي تحتاج إليه نظم التعليم في دول الخليج العربية  فهو الإجابة عن كل التساؤلات حول الملايين من الطلاب الذين تعلموا في مدارسنا وجامعاتنا الخليجية. ماذا تعلموا؟ وكم تعلموا؟ هل فعلاً إن الطلاب أتقنوا المعارف والعلوم التي تعلموها في المؤسسات التعليمية؟ وما هو أثر هؤلاء في التنمية والتطور والازدهار في دول الخليج العربية؟ وهل تحولت مجتمعاتنا إلى مجتمعات منتجة شبيهة بالمجتمعات في البلدان الآسيوية التي سبق الحديث عنها؟ كل هذه الأسئلة لا يستطيع أحد الإجابة عنها بحقائق علمية؟ والسؤال الأهم من هذا هو هل الاختبارات التي تقدم في مدارسنا وجامعاتنا مبنية على معايير وأسس علمية لقياس مستوى الطلاب ومهاراتهم ومدى إلمامهم بمحتوى المقررات الدراسية، أم أن الاختبارات شكلية ومرتجلة من المعلمين والأساتذة في المؤسسات التعليمية؟ بمعنى إن الخبرة والمعرفة في وضع الاختبارات غير متوفرتين لدى الأساتذة والمعلمين، وبالتالي فإن النتائج التي ينتظرها كل طالب وأستاذ وإداري ومسؤول وولي أمر في نهاية كل فصل دراسي مبنية على خبرة الأساتذة وليس وفق معايير علمية تضمن حق الطالب والأستاذ والمؤسسة التعليمية. ليس هذا فحسب، بل إن الاختبارات تتم تحت ضغط اجتماعي وتعليمي يفقدها مصداقيتها، حيث أصبحت غاية وليست وسيلة لتقويم العملية التعليمية (طلاباً وأساتذة ومنهجاً وسياسات وبرامج وغيرها)، حيث تتم الاستفادة من النتائج في تطوير وتحسين عناصر العملية التعليمية.

إن الارتجال في الاختبارات أزمة يعاني منها التعليم على مستوى الوطن العربي. ويعود ذلك إلى عدم توفر استراتيجية أو برنامج وطني للتحقق من كفاءة أداء المؤسسات التعليمية ولهذا فإن الدول مطالبة ببرنامج للاختبارات يقوم بتنفيذه والإشراف عليه مركز متخصص، ويعمل على التأهيل والتدريب في مجال التقويم والقياس للإدارة التعليمية والأساتذة والمناهج والسياسات والبرامج والطلاب. لهذا فإن العملية التعليمية روتينية ولا يبذل الجهد الكافي من قبل الإدارة التعليمة لتطوير المعلمين من خلال الدورات التدريبية من ناحية، ومن ناحية أخرى وأهم لا توجد متابعة للاختبارات والتدقيق فيها من إعدادها حتى استلام النتائج وتوظيفها في تطويرعناصر العملية التعليمية.  وإذا كان مستقبل أبنائنا مرهوناً بنتائج الاختبارات، فإن حصيلة عام كامل من الجهد والعناء من إدارة وتمويل للتعليم تمر من دون مراجعة وتنتهي الأمور بانتهاء الاختبارات، حيث نبدأ التخطيط لعام جديد من دون أن ندرس النتائج ونتحقق منها من الناحية النوعية، وأين كانت الأخطاء والتحديات التي واجهها الطلاب والأساتذة والإداريون خلال العام الدراسي؟

