مؤثرات الوعي السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي
::cck::3333::/cck::
::introtext::
يرتبط الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بقضية مهمة للغاية، وهي الوعي السياسي، فمع تزايد الدعوات المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة فإن طبيعة هذه الإصلاحات وعلاقتها بالوعي لا تزال غير معروفة، كما أنها تختلف من نظام سياسي إلى آخر، وكذلك الإطار العام الذي يمكن الاستناد إليه في تنفيذها.
::/introtext::
::fulltext::
يرتبط الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بقضية مهمة للغاية، وهي الوعي السياسي، فمع تزايد الدعوات المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة فإن طبيعة هذه الإصلاحات وعلاقتها بالوعي لا تزال غير معروفة، كما أنها تختلف من نظام سياسي إلى آخر، وكذلك الإطار العام الذي يمكن الاستناد إليه في تنفيذها.
إن الوعي السياسي في مجتمعات الخليج يتفاوت من مجتمع لآخر، وذلك طبقاً للظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي مر بها كل مجتمع على حدة طوال القرن العشرين. ورغم وجود العشرات من المراكز البحثية في منطقة الخليج إلا أنه لم تجر حتى الآن دراسات معمقة حول هذا الوعي والخصوصية التي يتمتع بها وتحديد مستواه وأبرز العوامل المؤثرة فيه ميدانياً، بالإضافة إلى التعرف إلى علاقة الوعي السياسي الخليجي بمشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تتبناها حكومات المنطقة في الوقت الراهن مع تزايد المطالبات الدولية بتحقيقها في دول الخليج تحديداً. فضلاً عن الاهتمام بتحليل واستشراف مستقبل الوعي السياسي الخليجي، والإجابة عن سؤال محوري مهم، وهو: هل ستؤدي زيادة الوعي السياسي في دول الخليج إلى تغيير طبيعة وأشكال الأنظمة السياسية السائدة في المنطقة؟
قد يكون الحديث عن الوعي السياسي من دون وجود دراسات دقيقة معمقة حول هذا الموضوع غير مجدٍ، إلا أن بلورة مرئيات حول ملامح الوعي السياسي في بلدان مجلس التعاون الخليجي أمر مهم لأنه يمكن أن يساهم في تحديد أهم القضايا المرتبطة بالوعي السياسي في دول المجلس. وعليه يمكن تناول أهم العوامل المؤثرة في الوعي السياسي في هذه الدول، وهي حسب الآتي:
1- التعليم:
بدأ التعليم النظامي في بلدان مجلس التعاون بحلول نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، وقد ساهم ظهور المدارس الحكومية الحديثة في خلق بدايات الوعي السياسي لشعوب المنطقة، حيث لعب المدرسون العرب الذين أشرفوا على العملية التعليمية في الخليج دوراً كبيراً في بث ونشر أفكار التيارات السياسية المختلفة التي تطورت لاحقاً في شكل تنظيمات مثلت فروعاً للتنظيمات السياسية العربية الرئيسية.
كما أن التعليم أدى إلى زيادة نسبة القراءة والكتابة لدى أبناء المنطقة مما أتاح لهم فرصة الاطلاع على الكتب والصحف والمجلات العربية التي كانت تأتي بشكل مستمر من البلدان العربية المجاورة، وضاعفت من الوعي السياسي لدى شعوب المنطقة من خلال تفاعلهم مع النضال العربي من أجل التحرير ونيل الاستقلال.
وفي المحصلة، فإن ظهور التعليم في دول المجلس كان له الأثر الأكبر في خلق بواكير الوعي السياسي الخليجي، بالإضافة إلى الدور المباشر للتعليم في تأسيس التنظيمات السياسية الخليجية التي اتسمت بالطابع السري لاحقاً.
2- التاريخ السياسي:
تأثر التاريخ السياسي لبلدان مجلس التعاون الخليجي بالوجود الأجنبي، والبريطاني تحديداً، الذي سيطر على المنطقة منذ القرن التاسع عشر. واستطاع المستعمر الأجنبي أن يساهم في خلق شكل من أشكال الوعي السياسي من خلال السياسات التعسفية التي اتبعها مع شعوب المنطقة، حيث دفعت هذه السياسات النخب المتعلمة إلى تأسيس التنظيمات السياسية السرية، والقيام بحركة نضال وطني من أجل التحرر ونيل الاستقلال، ثم تحولت هذه المطالبات في وقت لاحق إلى دعوات لإشراك المواطنين في عملية صنع القرار السياسي مع الحكام، خصوصاً مع توجه المستعمر إلى تحديث الأنظمة الإدارية والسياسية القائمة في ذلك الوقت.
كذلك من أوجه تأثير المستعمر الأجنبي في الوعي السياسي الخليجي أنه ساهم في تشجيع انتشار التعليم مع اكتشاف النفط، وأدت ثنائية التعليم/ النفط إلى خلق طبقة عمالية لاحقاً في بعض مجتمعات الخليج، مثل البحرين والكويت. وانتشرت في أوساط هذه الطبقة ثقافة نقابية عكست وعياً سياسياً واضحاً آنذاك، ويمكن النظر إلى الحركة الإصلاحية التي ظهرت في كل من البحرين ودبي والكويت خلال العام 1938 على أنها مثال على علاقة السياسات الاستعمارية البريطانية في تلك الفترة بثنائية التعليم/ النفط.
وهناك جانب آخر من التاريخ السياسي لبلدان المنطقة وارتباطه بالوعي السياسي الخليجي هو التحولات التي شهدتها المجتمعات الخليجية من خلال مرحلة التحول من الاعتماد على الاقتصاد التقليدي إلى الاعتماد على النفط باعتباره مورداً رئيسياً للدخل، حيث صاحبت هذا التحول تغيّرات في بنى المجتمعات الخليجية أدت إلى تغيّر مصادر شرعية النخب الحاكمة التي كانت تعتمد في السابق على الولاء مقابل الأمن، وأصبح مصدر الشرعية يستقى مما تقدمه هذه النخب لشعوبها من عوائد الثروات النفطية عبر مشاريع البنى التحتية والرواتب وغيرها. وبتغيّر مصدر الشرعية فقد استطاعت النخب الحاكمة كسب ولاء شعوبها، وتمكنت من استيعاب أبرز المطالب التي كانوا يطالبون بها، خصوصاً المتعلقة بتحسين الظروف المعيشية. الأمر الذي حال دون انشغال الشعوب الخليجية بالسياسة لعقود طويلة، ويمكن ملاحظة ذلك بشكل أدق منذ مطلع السبعينات وحتى مطلع التسعينات. وهو ما أثّر سلباً في تكوين الوعي السياسي داخل بلدان مجلس التعاون لاحقاً.
3- دور المؤسسة الدينية:
خلال القرن العشرين ارتبط دور المؤسسة الدينية في مجتمعات الخليج بالفكر الديني التقليدي السائد آنذاك والذي كان قائماً على الموروثات الفكرية للدين الإسلامي من دون وجود أي مشاريع تطبيقية يمكن الاستفادة منها في معالجة الكثير من القضايا التي عانت منها تلك المجتمعات. ومن ثم فقط حرص المنتمون إلى المؤسسات الدينية على الابتعاد عن المسائل والقضايا السياسية، وخلقوا نمطاً تقليدياً في الخطاب الديني يعتمد بالدرجة الأولى على التركيز على القضايا الدينية والفقهية الصرفة من دون مناقشة القضايا المستجدة في هذه المجتمعات. ومن أهم العوامل التي أدت إلى ذلك السياسات التي انتهجتها النخب الحاكمة في التعامل مع المؤسسة الدينية والتي تراوحت بين مساع لاحتواء النفوذ المتصاعد لهذه المؤسسة عبر التحالف معها، كما هو الحال بالنسبة للتجربة السعودية، أو عن طريق زيادة مكاسب هذه المؤسسة وقياداتها، كما في التجربة الكويتية، الأمر الذي ساهم في إيجاد خطاب ديني منفر للسياسة، ويحرّض العامة على الابتعاد عنها. وإذا كانت هناك محاولات لدى بعض القيادات الدينية من المؤسسة نفسها في الخروج عن هذا المنهج وتغيير الخطاب الديني التقليدي فإنها عادة ما تواجه بالرفض والتحفظ الشديد من قبل المؤسسة الدينية قد تدفع السلطة إلى احتوائها سريعاً (درءاً للفتنة).
من هنا فقد كان دور المؤسسة الدينية في خلق الوعي السياسي محدوداً للغاية، وأصبحت من الإشكاليات التي تواجهها الأنظمة السياسية الخليجية اليوم هي صعوبة تفعيل دور المؤسسة من أجل دعم مشاريع الإصلاح بسبب تبني قيادات المؤسسة ذاتها قناعات وفكراً يرفض الديمقراطية والإصلاح السياسي باعتبارها أفكاراً دخيلة على الدين الإسلامي وينبغي محاربتها كونها نتاج (الغرب الكافر). إلا أنه لابد من الإشارة إلى ما طرأ على المؤسسة الدينية من تغييرات مهمة في بعض بلدان مجلس التعاون منذ السبعينات من القرن الماضي، حيث تم توظيف المؤسسة من أجل تحقيق أهداف ومكاسب سياسية. وقد تكون الحالة البحرينية مثال جيد على التحولات والدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة الدينية في تشكيل الوعي السياسي وفق اتجاهات محددة. فقد تطور دور المؤسسة الدينية الشيعية على سبيل المثال وأصبحت تمارس دوراً متزايداً في النظام السياسي البحريني بعد أن عكفت طوال ثلاثة عقود على زيادة درجة الوعي السياسي بين الشيعة في البلاد إلى أن وصلت اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على تحريك التنظيمات السياسية الإسلامية الشيعية في البحرين بشكل مفرط، وأصبح العمل السياسي الشيعي قائماً على المؤسسة الدينية التي تضع أجندته وسياساته ومناهجه وأساليبه في التعاطي مع القضايا والمستجدات السياسية. لذلك فإنه بإمكان المؤسسة الدينية أن تلعب أدواراً مزدوجة في تشكيل الوعي السياسي، كما أنه بمقدورها توجيه الرأي العام نحو الممارسات التي تراها وفق فكرها وأجندتها المختلفة.
4- طبيعة النظام السياسي:
من أهم ما يميز الأنظمة السياسية في بلدان مجلس التعاون الخليجي أنها مختلفة عن الأنظمة السياسية الشائعة التي يصنفها علماء السياسات المقارنة والباحثون في هذا المجال، وذلك للخصوصية التي تتميز بها، فطبيعة العلاقة بين النخب الحاكمة فيها والشعب مختلفة تماماً عما هو سائد في الأنظمة الملكية الأوروبية المعروفة. ولذلك اتسمت الأنظمة السياسية الخليجية بـ (الشخصنة)، حيث تقوم السلطة على شخص الحاكم وليس على المؤسسات. وأدى ذلك إلى أن يتأثر الوعي السياسي برغبات شخص الحاكم والسياسات التي يراها مناسبة.
ومثل هذه الحقيقة لا تزال تؤثر كثيراً في توجه بلدان المجلس نحو الإصلاح السياسي وإقامة دولة المؤسسات، وهي مسألة لا يمكن معالجتها بشكل فوقي، بل ينبغي إعدادها عبر تحضير البنية التحتية لهذه المؤسسات، بحيث تقوم على أفكار ومشاريع سياسية بدلاً من اعتمادها على قيادات معينة، وهو ما لا يتأتى إلا عبر خلق وعي سياسي ناضج يمتد على مدى سنوات طويلة.
5- المؤسسات الإعلامية:
يرتبط تأثير المؤسسات الإعلامية في الوعي السياسي بطبيعة الأنظمة السياسية الخليجية، فهذه المؤسسات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسات التي تقررها حكومات الخليج، وهذه السياسات خلال الفترة من استقلال دول المجلس وحتى مطلع التسعينات لم تكن تقوم إلا بدور محدود في التوعية السياسية التي تقررها لها السلطات التنفيذية عادة. وهو ما أدى لاحقاً إلى وجود صعوبة في تفعيل دور المؤسسات الإعلامية لخلق الوعي السياسي وتشكيله من جديد، خصوصاً أن هذا الدور ارتبط بهامش حرية التعبير المتاحة في الأنظمة السياسية الخليجية. ويمكن ملاحظة التباين في ذلك من خلال قراءة غير معمقة لخطاب المؤسسات الإعلامية الكويتية وما أحدثته لدى الرأي العام ومقارنة ذلك بأي خطاب للمؤسسات الإعلامية الخليجية الأخرى حتى نهاية التسعينات.
إلا أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه إذا كان لطبيعة الأنظمة السياسية الخليجية تأثير واضح للحد من قدرة المؤسسات الإعلامية في التوعية السياسية سواءً بالسلب أو بالإيجاب. فإن الظروف الإعلامية اليوم أصبحت مختلفة عن السابق، حيث ظهرت وسائل إعلامية جديدة بفضل التكنولوجيا المتطورة لا يمكن السيطرة عليها في تكوين خطاب إعلامي يقوم على أفكار سياسية محافظة. ومثال ذلك خدمات الإنترنت وخدمات الرسائل النصية القصيرة التي تتميز بسرعة انتشارها، ففي المثال الأول فقد تطور الإعلام ليكوّن أنظمة سياسية افتراضية فيها تنظيمات سياسية ووسائل إعلامية إلكترونية خاصة من الصعوبة بمكان السيطرة عليها، وكذلك الحال بالنسبة للمثال الثاني الذي يمكن تفعيله في الاتصال السياسي. وفي كلتا الحالتين فإن وسائل الإعلام الجديدة أصبحت مؤثرة بشكل كبير في زيادة الوعي السياسي، فضلاً عن دور القنوات الفضائية واسعة الانتشار.
الخلاصة أن هناك مجموعة من المؤثرات الرئيسية في الوعي السياسي الخليجي الذي لم يحظ بفرصة البحث المعمق من قبل الباحثين والدارسين في العلوم السياسية. وتأتي الحاجة إلى دراسة طبيعة هذا الوعي بشكل كبير مع مساعي حكومات دول مجلس التعاون نحو الإصلاح السياسي، خاصة أن هذه المساعي قد تواجه إشكاليات كبيرة سواءً في المرحلة الانتقالية نحو الدمقرطة أو حتى على المدى البعيد بسبب التراكمات السابقة للمؤثرات الرئيسية في الوعي السياسي لشعوب بلدان الخليج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3333::/cck::
::introtext::
يرتبط الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بقضية مهمة للغاية، وهي الوعي السياسي، فمع تزايد الدعوات المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة فإن طبيعة هذه الإصلاحات وعلاقتها بالوعي لا تزال غير معروفة، كما أنها تختلف من نظام سياسي إلى آخر، وكذلك الإطار العام الذي يمكن الاستناد إليه في تنفيذها.
::/introtext::
::fulltext::
يرتبط الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بقضية مهمة للغاية، وهي الوعي السياسي، فمع تزايد الدعوات المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في المنطقة فإن طبيعة هذه الإصلاحات وعلاقتها بالوعي لا تزال غير معروفة، كما أنها تختلف من نظام سياسي إلى آخر، وكذلك الإطار العام الذي يمكن الاستناد إليه في تنفيذها.
إن الوعي السياسي في مجتمعات الخليج يتفاوت من مجتمع لآخر، وذلك طبقاً للظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي مر بها كل مجتمع على حدة طوال القرن العشرين. ورغم وجود العشرات من المراكز البحثية في منطقة الخليج إلا أنه لم تجر حتى الآن دراسات معمقة حول هذا الوعي والخصوصية التي يتمتع بها وتحديد مستواه وأبرز العوامل المؤثرة فيه ميدانياً، بالإضافة إلى التعرف إلى علاقة الوعي السياسي الخليجي بمشاريع الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تتبناها حكومات المنطقة في الوقت الراهن مع تزايد المطالبات الدولية بتحقيقها في دول الخليج تحديداً. فضلاً عن الاهتمام بتحليل واستشراف مستقبل الوعي السياسي الخليجي، والإجابة عن سؤال محوري مهم، وهو: هل ستؤدي زيادة الوعي السياسي في دول الخليج إلى تغيير طبيعة وأشكال الأنظمة السياسية السائدة في المنطقة؟
قد يكون الحديث عن الوعي السياسي من دون وجود دراسات دقيقة معمقة حول هذا الموضوع غير مجدٍ، إلا أن بلورة مرئيات حول ملامح الوعي السياسي في بلدان مجلس التعاون الخليجي أمر مهم لأنه يمكن أن يساهم في تحديد أهم القضايا المرتبطة بالوعي السياسي في دول المجلس. وعليه يمكن تناول أهم العوامل المؤثرة في الوعي السياسي في هذه الدول، وهي حسب الآتي:
1- التعليم:
بدأ التعليم النظامي في بلدان مجلس التعاون بحلول نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، وقد ساهم ظهور المدارس الحكومية الحديثة في خلق بدايات الوعي السياسي لشعوب المنطقة، حيث لعب المدرسون العرب الذين أشرفوا على العملية التعليمية في الخليج دوراً كبيراً في بث ونشر أفكار التيارات السياسية المختلفة التي تطورت لاحقاً في شكل تنظيمات مثلت فروعاً للتنظيمات السياسية العربية الرئيسية.
كما أن التعليم أدى إلى زيادة نسبة القراءة والكتابة لدى أبناء المنطقة مما أتاح لهم فرصة الاطلاع على الكتب والصحف والمجلات العربية التي كانت تأتي بشكل مستمر من البلدان العربية المجاورة، وضاعفت من الوعي السياسي لدى شعوب المنطقة من خلال تفاعلهم مع النضال العربي من أجل التحرير ونيل الاستقلال.
وفي المحصلة، فإن ظهور التعليم في دول المجلس كان له الأثر الأكبر في خلق بواكير الوعي السياسي الخليجي، بالإضافة إلى الدور المباشر للتعليم في تأسيس التنظيمات السياسية الخليجية التي اتسمت بالطابع السري لاحقاً.
2- التاريخ السياسي:
تأثر التاريخ السياسي لبلدان مجلس التعاون الخليجي بالوجود الأجنبي، والبريطاني تحديداً، الذي سيطر على المنطقة منذ القرن التاسع عشر. واستطاع المستعمر الأجنبي أن يساهم في خلق شكل من أشكال الوعي السياسي من خلال السياسات التعسفية التي اتبعها مع شعوب المنطقة، حيث دفعت هذه السياسات النخب المتعلمة إلى تأسيس التنظيمات السياسية السرية، والقيام بحركة نضال وطني من أجل التحرر ونيل الاستقلال، ثم تحولت هذه المطالبات في وقت لاحق إلى دعوات لإشراك المواطنين في عملية صنع القرار السياسي مع الحكام، خصوصاً مع توجه المستعمر إلى تحديث الأنظمة الإدارية والسياسية القائمة في ذلك الوقت.
كذلك من أوجه تأثير المستعمر الأجنبي في الوعي السياسي الخليجي أنه ساهم في تشجيع انتشار التعليم مع اكتشاف النفط، وأدت ثنائية التعليم/ النفط إلى خلق طبقة عمالية لاحقاً في بعض مجتمعات الخليج، مثل البحرين والكويت. وانتشرت في أوساط هذه الطبقة ثقافة نقابية عكست وعياً سياسياً واضحاً آنذاك، ويمكن النظر إلى الحركة الإصلاحية التي ظهرت في كل من البحرين ودبي والكويت خلال العام 1938 على أنها مثال على علاقة السياسات الاستعمارية البريطانية في تلك الفترة بثنائية التعليم/ النفط.
وهناك جانب آخر من التاريخ السياسي لبلدان المنطقة وارتباطه بالوعي السياسي الخليجي هو التحولات التي شهدتها المجتمعات الخليجية من خلال مرحلة التحول من الاعتماد على الاقتصاد التقليدي إلى الاعتماد على النفط باعتباره مورداً رئيسياً للدخل، حيث صاحبت هذا التحول تغيّرات في بنى المجتمعات الخليجية أدت إلى تغيّر مصادر شرعية النخب الحاكمة التي كانت تعتمد في السابق على الولاء مقابل الأمن، وأصبح مصدر الشرعية يستقى مما تقدمه هذه النخب لشعوبها من عوائد الثروات النفطية عبر مشاريع البنى التحتية والرواتب وغيرها. وبتغيّر مصدر الشرعية فقد استطاعت النخب الحاكمة كسب ولاء شعوبها، وتمكنت من استيعاب أبرز المطالب التي كانوا يطالبون بها، خصوصاً المتعلقة بتحسين الظروف المعيشية. الأمر الذي حال دون انشغال الشعوب الخليجية بالسياسة لعقود طويلة، ويمكن ملاحظة ذلك بشكل أدق منذ مطلع السبعينات وحتى مطلع التسعينات. وهو ما أثّر سلباً في تكوين الوعي السياسي داخل بلدان مجلس التعاون لاحقاً.
3- دور المؤسسة الدينية:
خلال القرن العشرين ارتبط دور المؤسسة الدينية في مجتمعات الخليج بالفكر الديني التقليدي السائد آنذاك والذي كان قائماً على الموروثات الفكرية للدين الإسلامي من دون وجود أي مشاريع تطبيقية يمكن الاستفادة منها في معالجة الكثير من القضايا التي عانت منها تلك المجتمعات. ومن ثم فقط حرص المنتمون إلى المؤسسات الدينية على الابتعاد عن المسائل والقضايا السياسية، وخلقوا نمطاً تقليدياً في الخطاب الديني يعتمد بالدرجة الأولى على التركيز على القضايا الدينية والفقهية الصرفة من دون مناقشة القضايا المستجدة في هذه المجتمعات. ومن أهم العوامل التي أدت إلى ذلك السياسات التي انتهجتها النخب الحاكمة في التعامل مع المؤسسة الدينية والتي تراوحت بين مساع لاحتواء النفوذ المتصاعد لهذه المؤسسة عبر التحالف معها، كما هو الحال بالنسبة للتجربة السعودية، أو عن طريق زيادة مكاسب هذه المؤسسة وقياداتها، كما في التجربة الكويتية، الأمر الذي ساهم في إيجاد خطاب ديني منفر للسياسة، ويحرّض العامة على الابتعاد عنها. وإذا كانت هناك محاولات لدى بعض القيادات الدينية من المؤسسة نفسها في الخروج عن هذا المنهج وتغيير الخطاب الديني التقليدي فإنها عادة ما تواجه بالرفض والتحفظ الشديد من قبل المؤسسة الدينية قد تدفع السلطة إلى احتوائها سريعاً (درءاً للفتنة).
من هنا فقد كان دور المؤسسة الدينية في خلق الوعي السياسي محدوداً للغاية، وأصبحت من الإشكاليات التي تواجهها الأنظمة السياسية الخليجية اليوم هي صعوبة تفعيل دور المؤسسة من أجل دعم مشاريع الإصلاح بسبب تبني قيادات المؤسسة ذاتها قناعات وفكراً يرفض الديمقراطية والإصلاح السياسي باعتبارها أفكاراً دخيلة على الدين الإسلامي وينبغي محاربتها كونها نتاج (الغرب الكافر). إلا أنه لابد من الإشارة إلى ما طرأ على المؤسسة الدينية من تغييرات مهمة في بعض بلدان مجلس التعاون منذ السبعينات من القرن الماضي، حيث تم توظيف المؤسسة من أجل تحقيق أهداف ومكاسب سياسية. وقد تكون الحالة البحرينية مثال جيد على التحولات والدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة الدينية في تشكيل الوعي السياسي وفق اتجاهات محددة. فقد تطور دور المؤسسة الدينية الشيعية على سبيل المثال وأصبحت تمارس دوراً متزايداً في النظام السياسي البحريني بعد أن عكفت طوال ثلاثة عقود على زيادة درجة الوعي السياسي بين الشيعة في البلاد إلى أن وصلت اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على تحريك التنظيمات السياسية الإسلامية الشيعية في البحرين بشكل مفرط، وأصبح العمل السياسي الشيعي قائماً على المؤسسة الدينية التي تضع أجندته وسياساته ومناهجه وأساليبه في التعاطي مع القضايا والمستجدات السياسية. لذلك فإنه بإمكان المؤسسة الدينية أن تلعب أدواراً مزدوجة في تشكيل الوعي السياسي، كما أنه بمقدورها توجيه الرأي العام نحو الممارسات التي تراها وفق فكرها وأجندتها المختلفة.
4- طبيعة النظام السياسي:
من أهم ما يميز الأنظمة السياسية في بلدان مجلس التعاون الخليجي أنها مختلفة عن الأنظمة السياسية الشائعة التي يصنفها علماء السياسات المقارنة والباحثون في هذا المجال، وذلك للخصوصية التي تتميز بها، فطبيعة العلاقة بين النخب الحاكمة فيها والشعب مختلفة تماماً عما هو سائد في الأنظمة الملكية الأوروبية المعروفة. ولذلك اتسمت الأنظمة السياسية الخليجية بـ (الشخصنة)، حيث تقوم السلطة على شخص الحاكم وليس على المؤسسات. وأدى ذلك إلى أن يتأثر الوعي السياسي برغبات شخص الحاكم والسياسات التي يراها مناسبة.
ومثل هذه الحقيقة لا تزال تؤثر كثيراً في توجه بلدان المجلس نحو الإصلاح السياسي وإقامة دولة المؤسسات، وهي مسألة لا يمكن معالجتها بشكل فوقي، بل ينبغي إعدادها عبر تحضير البنية التحتية لهذه المؤسسات، بحيث تقوم على أفكار ومشاريع سياسية بدلاً من اعتمادها على قيادات معينة، وهو ما لا يتأتى إلا عبر خلق وعي سياسي ناضج يمتد على مدى سنوات طويلة.
5- المؤسسات الإعلامية:
يرتبط تأثير المؤسسات الإعلامية في الوعي السياسي بطبيعة الأنظمة السياسية الخليجية، فهذه المؤسسات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسات التي تقررها حكومات الخليج، وهذه السياسات خلال الفترة من استقلال دول المجلس وحتى مطلع التسعينات لم تكن تقوم إلا بدور محدود في التوعية السياسية التي تقررها لها السلطات التنفيذية عادة. وهو ما أدى لاحقاً إلى وجود صعوبة في تفعيل دور المؤسسات الإعلامية لخلق الوعي السياسي وتشكيله من جديد، خصوصاً أن هذا الدور ارتبط بهامش حرية التعبير المتاحة في الأنظمة السياسية الخليجية. ويمكن ملاحظة التباين في ذلك من خلال قراءة غير معمقة لخطاب المؤسسات الإعلامية الكويتية وما أحدثته لدى الرأي العام ومقارنة ذلك بأي خطاب للمؤسسات الإعلامية الخليجية الأخرى حتى نهاية التسعينات.
إلا أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه إذا كان لطبيعة الأنظمة السياسية الخليجية تأثير واضح للحد من قدرة المؤسسات الإعلامية في التوعية السياسية سواءً بالسلب أو بالإيجاب. فإن الظروف الإعلامية اليوم أصبحت مختلفة عن السابق، حيث ظهرت وسائل إعلامية جديدة بفضل التكنولوجيا المتطورة لا يمكن السيطرة عليها في تكوين خطاب إعلامي يقوم على أفكار سياسية محافظة. ومثال ذلك خدمات الإنترنت وخدمات الرسائل النصية القصيرة التي تتميز بسرعة انتشارها، ففي المثال الأول فقد تطور الإعلام ليكوّن أنظمة سياسية افتراضية فيها تنظيمات سياسية ووسائل إعلامية إلكترونية خاصة من الصعوبة بمكان السيطرة عليها، وكذلك الحال بالنسبة للمثال الثاني الذي يمكن تفعيله في الاتصال السياسي. وفي كلتا الحالتين فإن وسائل الإعلام الجديدة أصبحت مؤثرة بشكل كبير في زيادة الوعي السياسي، فضلاً عن دور القنوات الفضائية واسعة الانتشار.
الخلاصة أن هناك مجموعة من المؤثرات الرئيسية في الوعي السياسي الخليجي الذي لم يحظ بفرصة البحث المعمق من قبل الباحثين والدارسين في العلوم السياسية. وتأتي الحاجة إلى دراسة طبيعة هذا الوعي بشكل كبير مع مساعي حكومات دول مجلس التعاون نحو الإصلاح السياسي، خاصة أن هذه المساعي قد تواجه إشكاليات كبيرة سواءً في المرحلة الانتقالية نحو الدمقرطة أو حتى على المدى البعيد بسبب التراكمات السابقة للمؤثرات الرئيسية في الوعي السياسي لشعوب بلدان الخليج.
::/fulltext::
::cck::3333::/cck::
