نزع فتيل الأزمة النووية الإيرانية
::cck::3134::/cck::
::introtext::
لم تستبعد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي في 19 أكتوبر استخدام القوة ضد إيران (وأيضاً سوريا) المتهمتين بدعم المجموعات المسلحة في العراق. وكانت رايس قد عادت لتوها من زيارة مفاجئة إلى العاصمة الروسية موسكو قبل أيام فقط سعت خلالها لحشد الدعم الروسي لإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي بسبب برنامجها النووي. وبالرغم من فشل مسعى الوزيرة الأمريكية، إلا أن الموقفين يشيران إلى أن الولايات المتحدة تضغط بشدة إزاء اتخاذ تدابير حاسمة ضد إيران.
::/introtext::
::fulltext::
لم تستبعد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي في 19 أكتوبر استخدام القوة ضد إيران (وأيضاً سوريا) المتهمتين بدعم المجموعات المسلحة في العراق. وكانت رايس قد عادت لتوها من زيارة مفاجئة إلى العاصمة الروسية موسكو قبل أيام فقط سعت خلالها لحشد الدعم الروسي لإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي بسبب برنامجها النووي. وبالرغم من فشل مسعى الوزيرة الأمريكية، إلا أن الموقفين يشيران إلى أن الولايات المتحدة تضغط بشدة إزاء اتخاذ تدابير حاسمة ضد إيران.
ويمكن لهذا التوجه أن يكون غير ذي جدوى في أفضل الحالات وكارثياً في أسوأ الافتراضات. فقد امتنعت روسيا عن التصويت خلال اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر 2004 وهو الاجتماع الذي تبنى فيه المجلس قراراً بإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي.
وتدل المؤشرات على أن روسيا ستتخذ موقفاً مشابهاً في جلسة التصويت المقرر انعقادها في 24 نوفمبر والتي يتوقع أن تضغط الولايات المتحدة خلالها على الإحالة الفورية للملف الإيراني، ومع اكتساب إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي المزيد من الزخم، يتعين على الولايات المتحدة أن تتوقف قليلا لإعادة النظر في خياراتها السياسية. وإن كان نادي الدول النووية يرغب حقاً في نجاح مساعيه لإبعاد إيران عن إعادة تشغيل برنامجها النووي على المدى البعيد، فإنه يتعين عليه أن يركز على تقوية مجمل نظام الحد من انتشار الأسلحة الذي يتعرض حتى هذه اللحظة إلى تقويض منتظم.
وبدلاً من ذلك، ترسل الولايات المتحدة برسائل حازمة حول الملف الإيراني. ففي الاسبوع نفسه الذي تعاملت كوندوليزا رايس مع موسكو، ها هو جون بولتون، السفير الحالي لواشنطن في الأمم المتحدة والوكيل السابق في الخارجية للحد من التسلح والأمن الدولي يصرح في مقابلة مع برنامج هيئة الإذاعة البريطانية (نيوزنايت) في لندن بأن إيران ترغب في الحصول على أسلحة نووية لتخويف بقية دول الشرق الأوسط و(ربما تزود بها الإرهابيين). واشتدت التوترات السياسية بين إيران والمملكة المتحدة أيضاً وسط اتهامات إيرانية بأن بريطانيا كانت مسؤولة عن الانفجارات التي قتلت ستة أشخاص في محافظة خوزستان خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ويبدو أن التصعيد الحالي، الذي بدأ يتنامى منذ الكشف في 2002 و2004 عن البرنامج النووي الإيراني، ليس سوى قرقعة سيوف على الجانبين أكثر من كونها محاولات عملية لثني إيران من المضي في الطريق الحالي التي يعتقد العديد من المحللين أنها محاولة تطوير أسلحة نووية أو وفي واقع الأمر سد الثغرات في نظام عدم الانتشار، والتي استفادت منها إيران في تطوير برنامجها النووي. وفي الحقيقة فإن طموحات إيران النووية ليست بجديدة، وقد بدأ الشاه هذا البرنامج. وما تغير هو النظام الحاكم فقط، الذي (ولأسباب معروفة) يعد السبب الأساسي لاعتراضات الولايات المتحدة.
ويمكن لوقف التلاسن والسماح لكلا الطرفين بالانسحاب من المسرح مع (حفظ ماء الوجه) في الوقت نفسه أن يكون خياراً منطقياً في هذه المرحلة. ومن الواضح أنه لا يرغب أي من الطرفين في أن يبدو وكأنه رضخ لضغط. ومع ذلك، فإن المناخ الحالي للمفاوضات لا يساعد على إيجاد حل للطموحات النووية لإيران. وعوضاً عن ذلك فإنه ينزع نحو مواجهة حتمية في وقت قد لا تستطيع فيه الولايات المتحدة تحملها.
ومن دون دعم روسيا والصين، فإن التلويح بقرار من مجلس الأمن الدولي لا يبدو ناجعاً. فإيران تحت قيادة رئيسها المتشدد الجديد منغمسة في حالة من الشعور المبالغ فيه بأن قدراتها يمكن أن تلحق الضرر بالولايات المتحدة، وأيضاً هي غارقة في حركة تضامن وطني قوية تلتف حول القضية النووية. وعليه يبدو أنها تعتقد أنها جاهزة للقتال. ويعتقد كثير من المحللين أن إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي سيعزز من الدعم القوي الذي سبق أن عبر عنه الإيرانيون لقيادتهم إزاء هذه المسألة. ويبدو أن غالبية الإيرانيين يشعرون بالغضب من أن العالم يريد أن يحظر عليهم تقنية نووية (عالية) لتطوير البحث وقدرات الطاقة. كما كشفت طهران، في العديد من المناسبات عن قناعتها بتوفر حزمة من الخيارات للحكومة، من القدرة على إلحاق الإذى بالولايات المتحدة في العراق، حيث تحتفظ إيران بنفوذ طاغ، إلى الانسحاب النهائي من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة، على غرار الأنموذح الكوري الشمالي – ما يعني تقويض نظام الحد من الانتشار بالكامل بالاستغلال القانوني للثغرات – ومن الواضح أن أيا من هاتين الخطوتين يمكن أن تروق لأولئك الذين يتخوفون بصدق من مستقبل معاهدة الحد من انتشار الأسلحة.
إن إيران التي أنعشتها حقيقة أن المحافظين يسيطرون الآن على مفاصل الحكومة في طهران نتيجة للانتخابات الرئاسية لعام 2005 (وانتخاب البرلمان في 2004) وأيضاً المشكلات المتزايدة التي تعاني منها الولايات المتحدة في العراق المجاورة، تقرع الآن طبول الحرب. والخطاب الذي يأتي من طهران حتى اللحظة التي قدم فيها الرئيس أحمدي نجاد كلمة نارية أمام قمة الأمم المتحدة في سبتمبر، كان ولا شك متحدياً وشديد الاعتداد بالنفس وفيه شيء من السخف.
وينطلق موقف متشدد مماثل من واشنطن، ليس من الحكومة فقط ولكن من العديد من تقارير مراكز الأبحاث التي صدرت حول هذه القضية. ويجادل معظم المحللين الأمريكيين أن إيران نووية تشكل تهديداً أمنياً خطيراً لمصالح الولايات المتحدة. وقدر كبير من هذا التفكير يأتي من مجموعات الضغط الإسرائيلية في واشنطن، والتي هي جزء مهم من المشهد السياسي الداخلي، كانت تضغط باتجاه تجميد فوري للبرنامج النووي الإيراني. ويتفق المحللون الأمريكيون والإسرائيليون على أنه سيكون من السهل للغاية محاولة منع إيران من عبور العتبة النووية بدلاً من عكس العملية عندما تحدث.
وهذا صحيح بلا أدنى شك، ولكن الاستراتيجية أصبحت تميل نحو القتال وموجهة نحو الاعتبارات على المدى القصير. ويبدو أنه لا تزال هناك فسحة للتراجع عن هذه التدابير التصعيدية وردات الفعل، إذا خففت الولايات المتحدة من حملتها العلنية قليلاً. وتشمل الإشارات الإيجابية على الجبهة الداخلية الإيرانية تحرك آية الله علي خامنئي في الأول من أكتوبر لتوسيع سلطات مجلس تشخيص مصلحة النظام – الذي ظل يترأسه علي أكبر هاشمي رفسنجاني لفترة طويلة – بمنحه سلطة الإشراف على إدارة الصقور التي يترأسها أحمدي نجاد والتي تتهم بأنها حكومة (هواة). وكان رفسنجاني مرشحاً مقبولاً على الصعيد الدولي في الانتخابات الرئاسية في يونيو، ويمكن أن تشير عودته إلى المسرح السياسي لمحاولة من خامنئي لتفادى أزمة حول الملف النووي الإيراني.
وعلى الولايات المتحدة الاستفادة من هذا التحرك وتشجيع إيران، مباشرة أو عبر الآلية الثلاثية للاتحاد الأوروبي، على إعادة النظر في خياراتها. إن تصعيد الضغط لإحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي من خلال مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير المتحمس ما هو الا وصفة للتعثر وربما لإحراج الولايات المتحدة.
وفي مباحثاتها مع المسؤولين الروس في موسكو، شددت كوندوليزا رايس على ضرورة وفاء إيران بتعهداتها تجاه معاهدة الحد من الانتشار، واتهمت طهران بخرق المعاهدة وطالبتها بالوفاء بالتزاماتها بموجب نصوص المعاهدة. وجدد جون بولتون اتهامات مشابهة في نفس عطلة نهاية الأسبوع خلال مقابلة (نيوز نايت) مع هيئة الإذاعة البريطانية. ومع ذلك، أوضحت موسكو بجلاء خلال زيارة رايس لها بأنها لا تتفق مع رؤية واشنطن.
ولم تصمد حجة واشنطن أمام الحجج الإيرانية المضادة وهي ليست بالقوة التي تقنع بها إيران، خصوصاً إذا كان هناك قدر من التعاطف من الدول غير النووية في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع اتهامات أحمدي نجاد في الأمم المتحدة بأن الغرب يرغب في فرض (فصل عنصري نووي) على العالم. إن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة هي واحدة من عدة أمثلة جعلت الولايات المتحدة تفقد مصداقيتها من خلال المطالبة بحلول دولية وتحكيم حول قضايا مختارة، بينما هي تنزع مخالب أية آليات يمكن أن تطبق سياسة متعددة الأطراف على الآخرين. إن الفشل الذريع لمؤتمر مراجعة معاهدة الحد من الانتشار في مايو 2005، على سبيل المثال، كان نتيجة، كما يدعي (لتخريب) مغرض- كما عبر عن ذلك أحد الضالعين في مراجعة المعاهدة – خاصة من الولايات المتحدة التي لم تظهر، قبل الحالة الإيرانية أي دعم لمعاهدة الحد من الانتشار ككل.
وفي الحقيقة أصبحت قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2005 غير ذات جدوى، بضغط أمريكي مرة أخرى، وأكد جون بولتون السفير الأمريكي الجديد لدى المنظمة أن ذلك الجزء من (نزع السلاح وعدم الانتشار) كان فقط موضوعاً رئيسياً يتعين حذفه من وثيقة اجتماع القمة، نظراً لأن العديد من المراقبين شعروا بأن الولايات المتحدة حريصة على (عدم الانتشار) للدول التي لا تملك أسلحة، ولكنها تقاوم أي شكل من أشكال (نزع الأسلحة) للدول الأعضاء في النادي النووي. هنالك ثلاثة دعامات لاستراتيجية الحد من انتشار الأسلحة النووية وهي نزع التسلح ومنع انتشارها والاستخدام السلمي للطاقة النووية، وكما أظهرت قضية إيران وكذلك كوريا الشمالية فإنه من السهل للبلدان الطموحة أن تجادل بأن الحد من انتشار الأسلحة النووية هو الدعامة الوحيدة التي تتم متابعتها حالياً.
والمحصلة النهائية، هي أن عدداً قليلاً من الأشخاص عبروا عن ارتياحهم لعبور إيران العتبة النووية – مع أقل عدد من جيرانها الإقليميين – إلا أن الأمر غير الواضح بأي حال هو ماهية الخيار الذي أبقته الولايات المتحدة والآلية الأوروبية الثلاثية أمامهم في الوقت الراهن لمنع إيران من مواصلة برنامج نووي محدود ولكنه مثير للقلق، خاصة أن جزءاً منه محظور بالتزاماتهم بمعاهدة الحد من الانتشار. وببساطة فإن عدم حب النظام في طهران غير كاف. وليس هناك أي أساس قانوني للادعاء بأن إيران قد رهنت حقها في تقنية دورة الوقود بإخفاء برنامجها لتخصيب اليورانيوم عن أعين الوكالة الدولية للطاقة النووية لثمانية عشر عاماً.
فضلاً عن ذلك فاتباع أسلوب متشدد مع إيران يظهر سياسة الكيل بمكيالين، كما أنه من غير المحتمل أن يكون فعالاً.
وكما قال الرئيس أحمدي نجاد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فإن إيران لن تواصل بناء مفاعل الوقود الخاص بها فقط، ولكنها (تعتقد أنه في نطاق حقوقها المشروعة الحصول على ضمانات إيجابية لتخصيب اليورانيوم في دورة وقود نووي). كما عرض أيضاً مساعدة إيران للدول الإسلامية الأخرى من أجل تطوير برامجها السلمية الخاصة لدورات الوقود النووي. وبالرغم من كراهية الولايات المتحدة للاعتراف به، فإن موقف إيران إزاء حقوقها النووية (مهما كانت النية في الاحتفاظ بالبرنامج السري) مدعوم في حقيقة الأمر من معاهدة الحد من الانتشار. أو حتى نكون دقيقين، بالبند الرابع من المعاهدة الذي تنوه به القيادة الإيرانية والخبراء الإيرانيون، والذي يقول: (ما من شيء في المعاهدة يمكن أن يفسر كمؤثر في الحقوق غير القابلة للتحويل لكافة أطراف المعاهدة، في تطوير، وبحث وإنتاج واستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية).
وتدعي الولايات المتحدة أن إخفاء نشاطات معينة يدل على النية لتطوير برنامج أسلحة. وكانت هذه هي الحجة التي قدمتها الولايات المتحدة في مذكرة موجزة تم تسليمها إلى دبلوماسيي الاتحاد الاوروبي وأعضاء مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل اجتماع المجلس الشهر الماضي وتكررت منذ ذلك الوقت. وتوصلت المذكرة إلى استنتاج مفاده (أن تاريخ إيران في الإخفاء والخداع والبنية التحتية لدورة الوقود النووي ينسجم تماماً مع نية الحصول على أسلحة نووية). قد يكونون على حق. ومع ذلك، وبالرغم من أنه ما من أحد في المنظمة أو خارجها يرغب في ظهور برنامج نووي إيراني، إلا أن الحقيقة تبقى أنه ليس من الواضح من هو الطرف الصائب في هذه القضية.
وبموجب القوانين الدولية السائدة، فإنه يسمح ببعض النشاطات التي يمكن أن تقود إلى امتلاك قدرات نووية مادام لا يوجد دليل على أن دولة تنوي بناء أسلحة نووية، ولكن لا يوجد قانون يحدد كيفية الحكم على كيف يجب أن تكون عليه النية. وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي للصحافيين إن لطهران الحق في تخصيب اليورانيوم – وفي ضوء النظام الحالي لعدم الانتشار – فهو على صواب. ما البديل؟ ليس شن هجوم على إيران بسبب استغلالها لثغرات محددة في معاهدة الحد من الانتشار، ولكن بدلا من ذلك العمل على تعزيز نظام عدم الانتشار نفسه قبل أن تحذو دول أخرى حذو إيران وتعكف على تطوير برنامج نووي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3134::/cck::
::introtext::
لم تستبعد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي في 19 أكتوبر استخدام القوة ضد إيران (وأيضاً سوريا) المتهمتين بدعم المجموعات المسلحة في العراق. وكانت رايس قد عادت لتوها من زيارة مفاجئة إلى العاصمة الروسية موسكو قبل أيام فقط سعت خلالها لحشد الدعم الروسي لإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي بسبب برنامجها النووي. وبالرغم من فشل مسعى الوزيرة الأمريكية، إلا أن الموقفين يشيران إلى أن الولايات المتحدة تضغط بشدة إزاء اتخاذ تدابير حاسمة ضد إيران.