توجد أسئلة محيرة وكثيرة ومنها ما هو مستوى الطالب في مدارسنا مقارنة بطلاب العالم في التخصصات العلمية؟ وأين اختبارات اللغة ؟ اللغة التي يفكر ويتعلم بها الطالب. لغة التعليم وإتقان الطالب لها من أهم أسباب النجاح. هذه اللغة التي يكتب بها المقرر الدراسي، ويُعلم بها الطالب، ويختبر بها الطالب، هل هي لغة سليمة وعلمية ومفهومة ومساعدة على التعلم؟ وأريد أن أؤكد أن واحداً من أهم الاستثمارات العربية المجهولة التي يجب على الحكومات الخليجية وأصحاب رؤوس الأموال التفكير بجدية فيها هو الاستثمار في اللغة العربية من خلال المعاهد المتخصصة في تعليم اللغة العربية لتطوير المعلمين والطلاب أولاً وأيضا تحويلها إلى برامج تعليم سياحية لمن يرغب في تعلم اللغة العربية. هناك مشروع معهد لوضع الاختبارات والمناهج وتدريب المعلمين والطلاب ويحتاج إلى من يتبناه تجارياً. وهنا أسوق قصة طالب متفوق رسب في اللغة العربية حيث كانت المعلمة تعلمة بإحدى اللهجات العربية وفي مادة الإملاء كانت تنطق الكلمات بلهجتها ويكتبها الطالب كما نطقتها المعلمة وعندما تقوم بتصحيح ورقته ترسبه في الاختبار ولم تعلم بأنها هي المشكلة وليس الطالب.

لذلك فإن الحاجة ماسة لإنشاء مركز خليجي للقياس والتقويم وتكون له فروع ومكاتب لدى جميع دول الخليج ومؤسساتها التعليمية ويكون مستقلاً ولا يتبع لأية جهة مباشرة ويعمل بميزانية وإدارة مستقلة وله من الصلاحيات ما يسمح له بالحصول على المعلومات والبيانات مباشرة من المؤسسات والأفراد، ويكون من أهم وظائفه دراسة كافة النظم التعليمية و الجهات ذات العلاقة بها بحيث يقدم تقريراً سنوياً دقيقاً عن التعليم على جميع المستويات بدءاً من الطالب والاستاذ والإداري حتى المنهج والمحتوى إضافة إلى السياسات والبرامج والمشاريع، بل يتعدى دوره ليصل إلى مستوى التدريب للكوادر وأيضا وضع الاختبارات والمعايير الخاصة والعامة على مستوى المواضيع والمفاهيم والمهارات وغيرها من مدخلات ومخرجات العملية التعليمية، كما يقوم بالدراسات والاستشارات العلمية لتشخيص الأوضاع التعليمية ومعالجتها.

وبهذا، فإننا نستطيع القول إن الجهود الخليجية الضخمة في مجال التربية والتعليم قياسية وحققت إنجازات كثيرة، لكنها قادرة على تحقيق المزيد في ظل مراجعة شاملة وطموحة تأخذ في الاعتبار المرجعيات منطلقاً أساسياً للنجاح، ومعتمدة على معايير ومقاييس تضمن الجودة والنوعية وتقوم بالمتابعة والتطوير المستمر للتعليم ليصبح تعليمنا في دول الخليج العربية هو الأفضل عالمياً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2558::/cck::
::introtext::

لا أجد مبرراً واحداً يمنع دول الخليج العربية من أن تكون نظمها التعليمية هي الأفضل عالمياً. إذاً فلماذا لا تتحقق هذه المكانة التي توفرت لها كل مقومات النجاح التي لم تتوفر لغيرها من البلدان التي سبقتها وظهرت أخيراً في آسيا كقوى اقتصادية وصناعية منافسة عالمياً مثل ماليزيا وكوريا وهون كونج وسنغافورة وتايوان. وهنا لا مقارنة بين الإمكانات الخليجية وإمكانات تلك البلدان إذا ما تمت المقارنة التاريخية المبنية على المعطيات العلمية والإمكانات المادية والبشرية والجغرافية المتوفرة للجهتين. والمعادلة بسهولة تتمثل في مستوى الإرادة السياسية التي تقوم على مرجعية واضحة والمدعومة بالنظم والرؤى الاستراتيجية التي توفر الإمكانات وتعمل على استغلال كل الممكنات لتحقيق الغايات الوطنية في ظل أنظمة متابعة وتقويم ومراقبة مستقلة ومحترفة. ولكن يجب أن نتفق على أن التعليم ليس غاية ولكنه وسيلة لتحقيق الرفاه والاستقرار (الأمن في أشكاله المتعددة) والتنمية الشاملة والتطور المستمر والمعرفة، بل إنه الضمان الوحيد لمستقبل الأوطان والأفراد. وسوف أتجاوز الحديث عن الإرادة السياسية والنظم والاستراتيجية والإمكانات إلى الحديث عن عاملي نجاح مهمين هما البداية والنهاية في أي عملية إصلاح وتطوير ولا مناص عنهما وهما ما اعتمدت عليهما النظم التعليمية في البلدان حديثة التقدم التي سبق الحديث عنها.

