الطريق إلى التعاون العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي وآفاق المستقبل
::cck::3435::/cck::
::introtext::
بالرغم من التجانس السكاني والجغرافي وتشابه العادات والتقاليد للدول الخليجية إلا أنه لم تتوفر أية أرضية للتعاون العسكري بينها قبل عام 1981 وهو عام ميلاد مجلس التعاون الخليجي لأسباب مختلفة بعضها يرجع إلى تراكمات تاريخية والآخر إلى اختلاف المنظور السياسي.
::/introtext::
::fulltext::
بالرغم من التجانس السكاني والجغرافي وتشابه العادات والتقاليد للدول الخليجية إلا أنه لم تتوفر أية أرضية للتعاون العسكري بينها قبل عام 1981 وهو عام ميلاد مجلس التعاون الخليجي لأسباب مختلفة بعضها يرجع إلى تراكمات تاريخية والآخر إلى اختلاف المنظور السياسي.
لقد أدى اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في سبتمبر 1980 وإصرار الجمهورية الاسلامية الإيرانية على تصدير مفاهيم الثورة الإيرانية إلى ازدياد شعور الدول الخليجية بالتهديد مما دعا إلى التفكير بخلق رابطة اتحادية تستطيع بالتعاون والتنسيق المساهمة في بصد الخطر القادم من الجانب الآخر من الخليج العربي بما تمثله أفكار الثورة الإسلامية في إيران من تهديدات عسكرية لجميع دول المجلس في ظل قيامها علنا بمهاجمة دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت تساعد العراق في تلك الحرب.
لقد أتيح للكاتب من خلال عمله في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي باللجان المختلفة لمجلس التعاون الخليجي معايشة الأوضاع على الطبيعة والمساهمة بالجهد العسكري في الفترة الحاسمة من التعاون العسكري من عام 1982 إلى عام 2000 والتي شهدت أحداث الحرب العراقية – الإيرانية والعمليات الإرهابية ضد بعض دول المجلس والغزو العراقي للكويت ومن ثم حرب تحرير الكويت وفترة المد والجزر مع النظام العراقي قبل حرب تحرير العراق.
لقد مر التعاون العسكري بين دول المجلس بثلاث مراحل زمنية اقترنت بأحداث حسب كل حقبة (الفترة الاولى بين عام 1981 إلى عام 1991 والثانية من العام 1991 وحتى العام 2003 والثالثة ما بعد حرب تحرير العراق عام 2003 وحتى الآن).
في الفترة الأولى وتمثل مرحلة حرجة ومهمة من تاريخ المجلس بسبب ازدياد وتيرة التهديدات العسكرية لدول المجلس والتهديدات الاقتصادية التي وصلت إلى مهاجمة المنشآت النفطية وناقلات النفط، فقد تم الإسراع بتشكيل اللجان العسكرية المختلفة لتحديد سبل التعاون العسكري وتشكيل أرضية مشتركة في المجال العملياتي والفني والإداري، فتم تفعيل الكثير من الإجراءات العسكرية المختلفة وأجريت العديد من التمارين الجوية والبحرية والبرية المشتركة وجرى توحيد الأوامر الثابتة وقواعد الاشتباك وتم تبادل الخبرات العسكرية وازدادت وتيرة التعاون العسكري وتبادل المعلومات الأمنية وتم تشكيل قوة درع الجزيرة، وبدأت عمليات توحيد شبكات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، لتنتهي هذه المرحلة بحدث كبير يقع للمرة الأولى في تاريخ المنطقة عندما قامت دولة عربية بغزو دولة عربية أخرى ونعني الغزو البربري العراقي لدولة الكويت في أغسطس 1990 وما تلاه من أحداث جسيمة انتهت بحرب تحرير الكويت وهزيمة الجيش العراقي عام 1991، مع إدراكنا بأن الغزو العراقي فاجأ وأربك خطط التعاون العسكري وأثبت عدم إمكانية قوة درع الجزيرة مجابهة قوة جرارة بحجم الجيش العراقي لتكون حرب تحرير الكويت بمثابة انتهاء حقبة مهمة من تاريخ التعاون العسكري، وتطلب ذلك إعادة النظر في العديد من المفاهيم العسكرية وسبل التعاون في ظل تجربة حية مرت بها، وأثبتت أن المفاهيم القديمة التي استخدمت وتم التكيف معها لا تلائم مؤشرات وحيثيات التهديد الذي واجهته وستواجهه دول المجلس في المستقبل.
في الفترة الثانية من مراحل التعاون العسكري بين دول المجلس (الفترة الممتدة من عام 1991 وحتى منتصف عام 2003) ارتبطت هذه المرحلة بما يحدث في العراق في ظل استمرار التوتر العسكري والسياسي بين النظام العراقي السابق وقوات التحالف، فقد شهدت المنطقة عقد العديد من الاتفاقيات الأمنية بين دول المجلس والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، وتم تعزيز القوات الصديقة الموجودة في دول المجلس، وأنشأت مناطق حظر الطيران فوق القسم الجنوبي والشمالي من العراق، وبدأت الغارات الجوية للمنشآت العراقية التي تمثل تهديدات محتملة، وقامت دول المجلس بالتركيز على تفعيل الدروس المستفادة من عملية حرب تحرير الكويت فبدأت في تحسين القدرات العملياتية والإدارية والفنية واللوجستية لقوة درع الجزيرة وزيادة الطاقة البشرية مع تكثيف الدعم الجوي وتحسين أوضاع المنشآت التي يعسكر بها منتسبو تلك القوة، وجرى تحسن نوعي في التمارين الجوية والبحرية والبرية، وتم ربط دول المجلس بشبكة قيادة وسيطرة وإنذار مبكر، وصرفت الملايين على تحسين البنية التحتية العسكرية للعديد من المنشآت العسكرية وخاصة القواعد الجوية، وتم شراء منظومات أسلحة جديدة وافتتح مركز عمليات التنسيق والدفاع الجوي المشترك لدول المجلس رغم الاتجاه إلى التركيز على الجانب التنموي وانخفاض المداخيل النفطية.
الفترة الثالثة للتعاون العسكري بين دول المجلس (ما بعد عام 2003 إلى الآن) ارتبطت بحرب تحرير العراق فقد كانت دول المجلس تنظر إلى تغير النظام العراقي السابق على أنه بداية الاستقرار في المنطقة لإمكانية توجه تلك الدول للتركيز على بناء خطط التنمية وتخفيض النفقات العسكرية ومغادرة القوات الصديقة المنطقة، لقد كان للانتشار الناجح لقوة درع الجزيرة الجديدة أثناء حرب تحرير العراق الأثر البالغ في اكتساب دول المجلس خبرة قتالية ناجحة بعكس ما حدث أثناء الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990، فالاستراتيجية والتكتيك العسكري المستخدم للجهد العسكري الخليجي المواكب لحرب تحرير العراق أثبتا إمكانية نجاح الجهد العسكري المشترك لدول المجلس نتيجة التخطيط المسبق الجيد والاستفادة من أخطاء الماضي، كما كان للاستخدام الأمثل لنظام القيادة والسيطرة والنظم الآلية وافتتاح مركز العمليات للدفاع الجوي والتنسيق الأثر الكبير في نجاح العمليات العسكرية، حيث أثبت فعاليته في السيطرة على مسرح العمليات ونقل صورة متكاملة عن الأحداث المحيطة بشمال الخليج مما ساهم في تقليل الجهد العسكري وإعطاء أفضلية لعمليات الإنذار المبكر.
آفاق المستقبل
لقد طرأت مستجدات مختلفة على المنطقة بعد سقوط النظام العراقي في إبريل 2003 ووجدت دول مجلس التعاون الخليجي رغم بدء مرحلة الارتخاء العسكري أنها بحاجة إلى تحديث قضايا التهديد وإعادة جدولة الأولويات رغم تصاعد الخطر القادم من الضفة الأخرى من الخليج العربي الممثلة بطموحات الجمهورية الاسلامية الإيرانية التي تسعى إلى امتلاك قدرات لصنع الأسلحة النووية مقارنة بدول مجلس التعاون التي سعت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى تعزيز قدراتها العسكرية من أجل بناء قوة تردع خصومها مبنية على قدرات عسكرية تقليدية.
ويمثل التعاون العسكري لدول مجلس التعاون سابقاً ومستقبلاً الخيار الاستراتيجي الوحيد في ظل تصاعد التهديد الإيراني وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وتصاعد وتيرة الإرهاب العالمي والفوضى الأمنية في العراق التي أدت إلى ظهور جيل جديد من المتطرفين الذين سيهددون عاجلاً أم آجلاً الدول الخليجية.
إن دول مجلس التعاون رغم مضي أكثر من ربع قرن على التعاون العسكري تظل فإنها لا تزال من تعاني مشكلات وعوائق متعددة، فعلى الرغم من التعاون الأمني في تبادل المعلومات الأمنية وتبادل المجرمين ووقف الاختراقات والمشكلات الحدودية والتعاون في التدريب وشراء المعدات وتوحيد الأوامر الثابتة واستمرار التمارين المشتركة وإنشاء مركز القيادة والتنسيق للدفاع الجوي والإنذار المبكر تطفو على السطح بين الحين والآخر الاختلافات السياسية التي تظل عائقا لتحقيق التجانس العسكري.
إن أية قراءة للمستقبل تجعلنا نعتقد بأن مستقبل العلاقة العسكرية لدول الخليج قد تحتاج إلى مساهمة دول مثل مصر والأردن في أمن الخليج، كما توجد حاجة ماسة إلى الاستفادة من الثورة في الشؤون العسكرية والتقنيات الجديدة في الأنظمة الرقمية في إيجاد نقلة نوعية في جيوش دول مجلس التعاون الخليجي (قوات صغيرة تقنية عالية) حيث إن ثورة المعلوماتية التي تجتاح العالم حالياً والتقدم الكبير في الأجهزة والمعدات والأسلحة والبدء في التحضير للثورة القادمة والمعروفة بالتكنولوجيا المتناهية الصغر (النانو) ستخلق تحدياً لقدرات دول المجلس العسكرية. كما أن دول مجلس التعاون بحاجة إلى نموذج جديد لنظام أمني قائم على تخفيف التوتر وتعزيز الترابط والتعاون وتطوير درع الجزيرة وتقليص الاعتماد على دور القوات الأجنبية (نوع وحجم وطبيعة الوجود العسكري في المنطقة ستكون أحد العوامل في استمرار الاستقرار، لأن استمرار وجود قوات التحالف في المنطقة سيشكل عبئاً أمنياً على المنطقة سيجعلها مؤهلة إلى العيش لفترة أخرى من التوتر وعدم الاستقرار).
إن الإجابة عن سيناريوهات مستقبل العلاقة العسكرية لدول مجلس التعاون ستجعلنا نواجه خيارات عديدة، فالموقف السياسي والاقتصادي في ظل ما يحدث في المنطقة وتأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتأثر الدول الخليجية بالإرهاب الدولي كل ذلك سينعكس حتماً على التعاون العسكري، فالدول الخليجية بما تملك من احتياطي نفطي تملك قوة نفوذ هائلة من خلال التحكم بالإنتاج والتسويق رغم الضغوط التي تتعرض لها تلك الدول لإجراء المزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
ويمثل طموح الجمهورية الإيرانية إلى الحصول على ترسانة نووية تحدياً كبيراً لدول المجلس التي ترى أنها معنية بشكل أو آخر بما يجري في إيران وخاصة في استمرار رفض إيران الدخول في منطقة خالية من الأسلحة النووية والتخلي عن امتلاك قدرات لصنع الأسلحة النووية وتطوير الصواريخ البالستية. إن المأزق الذي تواجهه دول المجلس هو في كيفية مواجهة الخطر الإيراني لأنها إذا قررت الدخول في مواجهة لهذا التهديد فإن ذلك يتطلب تطوير القدرات الهجومية لضرب الصواريخ البالستية قبل انطلاقها أو في مراحل انطلاقها في أجواء الخصم مع تقليص فعاليات الدفاع المعادي عبر قصف أهداف استراتيجية أو عبر تطوير الصواريخ البالستية التي قد تمتلكها دول المجلس، وهو في حد ذاته أمر يناقض الأهداف التي شكل على أساسها المجلس.
إن المؤسسة العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى تعزيز التقدم العملياتي لكافة أفرع القوات المسلحة للبدء باستخدام منظومات أسلحة حديثة للغاية لكي تتم الاستفادة من التقدم في التقنيات الالكترونية والمعدات وأجهزة الاستشعار للوصول إلى تفكير تكتيكي متقدم إذا كانت دول المجلس تريد مجابهة الخطر القادم من الجهة الأخرى من الخليج العربي، لأن تأثير العولمة والتغيرات في طبيعة الصراع السياسي وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا وتقليل دور العامل البشري ستخلق تحديات ضخمة لقوات دول المجلس المسلحة في عصر المعلوماتية، فالكثير من المحللين العسكريين يرون أن جيوش مجلس التعاون الخليجي لا تستطيع استخدام قدراتها البشرية والعسكرية بكفاءة وهناك بطء ملحوظ في استخدام التقنية المتقدمة في غالبية أفرع القوات المسلحة لدول المجلس، وعليه فإنها بحاجة إلى نقلة نوعية ترتبط بتغير الفكر السياسي والعسكري لأن عدم قدرتها على اللحاق بقطار التقنية المتقدمة سيطيح بكل الإنجازات التي تمت.
لذلك يتوجب على دول مجلس التعاون الخليجي معرفة حقيقة استراتيجية مهمة يجب التكيف معها وهي أن الولايات المتحدة ستبقى في العراق لأجل طويل وستطلق بين الحين والآخر خيارات الإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي وهو ما يعني تعرض تلك الدول إلى ضغوط كبيرة للوصول إلى منظور الرؤية الأمريكية.
إن دول مجلس التعاون وهي تسير في ركاب القرن الواحد والعشرين بحاجة إلى أفكار ورؤية جديدة وهو ما يتطلب تخصيص موارد مالية للبحث والتطوير العسكري والعودة إلى دراسة مشاركة جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية في إنشاء صناعة عسكرية متطورة لضمان الأمن الخليجي وتوجيه مخرجات التعليم لتخدم التوجه العسكري ومشاركة الجامعات ومراكز الدراسات لاختيار أفكار جديدة وجريئة لدعم القوات المسلحة مع دراسة إمكانية توحيد التسليح بين دول المجلس لتحقيق قدر من الأمن وتخفيض تكاليف الأسلحة والأعباء المالية والمساعدة على التعاون الوثيق في مواجهة الأزمات.
إن آفاق المستقبل للتعاون العسكري لدول مجلس التعاون تتطلب رؤية استشرافية لأن التحولات التي يحملها المستقبل تفرض علينا أن نسعى إلى استقراء أبرز ملامحه والبحث عن الصيغ المناسبة التي من خلالها يمكن الاستعداد لمواجهة الأنماط الهائلة للتغيرات والتحولات والتحديات. لذا فإن دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار حقيقي لإثبات إمكانية انصهارها في بوتقة واحدة لأن التعاون العسكري سيظل إحدى الدعائم الرئيسية لسياسة الردع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3435::/cck::
::introtext::
بالرغم من التجانس السكاني والجغرافي وتشابه العادات والتقاليد للدول الخليجية إلا أنه لم تتوفر أية أرضية للتعاون العسكري بينها قبل عام 1981 وهو عام ميلاد مجلس التعاون الخليجي لأسباب مختلفة بعضها يرجع إلى تراكمات تاريخية والآخر إلى اختلاف المنظور السياسي.