::/introtext::
::fulltext::
لم تستبعد وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي في 19 أكتوبر استخدام القوة ضد إيران (وأيضاً سوريا) المتهمتين بدعم المجموعات المسلحة في العراق. وكانت رايس قد عادت لتوها من زيارة مفاجئة إلى العاصمة الروسية موسكو قبل أيام فقط سعت خلالها لحشد الدعم الروسي لإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي بسبب برنامجها النووي. وبالرغم من فشل مسعى الوزيرة الأمريكية، إلا أن الموقفين يشيران إلى أن الولايات المتحدة تضغط بشدة إزاء اتخاذ تدابير حاسمة ضد إيران.
ويمكن لهذا التوجه أن يكون غير ذي جدوى في أفضل الحالات وكارثياً في أسوأ الافتراضات. فقد امتنعت روسيا عن التصويت خلال اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر 2004 وهو الاجتماع الذي تبنى فيه المجلس قراراً بإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي.
وتدل المؤشرات على أن روسيا ستتخذ موقفاً مشابهاً في جلسة التصويت المقرر انعقادها في 24 نوفمبر والتي يتوقع أن تضغط الولايات المتحدة خلالها على الإحالة الفورية للملف الإيراني، ومع اكتساب إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي المزيد من الزخم، يتعين على الولايات المتحدة أن تتوقف قليلا لإعادة النظر في خياراتها السياسية. وإن كان نادي الدول النووية يرغب حقاً في نجاح مساعيه لإبعاد إيران عن إعادة تشغيل برنامجها النووي على المدى البعيد، فإنه يتعين عليه أن يركز على تقوية مجمل نظام الحد من انتشار الأسلحة الذي يتعرض حتى هذه اللحظة إلى تقويض منتظم.
وبدلاً من ذلك، ترسل الولايات المتحدة برسائل حازمة حول الملف الإيراني. ففي الاسبوع نفسه الذي تعاملت كوندوليزا رايس مع موسكو، ها هو جون بولتون، السفير الحالي لواشنطن في الأمم المتحدة والوكيل السابق في الخارجية للحد من التسلح والأمن الدولي يصرح في مقابلة مع برنامج هيئة الإذاعة البريطانية (نيوزنايت) في لندن بأن إيران ترغب في الحصول على أسلحة نووية لتخويف بقية دول الشرق الأوسط و(ربما تزود بها الإرهابيين). واشتدت التوترات السياسية بين إيران والمملكة المتحدة أيضاً وسط اتهامات إيرانية بأن بريطانيا كانت مسؤولة عن الانفجارات التي قتلت ستة أشخاص في محافظة خوزستان خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ويبدو أن التصعيد الحالي، الذي بدأ يتنامى منذ الكشف في 2002 و2004 عن البرنامج النووي الإيراني، ليس سوى قرقعة سيوف على الجانبين أكثر من كونها محاولات عملية لثني إيران من المضي في الطريق الحالي التي يعتقد العديد من المحللين أنها محاولة تطوير أسلحة نووية أو وفي واقع الأمر سد الثغرات في نظام عدم الانتشار، والتي استفادت منها إيران في تطوير برنامجها النووي. وفي الحقيقة فإن طموحات إيران النووية ليست بجديدة، وقد بدأ الشاه هذا البرنامج. وما تغير هو النظام الحاكم فقط، الذي (ولأسباب معروفة) يعد السبب الأساسي لاعتراضات الولايات المتحدة.
ويمكن لوقف التلاسن والسماح لكلا الطرفين بالانسحاب من المسرح مع (حفظ ماء الوجه) في الوقت نفسه أن يكون خياراً منطقياً في هذه المرحلة. ومن الواضح أنه لا يرغب أي من الطرفين في أن يبدو وكأنه رضخ لضغط. ومع ذلك، فإن المناخ الحالي للمفاوضات لا يساعد على إيجاد حل للطموحات النووية لإيران. وعوضاً عن ذلك فإنه ينزع نحو مواجهة حتمية في وقت قد لا تستطيع فيه الولايات المتحدة تحملها.
ومن دون دعم روسيا والصين، فإن التلويح بقرار من مجلس الأمن الدولي لا يبدو ناجعاً. فإيران تحت قيادة رئيسها المتشدد الجديد منغمسة في حالة من الشعور المبالغ فيه بأن قدراتها يمكن أن تلحق الضرر بالولايات المتحدة، وأيضاً هي غارقة في حركة تضامن وطني قوية تلتف حول القضية النووية. وعليه يبدو أنها تعتقد أنها جاهزة للقتال. ويعتقد كثير من المحللين أن إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي سيعزز من الدعم القوي الذي سبق أن عبر عنه الإيرانيون لقيادتهم إزاء هذه المسألة. ويبدو أن غالبية الإيرانيين يشعرون بالغضب من أن العالم يريد أن يحظر عليهم تقنية نووية (عالية) لتطوير البحث وقدرات الطاقة. كما كشفت طهران، في العديد من المناسبات عن قناعتها بتوفر حزمة من الخيارات للحكومة، من القدرة على إلحاق الإذى بالولايات المتحدة في العراق، حيث تحتفظ إيران بنفوذ طاغ، إلى الانسحاب النهائي من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة، على غرار الأنموذح الكوري الشمالي – ما يعني تقويض نظام الحد من الانتشار بالكامل بالاستغلال القانوني للثغرات – ومن الواضح أن أيا من هاتين الخطوتين يمكن أن تروق لأولئك الذين يتخوفون بصدق من مستقبل معاهدة الحد من انتشار الأسلحة.
إن إيران التي أنعشتها حقيقة أن المحافظين يسيطرون الآن على مفاصل الحكومة في طهران نتيجة للانتخابات الرئاسية لعام 2005 (وانتخاب البرلمان في 2004) وأيضاً المشكلات المتزايدة التي تعاني منها الولايات المتحدة في العراق المجاورة، تقرع الآن طبول الحرب. والخطاب الذي يأتي من طهران حتى اللحظة التي قدم فيها الرئيس أحمدي نجاد كلمة نارية أمام قمة الأمم المتحدة في سبتمبر، كان ولا شك متحدياً وشديد الاعتداد بالنفس وفيه شيء من السخف.
وينطلق موقف متشدد مماثل من واشنطن، ليس من الحكومة فقط ولكن من العديد من تقارير مراكز الأبحاث التي صدرت حول هذه القضية. ويجادل معظم المحللين الأمريكيين أن إيران نووية تشكل تهديداً أمنياً خطيراً لمصالح الولايات المتحدة. وقدر كبير من هذا التفكير يأتي من مجموعات الضغط الإسرائيلية في واشنطن، والتي هي جزء مهم من المشهد السياسي الداخلي، كانت تضغط باتجاه تجميد فوري للبرنامج النووي الإيراني. ويتفق المحللون الأمريكيون والإسرائيليون على أنه سيكون من السهل للغاية محاولة منع إيران من عبور العتبة النووية بدلاً من عكس العملية عندما تحدث.
وهذا صحيح بلا أدنى شك، ولكن الاستراتيجية أصبحت تميل نحو القتال وموجهة نحو الاعتبارات على المدى القصير. ويبدو أنه لا تزال هناك فسحة للتراجع عن هذه التدابير التصعيدية وردات الفعل، إذا خففت الولايات المتحدة من حملتها العلنية قليلاً. وتشمل الإشارات الإيجابية على الجبهة الداخلية الإيرانية تحرك آية الله علي خامنئي في الأول من أكتوبر لتوسيع سلطات مجلس تشخيص مصلحة النظام – الذي ظل يترأسه علي أكبر هاشمي رفسنجاني لفترة طويلة – بمنحه سلطة الإشراف على إدارة الصقور التي يترأسها أحمدي نجاد والتي تتهم بأنها حكومة (هواة). وكان رفسنجاني مرشحاً مقبولاً على الصعيد الدولي في الانتخابات الرئاسية في يونيو، ويمكن أن تشير عودته إلى المسرح السياسي لمحاولة من خامنئي لتفادى أزمة حول الملف النووي الإيراني.
وعلى الولايات المتحدة الاستفادة من هذا التحرك وتشجيع إيران، مباشرة أو عبر الآلية الثلاثية للاتحاد الأوروبي، على إعادة النظر في خياراتها. إن تصعيد الضغط لإحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي من خلال مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير المتحمس ما هو الا وصفة للتعثر وربما لإحراج الولايات المتحدة.
وفي مباحثاتها مع المسؤولين الروس في موسكو، شددت كوندوليزا رايس على ضرورة وفاء إيران بتعهداتها تجاه معاهدة الحد من الانتشار، واتهمت طهران بخرق المعاهدة وطالبتها بالوفاء بالتزاماتها بموجب نصوص المعاهدة. وجدد جون بولتون اتهامات مشابهة في نفس عطلة نهاية الأسبوع خلال مقابلة (نيوز نايت) مع هيئة الإذاعة البريطانية. ومع ذلك، أوضحت موسكو بجلاء خلال زيارة رايس لها بأنها لا تتفق مع رؤية واشنطن.
ولم تصمد حجة واشنطن أمام الحجج الإيرانية المضادة وهي ليست بالقوة التي تقنع بها إيران، خصوصاً إذا كان هناك قدر من التعاطف من الدول غير النووية في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع اتهامات أحمدي نجاد في الأمم المتحدة بأن الغرب يرغب في فرض (فصل عنصري نووي) على العالم. إن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة هي واحدة من عدة أمثلة جعلت الولايات المتحدة تفقد مصداقيتها من خلال المطالبة بحلول دولية وتحكيم حول قضايا مختارة، بينما هي تنزع مخالب أية آليات يمكن أن تطبق سياسة متعددة الأطراف على الآخرين. إن الفشل الذريع لمؤتمر مراجعة معاهدة الحد من الانتشار في مايو 2005، على سبيل المثال، كان نتيجة، كما يدعي (لتخريب) مغرض- كما عبر عن ذلك أحد الضالعين في مراجعة المعاهدة – خاصة من الولايات المتحدة التي لم تظهر، قبل الحالة الإيرانية أي دعم لمعاهدة الحد من الانتشار ككل.
وفي الحقيقة أصبحت قمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2005 غير ذات جدوى، بضغط أمريكي مرة أخرى، وأكد جون بولتون السفير الأمريكي الجديد لدى المنظمة أن ذلك الجزء من (نزع السلاح وعدم الانتشار) كان فقط موضوعاً رئيسياً يتعين حذفه من وثيقة اجتماع القمة، نظراً لأن العديد من المراقبين شعروا بأن الولايات المتحدة حريصة على (عدم الانتشار) للدول التي لا تملك أسلحة، ولكنها تقاوم أي شكل من أشكال (نزع الأسلحة) للدول الأعضاء في النادي النووي. هنالك ثلاثة دعامات لاستراتيجية الحد من انتشار الأسلحة النووية وهي نزع التسلح ومنع انتشارها والاستخدام السلمي للطاقة النووية، وكما أظهرت قضية إيران وكذلك كوريا الشمالية فإنه من السهل للبلدان الطموحة أن تجادل بأن الحد من انتشار الأسلحة النووية هو الدعامة الوحيدة التي تتم متابعتها حالياً.
والمحصلة النهائية، هي أن عدداً قليلاً من الأشخاص عبروا عن ارتياحهم لعبور إيران العتبة النووية – مع أقل عدد من جيرانها الإقليميين – إلا أن الأمر غير الواضح بأي حال هو ماهية الخيار الذي أبقته الولايات المتحدة والآلية الأوروبية الثلاثية أمامهم في الوقت الراهن لمنع إيران من مواصلة برنامج نووي محدود ولكنه مثير للقلق، خاصة أن جزءاً منه محظور بالتزاماتهم بمعاهدة الحد من الانتشار. وببساطة فإن عدم حب النظام في طهران غير كاف. وليس هناك أي أساس قانوني للادعاء بأن إيران قد رهنت حقها في تقنية دورة الوقود بإخفاء برنامجها لتخصيب اليورانيوم عن أعين الوكالة الدولية للطاقة النووية لثمانية عشر عاماً.
فضلاً عن ذلك فاتباع أسلوب متشدد مع إيران يظهر سياسة الكيل بمكيالين، كما أنه من غير المحتمل أن يكون فعالاً.
وكما قال الرئيس أحمدي نجاد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فإن إيران لن تواصل بناء مفاعل الوقود الخاص بها فقط، ولكنها (تعتقد أنه في نطاق حقوقها المشروعة الحصول على ضمانات إيجابية لتخصيب اليورانيوم في دورة وقود نووي). كما عرض أيضاً مساعدة إيران للدول الإسلامية الأخرى من أجل تطوير برامجها السلمية الخاصة لدورات الوقود النووي. وبالرغم من كراهية الولايات المتحدة للاعتراف به، فإن موقف إيران إزاء حقوقها النووية (مهما كانت النية في الاحتفاظ بالبرنامج السري) مدعوم في حقيقة الأمر من معاهدة الحد من الانتشار. أو حتى نكون دقيقين، بالبند الرابع من المعاهدة الذي تنوه به القيادة الإيرانية والخبراء الإيرانيون، والذي يقول: (ما من شيء في المعاهدة يمكن أن يفسر كمؤثر في الحقوق غير القابلة للتحويل لكافة أطراف المعاهدة، في تطوير، وبحث وإنتاج واستخدام الطاقة النووية في الأغراض السلمية).
وتدعي الولايات المتحدة أن إخفاء نشاطات معينة يدل على النية لتطوير برنامج أسلحة. وكانت هذه هي الحجة التي قدمتها الولايات المتحدة في مذكرة موجزة تم تسليمها إلى دبلوماسيي الاتحاد الاوروبي وأعضاء مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل اجتماع المجلس الشهر الماضي وتكررت منذ ذلك الوقت. وتوصلت المذكرة إلى استنتاج مفاده (أن تاريخ إيران في الإخفاء والخداع والبنية التحتية لدورة الوقود النووي ينسجم تماماً مع نية الحصول على أسلحة نووية). قد يكونون على حق. ومع ذلك، وبالرغم من أنه ما من أحد في المنظمة أو خارجها يرغب في ظهور برنامج نووي إيراني، إلا أن الحقيقة تبقى أنه ليس من الواضح من هو الطرف الصائب في هذه القضية.
وبموجب القوانين الدولية السائدة، فإنه يسمح ببعض النشاطات التي يمكن أن تقود إلى امتلاك قدرات نووية مادام لا يوجد دليل على أن دولة تنوي بناء أسلحة نووية، ولكن لا يوجد قانون يحدد كيفية الحكم على كيف يجب أن تكون عليه النية. وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي للصحافيين إن لطهران الحق في تخصيب اليورانيوم – وفي ضوء النظام الحالي لعدم الانتشار – فهو على صواب. ما البديل؟ ليس شن هجوم على إيران بسبب استغلالها لثغرات محددة في معاهدة الحد من الانتشار، ولكن بدلا من ذلك العمل على تعزيز نظام عدم الانتشار نفسه قبل أن تحذو دول أخرى حذو إيران وتعكف على تطوير برنامج نووي.
::/fulltext::
::cck::3134::/cck::