::/introtext::
::fulltext::

لا أجد مبرراً واحداً يمنع دول الخليج العربية من أن تكون نظمها التعليمية هي الأفضل عالمياً. إذاً فلماذا لا تتحقق هذه المكانة التي توفرت لها كل مقومات النجاح التي لم تتوفر لغيرها من البلدان التي سبقتها وظهرت أخيراً في آسيا كقوى اقتصادية وصناعية منافسة عالمياً مثل ماليزيا وكوريا وهون كونج وسنغافورة وتايوان. وهنا لا مقارنة بين الإمكانات الخليجية وإمكانات تلك البلدان إذا ما تمت المقارنة التاريخية المبنية على المعطيات العلمية والإمكانات المادية والبشرية والجغرافية المتوفرة للجهتين. والمعادلة بسهولة تتمثل في مستوى الإرادة السياسية التي تقوم على مرجعية واضحة والمدعومة بالنظم والرؤى الاستراتيجية التي توفر الإمكانات وتعمل على استغلال كل الممكنات لتحقيق الغايات الوطنية في ظل أنظمة متابعة وتقويم ومراقبة مستقلة ومحترفة. ولكن يجب أن نتفق على أن التعليم ليس غاية ولكنه وسيلة لتحقيق الرفاه والاستقرار (الأمن في أشكاله المتعددة) والتنمية الشاملة والتطور المستمر والمعرفة، بل إنه الضمان الوحيد لمستقبل الأوطان والأفراد. وسوف أتجاوز الحديث عن الإرادة السياسية والنظم والاستراتيجية والإمكانات إلى الحديث عن عاملي نجاح مهمين هما البداية والنهاية في أي عملية إصلاح وتطوير ولا مناص عنهما وهما ما اعتمدت عليهما النظم التعليمية في البلدان حديثة التقدم التي سبق الحديث عنها.

فبمراجعة تاريخية بسيطة للأمم والشعوب نستطيع القول بأنه لا يمكن لأي أمة من الأمم تطمع في النهوض والتطور أن تحقق أي تقدم مهما استوردت من المرجعيات والفلسفات (المنهجيات) والنظم والحلول والتقنيات إلا باعتمادها على مرجعية تنتمي لثقافتها ولقيمها ومبادئها. ولعل البلدان سابقة الذكر لم يغب عنها ذلك عندما أرادت أن تحقق النهضة والتطوروالأدبيات من دراسات وأبحاث وتقارير في هذا الجانب كثيرة جداً. لهذا فإن المرجعية الدينية واللغوية والدستورية (التشريعية) والقيم والمبادئ التي يجمع عليها المجتمع تشكل أساساً متيناً للنهضة ولا يمكن تجاهلها أو استنبات غيرها كما تم خلال فترات الاحتلال العسكري التي أدت إلى قيام مؤسسات تعمل لدعم نظم الاحتلال والتبعية له، تلتها الثورات التي اعتمدت على أيديولوجيات مستوردة أثبتت فشلها في البلدان المنتجة لتلك الثورات والأيديولوجيات وكان حال البلدان المستوردة لتلك الأيدولوجيات المتناقضة مع المرجعيات الطبيعية المرتبطة بالإنسان والمكان أن فشلت حتى إن حققت نجاحاً قصرياً يتمثل في تفردها بالسلطة على حساب المرجعيات المتأصلة في المجتمعات، غير أنه من الملاحظ أن الصراع بين المرجعيات المستوردة والمرجعيات المحلية أدى إلى صراع بين أتباع المرجعيتين، وقد نتج عن مثل تلك الصراعات تراجع في مكانة المرجعيات المحلية أمام المرجعيات المستوردة التي يحملها الغالبية من أبناء المجتمع في دواخلهم، ويعمل أتباع المرجعية المحلية على تنميتها بطرق مختلفة إما على شكل تنظيمات أو أحزاب أو تيارات أو بشكل فردي. وقد يختلف أتباع المرجعية من مجتمع عربي إلى آخر في أدبياتهم ومراجعهم ومدارسهم الفكرية حتى في داخل البلد الواحد. ونتيجة للصراع الداخلي حول المرجعيات يعمل بعض أتباعها على تنظيم حركات تأخذ أشكالاً مختلفة ومنها الباطنية للمحافظة على الهوية والانتماء والولاء وفق معطيات تلك المرجعيات. ويكون ذلك نتيجة للقمع والتهميش وعدم  توفر الحوار. وهناك أمثلة لمجتمعات كثيرة مرت بهذه التجربة ومنها الدول الإسلامية التي كانت خاضعة للاتحاد السوفييتي، والتي عانت من التصفيات والتهميش وسياسات الإدماج والقمع مما أدى إلى ظهور نشاطات باطنية أو هجرة خارجية  للمحافظة على مقومات المرجعيات التي تمت محاربتها على كل المستويات.

ولنا في تجارب استيراد المرجعيات في العالم الكثيرمن العبر التي يمكن الاستفادة منها حتى لا تتكرر مثل تلك التجارب المكلفة بكل المقاييس. وعندما نتحدث عن المرجعية بهذه الأهمية فإنني أؤكد على قضية الأمن والاستقرار المقرونة بالمرجعية ونوعية التنشئة التي تعتمد على نوعية التعليم وكفاءته في تحقيقها.

المرجعية الإسلامية والتعليم
ولكننا إذا تحققنا من نظم التعليم في العالم اليوم فسنجد أنها تعتمد على الفلسفة المادية سواء في مدخلاتها أو مخرجاتها وأيضا في مرجعياتها وفلسفاتها وسياساتها وبرامجها. وبالتالي فإنها تركزعلى التحصيل وعلى المهارات ولا تهتم بالقيم والأخلاقيات والسلوكيات بشكل كافٍ نتيجة لتلك الفلسفة المادية الرأسمالية.  من هنا فإن الغرب ينظر إلى التعليم على أنه سلعة للبيع والشراء من ناحية وحق من حقوق الإنسان التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة في 1948 من ناحية أخرى، وذلك لارتباطه أولاً بالإنتاجية والاستهلاك  والصناعة  بغية توفير الأيدي العاملة  وأيضاً ارتباطه بالعيش والدخل وتوزيع الثروة والوظيفة والمساواة وتكافؤ الفرص وغيرها من المصطلحات الغربية المختلفة، ومن هنا جاءت مصطلحات التعليم مدى الحياة وإلزامية التعليم والتعليم للجميع ومحو الأمية وتعليم الكبار وغيرها. وقد أخذت البلدان العربية والإسلامية وغيرها بهذه الرؤى التي لم تحقق المطلوب منها لعدم ارتباطها بالمرجعيات من ناحية وعدم اعتمادها على الإمكانات والقدرات المحلية من ناحية أخرى. وإذا ما أمعنا النظر في قضية المرجعية فإننا نرى في المرجعية الإسلامية مجالاً يفوق المرجعيات والنظم المادية. وبقي أن الاجتهاد الفقهي وحتى التنظيمي والمنهجي والفكري في هذا الجانب لم يأخذ حقه من الدراسة والبحث لعدم وجود مفكرين ومنظرين قادرين على ترجمة تلك المرجعيات إلى نظم وسياسات ومؤسسات وبرامج ومشاريع حيث إن الغالبية من المتخصصين وخاصة في الدين لم تتوفر فيهم الكفاءة العالية لوضع مثل تلك الرؤى العميقة الشاملة، ولو قارناهم بنظرائهم ممن سبقوهم من علماء الأمة الموسوعيين الذين وظفوا  سعة علمهم في البحث في العديد من الفرضيات تسهيلاً لفهم الناس لكيفية التعامل مع المستجدات والاحتياجات وقبل هذا كله مع الدور المطلوب من اتباع تلك المرجعيات. ونظرا لعدم التعمق في المرجعية الإسلامية بشكل كاف وتجاوزها إلى مرجعيات مستوردة، فقد عملت الخلافات بين أتباع المرجعيات على تضييع الفرصة على العرب والمسلمين الذين كان بإمكانهم تحقيق نجاحات كبيرة وتفوق على الأمم والثقافات العالمية، لو أنهم وظفوا جهدهم ووقتهم في دراسة المنهج الإسلامي وتحويله إلى نظم وسياسات وبرامج ومشاريع ومؤسسات عوضاً عن المواعظ والخطب مستفيدين من الآيات والأحاديث التي تؤكد على دراسة القرآن وليس القراءة فقط، لأن القراءة لا تعني أننا نستوعب ونفهم ونتعظ ونعمل ونتبع، ونحن في هذه الحالة شبيهون بالمسلم الذي يحفظ القرآن كاملاً ولا يعرف كيف يتكلم العربية. بما معناه لو نظرنا لرصيد واحد من العلماء السابقين العلمي

ولا يعرف كيف يتكلم العربية. بما معناه لو نظرنا لرصيد واحد من العلماء السابقين العلمي والفكري وقارناه برصيد علماء الحاضر مجتمعين لوجدنا أن هناك تراجعاً كبيراً في الفكر الإسلامي لعدة أسباب منها تأثير المرجعيات والنظم الوافدة على واقعنا ما أدى إلى أزمة في الهوية والولاء والانتماء وصراع على الدين محلياً تحول بعد ذلك إلى صراع عالمي، كما أن اللغة العربية يتراجع موقعها يوماً بعد يوم في ظل مزاحمة اللغة الإنجليزية التي تعمل على احتضان ثقافتنا لتصبح هي الكوب الذي نشرب منه، وبالتالي تتم صياغة العقول  وبرمجتها لتستوعب ولاءات وانتماءات وهويات مستوردة تعمق الصراع بين المرجعيات وتعزز الخلافات الفكرية والثقافية والمنهجية والتنظيمية والمؤسسية.

لماذ إذن نتحدث عن المرجعية الإسلامية بهذه الأهمية؟ لا يعرف الكثيرون بمن فيهم بعض المتخصصين بأن التعليم فريضة ملزمة للفرد والمجتمع لأسباب دينية ودنيوية حتى تحقق المصالح في أشكالها المتعددة والمختلفة، وبالتالي فإن فرضية التعليم في الإسلام مرتبطة مباشرة بحياة الفرد وآخرته وبوظيفة ومكانة المجتمع، ولذلك أصبح طلب العلم فريضة، لأن المسلم محاسب على التعليم بعد الموت (ففي الحديث: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث منها علم ينتفع به، وأيضاً يسأل عن أربع من بينها عن علمه ماذا عمل به) ولهذا فإن أهمية التعليم في الإسلام بدأت بأول توجيه رباني للرسول بقوله تعالى” اقرأ” ولم يوجهه للصلاة، ولا للصوم، ولا للجهاد بل أكد على القراءة لأنها مفتاح المعرفة لكل شيء، ثم أكد في آيات عديدة على العلم والعمل به وهنا لا نعني العلم الديني وحده كما يخيل للبعض، بل أيضاً العلم الذي يؤدي للقوة والرفاهية والاستقرار والمنعة والمعرفة. والله عزوجل يطلب من المسلمين الأخذ بأسباب القوة لحمايتهم وأيضاً للمحافظة على مصالحهم.

