حمدي نجاد والمهدي المنتظر

::cck::3371::/cck::
::introtext::

حديث الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي عن الخطر المحتمل لتركيبة السلطة الجديدة على مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية ربما يكون مؤشراً مهماً إلى طبيعة التحول الناشئ داخل النظام الإيراني بعد فوز الجناح الأصولي من التيار المحافظ بانتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو 2005، واستكمال سيطرته على مفاتيح صنع القرار في إيران، بدءً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية.

::/introtext::
::fulltext::

حديث الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي عن الخطر المحتمل لتركيبة السلطة الجديدة على مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية ربما يكون مؤشراً مهماً إلى طبيعة التحول الناشئ داخل النظام الإيراني بعد فوز الجناح الأصولي من التيار المحافظ بانتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو 2005، واستكمال سيطرته على مفاتيح صنع القرار في إيران، بدءً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية.
هذا التحول لم يؤد فقط إلى اختلال التوازن بين العنصريين الأساسيين المكونين للنظام الإيراني: الجمهورية والإسلامية لصالح الأخير، بما يعني تغليب الأيديولوجيا على المصلحة، وطغيان التوجه الراديكالي المتشدد على عملية صنع القرار، والارتداد مرة أخرى إلى مرحلة الثورة التي عاشتها إيران طوال عقد الثمانينات على حساب مرحلة الدولة التي بدأت بتولي هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية (1989-1997)، ثم وصول الإصلاحيين بقيادة خاتمي إلى الرئاسة (1997-2005). لكن ثمة جانبا آخر من الحقيقة، ربما يكون الأكثر أهمية، هو أن هذا التحول أدى إلى تنشيط المبادئ والشعارات الأيديولوجية التي تبنتها جمعية (الحجتية) ومدرسة (حقاني) الدينية التابعة لها، والتي رغم أنها ألغيت رسمياً في العام 1983 بعد ضغوط مؤسس الثورة الإسلامية الإمام الخميني، إلا أن مبادئها لاتزال حية ومتداولة خصوصاً أن قسماً من طاقم حكم الرئيس أحمدي نجاد يؤمن بها، بل إن ثمة تأكيدات على أن أحمدي نجاد نفسه يعتبر أحد (مريدي) آية الله مصباح يزدي المرجع الديني في الحوزة العلمية بمدينة (قم) المقدسة. الذي يحمل راية (الحجتية) في الوقت الراهن.
وإذا كان صحيحاً أن طاقم الحكم الجديد لا يؤمن إيماناً كاملاً بمبادئ (الحجتية) خاصة في ما يتعلق بدعوتها إلى فصل الدين عن السياسة، فإن الأمر الذي لا شك فيه أن معظم مبادئها الأخرى، ولاسيما ما يتعلق بالمهدي المنتظر وولاية الفقيه، تشكل إطاراً يحكم توجهات هذا الفريق ويضبط تفاعلاته، ولا يستثني أحمدي نجاد من هذه المعادلة.
من هنا يمكن تفسير الأهمية اللافتة التي حظي بها حديث أحمدي نجاد المتكرر عن قرب عودة المهدي المنتظر، وأن إيران تمثل قاعدة ظهور المهدي، ربما أكثر من الأهمية التي حظيت بها تصريحاته عن محو إسرائيل من الوجود أو نقلها إلى أوروبا. فاقتناع أحمدي نجاد بقرب عودة المهدي المنتظر يشكل قسماً رئيسياً من منطلقاته الفكرية، يمكن من خلاله الإجابة عن السؤال الأهم ومفاده: كيف يفكر أحمدي نجاد؟ وما هي تصوراته لدوره كرئيس للجمهورية؟ كما أنه يقدم تفسيرات للتصريحات الصاخبة التي أطلقها بشأن إسرائيل، وللتصعيد المتعمد من جانب إيران لأزمة الملف النووي، والأهم من ذلك أنه يكشف عن أسباب الاستعداد المبكر من جانب كل القوى السياسية الإيرانية، وخصوصاً الأصوليين، لانتخابات مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة المنوط بها تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ويتكون من 86 عضواً ينتخبون من جانب الشعب.
المهدي المنتظر
حظي الحديث المتكرر للرئيس أحمدي نجاد عن المهدي المنتظر باهتمام داخلي واسع، وأثار علامات استفهام كثيرة عن توجهات طاقم الحكم الجديد خاصة في ما يتعلق برؤيته لولاية الفقيه، العمود الفقري للنظام الإيراني، والمهام الرئيسية المنوط بالحكومة القيام بها. والمهدي المنتظر، وفقاً للمذهب الشيعي، هو الإمام الثاني عشر أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري، والذي يعتقد الشيعة أنه ينحدر من نسل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وقد اختفى سنة 941 ميلادية، لكنه سوف يعود مرة أخرى ليقود عهداً من العدالة الإسلامية.
محورية قضية المهدي المنتظر في فكر أحمدي نجاد بدت جلية في تخصيصه قسماً من خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 سبتمبر الماضي للحديث عن المهدي المنتظر، وتأكيده أن هالة من النور كانت تحيطه أثناء إلقاء الخطاب في الجمعية العامة. كما قال أمام خطباء الجمعة من جميع أنحاء إيران في 18 نوفمبر إن المهمة الرئيسية للثورة هي تمهيد الطريق لظهور الإمام المهدي الثاني عشر، لذا، وفي رؤيته، يجب أن تكون إيران مجتمعاً قوياً متطوراً ونموذجاً إسلامياً. الأهم من ذلك هو التقرير الذي نشرته صحيفة (انتخاب) الإصلاحية عن أن الرئيس أحمدي نجاد وطاقم حكمه الجديد وقعوا ميثاقاً مع المهدي المنتظر في أول جلسة لمجلس الوزراء، وكلفوا وزير الثقافة صفار هرندي بإلقائه في بئر (جمكران) في مدينة قم، التي يزروها آلاف الحجاج الشيعة أسبوعياً ويرمون بها رسائل وأموالاً (نُذُر) إلى المهدي المنتظر. وفي الجلسة الثانية لمجلس الوزراء اقترح وزير النقل والطرق الاستعاضة عن تخصيص جزء من ميزانية الدولة لإنشاء طريق طهران – جمكران بأموال النُذُر المتجمعة في بئر (جمكران)، إلا أن أحمدي نجاد رفض الاقتراح مؤكداً أن حكومته لم تأت من أجل قيادة الشعب، بل من أجل التمهيد للمهدي المنتظر.
المهدي المنتظر وولاية الفقيه
الحديث عن المهدي المنتظر يستتبعه بالضرورة تناول مسألة ولاية الفقيه، فالولي الفقيه هو الذي ينوب عن إمام الزمان الغائب حتى عودته، لكن ثمة انقساماً فقهياً حول حدود هذه الولاية: هل هي ولاية مطلقة يستخدم فيها الولي الفقيه كافة صلاحيات المهدي المنتظر، أم إنها ولاية مقيدة بإطار شرعي؟
النقطة الأهم في هذا السياق مفادها أن اهتمام طاقم الحكم الجديد في إيران وعلى رأسه أحمدي نجاد بإعادة إحياء مسألة المهدي المنتظر كحقيقة مركزية في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية الإيرانية، يعني في المقام الأول رفضه لمبدأ (مطلقية) ولاية الفقيه التي يحظى بها المرشد الأعلى علي خامنئي، بل إن توقيعه ميثاقاً مع المهدي المنتظر يصب مباشرة في اتجاه تقليص صلاحيات الولي الفقيه، بعد أن أصبحت الجمهورية الإسلامية مسؤولة أمام المهدي وليس المرشد الأعلى. وهنا يلحظ أيضا تأثير جمعية (الحجتية)، حيث ترى أن ولاية عصر الغيبة (غياب المهدي) على الشيعة ولاية ظاهرية فقط، وليست ولاية مطلقة كما هو مطبق حالياً في إيران. وربما يفسر ذلك بعض جوانب عدم ارتياح خامنئي لآية الله مصباح يزدي وبعض عناصر طاقم الحكم الجديد في فريق أحمدي نجاد.