::/introtext::
::fulltext::
بالرغم من التجانس السكاني والجغرافي وتشابه العادات والتقاليد للدول الخليجية إلا أنه لم تتوفر أية أرضية للتعاون العسكري بينها قبل عام 1981 وهو عام ميلاد مجلس التعاون الخليجي لأسباب مختلفة بعضها يرجع إلى تراكمات تاريخية والآخر إلى اختلاف المنظور السياسي.
لقد أدى اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في سبتمبر 1980 وإصرار الجمهورية الاسلامية الإيرانية على تصدير مفاهيم الثورة الإيرانية إلى ازدياد شعور الدول الخليجية بالتهديد مما دعا إلى التفكير بخلق رابطة اتحادية تستطيع بالتعاون والتنسيق المساهمة في بصد الخطر القادم من الجانب الآخر من الخليج العربي بما تمثله أفكار الثورة الإسلامية في إيران من تهديدات عسكرية لجميع دول المجلس في ظل قيامها علنا بمهاجمة دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت تساعد العراق في تلك الحرب.
لقد أتيح للكاتب من خلال عمله في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي باللجان المختلفة لمجلس التعاون الخليجي معايشة الأوضاع على الطبيعة والمساهمة بالجهد العسكري في الفترة الحاسمة من التعاون العسكري من عام 1982 إلى عام 2000 والتي شهدت أحداث الحرب العراقية – الإيرانية والعمليات الإرهابية ضد بعض دول المجلس والغزو العراقي للكويت ومن ثم حرب تحرير الكويت وفترة المد والجزر مع النظام العراقي قبل حرب تحرير العراق.
لقد مر التعاون العسكري بين دول المجلس بثلاث مراحل زمنية اقترنت بأحداث حسب كل حقبة (الفترة الاولى بين عام 1981 إلى عام 1991 والثانية من العام 1991 وحتى العام 2003 والثالثة ما بعد حرب تحرير العراق عام 2003 وحتى الآن).
في الفترة الأولى وتمثل مرحلة حرجة ومهمة من تاريخ المجلس بسبب ازدياد وتيرة التهديدات العسكرية لدول المجلس والتهديدات الاقتصادية التي وصلت إلى مهاجمة المنشآت النفطية وناقلات النفط، فقد تم الإسراع بتشكيل اللجان العسكرية المختلفة لتحديد سبل التعاون العسكري وتشكيل أرضية مشتركة في المجال العملياتي والفني والإداري، فتم تفعيل الكثير من الإجراءات العسكرية المختلفة وأجريت العديد من التمارين الجوية والبحرية والبرية المشتركة وجرى توحيد الأوامر الثابتة وقواعد الاشتباك وتم تبادل الخبرات العسكرية وازدادت وتيرة التعاون العسكري وتبادل المعلومات الأمنية وتم تشكيل قوة درع الجزيرة، وبدأت عمليات توحيد شبكات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، لتنتهي هذه المرحلة بحدث كبير يقع للمرة الأولى في تاريخ المنطقة عندما قامت دولة عربية بغزو دولة عربية أخرى ونعني الغزو البربري العراقي لدولة الكويت في أغسطس 1990 وما تلاه من أحداث جسيمة انتهت بحرب تحرير الكويت وهزيمة الجيش العراقي عام 1991، مع إدراكنا بأن الغزو العراقي فاجأ وأربك خطط التعاون العسكري وأثبت عدم إمكانية قوة درع الجزيرة مجابهة قوة جرارة بحجم الجيش العراقي لتكون حرب تحرير الكويت بمثابة انتهاء حقبة مهمة من تاريخ التعاون العسكري، وتطلب ذلك إعادة النظر في العديد من المفاهيم العسكرية وسبل التعاون في ظل تجربة حية مرت بها، وأثبتت أن المفاهيم القديمة التي استخدمت وتم التكيف معها لا تلائم مؤشرات وحيثيات التهديد الذي واجهته وستواجهه دول المجلس في المستقبل.
في الفترة الثانية من مراحل التعاون العسكري بين دول المجلس (الفترة الممتدة من عام 1991 وحتى منتصف عام 2003) ارتبطت هذه المرحلة بما يحدث في العراق في ظل استمرار التوتر العسكري والسياسي بين النظام العراقي السابق وقوات التحالف، فقد شهدت المنطقة عقد العديد من الاتفاقيات الأمنية بين دول المجلس والدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، وتم تعزيز القوات الصديقة الموجودة في دول المجلس، وأنشأت مناطق حظر الطيران فوق القسم الجنوبي والشمالي من العراق، وبدأت الغارات الجوية للمنشآت العراقية التي تمثل تهديدات محتملة، وقامت دول المجلس بالتركيز على تفعيل الدروس المستفادة من عملية حرب تحرير الكويت فبدأت في تحسين القدرات العملياتية والإدارية والفنية واللوجستية لقوة درع الجزيرة وزيادة الطاقة البشرية مع تكثيف الدعم الجوي وتحسين أوضاع المنشآت التي يعسكر بها منتسبو تلك القوة، وجرى تحسن نوعي في التمارين الجوية والبحرية والبرية، وتم ربط دول المجلس بشبكة قيادة وسيطرة وإنذار مبكر، وصرفت الملايين على تحسين البنية التحتية العسكرية للعديد من المنشآت العسكرية وخاصة القواعد الجوية، وتم شراء منظومات أسلحة جديدة وافتتح مركز عمليات التنسيق والدفاع الجوي المشترك لدول المجلس رغم الاتجاه إلى التركيز على الجانب التنموي وانخفاض المداخيل النفطية.
الفترة الثالثة للتعاون العسكري بين دول المجلس (ما بعد عام 2003 إلى الآن) ارتبطت بحرب تحرير العراق فقد كانت دول المجلس تنظر إلى تغير النظام العراقي السابق على أنه بداية الاستقرار في المنطقة لإمكانية توجه تلك الدول للتركيز على بناء خطط التنمية وتخفيض النفقات العسكرية ومغادرة القوات الصديقة المنطقة، لقد كان للانتشار الناجح لقوة درع الجزيرة الجديدة أثناء حرب تحرير العراق الأثر البالغ في اكتساب دول المجلس خبرة قتالية ناجحة بعكس ما حدث أثناء الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990، فالاستراتيجية والتكتيك العسكري المستخدم للجهد العسكري الخليجي المواكب لحرب تحرير العراق أثبتا إمكانية نجاح الجهد العسكري المشترك لدول المجلس نتيجة التخطيط المسبق الجيد والاستفادة من أخطاء الماضي، كما كان للاستخدام الأمثل لنظام القيادة والسيطرة والنظم الآلية وافتتاح مركز العمليات للدفاع الجوي والتنسيق الأثر الكبير في نجاح العمليات العسكرية، حيث أثبت فعاليته في السيطرة على مسرح العمليات ونقل صورة متكاملة عن الأحداث المحيطة بشمال الخليج مما ساهم في تقليل الجهد العسكري وإعطاء أفضلية لعمليات الإنذار المبكر.
آفاق المستقبل
لقد طرأت مستجدات مختلفة على المنطقة بعد سقوط النظام العراقي في إبريل 2003 ووجدت دول مجلس التعاون الخليجي رغم بدء مرحلة الارتخاء العسكري أنها بحاجة إلى تحديث قضايا التهديد وإعادة جدولة الأولويات رغم تصاعد الخطر القادم من الضفة الأخرى من الخليج العربي الممثلة بطموحات الجمهورية الاسلامية الإيرانية التي تسعى إلى امتلاك قدرات لصنع الأسلحة النووية مقارنة بدول مجلس التعاون التي سعت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى تعزيز قدراتها العسكرية من أجل بناء قوة تردع خصومها مبنية على قدرات عسكرية تقليدية.
ويمثل التعاون العسكري لدول مجلس التعاون سابقاً ومستقبلاً الخيار الاستراتيجي الوحيد في ظل تصاعد التهديد الإيراني وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وتصاعد وتيرة الإرهاب العالمي والفوضى الأمنية في العراق التي أدت إلى ظهور جيل جديد من المتطرفين الذين سيهددون عاجلاً أم آجلاً الدول الخليجية.
إن دول مجلس التعاون رغم مضي أكثر من ربع قرن على التعاون العسكري تظل فإنها لا تزال من تعاني مشكلات وعوائق متعددة، فعلى الرغم من التعاون الأمني في تبادل المعلومات الأمنية وتبادل المجرمين ووقف الاختراقات والمشكلات الحدودية والتعاون في التدريب وشراء المعدات وتوحيد الأوامر الثابتة واستمرار التمارين المشتركة وإنشاء مركز القيادة والتنسيق للدفاع الجوي والإنذار المبكر تطفو على السطح بين الحين والآخر الاختلافات السياسية التي تظل عائقا لتحقيق التجانس العسكري.
إن أية قراءة للمستقبل تجعلنا نعتقد بأن مستقبل العلاقة العسكرية لدول الخليج قد تحتاج إلى مساهمة دول مثل مصر والأردن في أمن الخليج، كما توجد حاجة ماسة إلى الاستفادة من الثورة في الشؤون العسكرية والتقنيات الجديدة في الأنظمة الرقمية في إيجاد نقلة نوعية في جيوش دول مجلس التعاون الخليجي (قوات صغيرة تقنية عالية) حيث إن ثورة المعلوماتية التي تجتاح العالم حالياً والتقدم الكبير في الأجهزة والمعدات والأسلحة والبدء في التحضير للثورة القادمة والمعروفة بالتكنولوجيا المتناهية الصغر (النانو) ستخلق تحدياً لقدرات دول المجلس العسكرية. كما أن دول مجلس التعاون بحاجة إلى نموذج جديد لنظام أمني قائم على تخفيف التوتر وتعزيز الترابط والتعاون وتطوير درع الجزيرة وتقليص الاعتماد على دور القوات الأجنبية (نوع وحجم وطبيعة الوجود العسكري في المنطقة ستكون أحد العوامل في استمرار الاستقرار، لأن استمرار وجود قوات التحالف في المنطقة سيشكل عبئاً أمنياً على المنطقة سيجعلها مؤهلة إلى العيش لفترة أخرى من التوتر وعدم الاستقرار).
إن الإجابة عن سيناريوهات مستقبل العلاقة العسكرية لدول مجلس التعاون ستجعلنا نواجه خيارات عديدة، فالموقف السياسي والاقتصادي في ظل ما يحدث في المنطقة وتأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتأثر الدول الخليجية بالإرهاب الدولي كل ذلك سينعكس حتماً على التعاون العسكري، فالدول الخليجية بما تملك من احتياطي نفطي تملك قوة نفوذ هائلة من خلال التحكم بالإنتاج والتسويق رغم الضغوط التي تتعرض لها تلك الدول لإجراء المزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
ويمثل طموح الجمهورية الإيرانية إلى الحصول على ترسانة نووية تحدياً كبيراً لدول المجلس التي ترى أنها معنية بشكل أو آخر بما يجري في إيران وخاصة في استمرار رفض إيران الدخول في منطقة خالية من الأسلحة النووية والتخلي عن امتلاك قدرات لصنع الأسلحة النووية وتطوير الصواريخ البالستية. إن المأزق الذي تواجهه دول المجلس هو في كيفية مواجهة الخطر الإيراني لأنها إذا قررت الدخول في مواجهة لهذا التهديد فإن ذلك يتطلب تطوير القدرات الهجومية لضرب الصواريخ البالستية قبل انطلاقها أو في مراحل انطلاقها في أجواء الخصم مع تقليص فعاليات الدفاع المعادي عبر قصف أهداف استراتيجية أو عبر تطوير الصواريخ البالستية التي قد تمتلكها دول المجلس، وهو في حد ذاته أمر يناقض الأهداف التي شكل على أساسها المجلس.
إن المؤسسة العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى تعزيز التقدم العملياتي لكافة أفرع القوات المسلحة للبدء باستخدام منظومات أسلحة حديثة للغاية لكي تتم الاستفادة من التقدم في التقنيات الالكترونية والمعدات وأجهزة الاستشعار للوصول إلى تفكير تكتيكي متقدم إذا كانت دول المجلس تريد مجابهة الخطر القادم من الجهة الأخرى من الخليج العربي، لأن تأثير العولمة والتغيرات في طبيعة الصراع السياسي وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا وتقليل دور العامل البشري ستخلق تحديات ضخمة لقوات دول المجلس المسلحة في عصر المعلوماتية، فالكثير من المحللين العسكريين يرون أن جيوش مجلس التعاون الخليجي لا تستطيع استخدام قدراتها البشرية والعسكرية بكفاءة وهناك بطء ملحوظ في استخدام التقنية المتقدمة في غالبية أفرع القوات المسلحة لدول المجلس، وعليه فإنها بحاجة إلى نقلة نوعية ترتبط بتغير الفكر السياسي والعسكري لأن عدم قدرتها على اللحاق بقطار التقنية المتقدمة سيطيح بكل الإنجازات التي تمت.
لذلك يتوجب على دول مجلس التعاون الخليجي معرفة حقيقة استراتيجية مهمة يجب التكيف معها وهي أن الولايات المتحدة ستبقى في العراق لأجل طويل وستطلق بين الحين والآخر خيارات الإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي وهو ما يعني تعرض تلك الدول إلى ضغوط كبيرة للوصول إلى منظور الرؤية الأمريكية.
إن دول مجلس التعاون وهي تسير في ركاب القرن الواحد والعشرين بحاجة إلى أفكار ورؤية جديدة وهو ما يتطلب تخصيص موارد مالية للبحث والتطوير العسكري والعودة إلى دراسة مشاركة جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية في إنشاء صناعة عسكرية متطورة لضمان الأمن الخليجي وتوجيه مخرجات التعليم لتخدم التوجه العسكري ومشاركة الجامعات ومراكز الدراسات لاختيار أفكار جديدة وجريئة لدعم القوات المسلحة مع دراسة إمكانية توحيد التسليح بين دول المجلس لتحقيق قدر من الأمن وتخفيض تكاليف الأسلحة والأعباء المالية والمساعدة على التعاون الوثيق في مواجهة الأزمات.
إن آفاق المستقبل للتعاون العسكري لدول مجلس التعاون تتطلب رؤية استشرافية لأن التحولات التي يحملها المستقبل تفرض علينا أن نسعى إلى استقراء أبرز ملامحه والبحث عن الصيغ المناسبة التي من خلالها يمكن الاستعداد لمواجهة الأنماط الهائلة للتغيرات والتحولات والتحديات. لذا فإن دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار حقيقي لإثبات إمكانية انصهارها في بوتقة واحدة لأن التعاون العسكري سيظل إحدى الدعائم الرئيسية لسياسة الردع.
::/fulltext::
::cck::3435::/cck::