لهذا  فإن طلب العلم على أساس أنه فريضة يجب أن يتقنها ويعرفها الفرد والمجتمع، لأنه محاسب عليها في حياته وبعد مماته مقارنة بذهابه للمدرسة لأنه لابد أن ينجح ويحصل على عمل في نهاية المطاف، لذلك وجدنا بوناً شاسعاً في النتائج لأن النتائج المادية محسومة سلفاً بينما النتائج الدينية مرتبطة بإيمان وقناعات الأفراد، ولعل العلم وفضله وأهميته في الإسلام يفوق خيال الكثيرين من المنظرين في الإسلام أو العالم عامة. والإشكالية تعود إلى غياب المؤسسات البحثية التي تهتم بهذا الجانب والتأسيس لدراسات وأبحاث وتجارب جادة تعتمد على استراتيجية مرتبطة بالسياسات والخطط والبرامج التعليمية التي يجب أن تخضع للتحليل والقياس والتقويم والمراقبة والمحاسبة.

لقد اختار الله عزوجل الإنسان أن يكون خليفة له في الأرض ليعمرها بكل شئ من العبادة حتى البناء والتشييد والزراعة والتصنيع، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون علم، بل إن الله دعا الإنس والجن للاكتشاف والبحث. ويأتي سلطان العلم والمعرفة والمال في أول المتطلبات لتحقيق ذلك التوجيه الرباني الكريم. وعندما ينظر الفرد والمجتمع للتعليم على أنه فريضة سوف تتحقق المعجزات وتتغير القوى. وقد فضل الله طالب العلم على العابد، وفي الحديث (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم) وهناك آيات وأحاديث تؤسس لنظم فعالة في المجتمع تفوق كل النظريات المادية والفلسفية والأيديولوجيات التي تعتمد عليها النظم الغربية حتى إن

اعتمدت في بعضها على المرجعية الدينية المسيحية والتوراتية. وإذا كانت دول الخليج العربية أكثر المجتمعات العربية تجانساً وتوافقاً في مرجعياتها وفي ثقافتها وقيمها وتقاليدها فإنها المرشح الأقوى للأخذ بهذه الأطروحة مع التذكير بأن النظم التعليمية في دول الخليج خليط من عدد من النظم المستوردة وليست نتاجاً محلياً إلا في طلابها والغالبية من الأساتذة والمعلمين فيها. أما النظم والسياسات والبرامج والمشاريع وحتى المحتوى العلمي فإنها مستورد منقولة وليست بالضرورة مرتبط باحتياجات المجتمع وإنما أيضا بالتنمية المحلية القائمة على مقومات وعناصر أساسية مستوردة وخاصة المادية من الغرب. ولعل منهجيات عملها ووظائفها أيضا تعمل وفق رؤى وفهم المنتج لتلك المعطيات المادية التي تصمم في الغالب لخدمة البلدان المنتجة أولاً ثم تصدر وتستورد. والمسألة هنا متعلقة بملائمة تلك المنتجات لواقع المجتمع المستورد واحتياجاته وإمكاناته وتطلعاته، وبالتالي فإن المورد أو المصنع لا يمكن أن يجعل من المستهلك منتجاً أو منافساً له. وهذا يعود إلى المرجعية التي يعتمدها الطرفان ومرونة كل مرجعية في التعامل مع الأخرى. ولهذا لا يمكن أن نتحدث عن ديمقراطية التعليم كمفهوم ومرجعية في بلدان غير ديمقراطية إنما هي تعتمد نظماً مختلفة عن الغرب يقرها المجتمع ويلتف حولها مهما حصل من الكوارث (وغزو الكويت أكبر دليل على ذلك) وهذا الجانب يحتاج إلى بحث موسع ومعمق من مؤسسات البحث العلمي بكل موضوعية وتجرد لإثبات أو نفي هذا الطرح وربط هذا بالتعليم في دول الخليج العربية، نظراً لأن التعليم فيها بحاجة ماسة إلى توحيد المرجعيات و السياسات ووضع خطط طموحة شاملة لأدق التفاصيل وبناء على دراسات وليس على خبرات الأفراد أو هوى المؤسسات التي ليست بالضرورة تعمل وفق المعرفة والخبرة وضمن خطط استراتيجية مثل غيرها من البلدان الآسيوية سابقة الذكر. عندها يمكن القول إن التعليم في دول الخليج يتميز عن غيره بمعطيات كثيرة.

الخريجون وأثرهم في التنمية بدول الخليج
أما الجانب الآخر الذي تحتاج إليه نظم التعليم في دول الخليج العربية  فهو الإجابة عن كل التساؤلات حول الملايين من الطلاب الذين تعلموا في مدارسنا وجامعاتنا الخليجية. ماذا تعلموا؟ وكم تعلموا؟ هل فعلاً إن الطلاب أتقنوا المعارف والعلوم التي تعلموها في المؤسسات التعليمية؟ وما هو أثر هؤلاء في التنمية والتطور والازدهار في دول الخليج العربية؟ وهل تحولت مجتمعاتنا إلى مجتمعات منتجة شبيهة بالمجتمعات في البلدان الآسيوية التي سبق الحديث عنها؟ كل هذه الأسئلة لا يستطيع أحد الإجابة عنها بحقائق علمية؟ والسؤال الأهم من هذا هو هل الاختبارات التي تقدم في مدارسنا وجامعاتنا مبنية على معايير وأسس علمية لقياس مستوى الطلاب ومهاراتهم ومدى إلمامهم بمحتوى المقررات الدراسية، أم أن الاختبارات شكلية ومرتجلة من المعلمين والأساتذة في المؤسسات التعليمية؟ بمعنى إن الخبرة والمعرفة في وضع الاختبارات غير متوفرتين لدى الأساتذة والمعلمين، وبالتالي فإن النتائج التي ينتظرها كل طالب وأستاذ وإداري ومسؤول وولي أمر في نهاية كل فصل دراسي مبنية على خبرة الأساتذة وليس وفق معايير علمية تضمن حق الطالب والأستاذ والمؤسسة التعليمية. ليس هذا فحسب، بل إن الاختبارات تتم تحت ضغط اجتماعي وتعليمي يفقدها مصداقيتها، حيث أصبحت غاية وليست وسيلة لتقويم العملية التعليمية (طلاباً وأساتذة ومنهجاً وسياسات وبرامج وغيرها)، حيث تتم الاستفادة من النتائج في تطوير وتحسين عناصر العملية التعليمية.

إن الارتجال في الاختبارات أزمة يعاني منها التعليم على مستوى الوطن العربي. ويعود ذلك إلى عدم توفر استراتيجية أو برنامج وطني للتحقق من كفاءة أداء المؤسسات التعليمية ولهذا فإن الدول مطالبة ببرنامج للاختبارات يقوم بتنفيذه والإشراف عليه مركز متخصص، ويعمل على التأهيل والتدريب في مجال التقويم والقياس للإدارة التعليمية والأساتذة والمناهج والسياسات والبرامج والطلاب. لهذا فإن العملية التعليمية روتينية ولا يبذل الجهد الكافي من قبل الإدارة التعليمة لتطوير المعلمين من خلال الدورات التدريبية من ناحية، ومن ناحية أخرى وأهم لا توجد متابعة للاختبارات والتدقيق فيها من إعدادها حتى استلام النتائج وتوظيفها في تطويرعناصر العملية التعليمية.  وإذا كان مستقبل أبنائنا مرهوناً بنتائج الاختبارات، فإن حصيلة عام كامل من الجهد والعناء من إدارة وتمويل للتعليم تمر من دون مراجعة وتنتهي الأمور بانتهاء الاختبارات، حيث نبدأ التخطيط لعام جديد من دون أن ندرس النتائج ونتحقق منها من الناحية النوعية، وأين كانت الأخطاء والتحديات التي واجهها الطلاب والأساتذة والإداريون خلال العام الدراسي؟

توجد أسئلة محيرة وكثيرة ومنها ما هو مستوى الطالب في مدارسنا مقارنة بطلاب العالم في التخصصات العلمية؟ وأين اختبارات اللغة ؟ اللغة التي يفكر ويتعلم بها الطالب. لغة التعليم وإتقان الطالب لها من أهم أسباب النجاح. هذه اللغة التي يكتب بها المقرر الدراسي، ويُعلم بها الطالب، ويختبر بها الطالب، هل هي لغة سليمة وعلمية ومفهومة ومساعدة على التعلم؟ وأريد أن أؤكد أن واحداً من أهم الاستثمارات العربية المجهولة التي يجب على الحكومات الخليجية وأصحاب رؤوس الأموال التفكير بجدية فيها هو الاستثمار في اللغة العربية من خلال المعاهد المتخصصة في تعليم اللغة العربية لتطوير المعلمين والطلاب أولاً وأيضا تحويلها إلى برامج تعليم سياحية لمن يرغب في تعلم اللغة العربية. هناك مشروع معهد لوضع الاختبارات والمناهج وتدريب المعلمين والطلاب ويحتاج إلى من يتبناه تجارياً. وهنا أسوق قصة طالب متفوق رسب في اللغة العربية حيث كانت المعلمة تعلمة بإحدى اللهجات العربية وفي مادة الإملاء كانت تنطق الكلمات بلهجتها ويكتبها الطالب كما نطقتها المعلمة وعندما تقوم بتصحيح ورقته ترسبه في الاختبار ولم تعلم بأنها هي المشكلة وليس الطالب.

لذلك فإن الحاجة ماسة لإنشاء مركز خليجي للقياس والتقويم وتكون له فروع ومكاتب لدى جميع دول الخليج ومؤسساتها التعليمية ويكون مستقلاً ولا يتبع لأية جهة مباشرة ويعمل بميزانية وإدارة مستقلة وله من الصلاحيات ما يسمح له بالحصول على المعلومات والبيانات مباشرة من المؤسسات والأفراد، ويكون من أهم وظائفه دراسة كافة النظم التعليمية و الجهات ذات العلاقة بها بحيث يقدم تقريراً سنوياً دقيقاً عن التعليم على جميع المستويات بدءاً من الطالب والاستاذ والإداري حتى المنهج والمحتوى إضافة إلى السياسات والبرامج والمشاريع، بل يتعدى دوره ليصل إلى مستوى التدريب للكوادر وأيضا وضع الاختبارات والمعايير الخاصة والعامة على مستوى المواضيع والمفاهيم والمهارات وغيرها من مدخلات ومخرجات العملية التعليمية، كما يقوم بالدراسات والاستشارات العلمية لتشخيص الأوضاع التعليمية ومعالجتها.

وبهذا، فإننا نستطيع القول إن الجهود الخليجية الضخمة في مجال التربية والتعليم قياسية وحققت إنجازات كثيرة، لكنها قادرة على تحقيق المزيد في ظل مراجعة شاملة وطموحة تأخذ في الاعتبار المرجعيات منطلقاً أساسياً للنجاح، ومعتمدة على معايير ومقاييس تضمن الجودة والنوعية وتقوم بالمتابعة والتطوير المستمر للتعليم ليصبح تعليمنا في دول الخليج العربية هو الأفضل عالمياً.

::/fulltext::
::cck::2558::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *