التمدد الاستراتيجي الأطلسي في الخليج العربي

::cck::3440::/cck::
::introtext::

إن الحوارات والمبادرات المتسارعة على طريق العلاقات بين الدول العربية المتوسطية من ناحية ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، ودول الخليج العربية من ناحية أخرى ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، لابد أن تطرح على المراقبين عدداً من التساؤلات، ومحاولة البحث عن إجابات عنها توضح أهداف وآفاق هذه الحوارات والمبادرات؟

::/introtext::
::fulltext::

إن الحوارات والمبادرات المتسارعة على طريق العلاقات بين الدول العربية المتوسطية من ناحية ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، ودول الخليج العربية من ناحية أخرى ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، لابد أن تطرح على المراقبين عدداً من التساؤلات، ومحاولة البحث عن إجابات عنها توضح أهداف وآفاق هذه الحوارات والمبادرات؟
أولاً: ما الذي يجعل من المنطقة العربية عموماً ودول مجلس التعاون خصوصاً هدفاً للتحرك الأوروبي عموماً وللناتو خصوصاً الآن؟
ثانياً: ما هي الأهداف الأوروأطلسية من وراء السعي إلى شراكة مع دول المنطقة؟
ثالثاً: ما هي الترجمة العملية على أرض الواقع التي تمت على هذا المسار؟
رابعاً: ما مدى ارتباط ذلك بمشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي؟
خامساً: ما هو موقف أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من إسرائيل؟ وما هي مواقفها من القضية الفلسطينية وهي القضية الرئيسية لدول المنطقة.
سادساًَ: هل هناك رؤية عربية تبلور أهدافاً واضحة لتحقيق مصالح دول المنطقة في الحوار الدائر؟
سابعاً: ماذا عن صيغة الأمن في الخليج بصفة خاصة؟ وماذا يراد منه؟ وماذا يريد منهم؟
وفي محاولة البحث عن إجابات عن هذه التساؤلات دعونا نبدأ بقراءة الملف من آخر صفحة, وهي الحلقة النقاشية حول الناتو والشرق الأوسط الكبير والتي عقدت في الدوحة نهاية نوفمبر الماضي، ودار النقاش فيها على مدى ثلاثة أيام بين برلمانيين خليجيين ومسؤولين من الناتو بحضور عدد من الشخصيات الدولية والعربية حول التصورات الأمنية في دول الخليج بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما ناقش المتحاورون انعكاسات الوضع الأمني في العراق على دول المنطقة، وانعكاسات التوتر الإيراني – الأمريكي حول الملف النووي الإيراني على الوضع في المنطقة.
وإذا كان من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله وليس لدوله فقط لكونه ينتج ما يزيد على الثمانين في المائة من الإنتاج العالمي للنفط، ويملك ما يزيد على الثلاثين في المائة من الاحتياطي العالمي, ولما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي، فإن هذا التمدد الاستراتيجي الأمريكي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية عموماً والخليجية خصوصاً, إنما ينطلق من أجندة استراتيجية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة، ولكن انطلاقاً من هذه المنطقة التي تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من أندونيسيا إلى المغرب والتى تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الشرق الأوسط الكبير).
وهذا التمدد يجيء في أعقاب عدة متغيرات ومستجدات عالمية, منها تنامي ظاهرة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر, وزيادة المخاوف الأطلسية من انتشار أسلحة الدمار الشامل في أيدي غيرصديقة للغرب، وغياب حلف وارسو من الساحة العالمية مما فتح شهية الناتو للتوسع شرقاً، وتغيير استراتيجيته ليقوم بدور سياسي بعد أن كان عسكريا فقط، وفي خارج أراضيه بعد أن كان قاصرا على أراضي دوله فقط, وبشن عمليات استباقية بعد أن كان دفاعياً فقط.
وركز التوجه الجديد للحلف نحو الجنوب على محورين الأول متوسطي والثاني خليجي، وقد زار أمين عام حلف الناتو في هذا الإطار عدداً من دول المنطقة هي مصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر وموريتانيا وإسرائيل.
وحول جولته السداسية كشفت مصادر دبلوماسية وسياسية مطلعة لصحيفة (المصريون) الإلكترونية المستقلة أن أمين عام الحلف ياب دي هوب شيفر حمل فيها (خارطة طريق أوروبية) للدول الست تعكس رغبة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في التدخل في قضايا حساسة تمس الشؤون الداخلية التي لا يجوز لأجنبي التدخل فيها، وأوضحت هذه المصادر أن القاهرة أبدت استياء شديداً تجاه هذه المطالب.
ويطلب الناتو الذي يسعى لإقامة تحالف مع دول المنطقة المتوسطية القيام بما يسميه إصلاحات على المؤسسات الوطنية العسكرية لتكون مستعدة للمشاركة بدور في مسألة الحرب على الإرهاب والإصلاح الديمقراطي، كما أنه من بين هذه المطالب المستفزة اقتراح بمشاركة القوات المسلحة للدول الست في عمليات مشتركة مع قوات حلف الأطلسي في مناطق التوتر الدولي.
كما يطالب الحلف هذه الدول بالانخراط بشكل أقوى في عملية محاربة الإرهاب، ومنع انتشار أسحلة الدمار الشامل، ومكافحة عمليات الهجرة غير الشرعية وذلك في إطار المهام الجديدة للناتو، والتعاون مع دول البحر المتوسط لحماية الأمن الأوروبي.
وكشفت المصادر للصحيفة أن القاهرة اعتبرت هذه المطالب والبنود الأخرى التي يحملها شيفر تدخلاً في الشؤون الداخلية المصرية، وهو ما جعل هذه الزيارة تشكل عبئاً غير مرغوب فيه، لكنها على أية حال كانت محل مناقشة مع المسؤولين المصريين.
وإذا انتقلنا من الدول المتوسطية إلى الخليج العربي فمن المهم معاودة قراءة الملف من أول صفحة، حيث اتجه الحلف إلى الاهتمام بالشرق الأوسط ودول الخليج العربي منذ عام 1994 ومنذ ذلك التاريخ والحوار قائم، وشهدت الدوحة في أبريل عام 2004 ندوة بعنوان (تحولات الناتو والأمن في الخليج).
ومع قمة حلف الناتو في اسطنبول في منتصف العام الماضي اتجه الحلف لتطوير الحوار إلى اسم جديد هو الشراكة في إطار عملية تمدد استراتيجي للناتو في المنطقة، حيث دعت قمة الحلف للتوصل إلى شراكة مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي في مجالات الأمن والدفاع لمواجهة الإرهاب، خصوصاً بعدما تلقى الناتو إشارات مشجعة خلال الحوار, على الرغم من الخلاف الذي لا يزال قائماً بين الجانبين حول مفهوم الإرهاب, خاصة أن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة, والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرمه القوانين الوضعية في دول العالم.
وسر الاهتمام بهذه المنطقة يعود من وجهة نظر (الناتو) إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي مستودع لما يسمى (الإرهاب) الذي يهدد الأمن الأوروبي والعالمي من ناحية، ومن ناحية أخرى تطبيقاً لاستراتيجية الحلف الجديدة وتحوله من منظمة دفاعية لا تتدخل إلا بعد وقوع اعتداء على إحدى الدول الأعضاء على أرض دول الحلف، إلى منظمة سياسية أمنية تهدف إلى درء المخاطر، أي إلى المبادرة الاستباقية أو الحروب الوقائية في خارج أرض الحلف، وفي نطاق أوسع يمتد من غرب الأطلسي إلى شرق أوروبا وحتى جنوب المتوسط.
وعقدت عدة جولات بين الجانب الخليجي والناتو لبحث صيغة هذا التعاون، فشهدت العاصمة الإيطالية روما (مقر الحلف) في مارس 2005 مناقشة سياسية أمنية حول المصالح الآنية والمستقبلية لتحقيق الأهداف الأطلسية في المجالات المختلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
وإذا كانت شعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف، ولعدم التوازن في القوى بين الطرفين, مما يجعل العرب في حالة الدخول في الأحلاف هم الشريك الأضعف، وبالتالي فلن تكون لهم إراداتهم السياسية المستقلة.
وإذا ظلت معظم دول الشرق الأوسط تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن انتهاء الحرب الباردة مع انهيار سور برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي أخل بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى في العالم مما ضيق من هامش المناورة أمام الدول غير المنحازة، ومما سمح للولايات المتحدة العضو الأبرز في حلف شمال الأطلسي أن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم، ومع تطلعها لأن تجعل هذا القرن أمريكياً زادت نزعات الهيمنة ليس على الشرق الأوسط فقط ولكن على أوروبا أيضاً في ظل متغيرات في داخل المنطقة وفي أمريكا فتحت المجال للتمدد الاستراتيجي الغربي.
فبدءاً من الدور الأمريكي في ما تلى حرب أكتوبر عام 1973 وانفراده بملف العملية السياسية بين مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل، ومروراً بالحرب العراقية ـ الإيرانية بما سمح بدخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى المنطقة لحماية ناقلاتها النفطية، ودعماً للجانب العراقي ضد الجانب الإيراني، ومع إقدام النظام العراقي السابق على غزو الكويت وقيام حرب الخليج الثانية في إطار تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، استطاع الغرب الأمريكي والإنجليزي والفرنسي أن يثبت وجوده العسكري في المنطقة في ما بدا أنه لا ينوي المغادرة، ومع حرب الخليج الثالثة وإقدام التحالف الأنجلو – أمريكي على شن حرب على العراق بغير تفويض قانوني من مجلس الأمن وبعد نجاحها في احتلال العراق أصبح الوجود العسكري الأطلسي في الخليج أمراً واقعاً بفعل جبروت القوة، إلا أن ذلك لا يعني أنه ليست للطرفين مصالح مشتركة ترتبط بالنفط والأمن الذي اضطرت فيه دول المنطقة للاعتماد على الغرب.
إن هذه المتغيرات فتحت الطريق للحوار ومحاولة تطوير هذا الحوار إلى شراكة بين دول مجلس التعاون وحلف شمال الأطلسي.
من جانب آخر حدثت من المتغيرات في أوروبا وأمريكا ما دفع الخطوات الأطلسية في اتجاه هذه المنطقة فيما يمكن أن نسميه نوعاً من الاحتواء لضبط إيقاعاتها بما لا يهدد الأمن الأمريكي أو الأوروبي، وإن كان يتقدمه بالطبع ضمان الأمن الإسرائيلي.
المتغير الأول هو ما حدث داخل الولايات المتحدة الأمريكية من اعتداء خطير على رموز القوة والاقتصاد والسيادة الأمريكية في نيويورك وواشنطن، واتهمت الولايات المتحدة عناصر عربية وإسلامية في إطار تنظيم القاعدة, ومن هنا اندفعت في شراسة الأسد الجريح، وبنوع من حماقة القوة إلى غزو أفغانستان والعراق، وغيّرت سياستها الاستراتيجية تجاه دول المنطقة مركزة على الحرب الاستباقية، ومحاربة الإرهاب على أرض الشرق الأوسط بعيداً عن الأرض الأمريكية، والعمل على عدم امتلاك دولة عربية أو إسلامية لأسلحة نووية، في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووى.. وقبل هذه الأحداث وتلك الأهداف كانت السيطرة على مصادر الطاقة هدفاً أول لتحركها باتجاه المنطقة لا ينافسه إلا ضمان الأمن الإسرائيلي ضد المخاطر العراقية أو الإيرانية.
وفي داخل أوروبا وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومع نمو الاتحاد الأوروبي شهد العام 2003 انقساماً أوروبياً محوره الولايات المتحدة الأمريكية والحرب على العراق ما زاد من نزعة الاستقلال الأوروبي عن أمريكا في مواجهة طرف أوروبي آخر يؤيد العلاقة القوية بين ضفتي الأطلسي وتقوية الحلف، ومع المهام الجديدة للحلف والمتغيرات الدولية خصوصاً في مجالات الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والهجرة غير الشرعية التي شعرت معها أوروبا بالتهديد لجأت إلى التوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، وانتهاج مبدأ التوسع شرقاً وجنوباً سواء تحت يافطة الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.
وربما كانت هذه المتغيرات هي ما يشير إليها رئيس مجلس الشورى القطري في لقاء الدوحة الأخير بقوله (إن المتغيرات الدولية جعلت أطرافاً دولية أخرى جزءاً من المعادلة الأمنية في المنطقة بعد أن كانت المسألة الأمنية في الخليج العربي من مسؤوليات دوله فقط).
ولأن الدول الخليجية الست تجد نفسها واقعة تحت التأثيرات السلبية للتوترات على المحور الأمني العراقي من جهة، وعلى المحور النووي الإيراني من جهة أخرى، بينما الولايات المتحدة وأوروبا وهما محورا الناتو على ضفتي الأطلسي يمثلان الطرف الثاني لهذا التوتر.
ولأن هذه الدول الخليجية الست ترتبط بالفعل بمعاهدات أمنية ثنائية مع لندن وواشنطن، ولأن الهاجس الأمني يشكل أولى اهتماماتها لدرجة أن ما أنفقته هذه الدول على التسليح خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط بلغ 80 مليار دولار, فلم تجد هذه الدول مانعاً من البحث مع الناتو في صيغة للتعاون الجماعي.
لكن التوصل إلى هذه الصيغة يواجه عدة عقبات، أولها أن ما تفكر فيه دول الناتو هو (ناتو شرق أوسطي), وهذا يمثل جزءاً من مشروع الرئيس الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) وأسوأ ما في هذا التصور أنه يضم اسرائيل إلى جانب هذه الدول, وهذا يشكل معضلة أمام الدول الخليجية العربية في ظل التوجه الرسمي والشعبي الرافض للتطبيع مع إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتنفيذ إسرائيل لالتزاماتها لتحقيق السلام.
كما تواجه مثل هذه الصيغة إشكالية أخرى وهي التي تتعلق بالتصدي لأسلحة الدمار الشامل, وما إذا كان الهدف فقط هو منع العرب والمسلمين دون غيرهم من امتلاك مثل تلك الأسلحة، وذلك في ظل الاعتراض الغربي على الملف النووي الإيراني, من دون الاعتراض نفسه على الملف النووي الإسرائيلي.
بعد ذلك كله ما هو الموقف العربي عموماً والخليجي خصوصاً من كل تلك التحركات؟ وأين تقع مصالحنا ومبادئنا في التعامل مع كل تلك المتغيرات؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لصيغة هذه العلاقة التي تجد بعض الدول العربية أنفسها متورطة فيها أحياناً بحساباتها وغالباً رغم أنفها؟
وهنا أستند ما ذكره الكاتب محمد جمال باروت نقلاً عن مجلة (فورين أفيرز) في عددها يوليو عام 2003 في إيراد النقاط التالية:
* يرى المحلل السياسي كنيث بولاك في مقال له بعنوان (أمن الخليج) أن النفط هو العامل الأول للاندفاع الأطلسي نحو الخليج، وأن الاحتلال الأمريكي للعراق أخرج الدولة العراقية وليس النظام من معادلة التوازن الجيوبوليتيكي الإيراني العربي لصالح إيران في الإقليم الخليجي ولصالح إسرائيل في المنطقة كلها.
* هناك عدة سيناريوهات محتملة لإبقاء المنطقة الشرق أوسطية عموماً والخليجية خصوصاً تحت السيطرة من خلال واحد من الإطارات التالية المحتملة:
1- إما انسحاب أمريكي وتأمين التوازن المطلوب من خارج المنطقة (ما وراء الأفق) وهذا مستبعد.
2 – أو تشكيل حلف دفاعي إقليمي تحت القيادة المباشرة الأمريكية .. وهذا وارد.
3 – أو ناتو شرق أوسطي.
4 – أو (كوندومنيوم) سيادي أمني خليجي مشترك يضم دول مجلس التعاون والعراق وإيران.
وفي ما يخص إيران في هذه الصيغة الأمنية قال بولاك: يطمح الأمريكيون إلى وصول الإصلاحيين إلى الحكم، وتشجيعهم على الدخول في هذه الصيغة، وحينها ستغض الولايات المتحدة الطرف عن الملف النووي الإيراني لأن ما يعني أمريكا هو عدم امتلاك أعدائها وليس أصدقاءها للبرنامج النووي.
وإذ رجح بولاك فكرة (الناتو الشرق أوسطي) فمن المهم توضيح ماذا يعني هذا الاحتمال؟ تقوم الفكرة على عقد اتفاقية دفاع مشترك مع دول مجلس التعاون والعراق والهدف كما يقول ساخراً (اللورد إسماي) هو أن نحافظ على الأمريكيين داخل المنطقة، والإيرانيين خارجها، والعراقيين أسفلها، حيث ستكفل هذه الاتفاقية التزام واشنطن بردع إيران، وتنفي عن العراق التزود بأسلحة دمار شامل.
لكن بولاك يعتقد أن هذا السيناريو المحتمل قد يصطدم بتحفظات من دول الخليج عدا أطراف فيها، وأضاف إنه قد يشكل حرجاً للحكومة العراقية نفسها لأن معناه – كما يقول بولاك – هو عمل استعماري وتواطؤ بامتياز لا أعتقد أن دول المنطقة ترغب في أن توصم به.
من هنا يبدو سيناريو الشراكة (الأطلسية الخليجية)، (الأطلسية المتوسطية) كأحد خيارات (الناتو الشرق أوسطي) بما يراعي نسبياً التحفظات الجدية لدول المنطقة عموماً والرئيسية في مجلس التعاون الخليجي خصوصاً.
وهنا يمكن تفسير رؤية بولاك بأن هذا الاحتمال لا يخلو من عوائق أبرزها أن في دول التعاون الرئيسية من لا يزال يربط بين أمنه الوطني والأمن القومي العربي الذي تهدده إسرائيل على الرغم من تعثر العمل باتفاقية الدفاع العربي المشترك، خصوصاً أن الأطلسيين الأورو – أمريكيين لا يكترثون كثيراً بقضية العرب والمسلمين الأولى ويعملون على دعم إسرائيل.
بل إن غياب الشفافية في مستوى علاقات الناتو مع إسرائيل على مدى السنوات الماضية والتي يريد لها الناتو رغم عدم الإعلان عن ذلك أن يكون طرفاً أساسياً في أي نظام للتعاون الأطلسي المتوسطي أو الأطلسي الخليجي، ومع بدء عملية برشلونة عام 1995 التي تآكلت عام 2005، بدأت أوروبا تستعمل مع العرب في جنوب المتوسط سياسة جديدة تقوم على إعطاء ما يحفز العرب على التعاون معها ولكن مقابل مطالب مشروطة بعضها يثير التحفظ أو الاستفزاز، مما عطل عملية برشلونة ذاتها، وبدأ التحرك في اتجاه صياغات أخرى أبرزها تحركات الناتو للبحث عن صيغة أمنية سياسية مع دول المنطقة.
ويبقى في النهاية أن نتساءل ما هو الموقف العربي حيال ذلك كله؟
وأقول للأسف مع غياب تفعيل العرب لدور مؤسستهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية في صياغة أية استراتيجية للتعامل مع أوروبا وفي غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للمساندة فيما بينهم، تبدو العلاقة تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي إلى الجنوب العربي، وبالرغم من أن هذا أمر يضر بالأمن العربي ويثير تحفظات واستياء معظم الدول العربية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توفرت لأدركوا أن أمنهم, الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي له وليست إيران, لا يتوفر إلا في تفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسستهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين اتحاد أوروبي واتحاد عربي، وحينها لن تكون حركة المرور من اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب بل ستكون من الشرق إلى الغرب.
وحينئذ سيكون العرب, (متوسطيين وخليجيين) هم الطرف الجماعي الفاعل لا الطرف الفردي المفعول به، وعندها يمكن للتعاون أو للشراكة مع أي طرف خصوصاً أن تكون على أساس حقيقي يلبي مصلحة الطرفين, وعلى أساس حرية إرادة الجانبين في رفض كل ما يتعارض مع المبادىء أو السيادة والكرامة الوطنية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3440::/cck::
::introtext::

إن الحوارات والمبادرات المتسارعة على طريق العلاقات بين الدول العربية المتوسطية من ناحية ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، ودول الخليج العربية من ناحية أخرى ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، لابد أن تطرح على المراقبين عدداً من التساؤلات، ومحاولة البحث عن إجابات عنها توضح أهداف وآفاق هذه الحوارات والمبادرات؟

::/introtext::
::fulltext::

إن الحوارات والمبادرات المتسارعة على طريق العلاقات بين الدول العربية المتوسطية من ناحية ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، ودول الخليج العربية من ناحية أخرى ودول الاتحاد الأوروبي والناتو، لابد أن تطرح على المراقبين عدداً من التساؤلات، ومحاولة البحث عن إجابات عنها توضح أهداف وآفاق هذه الحوارات والمبادرات؟
أولاً: ما الذي يجعل من المنطقة العربية عموماً ودول مجلس التعاون خصوصاً هدفاً للتحرك الأوروبي عموماً وللناتو خصوصاً الآن؟
ثانياً: ما هي الأهداف الأوروأطلسية من وراء السعي إلى شراكة مع دول المنطقة؟
ثالثاً: ما هي الترجمة العملية على أرض الواقع التي تمت على هذا المسار؟
رابعاً: ما مدى ارتباط ذلك بمشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي؟
خامساً: ما هو موقف أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من إسرائيل؟ وما هي مواقفها من القضية الفلسطينية وهي القضية الرئيسية لدول المنطقة.
سادساًَ: هل هناك رؤية عربية تبلور أهدافاً واضحة لتحقيق مصالح دول المنطقة في الحوار الدائر؟
سابعاً: ماذا عن صيغة الأمن في الخليج بصفة خاصة؟ وماذا يراد منه؟ وماذا يريد منهم؟
وفي محاولة البحث عن إجابات عن هذه التساؤلات دعونا نبدأ بقراءة الملف من آخر صفحة, وهي الحلقة النقاشية حول الناتو والشرق الأوسط الكبير والتي عقدت في الدوحة نهاية نوفمبر الماضي، ودار النقاش فيها على مدى ثلاثة أيام بين برلمانيين خليجيين ومسؤولين من الناتو بحضور عدد من الشخصيات الدولية والعربية حول التصورات الأمنية في دول الخليج بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما ناقش المتحاورون انعكاسات الوضع الأمني في العراق على دول المنطقة، وانعكاسات التوتر الإيراني – الأمريكي حول الملف النووي الإيراني على الوضع في المنطقة.
وإذا كان من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله وليس لدوله فقط لكونه ينتج ما يزيد على الثمانين في المائة من الإنتاج العالمي للنفط، ويملك ما يزيد على الثلاثين في المائة من الاحتياطي العالمي, ولما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، ولوجوده في منطقة حساسة تشكل مركزاً للتوتر العالمي، فإن هذا التمدد الاستراتيجي الأمريكي والأوروبي الذي يمثله الحلف الأطلسي بهذا التوجه نحو المنطقة العربية عموماً والخليجية خصوصاً, إنما ينطلق من أجندة استراتيجية عالمية تتعدى حدود هذه المنطقة، ولكن انطلاقاً من هذه المنطقة التي تمتد لتشمل العالم الإسلامي كله من أندونيسيا إلى المغرب والتى تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الشرق الأوسط الكبير).
وهذا التمدد يجيء في أعقاب عدة متغيرات ومستجدات عالمية, منها تنامي ظاهرة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر, وزيادة المخاوف الأطلسية من انتشار أسلحة الدمار الشامل في أيدي غيرصديقة للغرب، وغياب حلف وارسو من الساحة العالمية مما فتح شهية الناتو للتوسع شرقاً، وتغيير استراتيجيته ليقوم بدور سياسي بعد أن كان عسكريا فقط، وفي خارج أراضيه بعد أن كان قاصرا على أراضي دوله فقط, وبشن عمليات استباقية بعد أن كان دفاعياً فقط.
وركز التوجه الجديد للحلف نحو الجنوب على محورين الأول متوسطي والثاني خليجي، وقد زار أمين عام حلف الناتو في هذا الإطار عدداً من دول المنطقة هي مصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر وموريتانيا وإسرائيل.
وحول جولته السداسية كشفت مصادر دبلوماسية وسياسية مطلعة لصحيفة (المصريون) الإلكترونية المستقلة أن أمين عام الحلف ياب دي هوب شيفر حمل فيها (خارطة طريق أوروبية) للدول الست تعكس رغبة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في التدخل في قضايا حساسة تمس الشؤون الداخلية التي لا يجوز لأجنبي التدخل فيها، وأوضحت هذه المصادر أن القاهرة أبدت استياء شديداً تجاه هذه المطالب.
ويطلب الناتو الذي يسعى لإقامة تحالف مع دول المنطقة المتوسطية القيام بما يسميه إصلاحات على المؤسسات الوطنية العسكرية لتكون مستعدة للمشاركة بدور في مسألة الحرب على الإرهاب والإصلاح الديمقراطي، كما أنه من بين هذه المطالب المستفزة اقتراح بمشاركة القوات المسلحة للدول الست في عمليات مشتركة مع قوات حلف الأطلسي في مناطق التوتر الدولي.
كما يطالب الحلف هذه الدول بالانخراط بشكل أقوى في عملية محاربة الإرهاب، ومنع انتشار أسحلة الدمار الشامل، ومكافحة عمليات الهجرة غير الشرعية وذلك في إطار المهام الجديدة للناتو، والتعاون مع دول البحر المتوسط لحماية الأمن الأوروبي.
وكشفت المصادر للصحيفة أن القاهرة اعتبرت هذه المطالب والبنود الأخرى التي يحملها شيفر تدخلاً في الشؤون الداخلية المصرية، وهو ما جعل هذه الزيارة تشكل عبئاً غير مرغوب فيه، لكنها على أية حال كانت محل مناقشة مع المسؤولين المصريين.
وإذا انتقلنا من الدول المتوسطية إلى الخليج العربي فمن المهم معاودة قراءة الملف من أول صفحة، حيث اتجه الحلف إلى الاهتمام بالشرق الأوسط ودول الخليج العربي منذ عام 1994 ومنذ ذلك التاريخ والحوار قائم، وشهدت الدوحة في أبريل عام 2004 ندوة بعنوان (تحولات الناتو والأمن في الخليج).
ومع قمة حلف الناتو في اسطنبول في منتصف العام الماضي اتجه الحلف لتطوير الحوار إلى اسم جديد هو الشراكة في إطار عملية تمدد استراتيجي للناتو في المنطقة، حيث دعت قمة الحلف للتوصل إلى شراكة مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي في مجالات الأمن والدفاع لمواجهة الإرهاب، خصوصاً بعدما تلقى الناتو إشارات مشجعة خلال الحوار, على الرغم من الخلاف الذي لا يزال قائماً بين الجانبين حول مفهوم الإرهاب, خاصة أن التعريف الغربي للإرهاب لا يفرق بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة, والإرهاب العدواني العشوائي الذي يقتل المسالمين الأبرياء بغير ذنب والمخالف لشرائع الأديان والذي تجرمه القوانين الوضعية في دول العالم.
وسر الاهتمام بهذه المنطقة يعود من وجهة نظر (الناتو) إلى أن منطقة الشرق الأوسط هي مستودع لما يسمى (الإرهاب) الذي يهدد الأمن الأوروبي والعالمي من ناحية، ومن ناحية أخرى تطبيقاً لاستراتيجية الحلف الجديدة وتحوله من منظمة دفاعية لا تتدخل إلا بعد وقوع اعتداء على إحدى الدول الأعضاء على أرض دول الحلف، إلى منظمة سياسية أمنية تهدف إلى درء المخاطر، أي إلى المبادرة الاستباقية أو الحروب الوقائية في خارج أرض الحلف، وفي نطاق أوسع يمتد من غرب الأطلسي إلى شرق أوروبا وحتى جنوب المتوسط.
وعقدت عدة جولات بين الجانب الخليجي والناتو لبحث صيغة هذا التعاون، فشهدت العاصمة الإيطالية روما (مقر الحلف) في مارس 2005 مناقشة سياسية أمنية حول المصالح الآنية والمستقبلية لتحقيق الأهداف الأطلسية في المجالات المختلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
وإذا كانت شعوب هذه المنطقة وعلى مدى سنوات طويلة ظلت تنأى بنفسها عن سياسة الأحلاف العسكرية مع القوى الكبرى للتباين الطبيعي في الأهداف، ولعدم التوازن في القوى بين الطرفين, مما يجعل العرب في حالة الدخول في الأحلاف هم الشريك الأضعف، وبالتالي فلن تكون لهم إراداتهم السياسية المستقلة.
وإذا ظلت معظم دول الشرق الأوسط تجد أمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الجماعية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن انتهاء الحرب الباردة مع انهيار سور برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي أخل بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى في العالم مما ضيق من هامش المناورة أمام الدول غير المنحازة، ومما سمح للولايات المتحدة العضو الأبرز في حلف شمال الأطلسي أن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم، ومع تطلعها لأن تجعل هذا القرن أمريكياً زادت نزعات الهيمنة ليس على الشرق الأوسط فقط ولكن على أوروبا أيضاً في ظل متغيرات في داخل المنطقة وفي أمريكا فتحت المجال للتمدد الاستراتيجي الغربي.
فبدءاً من الدور الأمريكي في ما تلى حرب أكتوبر عام 1973 وانفراده بملف العملية السياسية بين مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل، ومروراً بالحرب العراقية ـ الإيرانية بما سمح بدخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى المنطقة لحماية ناقلاتها النفطية، ودعماً للجانب العراقي ضد الجانب الإيراني، ومع إقدام النظام العراقي السابق على غزو الكويت وقيام حرب الخليج الثانية في إطار تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، استطاع الغرب الأمريكي والإنجليزي والفرنسي أن يثبت وجوده العسكري في المنطقة في ما بدا أنه لا ينوي المغادرة، ومع حرب الخليج الثالثة وإقدام التحالف الأنجلو – أمريكي على شن حرب على العراق بغير تفويض قانوني من مجلس الأمن وبعد نجاحها في احتلال العراق أصبح الوجود العسكري الأطلسي في الخليج أمراً واقعاً بفعل جبروت القوة، إلا أن ذلك لا يعني أنه ليست للطرفين مصالح مشتركة ترتبط بالنفط والأمن الذي اضطرت فيه دول المنطقة للاعتماد على الغرب.
إن هذه المتغيرات فتحت الطريق للحوار ومحاولة تطوير هذا الحوار إلى شراكة بين دول مجلس التعاون وحلف شمال الأطلسي.
من جانب آخر حدثت من المتغيرات في أوروبا وأمريكا ما دفع الخطوات الأطلسية في اتجاه هذه المنطقة فيما يمكن أن نسميه نوعاً من الاحتواء لضبط إيقاعاتها بما لا يهدد الأمن الأمريكي أو الأوروبي، وإن كان يتقدمه بالطبع ضمان الأمن الإسرائيلي.
المتغير الأول هو ما حدث داخل الولايات المتحدة الأمريكية من اعتداء خطير على رموز القوة والاقتصاد والسيادة الأمريكية في نيويورك وواشنطن، واتهمت الولايات المتحدة عناصر عربية وإسلامية في إطار تنظيم القاعدة, ومن هنا اندفعت في شراسة الأسد الجريح، وبنوع من حماقة القوة إلى غزو أفغانستان والعراق، وغيّرت سياستها الاستراتيجية تجاه دول المنطقة مركزة على الحرب الاستباقية، ومحاربة الإرهاب على أرض الشرق الأوسط بعيداً عن الأرض الأمريكية، والعمل على عدم امتلاك دولة عربية أو إسلامية لأسلحة نووية، في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن امتلاك إسرائيل للسلاح النووى.. وقبل هذه الأحداث وتلك الأهداف كانت السيطرة على مصادر الطاقة هدفاً أول لتحركها باتجاه المنطقة لا ينافسه إلا ضمان الأمن الإسرائيلي ضد المخاطر العراقية أو الإيرانية.
وفي داخل أوروبا وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومع نمو الاتحاد الأوروبي شهد العام 2003 انقساماً أوروبياً محوره الولايات المتحدة الأمريكية والحرب على العراق ما زاد من نزعة الاستقلال الأوروبي عن أمريكا في مواجهة طرف أوروبي آخر يؤيد العلاقة القوية بين ضفتي الأطلسي وتقوية الحلف، ومع المهام الجديدة للحلف والمتغيرات الدولية خصوصاً في مجالات الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والهجرة غير الشرعية التي شعرت معها أوروبا بالتهديد لجأت إلى التوافق مع الاستراتيجية الأمريكية، وانتهاج مبدأ التوسع شرقاً وجنوباً سواء تحت يافطة الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو.
وربما كانت هذه المتغيرات هي ما يشير إليها رئيس مجلس الشورى القطري في لقاء الدوحة الأخير بقوله (إن المتغيرات الدولية جعلت أطرافاً دولية أخرى جزءاً من المعادلة الأمنية في المنطقة بعد أن كانت المسألة الأمنية في الخليج العربي من مسؤوليات دوله فقط).
ولأن الدول الخليجية الست تجد نفسها واقعة تحت التأثيرات السلبية للتوترات على المحور الأمني العراقي من جهة، وعلى المحور النووي الإيراني من جهة أخرى، بينما الولايات المتحدة وأوروبا وهما محورا الناتو على ضفتي الأطلسي يمثلان الطرف الثاني لهذا التوتر.
ولأن هذه الدول الخليجية الست ترتبط بالفعل بمعاهدات أمنية ثنائية مع لندن وواشنطن، ولأن الهاجس الأمني يشكل أولى اهتماماتها لدرجة أن ما أنفقته هذه الدول على التسليح خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط بلغ 80 مليار دولار, فلم تجد هذه الدول مانعاً من البحث مع الناتو في صيغة للتعاون الجماعي.
لكن التوصل إلى هذه الصيغة يواجه عدة عقبات، أولها أن ما تفكر فيه دول الناتو هو (ناتو شرق أوسطي), وهذا يمثل جزءاً من مشروع الرئيس الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير) وأسوأ ما في هذا التصور أنه يضم اسرائيل إلى جانب هذه الدول, وهذا يشكل معضلة أمام الدول الخليجية العربية في ظل التوجه الرسمي والشعبي الرافض للتطبيع مع إسرائيل إلا بعد عودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتنفيذ إسرائيل لالتزاماتها لتحقيق السلام.
كما تواجه مثل هذه الصيغة إشكالية أخرى وهي التي تتعلق بالتصدي لأسلحة الدمار الشامل, وما إذا كان الهدف فقط هو منع العرب والمسلمين دون غيرهم من امتلاك مثل تلك الأسلحة، وذلك في ظل الاعتراض الغربي على الملف النووي الإيراني, من دون الاعتراض نفسه على الملف النووي الإسرائيلي.
بعد ذلك كله ما هو الموقف العربي عموماً والخليجي خصوصاً من كل تلك التحركات؟ وأين تقع مصالحنا ومبادئنا في التعامل مع كل تلك المتغيرات؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لصيغة هذه العلاقة التي تجد بعض الدول العربية أنفسها متورطة فيها أحياناً بحساباتها وغالباً رغم أنفها؟
وهنا أستند ما ذكره الكاتب محمد جمال باروت نقلاً عن مجلة (فورين أفيرز) في عددها يوليو عام 2003 في إيراد النقاط التالية:
* يرى المحلل السياسي كنيث بولاك في مقال له بعنوان (أمن الخليج) أن النفط هو العامل الأول للاندفاع الأطلسي نحو الخليج، وأن الاحتلال الأمريكي للعراق أخرج الدولة العراقية وليس النظام من معادلة التوازن الجيوبوليتيكي الإيراني العربي لصالح إيران في الإقليم الخليجي ولصالح إسرائيل في المنطقة كلها.
* هناك عدة سيناريوهات محتملة لإبقاء المنطقة الشرق أوسطية عموماً والخليجية خصوصاً تحت السيطرة من خلال واحد من الإطارات التالية المحتملة:
1- إما انسحاب أمريكي وتأمين التوازن المطلوب من خارج المنطقة (ما وراء الأفق) وهذا مستبعد.
2 – أو تشكيل حلف دفاعي إقليمي تحت القيادة المباشرة الأمريكية .. وهذا وارد.
3 – أو ناتو شرق أوسطي.
4 – أو (كوندومنيوم) سيادي أمني خليجي مشترك يضم دول مجلس التعاون والعراق وإيران.
وفي ما يخص إيران في هذه الصيغة الأمنية قال بولاك: يطمح الأمريكيون إلى وصول الإصلاحيين إلى الحكم، وتشجيعهم على الدخول في هذه الصيغة، وحينها ستغض الولايات المتحدة الطرف عن الملف النووي الإيراني لأن ما يعني أمريكا هو عدم امتلاك أعدائها وليس أصدقاءها للبرنامج النووي.
وإذ رجح بولاك فكرة (الناتو الشرق أوسطي) فمن المهم توضيح ماذا يعني هذا الاحتمال؟ تقوم الفكرة على عقد اتفاقية دفاع مشترك مع دول مجلس التعاون والعراق والهدف كما يقول ساخراً (اللورد إسماي) هو أن نحافظ على الأمريكيين داخل المنطقة، والإيرانيين خارجها، والعراقيين أسفلها، حيث ستكفل هذه الاتفاقية التزام واشنطن بردع إيران، وتنفي عن العراق التزود بأسلحة دمار شامل.
لكن بولاك يعتقد أن هذا السيناريو المحتمل قد يصطدم بتحفظات من دول الخليج عدا أطراف فيها، وأضاف إنه قد يشكل حرجاً للحكومة العراقية نفسها لأن معناه – كما يقول بولاك – هو عمل استعماري وتواطؤ بامتياز لا أعتقد أن دول المنطقة ترغب في أن توصم به.
من هنا يبدو سيناريو الشراكة (الأطلسية الخليجية)، (الأطلسية المتوسطية) كأحد خيارات (الناتو الشرق أوسطي) بما يراعي نسبياً التحفظات الجدية لدول المنطقة عموماً والرئيسية في مجلس التعاون الخليجي خصوصاً.
وهنا يمكن تفسير رؤية بولاك بأن هذا الاحتمال لا يخلو من عوائق أبرزها أن في دول التعاون الرئيسية من لا يزال يربط بين أمنه الوطني والأمن القومي العربي الذي تهدده إسرائيل على الرغم من تعثر العمل باتفاقية الدفاع العربي المشترك، خصوصاً أن الأطلسيين الأورو – أمريكيين لا يكترثون كثيراً بقضية العرب والمسلمين الأولى ويعملون على دعم إسرائيل.
بل إن غياب الشفافية في مستوى علاقات الناتو مع إسرائيل على مدى السنوات الماضية والتي يريد لها الناتو رغم عدم الإعلان عن ذلك أن يكون طرفاً أساسياً في أي نظام للتعاون الأطلسي المتوسطي أو الأطلسي الخليجي، ومع بدء عملية برشلونة عام 1995 التي تآكلت عام 2005، بدأت أوروبا تستعمل مع العرب في جنوب المتوسط سياسة جديدة تقوم على إعطاء ما يحفز العرب على التعاون معها ولكن مقابل مطالب مشروطة بعضها يثير التحفظ أو الاستفزاز، مما عطل عملية برشلونة ذاتها، وبدأ التحرك في اتجاه صياغات أخرى أبرزها تحركات الناتو للبحث عن صيغة أمنية سياسية مع دول المنطقة.
ويبقى في النهاية أن نتساءل ما هو الموقف العربي حيال ذلك كله؟
وأقول للأسف مع غياب تفعيل العرب لدور مؤسستهم الرسمية الجماعية وهي جامعة الدول العربية في صياغة أية استراتيجية للتعامل مع أوروبا وفي غياب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك للمساندة فيما بينهم، تبدو العلاقة تسير في اتجاه واحد من الشمال الأطلسي إلى الجنوب العربي، وبالرغم من أن هذا أمر يضر بالأمن العربي ويثير تحفظات واستياء معظم الدول العربية، إلا أن المشكلة هي في غياب الإرادة السياسية العربية المشتركة التي إذا توفرت لأدركوا أن أمنهم, الذي تمثل إسرائيل التهديد الرئيسي له وليست إيران, لا يتوفر إلا في تفعيلهم لميثاق أمنهم الجماعي وفي مؤسستهم العربية والإسلامية مع تطويرها إلى مظلة اتحادية تجعل حوارهم مع أوروبا هو بين اتحاد أوروبي واتحاد عربي، وحينها لن تكون حركة المرور من اتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب بل ستكون من الشرق إلى الغرب.
وحينئذ سيكون العرب, (متوسطيين وخليجيين) هم الطرف الجماعي الفاعل لا الطرف الفردي المفعول به، وعندها يمكن للتعاون أو للشراكة مع أي طرف خصوصاً أن تكون على أساس حقيقي يلبي مصلحة الطرفين, وعلى أساس حرية إرادة الجانبين في رفض كل ما يتعارض مع المبادىء أو السيادة والكرامة الوطنية.

::/fulltext::
::cck::3440::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *