خديعة “الداخل والخارج” في الإصلاح السياسي العربي – نعم.. لمطرقة الإصلاح بالخارج
::cck::3381::/cck::
::introtext::
هل هي (استعانة بالخارج)، (إصلاح بالخارج)، (إصلاح من الخارج)، (عمالة للخارج)، تتعدد التمثلات في الخطاب السياسي العربي لتوصيف هذا الإجراء السياسي، ويبقى (الخارج) خارجاً، والخارج ثقافياً قبل أن يكون سياسياً، هو ذلك المختلف والعدو والمحتل والمترصد بالشر، إلا أنه قد يكون المساعد والصديق والشريك الاستراتيجي، فقط إذا كان يبقي متخذي القرار على كراسيهم المعتقة.
::/introtext::
::fulltext::
هل هي (استعانة بالخارج)، (إصلاح بالخارج)، (إصلاح من الخارج)، (عمالة للخارج)، تتعدد التمثلات في الخطاب السياسي العربي لتوصيف هذا الإجراء السياسي، ويبقى (الخارج) خارجاً، والخارج ثقافياً قبل أن يكون سياسياً، هو ذلك المختلف والعدو والمحتل والمترصد بالشر، إلا أنه قد يكون المساعد والصديق والشريك الاستراتيجي، فقط إذا كان يبقي متخذي القرار على كراسيهم المعتقة.
إن الخارج هو الخطاب السياسي العربي، هو (الآخر) خلاف العربي والمسلم. فثقافة العرب ومنتجهم الحضاري وليد (الزمكان) الإسلامي فقط، ولا شأن لهم بالعالم إلا غزاة مدمرين للحضارات، لذا تجدهم لا يمتلكون بديلاً عالمياً للبشرية، ولا تنتج مراكزهم البحثية إيما إشارات مهمة أو فاعلة في هذا الصدد، لذا فهم مثال صناعة الكراهية لمجرد الكراهية، والرفض لمجرد الرفض، والاعتداء لمجرد الاعتداء.
يمكن لي أن أحاول في هذه القراءة السريعة أن أبرهن أن إصلاحاً يتم في الداخل، بل إن أي إصلاح سياسي عربي، هو مرهون بالخارج، تفعيلاً وإنجازاً. إن الحكومات في النظم العربية تؤسس لخطاب (تخوين) تلصقه بدعاة تفعيل مشاركة الخارج الولايات المتحدة وأوروبا على وجه الخصوص، إلا أننا نلاحظ ازدواجية في القراءات السياسية الحاكمة، تنشط هذه الازداوجية، حين يكون (الخارج) بالتحديد هو ركيزة بقاء النظم الحاكمة في مقار سلطتها وجبروتها.
مشاهد ازدواجية
أولاً: يحاول الخطاب السياسي العربي تصوير أي نداءات تطلقها قوى المعارضة للدول الغربية بأنها نداءات خيانة واستقراء وركوع واستسلام للخارج، بينما لا تتوانى الدول العربية في طلب مساعدات الخارج لقمع شعوبها تارة، أو للحفاظ على وحدتها الوطنية تارة أخرى، كاستعانة دول الخليج بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا خوفاً من نظام صدام حسين البائد 1991.
ثانياً: تلزم أكثر النظم العربية أحزابها وتجمعاتها السياسية الشعبية برفض التبرعات من (الخارج)، كمصر والبحرين، بينما تسعى الدول إلى الاستفادة من قروض ومساعدات الدول المانحة، لدعم نظمها الاقتصادية والسياسية على حد سواء، بل إن العديد من النماذج العربية لم تستطع الصمود أمام رغبات التغيير والإصلاح الجماهيرية، إلا عبر الاستقواء الخارجي.
ثالثاً: يغيب عن الخطاب السياسي العربي، ما يستجد اليوم في المجتمع الدولي، من تداخل بين مصالح الدول الكبرى المهيمنة، وبين (داخل) الدول الشرق أوسطية تحديداً، ما يحيل إلى أن الداخل العربي هو داخل غربي، وأن المصالح الخارجية للامبراطوريات الغربية، هي بالضرورة تدخلات في الداخل العربي، وإلا لما كان للولايات المتحدة أن تطلق مشروعها (الشرق الأوسط الكبير)، أو النسخة المعدلة منه (مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا).
رابعاً: ثمة رواج لاستقواء تمارسه الحكومات العربية تجاه تجمعات المعارضة، في رجمها ورفضها لأي إصلاح من الخارج تضغط المعارضة لتحقيقه، يقابل هذا الاستقواء خضوع أمام ما يسمى في الأعراف السياسية الدولية (التدخل في الشؤون الداخلية)، لماذا لا تعمد الحكومات العربية إلى مخاطبة الدول (الخارج)، بألا تتدخل في شؤونها الداخلية؟ لماذا لا تحاول مخاطبة هذه الدول ببساطة ومطالبتها بأن تلتزم بقرارات الشرعية الدولية في عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول؟
خامساً: ثمة قصر في الإدراك السياسي للحكومات العربية، فالداخل لا يحاول الخروج والاستقواء والاستعانة والنزوح والاستغاثة بالخارج إلا عندما يصل إلى قناعة تامة بأن الداخل مشلول الحركة، أو أنه جامد معقد. إذاً يكون المسبب الرئيسي لتحول مجموعات المعارضة العربية إلى الخارج هو الداخل نفسه.
سادساً: ثمة فارق كبير ومحوري بين الإصلاح من الخارج والإصلاح بالخارج، الإصلاح من الخارج قد تلجأ إليه الدولة ذاتها، وقد يحتوي بعض المضامين السلبية على المجتمعات التي يناقش تحقيق فعل الإصلاح السياسي على أرضها، أما الإصلاح بالخارج فهو سلوك مبرر تاريخياً واجتماعياً وسياسياً في ضوء المعطيات الجديدة للسياسة الدولية.
المتحد المجتمعي الجديد بوصفه خارجياً
لكل مجتمع متحده الاجتماعي، ونعني بالمتحد الاجتماعي، تلك النقطة التي تجتمع فيها السلطات المكونة والفاعلة داخل المجتمع، في بدائية المجتمعات (القبلية)، كان المتحد شيخاً حكيماً أو صنماً يعبد، أو حتى استفادة رعوية من واحة ماء في الصحراء. إن المجتمعات البسيطة، متحدها بسيط، وكلما تعقد المجتمع تعقدت ملامح متحده المجتمعي.
لدينا نتيجة مهمة، وهي أن لكل مجتمع (متحداً) يماثله في تعقيداته وتطوراته، وهكذا مهمة تعرض علينا العديد من النماذج التاريخية صوراً للمتحد متأثراً أو قادماً من الخارج، على أننا نرفض الانسياق نحو هذه الرؤية بما احتوته آخر القراءات السياسية في الولايات المتحدة على وجه التحديد، إذ إننا نميل إلى الاعتقاد بأن المتحد المجتمعي اليوم، ليس متحداً داخلياً على الإطلاق، بل هو في طبيعته وحقيقته المطلقة (متحد خارجي).
إن أي متتبع للمكونات الرئيسية للكونية الجديدة لابد أن يعي حجم المتغيرات السياسية والاجتماعية التي أصابت المجتمع الدولي، والتي هي تمثيل للخارج في كل تمثل سياسي يشتغل تحت وهم الداخل، عربياً على وجه التحديد، أي حديث عن الإصلاح السياسي، هو حديث عن الخارج أكثر منه حديث عن الداخل.
وهذه نتيجة ثانية في سياق هذه القراءة، فحين نتحدث عن الإصلاح من الخارج، أو بالخارج، فإننا ببساطة نتحدث عن تكوين متحد مجتمعي جديد، يكون للخارج دور فيه، أو يكون الخارج تحديداً هو الفاعل الرئيسي، والضابط الحقيقي لتكونه ونشأته.
هذه العلاقة لا تفرضها أحادية الاتجاه في النماذج السياسية التقليدية، بل هي قراءة عكسية، فالنموذج الأمريكي (الخارج)، حين يفرض إيقاعه السياسي على الإصلاحات السياسية العربية المستترة بمفهوم الإصلاح من (الداخل)، نجد أنه يتعرض للتأثير ذاته، فالقراءات السياسية الأمريكية، والمتحد السياسي والاجتماعي الأمريكي يؤمن بأن الخارج هو من ينظمه ويؤسس له، بمعنى أننا نحن (الخارج) الذي نؤثر فيه، سواء أدركنا هذه العلاقة أم لا، فهي قائمة.
يرى صاموئيل هنتنغتون أن المتحد المجتمعي الجديد للمجتمع الأمريكي يعتمد على صناعة مؤثر خارجي يلعب دور المتحد الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فالنظريات الاجتماعية لهنتنغتون كانت تركز على أن كل مجتمع من المجتمعات له متحد مجتمعي خاص، وكلما تعقد المجتمع تعقد المتحد الخاص به، لذلك يرى هنتنغتون عملياً أن المتحد الجديد هو مؤثرات خارجية بحتة، لا علاقة لها بالداخل الأمريكي، هو الكراهية لذلك الغازي الجديد المدني للولايات المتحدة الأمريكية.
اللغة الأسبانية، المكسيكيون، الهويات الجديدة للنخب الأمريكية الناتجة عن عولمة المنتج الأمريكي، ووسائل الاتصال الحديثة التي جعلت من الأمريكيين الجدد عاجزين عن الانفكاك عن هوياتهم الأولى المؤسسة، مما أدى إلى صعوبة اندماجهم في الهوية الأمريكية القائمة والجاهزة.
ويأتي محور العداء للإسلام كأهم المحاور التي يتطرق إليها هنتنغتون، فالمسلمون يتدخلون في كل صراعات العالم، تجدهم في كل زاوية وبلد، وليست المسألة الفلسطينية سوى (مسمار جحا) بالنسبة لهم، فهم أطراف في أكثر الصراعات الكونية اليوم، بل إنهم لا يستطيعون الهدوء داخل كهوفهم المغلقة على أقل تقدير، فمشكلاتهم وأسلحتهم إن لم تقتل ذلك البعيد والمختلف، قتلت الآخر في المنظومة الإسلامية ذاتها.
إن العداء لأمريكا من قبل المسلمين قدر أمريكي، والعداء لأمريكا – كما يعتقد هنتنغتون- هو نتيجة إسلامية عربية غير رياضية، بمعنى أنها ليست خاضعة للتبرير العقلي، فهي نتاج قلق توسعي إسلامي، وهي بالتحديد صورة الضعيف الذي ينكر على القوي قوته، لذا، على الأمريكيين أن يحاولوا تفهم الأمر بوضوح، وهي كما يعتقد هنتنغتون كراهية المسلمين لأمريكا، ولا تقتصر هذه الكراهية على الإسلاميين، بل هي تشمل الليبراليين واليسار العربي والإسلامي. فليس الخطاب اليساري العربي أخف وطأة أو كراهية لأمريكا.
يحاول هنتنغتون أن يرفع ثوب الخجل عن الولايات المتحدة عن إبداء مواقف أكثر تطرف تجاه المسلمين، وكأنه يستذكر مقولة أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية (كارتر) إذ قال (علينا أن نتوقف عن لوم أنفسنا كوننا الأقوى). وهو بذلك يدعو صراحة إلى تحديد دقيق لمتحد اجتماعي يتفق عليه الأمريكيون في بدايات الألفية الثالثة، وهو العداء للإسلام والمسلمين.
يؤكد سياق نتائجي، الكاتب علاء بيومي في مراجعته المهمة لكتاب صاموئيل هنتنغتون (من نحن)، ويضيف (على الرغم من أن هنتنغتون لا يرى أن الإسلام هو أحد التحديات الأساسية التي أدت إلى تراجع شعور الأمريكيين بهويتهم الوطنية، فإنه يرى أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأمريكيين المنشود حول هويتهم الوطنية في المستقبل).