إن المنطلقات الفكرية للرئيس أحمدي نجاد وطاقم حكمه كان لها تأثير ملحوظ في التعاطي الإيراني مع أزمة الملف النووي والموقف من إسرائيل، فالأمر الذي لا شك فيه أن ثمة اقتناعا قويا لدى أفراد هذا الطاقم بأن امتلاك التكنولوجيا النووية مرتبط بظهور المهدي المنتظر. ومن ثم، وفي رؤيتهم، فإن الإصرار على المضي قدما في طريق امتلاك هذه التكنولوجيا وتجاهل الضغوط الدولية المفروضة على إيران، حتى لو وصل الأمر إلى حد فرض عقوبات دولية يمثل شرطاً أساسياً لظهور المهدي المنتظر الذي يجب عند عودته أن يجد إيران قوية تمتلك التكنولوجيا المتقدمة خصوصاً التكنولوجيا النووية عنوان التقدم والتنمية في العالم المعاصر. والأمر نفسه ينطبق على الموقف من إسرائيل، فمحو إسرائيل من الوجود أو على الأقل نقلها من الأراضي الفلسطينية المحتلة من الوسائل المهمة، في رؤية هذا الفريق، التي تهيئ لظهور المهدي المنتظر.
ماذا يعني ذلك؟
ما سبق في مجمله يكشف عن مضمونين مهمين هما:
إن أحمدي نجاد يعتقد أن مهمته الرئيسية كرئيس للجمهورية تتمثل في تهيئة الظروف المناسبة لظهور المهدي المنتظر، والملاحظ في هذا السياق أنه لم يطرح قضية المهدي خلال حملته الانتخابية، بل كان شعاره الأساسي هو تقديم الخدمة للشعب، والذي كان أحد أسباب فوزه في الانتخابات، وهو تكتيك ذكي من أحمدي نجاد الذي فطن إلى خطورة تركيزه على هذه القضية في برنامجه الانتخابي، والتي كان من الممكن أن تعصف بحظوظه في الفوز خصوصا أنه في هذه الحالة كان سيخسر الحليف الأول له في الانتخابات وهو خامنئي. إن رؤية أحمدي نجاد لدور رئيس الجمهورية وللمهدي المنتظر تختلف إلى حد بعيد عن رؤية سلفيه في الرئاسة: رفسنجاني وخاتمي، فالأخيران، مع الفارق، يعتقدان أن المهمة الرئيسية لرئيس الجمهورية تنفيذية في المقام الأول، أي الاهتمام بالشأن المادي وعدم إعطاء الأولوية لقضية دينية مثل قضية المهدي المنتظر، التي تبدو في رؤيتهم حقيقة مجازية مرتبطة بنهاية العالم، وليست لها علاقة بالواقع الحالي أو الظروف الداخلية والخارجية التي تمر بها إيران.
الانتقادات الواسعة التي يتعرض لها أحمدي نجاد على الساحة الداخلية سواء بسبب تصريحاته العدائية للخارج، أو بسبب أزمة التشكيلة الحكومية التي نشبت بين مجلس الشورى الإسلامي والحكومة خاصة في ما يتعلق بحقيبة النفط، لن تؤدي في النهاية إلى طرح الثقة في الرئيس، أو بمعنى أدق لن تؤدي إلى تكرار نموذج أبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية (1980-1981) الذي طرحت فيه الثقة نتيجة توجهاته المتعارضة مع توجهات زعماء الثورة. فرغم أن ثمة اتجاها داخل مجلس الشورى (واللافت أنه يضم بعض كوادر الأصوليين الذين أبدوا استياءهم من سياسة أحمدي نجاد) لطرح الثقة في الرئيس، إلا أن هذا الإجراء يمثل خطاً أحمر يصعب تجاوزه، فخامنئي – الذي أبدى في بعض الأحيان استياءه من سياسة أحمدي نجاد، وبدا ذلك جلياً في تكليفه مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يترأسه رفسنجاني بالإشراف على عمل الحكومة ومجلس الشورى والسلطة القضائية – لن يسمح بطرح الثقة في الرئيس، لأن ذلك يمثل شرخاً في شرعية النظام القائم، خصوصاً أن خامنئي لم يخف تأييده لأحمدي نجاد في الانتخابات على حساب رفسنجاني. لكن إذا كان خامنئي فوّض رفسنجاني بالإشراف على عمل السلطات الثلاث، ما يعني توسيعا كبيرا في صلاحيات الأخير رغم هزيمته المدوية في الانتخابات، وهو تفويض يهدف إلى إعادة الخلل الذي أحدثته سيطرة الأصوليين على مفاتيح صنع القرار وإضفاء نوع من المرونة على التعاطي الإيراني خاصة مع الخارج، إلا أنه لا يعني في الوقت نفسه إطلاق يد رفسنجاني لتنفيذ رؤاه وطروحاته التي تبدو في بعض المقاطع متناقضة مع رؤى وطروحات خامنئي، ومن ثم يبقى دور رفسنجاني في النظام محكوماً برغبة خامنئي وحدود التفويض الذي منحه لرفسنجاني، خصوصا أن منصب الأخير كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام بالتعيين وليس بالانتخاب، ما يعني أن خامنئي يمكن أن يستعيد صلاحياته التي فوضها لرفسنجاني إذا رأى أن الأخير بدأ يحيد، كما فعل سابقاً، عن الطريق.
مجلس الخبراء
التحول الناشئ في ميزان القوى داخل إيران كانت لها انعكاساته المباشرة على الاستعداد المبكر لانتخابات مجلس خبراء القيادة التي لم يتحدد موعد إجرائها بعد (وإن كان من المتوقع إجراؤها في عام 2007)، لكن الملاحظ أن ثمة اهتماماً من جانب كافة القوى السياسية بهذه الانتخابات خاصة الأصوليين الذين بدأوا في أعقاب الانتخابات في إعادة النظر في أنماط تحالفاتهم وائتلافاتهم تمهيداً للمشاركة في هذه الانتخابات، حيث ساهموا في إعادة تفعيل مجلس تنسيق قوى الثورة كإطار واسع يضم كثيراً من أطياف الجناح الأصولي، إلى جانب بعض جماعات الجناح التقليدي من التيار المحافظ، ويرأسه حالياً علي لاريجاني السكرتير العام للمجلس الأعلى للأمن القومي وأحد الكوادر النشطة للأصوليين. هذا الاستعداد القوي من جانب الأصوليين لانتخابات مجلس الخبراء يعني في المقام الأول أن هدفهم القادم هو التدخل في مسألة تعيين وعزل المرشد، فكيف سيكون موقف خامنئي؟
سؤال سوف يحدد بدرجة كبيرة وجهة النظام الإيراني في الفترة المقبلة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3371::/cck::
::introtext::

حديث الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي عن الخطر المحتمل لتركيبة السلطة الجديدة على مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية ربما يكون مؤشراً مهماً إلى طبيعة التحول الناشئ داخل النظام الإيراني بعد فوز الجناح الأصولي من التيار المحافظ بانتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو 2005، واستكمال سيطرته على مفاتيح صنع القرار في إيران، بدءً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية.

::/introtext::
::fulltext::

حديث الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي عن الخطر المحتمل لتركيبة السلطة الجديدة على مستقبل نظام الجمهورية الإسلامية ربما يكون مؤشراً مهماً إلى طبيعة التحول الناشئ داخل النظام الإيراني بعد فوز الجناح الأصولي من التيار المحافظ بانتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت في يونيو 2005، واستكمال سيطرته على مفاتيح صنع القرار في إيران، بدءً من مجالس الشورى المحلية (البلديات)، مروراً بمجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وانتهاءً برئاسة الجمهورية.
هذا التحول لم يؤد فقط إلى اختلال التوازن بين العنصريين الأساسيين المكونين للنظام الإيراني: الجمهورية والإسلامية لصالح الأخير، بما يعني تغليب الأيديولوجيا على المصلحة، وطغيان التوجه الراديكالي المتشدد على عملية صنع القرار، والارتداد مرة أخرى إلى مرحلة الثورة التي عاشتها إيران طوال عقد الثمانينات على حساب مرحلة الدولة التي بدأت بتولي هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية (1989-1997)، ثم وصول الإصلاحيين بقيادة خاتمي إلى الرئاسة (1997-2005). لكن ثمة جانبا آخر من الحقيقة، ربما يكون الأكثر أهمية، هو أن هذا التحول أدى إلى تنشيط المبادئ والشعارات الأيديولوجية التي تبنتها جمعية (الحجتية) ومدرسة (حقاني) الدينية التابعة لها، والتي رغم أنها ألغيت رسمياً في العام 1983 بعد ضغوط مؤسس الثورة الإسلامية الإمام الخميني، إلا أن مبادئها لاتزال حية ومتداولة خصوصاً أن قسماً من طاقم حكم الرئيس أحمدي نجاد يؤمن بها، بل إن ثمة تأكيدات على أن أحمدي نجاد نفسه يعتبر أحد (مريدي) آية الله مصباح يزدي المرجع الديني في الحوزة العلمية بمدينة (قم) المقدسة. الذي يحمل راية (الحجتية) في الوقت الراهن.