خلاصة الفكرة يحددها هنتنغتون ذاته، إذ يقول (الإسلاميون المسلحون، المتدينون منهم والعلمانيون، يرون أمريكا وشعبها ودينها وحضارتها أعداء للإسلام، والخيار الوحيد للأمريكيين هو أن ينظروا إلى هؤلاء الإسلاميين المسلحين بأسلوب مشابه). ويضيف (إن الإسلاميين المسلحين يختلفون عن السوفييت في أنه لا توجد دولة واحدة تضمنهم كما أنهم لا يسعون لتقديم بديل سياسي واقتصادي عالمي للغرب كما فعل السوفييت، وذلك لأن هدفهم الأساسي هو تدمير الغرب).
نعم لمطرقة الإصلاح بالخارج
في خضم هذه النتائج التي وصلنا إليها حتى الآن، يتسنى لنا الإقرار بأن أي حديث عن (الإصلاح من الداخل) هو تمثيل (أوهام تاريخية)، ترتكز على مكونات ثقافية وسياسية بائدة، وأن الواقع الجديد للمجتمع الدولي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يفرض حقيقة (الإصلاح بالخارج) بواقعية سياسية معتبرة.
إن الإصلاح السياسي العربي قد بدأ بتأثير مباشر من مطرقة الخارج، وإن المعني بالخارج في الخطاب السياسي بلا جدال هو الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة على استحياء، ولابد أن تعي الحكومات العربية أن شعوبها لن تفوت استخدام هذه المطرقة الحديدية.
ورغم هذا، لا تزال بعض العناصر الاجتماعية تلعب دوراً فاعلاً في إبطاء عجلة الفاعلية لهذه المطرقة الإصلاحية، فنجد أن المكونات الدينية والثقافية العربية والإسلامية لها حضورها المعطل، كذلك تلعب حقيقة (مصالح المطرقة) دورها المثبط، فمطرقة الخارج لها مصالحها السياسية في تأسيسها للمتحدات المجتمعية الجديدة في الشرق الأوسط، بمعنى أن من يريد استخدام أو تفعيل ضربات مطرقة الخارج، لابد أن يكون واعياً لمتطلبات الخارج نفسه، والسؤال هو ما الذي تدفعه (تخسره) مجموعات المعارضة العربية في حال اعتمادها على خيار المطرقة الأنجلوسكسونية؟
ليس الخارج عنصراً محايداً، والمقصود أن أي إغفال متعمد تسلطه المعارضة العربية للخارج، يصنع فراغاً مباشراً للخارج في خططه لرعاية مصالحه الاستراتيجية، فتكون الدولة (ذات الدولة) هي الشريك الوحيد (الموجود) والراغب في التعاون والشراكة، وتصبح مجموعات المعارضة (خطراً) على (الخارج)، أو هي باختصار (تجمعات مخربين أصوليين)، إن خيار (الخارج) هنا يكون دلالة رئيسة على (مدنية) و(عالمية) سياسات المعارضة العربية، وباستبعاده تكون المعارضة العربية (بربرية).
إن الإصلاح من الداخل وهم ومضيعة للوقت، أو هو فرصة لمزيد من (الدكتاتورية المتمقرطة) في الداخل العربي، هذا ما أصبح جلياً في التجارب العربية، باستثناء عسكري للعراق ودبلوماسي لقطر. وهذا ما يحيل إلى ذات الإشكاليات في الديمقراطيات المخادعة، والتي سبرها الألماني هابرماس في نقده للديمقراطيات الزائفة.
والحقيقة أن (الإصلاح بالخارج) لا يزال بعيداً عن استراتيجيات المعارضة العربية، ما يحيل إلى أن الفرصة قد تمضي، أو أن تبدأ مطرقة الخارج التي تتعفف المعارضة العربية عن استعمالها في ممارسة دورها التاريخي الذي لا تخطئه، وهو ضرب رؤوس الشعوب العربية، وهذا ما نتوقعه، فإما أن تضرب بالمطرقة، أو أن تستعد برحابة صدر لأن تكون تحتها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3381::/cck::
::introtext::
هل هي (استعانة بالخارج)، (إصلاح بالخارج)، (إصلاح من الخارج)، (عمالة للخارج)، تتعدد التمثلات في الخطاب السياسي العربي لتوصيف هذا الإجراء السياسي، ويبقى (الخارج) خارجاً، والخارج ثقافياً قبل أن يكون سياسياً، هو ذلك المختلف والعدو والمحتل والمترصد بالشر، إلا أنه قد يكون المساعد والصديق والشريك الاستراتيجي، فقط إذا كان يبقي متخذي القرار على كراسيهم المعتقة.
::/introtext::
::fulltext::
هل هي (استعانة بالخارج)، (إصلاح بالخارج)، (إصلاح من الخارج)، (عمالة للخارج)، تتعدد التمثلات في الخطاب السياسي العربي لتوصيف هذا الإجراء السياسي، ويبقى (الخارج) خارجاً، والخارج ثقافياً قبل أن يكون سياسياً، هو ذلك المختلف والعدو والمحتل والمترصد بالشر، إلا أنه قد يكون المساعد والصديق والشريك الاستراتيجي، فقط إذا كان يبقي متخذي القرار على كراسيهم المعتقة.
إن الخارج هو الخطاب السياسي العربي، هو (الآخر) خلاف العربي والمسلم. فثقافة العرب ومنتجهم الحضاري وليد (الزمكان) الإسلامي فقط، ولا شأن لهم بالعالم إلا غزاة مدمرين للحضارات، لذا تجدهم لا يمتلكون بديلاً عالمياً للبشرية، ولا تنتج مراكزهم البحثية إيما إشارات مهمة أو فاعلة في هذا الصدد، لذا فهم مثال صناعة الكراهية لمجرد الكراهية، والرفض لمجرد الرفض، والاعتداء لمجرد الاعتداء.
يمكن لي أن أحاول في هذه القراءة السريعة أن أبرهن أن إصلاحاً يتم في الداخل، بل إن أي إصلاح سياسي عربي، هو مرهون بالخارج، تفعيلاً وإنجازاً. إن الحكومات في النظم العربية تؤسس لخطاب (تخوين) تلصقه بدعاة تفعيل مشاركة الخارج الولايات المتحدة وأوروبا على وجه الخصوص، إلا أننا نلاحظ ازدواجية في القراءات السياسية الحاكمة، تنشط هذه الازداوجية، حين يكون (الخارج) بالتحديد هو ركيزة بقاء النظم الحاكمة في مقار سلطتها وجبروتها.
مشاهد ازدواجية
أولاً: يحاول الخطاب السياسي العربي تصوير أي نداءات تطلقها قوى المعارضة للدول الغربية بأنها نداءات خيانة واستقراء وركوع واستسلام للخارج، بينما لا تتوانى الدول العربية في طلب مساعدات الخارج لقمع شعوبها تارة، أو للحفاظ على وحدتها الوطنية تارة أخرى، كاستعانة دول الخليج بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا خوفاً من نظام صدام حسين البائد 1991.
ثانياً: تلزم أكثر النظم العربية أحزابها وتجمعاتها السياسية الشعبية برفض التبرعات من (الخارج)، كمصر والبحرين، بينما تسعى الدول إلى الاستفادة من قروض ومساعدات الدول المانحة، لدعم نظمها الاقتصادية والسياسية على حد سواء، بل إن العديد من النماذج العربية لم تستطع الصمود أمام رغبات التغيير والإصلاح الجماهيرية، إلا عبر الاستقواء الخارجي.
ثالثاً: يغيب عن الخطاب السياسي العربي، ما يستجد اليوم في المجتمع الدولي، من تداخل بين مصالح الدول الكبرى المهيمنة، وبين (داخل) الدول الشرق أوسطية تحديداً، ما يحيل إلى أن الداخل العربي هو داخل غربي، وأن المصالح الخارجية للامبراطوريات الغربية، هي بالضرورة تدخلات في الداخل العربي، وإلا لما كان للولايات المتحدة أن تطلق مشروعها (الشرق الأوسط الكبير)، أو النسخة المعدلة منه (مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا).
رابعاً: ثمة رواج لاستقواء تمارسه الحكومات العربية تجاه تجمعات المعارضة، في رجمها ورفضها لأي إصلاح من الخارج تضغط المعارضة لتحقيقه، يقابل هذا الاستقواء خضوع أمام ما يسمى في الأعراف السياسية الدولية (التدخل في الشؤون الداخلية)، لماذا لا تعمد الحكومات العربية إلى مخاطبة الدول (الخارج)، بألا تتدخل في شؤونها الداخلية؟ لماذا لا تحاول مخاطبة هذه الدول ببساطة ومطالبتها بأن تلتزم بقرارات الشرعية الدولية في عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول؟
خامساً: ثمة قصر في الإدراك السياسي للحكومات العربية، فالداخل لا يحاول الخروج والاستقواء والاستعانة والنزوح والاستغاثة بالخارج إلا عندما يصل إلى قناعة تامة بأن الداخل مشلول الحركة، أو أنه جامد معقد. إذاً يكون المسبب الرئيسي لتحول مجموعات المعارضة العربية إلى الخارج هو الداخل نفسه.
سادساً: ثمة فارق كبير ومحوري بين الإصلاح من الخارج والإصلاح بالخارج، الإصلاح من الخارج قد تلجأ إليه الدولة ذاتها، وقد يحتوي بعض المضامين السلبية على المجتمعات التي يناقش تحقيق فعل الإصلاح السياسي على أرضها، أما الإصلاح بالخارج فهو سلوك مبرر تاريخياً واجتماعياً وسياسياً في ضوء المعطيات الجديدة للسياسة الدولية.
المتحد المجتمعي الجديد بوصفه خارجياً
لكل مجتمع متحده الاجتماعي، ونعني بالمتحد الاجتماعي، تلك النقطة التي تجتمع فيها السلطات المكونة والفاعلة داخل المجتمع، في بدائية المجتمعات (القبلية)، كان المتحد شيخاً حكيماً أو صنماً يعبد، أو حتى استفادة رعوية من واحة ماء في الصحراء. إن المجتمعات البسيطة، متحدها بسيط، وكلما تعقد المجتمع تعقدت ملامح متحده المجتمعي.
لدينا نتيجة مهمة، وهي أن لكل مجتمع (متحداً) يماثله في تعقيداته وتطوراته، وهكذا مهمة تعرض علينا العديد من النماذج التاريخية صوراً للمتحد متأثراً أو قادماً من الخارج، على أننا نرفض الانسياق نحو هذه الرؤية بما احتوته آخر القراءات السياسية في الولايات المتحدة على وجه التحديد، إذ إننا نميل إلى الاعتقاد بأن المتحد المجتمعي اليوم، ليس متحداً داخلياً على الإطلاق، بل هو في طبيعته وحقيقته المطلقة (متحد خارجي).
إن أي متتبع للمكونات الرئيسية للكونية الجديدة لابد أن يعي حجم المتغيرات السياسية والاجتماعية التي أصابت المجتمع الدولي، والتي هي تمثيل للخارج في كل تمثل سياسي يشتغل تحت وهم الداخل، عربياً على وجه التحديد، أي حديث عن الإصلاح السياسي، هو حديث عن الخارج أكثر منه حديث عن الداخل.
وهذه نتيجة ثانية في سياق هذه القراءة، فحين نتحدث عن الإصلاح من الخارج، أو بالخارج، فإننا ببساطة نتحدث عن تكوين متحد مجتمعي جديد، يكون للخارج دور فيه، أو يكون الخارج تحديداً هو الفاعل الرئيسي، والضابط الحقيقي لتكونه ونشأته.
هذه العلاقة لا تفرضها أحادية الاتجاه في النماذج السياسية التقليدية، بل هي قراءة عكسية، فالنموذج الأمريكي (الخارج)، حين يفرض إيقاعه السياسي على الإصلاحات السياسية العربية المستترة بمفهوم الإصلاح من (الداخل)، نجد أنه يتعرض للتأثير ذاته، فالقراءات السياسية الأمريكية، والمتحد السياسي والاجتماعي الأمريكي يؤمن بأن الخارج هو من ينظمه ويؤسس له، بمعنى أننا نحن (الخارج) الذي نؤثر فيه، سواء أدركنا هذه العلاقة أم لا، فهي قائمة.
يرى صاموئيل هنتنغتون أن المتحد المجتمعي الجديد للمجتمع الأمريكي يعتمد على صناعة مؤثر خارجي يلعب دور المتحد الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فالنظريات الاجتماعية لهنتنغتون كانت تركز على أن كل مجتمع من المجتمعات له متحد مجتمعي خاص، وكلما تعقد المجتمع تعقد المتحد الخاص به، لذلك يرى هنتنغتون عملياً أن المتحد الجديد هو مؤثرات خارجية بحتة، لا علاقة لها بالداخل الأمريكي، هو الكراهية لذلك الغازي الجديد المدني للولايات المتحدة الأمريكية.
اللغة الأسبانية، المكسيكيون، الهويات الجديدة للنخب الأمريكية الناتجة عن عولمة المنتج الأمريكي، ووسائل الاتصال الحديثة التي جعلت من الأمريكيين الجدد عاجزين عن الانفكاك عن هوياتهم الأولى المؤسسة، مما أدى إلى صعوبة اندماجهم في الهوية الأمريكية القائمة والجاهزة.
ويأتي محور العداء للإسلام كأهم المحاور التي يتطرق إليها هنتنغتون، فالمسلمون يتدخلون في كل صراعات العالم، تجدهم في كل زاوية وبلد، وليست المسألة الفلسطينية سوى (مسمار جحا) بالنسبة لهم، فهم أطراف في أكثر الصراعات الكونية اليوم، بل إنهم لا يستطيعون الهدوء داخل كهوفهم المغلقة على أقل تقدير، فمشكلاتهم وأسلحتهم إن لم تقتل ذلك البعيد والمختلف، قتلت الآخر في المنظومة الإسلامية ذاتها.
إن العداء لأمريكا من قبل المسلمين قدر أمريكي، والعداء لأمريكا – كما يعتقد هنتنغتون- هو نتيجة إسلامية عربية غير رياضية، بمعنى أنها ليست خاضعة للتبرير العقلي، فهي نتاج قلق توسعي إسلامي، وهي بالتحديد صورة الضعيف الذي ينكر على القوي قوته، لذا، على الأمريكيين أن يحاولوا تفهم الأمر بوضوح، وهي كما يعتقد هنتنغتون كراهية المسلمين لأمريكا، ولا تقتصر هذه الكراهية على الإسلاميين، بل هي تشمل الليبراليين واليسار العربي والإسلامي. فليس الخطاب اليساري العربي أخف وطأة أو كراهية لأمريكا.
يحاول هنتنغتون أن يرفع ثوب الخجل عن الولايات المتحدة عن إبداء مواقف أكثر تطرف تجاه المسلمين، وكأنه يستذكر مقولة أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية (كارتر) إذ قال (علينا أن نتوقف عن لوم أنفسنا كوننا الأقوى). وهو بذلك يدعو صراحة إلى تحديد دقيق لمتحد اجتماعي يتفق عليه الأمريكيون في بدايات الألفية الثالثة، وهو العداء للإسلام والمسلمين.
يؤكد سياق نتائجي، الكاتب علاء بيومي في مراجعته المهمة لكتاب صاموئيل هنتنغتون (من نحن)، ويضيف (على الرغم من أن هنتنغتون لا يرى أن الإسلام هو أحد التحديات الأساسية التي أدت إلى تراجع شعور الأمريكيين بهويتهم الوطنية، فإنه يرى أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية قد يساعد بشكل كبير في تحقيق التفاف الأمريكيين المنشود حول هويتهم الوطنية في المستقبل).
خلاصة الفكرة يحددها هنتنغتون ذاته، إذ يقول (الإسلاميون المسلحون، المتدينون منهم والعلمانيون، يرون أمريكا وشعبها ودينها وحضارتها أعداء للإسلام، والخيار الوحيد للأمريكيين هو أن ينظروا إلى هؤلاء الإسلاميين المسلحين بأسلوب مشابه). ويضيف (إن الإسلاميين المسلحين يختلفون عن السوفييت في أنه لا توجد دولة واحدة تضمنهم كما أنهم لا يسعون لتقديم بديل سياسي واقتصادي عالمي للغرب كما فعل السوفييت، وذلك لأن هدفهم الأساسي هو تدمير الغرب).
نعم لمطرقة الإصلاح بالخارج
في خضم هذه النتائج التي وصلنا إليها حتى الآن، يتسنى لنا الإقرار بأن أي حديث عن (الإصلاح من الداخل) هو تمثيل (أوهام تاريخية)، ترتكز على مكونات ثقافية وسياسية بائدة، وأن الواقع الجديد للمجتمع الدولي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يفرض حقيقة (الإصلاح بالخارج) بواقعية سياسية معتبرة.
إن الإصلاح السياسي العربي قد بدأ بتأثير مباشر من مطرقة الخارج، وإن المعني بالخارج في الخطاب السياسي بلا جدال هو الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة على استحياء، ولابد أن تعي الحكومات العربية أن شعوبها لن تفوت استخدام هذه المطرقة الحديدية.
ورغم هذا، لا تزال بعض العناصر الاجتماعية تلعب دوراً فاعلاً في إبطاء عجلة الفاعلية لهذه المطرقة الإصلاحية، فنجد أن المكونات الدينية والثقافية العربية والإسلامية لها حضورها المعطل، كذلك تلعب حقيقة (مصالح المطرقة) دورها المثبط، فمطرقة الخارج لها مصالحها السياسية في تأسيسها للمتحدات المجتمعية الجديدة في الشرق الأوسط، بمعنى أن من يريد استخدام أو تفعيل ضربات مطرقة الخارج، لابد أن يكون واعياً لمتطلبات الخارج نفسه، والسؤال هو ما الذي تدفعه (تخسره) مجموعات المعارضة العربية في حال اعتمادها على خيار المطرقة الأنجلوسكسونية؟
ليس الخارج عنصراً محايداً، والمقصود أن أي إغفال متعمد تسلطه المعارضة العربية للخارج، يصنع فراغاً مباشراً للخارج في خططه لرعاية مصالحه الاستراتيجية، فتكون الدولة (ذات الدولة) هي الشريك الوحيد (الموجود) والراغب في التعاون والشراكة، وتصبح مجموعات المعارضة (خطراً) على (الخارج)، أو هي باختصار (تجمعات مخربين أصوليين)، إن خيار (الخارج) هنا يكون دلالة رئيسة على (مدنية) و(عالمية) سياسات المعارضة العربية، وباستبعاده تكون المعارضة العربية (بربرية).
إن الإصلاح من الداخل وهم ومضيعة للوقت، أو هو فرصة لمزيد من (الدكتاتورية المتمقرطة) في الداخل العربي، هذا ما أصبح جلياً في التجارب العربية، باستثناء عسكري للعراق ودبلوماسي لقطر. وهذا ما يحيل إلى ذات الإشكاليات في الديمقراطيات المخادعة، والتي سبرها الألماني هابرماس في نقده للديمقراطيات الزائفة.
والحقيقة أن (الإصلاح بالخارج) لا يزال بعيداً عن استراتيجيات المعارضة العربية، ما يحيل إلى أن الفرصة قد تمضي، أو أن تبدأ مطرقة الخارج التي تتعفف المعارضة العربية عن استعمالها في ممارسة دورها التاريخي الذي لا تخطئه، وهو ضرب رؤوس الشعوب العربية، وهذا ما نتوقعه، فإما أن تضرب بالمطرقة، أو أن تستعد برحابة صدر لأن تكون تحتها.
::/fulltext::
::cck::3381::/cck::