وإذا كان صحيحاً أن طاقم الحكم الجديد لا يؤمن إيماناً كاملاً بمبادئ (الحجتية) خاصة في ما يتعلق بدعوتها إلى فصل الدين عن السياسة، فإن الأمر الذي لا شك فيه أن معظم مبادئها الأخرى، ولاسيما ما يتعلق بالمهدي المنتظر وولاية الفقيه، تشكل إطاراً يحكم توجهات هذا الفريق ويضبط تفاعلاته، ولا يستثني أحمدي نجاد من هذه المعادلة.
من هنا يمكن تفسير الأهمية اللافتة التي حظي بها حديث أحمدي نجاد المتكرر عن قرب عودة المهدي المنتظر، وأن إيران تمثل قاعدة ظهور المهدي، ربما أكثر من الأهمية التي حظيت بها تصريحاته عن محو إسرائيل من الوجود أو نقلها إلى أوروبا. فاقتناع أحمدي نجاد بقرب عودة المهدي المنتظر يشكل قسماً رئيسياً من منطلقاته الفكرية، يمكن من خلاله الإجابة عن السؤال الأهم ومفاده: كيف يفكر أحمدي نجاد؟ وما هي تصوراته لدوره كرئيس للجمهورية؟ كما أنه يقدم تفسيرات للتصريحات الصاخبة التي أطلقها بشأن إسرائيل، وللتصعيد المتعمد من جانب إيران لأزمة الملف النووي، والأهم من ذلك أنه يكشف عن أسباب الاستعداد المبكر من جانب كل القوى السياسية الإيرانية، وخصوصاً الأصوليين، لانتخابات مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة المنوط بها تعيين وعزل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ويتكون من 86 عضواً ينتخبون من جانب الشعب.
المهدي المنتظر
حظي الحديث المتكرر للرئيس أحمدي نجاد عن المهدي المنتظر باهتمام داخلي واسع، وأثار علامات استفهام كثيرة عن توجهات طاقم الحكم الجديد خاصة في ما يتعلق برؤيته لولاية الفقيه، العمود الفقري للنظام الإيراني، والمهام الرئيسية المنوط بالحكومة القيام بها. والمهدي المنتظر، وفقاً للمذهب الشيعي، هو الإمام الثاني عشر أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري، والذي يعتقد الشيعة أنه ينحدر من نسل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وقد اختفى سنة 941 ميلادية، لكنه سوف يعود مرة أخرى ليقود عهداً من العدالة الإسلامية.
محورية قضية المهدي المنتظر في فكر أحمدي نجاد بدت جلية في تخصيصه قسماً من خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 سبتمبر الماضي للحديث عن المهدي المنتظر، وتأكيده أن هالة من النور كانت تحيطه أثناء إلقاء الخطاب في الجمعية العامة. كما قال أمام خطباء الجمعة من جميع أنحاء إيران في 18 نوفمبر إن المهمة الرئيسية للثورة هي تمهيد الطريق لظهور الإمام المهدي الثاني عشر، لذا، وفي رؤيته، يجب أن تكون إيران مجتمعاً قوياً متطوراً ونموذجاً إسلامياً. الأهم من ذلك هو التقرير الذي نشرته صحيفة (انتخاب) الإصلاحية عن أن الرئيس أحمدي نجاد وطاقم حكمه الجديد وقعوا ميثاقاً مع المهدي المنتظر في أول جلسة لمجلس الوزراء، وكلفوا وزير الثقافة صفار هرندي بإلقائه في بئر (جمكران) في مدينة قم، التي يزروها آلاف الحجاج الشيعة أسبوعياً ويرمون بها رسائل وأموالاً (نُذُر) إلى المهدي المنتظر. وفي الجلسة الثانية لمجلس الوزراء اقترح وزير النقل والطرق الاستعاضة عن تخصيص جزء من ميزانية الدولة لإنشاء طريق طهران – جمكران بأموال النُذُر المتجمعة في بئر (جمكران)، إلا أن أحمدي نجاد رفض الاقتراح مؤكداً أن حكومته لم تأت من أجل قيادة الشعب، بل من أجل التمهيد للمهدي المنتظر.
المهدي المنتظر وولاية الفقيه
الحديث عن المهدي المنتظر يستتبعه بالضرورة تناول مسألة ولاية الفقيه، فالولي الفقيه هو الذي ينوب عن إمام الزمان الغائب حتى عودته، لكن ثمة انقساماً فقهياً حول حدود هذه الولاية: هل هي ولاية مطلقة يستخدم فيها الولي الفقيه كافة صلاحيات المهدي المنتظر، أم إنها ولاية مقيدة بإطار شرعي؟
النقطة الأهم في هذا السياق مفادها أن اهتمام طاقم الحكم الجديد في إيران وعلى رأسه أحمدي نجاد بإعادة إحياء مسألة المهدي المنتظر كحقيقة مركزية في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية الإيرانية، يعني في المقام الأول رفضه لمبدأ (مطلقية) ولاية الفقيه التي يحظى بها المرشد الأعلى علي خامنئي، بل إن توقيعه ميثاقاً مع المهدي المنتظر يصب مباشرة في اتجاه تقليص صلاحيات الولي الفقيه، بعد أن أصبحت الجمهورية الإسلامية مسؤولة أمام المهدي وليس المرشد الأعلى. وهنا يلحظ أيضا تأثير جمعية (الحجتية)، حيث ترى أن ولاية عصر الغيبة (غياب المهدي) على الشيعة ولاية ظاهرية فقط، وليست ولاية مطلقة كما هو مطبق حالياً في إيران. وربما يفسر ذلك بعض جوانب عدم ارتياح خامنئي لآية الله مصباح يزدي وبعض عناصر طاقم الحكم الجديد في فريق أحمدي نجاد.
إن المنطلقات الفكرية للرئيس أحمدي نجاد وطاقم حكمه كان لها تأثير ملحوظ في التعاطي الإيراني مع أزمة الملف النووي والموقف من إسرائيل، فالأمر الذي لا شك فيه أن ثمة اقتناعا قويا لدى أفراد هذا الطاقم بأن امتلاك التكنولوجيا النووية مرتبط بظهور المهدي المنتظر. ومن ثم، وفي رؤيتهم، فإن الإصرار على المضي قدما في طريق امتلاك هذه التكنولوجيا وتجاهل الضغوط الدولية المفروضة على إيران، حتى لو وصل الأمر إلى حد فرض عقوبات دولية يمثل شرطاً أساسياً لظهور المهدي المنتظر الذي يجب عند عودته أن يجد إيران قوية تمتلك التكنولوجيا المتقدمة خصوصاً التكنولوجيا النووية عنوان التقدم والتنمية في العالم المعاصر. والأمر نفسه ينطبق على الموقف من إسرائيل، فمحو إسرائيل من الوجود أو على الأقل نقلها من الأراضي الفلسطينية المحتلة من الوسائل المهمة، في رؤية هذا الفريق، التي تهيئ لظهور المهدي المنتظر.
ماذا يعني ذلك؟
ما سبق في مجمله يكشف عن مضمونين مهمين هما:
إن أحمدي نجاد يعتقد أن مهمته الرئيسية كرئيس للجمهورية تتمثل في تهيئة الظروف المناسبة لظهور المهدي المنتظر، والملاحظ في هذا السياق أنه لم يطرح قضية المهدي خلال حملته الانتخابية، بل كان شعاره الأساسي هو تقديم الخدمة للشعب، والذي كان أحد أسباب فوزه في الانتخابات، وهو تكتيك ذكي من أحمدي نجاد الذي فطن إلى خطورة تركيزه على هذه القضية في برنامجه الانتخابي، والتي كان من الممكن أن تعصف بحظوظه في الفوز خصوصا أنه في هذه الحالة كان سيخسر الحليف الأول له في الانتخابات وهو خامنئي. إن رؤية أحمدي نجاد لدور رئيس الجمهورية وللمهدي المنتظر تختلف إلى حد بعيد عن رؤية سلفيه في الرئاسة: رفسنجاني وخاتمي، فالأخيران، مع الفارق، يعتقدان أن المهمة الرئيسية لرئيس الجمهورية تنفيذية في المقام الأول، أي الاهتمام بالشأن المادي وعدم إعطاء الأولوية لقضية دينية مثل قضية المهدي المنتظر، التي تبدو في رؤيتهم حقيقة مجازية مرتبطة بنهاية العالم، وليست لها علاقة بالواقع الحالي أو الظروف الداخلية والخارجية التي تمر بها إيران.
الانتقادات الواسعة التي يتعرض لها أحمدي نجاد على الساحة الداخلية سواء بسبب تصريحاته العدائية للخارج، أو بسبب أزمة التشكيلة الحكومية التي نشبت بين مجلس الشورى الإسلامي والحكومة خاصة في ما يتعلق بحقيبة النفط، لن تؤدي في النهاية إلى طرح الثقة في الرئيس، أو بمعنى أدق لن تؤدي إلى تكرار نموذج أبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية (1980-1981) الذي طرحت فيه الثقة نتيجة توجهاته المتعارضة مع توجهات زعماء الثورة. فرغم أن ثمة اتجاها داخل مجلس الشورى (واللافت أنه يضم بعض كوادر الأصوليين الذين أبدوا استياءهم من سياسة أحمدي نجاد) لطرح الثقة في الرئيس، إلا أن هذا الإجراء يمثل خطاً أحمر يصعب تجاوزه، فخامنئي – الذي أبدى في بعض الأحيان استياءه من سياسة أحمدي نجاد، وبدا ذلك جلياً في تكليفه مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يترأسه رفسنجاني بالإشراف على عمل الحكومة ومجلس الشورى والسلطة القضائية – لن يسمح بطرح الثقة في الرئيس، لأن ذلك يمثل شرخاً في شرعية النظام القائم، خصوصاً أن خامنئي لم يخف تأييده لأحمدي نجاد في الانتخابات على حساب رفسنجاني. لكن إذا كان خامنئي فوّض رفسنجاني بالإشراف على عمل السلطات الثلاث، ما يعني توسيعا كبيرا في صلاحيات الأخير رغم هزيمته المدوية في الانتخابات، وهو تفويض يهدف إلى إعادة الخلل الذي أحدثته سيطرة الأصوليين على مفاتيح صنع القرار وإضفاء نوع من المرونة على التعاطي الإيراني خاصة مع الخارج، إلا أنه لا يعني في الوقت نفسه إطلاق يد رفسنجاني لتنفيذ رؤاه وطروحاته التي تبدو في بعض المقاطع متناقضة مع رؤى وطروحات خامنئي، ومن ثم يبقى دور رفسنجاني في النظام محكوماً برغبة خامنئي وحدود التفويض الذي منحه لرفسنجاني، خصوصا أن منصب الأخير كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام بالتعيين وليس بالانتخاب، ما يعني أن خامنئي يمكن أن يستعيد صلاحياته التي فوضها لرفسنجاني إذا رأى أن الأخير بدأ يحيد، كما فعل سابقاً، عن الطريق.
مجلس الخبراء
التحول الناشئ في ميزان القوى داخل إيران كانت لها انعكاساته المباشرة على الاستعداد المبكر لانتخابات مجلس خبراء القيادة التي لم يتحدد موعد إجرائها بعد (وإن كان من المتوقع إجراؤها في عام 2007)، لكن الملاحظ أن ثمة اهتماماً من جانب كافة القوى السياسية بهذه الانتخابات خاصة الأصوليين الذين بدأوا في أعقاب الانتخابات في إعادة النظر في أنماط تحالفاتهم وائتلافاتهم تمهيداً للمشاركة في هذه الانتخابات، حيث ساهموا في إعادة تفعيل مجلس تنسيق قوى الثورة كإطار واسع يضم كثيراً من أطياف الجناح الأصولي، إلى جانب بعض جماعات الجناح التقليدي من التيار المحافظ، ويرأسه حالياً علي لاريجاني السكرتير العام للمجلس الأعلى للأمن القومي وأحد الكوادر النشطة للأصوليين. هذا الاستعداد القوي من جانب الأصوليين لانتخابات مجلس الخبراء يعني في المقام الأول أن هدفهم القادم هو التدخل في مسألة تعيين وعزل المرشد، فكيف سيكون موقف خامنئي؟
سؤال سوف يحدد بدرجة كبيرة وجهة النظام الإيراني في الفترة المقبلة.

::/fulltext::
::cck::3371::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *