أمريكا ودول مجلس التعاون علاقة مشروطة بعوامل سياسية خارجية
::cck::3454::/cck::
::introtext::
مما لاشك فيه أن منطقة الخليج العربي ستظل بشكل عام بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها وأصدقائها من دول أوروبا الغربية واليابان بمثابة إنسان العين فعلى ما تنتجه من بترول تعتمد القوة العسكرية والقوة الاقتصادية لهذه الدول.
::/introtext::
::fulltext::
مما لاشك فيه أن منطقة الخليج العربي ستظل بشكل عام بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها وأصدقائها من دول أوروبا الغربية واليابان بمثابة إنسان العين فعلى ما تنتجه من بترول تعتمد القوة العسكرية والقوة الاقتصادية لهذه الدول.
وفي السبعينات والثمانينات كان القول إنه إذا ما استطاعت موسكو أن تغلق صنابير البترول فلاشك أن أمريكا وحلفاءها سيركعون على أقدامهم بل ويزداد الموقف خطورة إذا استطاعت موسكو تحويل مصب هذا البترول إليها.
والحقيقة أنه مع غروب شمس الاتحاد السوفييتي السابق ظهرت في الأفق قضايا جديدة أثرت في مجريات العلاقات الخارجية بين دول الخليج عامة ودول مجلس التعاون خاصة وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي انفردت بالزعامة الإمبراطورية دون شريك ولسنوات طوال مقبلة.
والتساؤل موضوع هذا المقال يبحث في العلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون مع واشنطن فماذا عن محددات هذه العلاقة، وأهم المنحنيات التي تؤثر فيها وما مستقبلها في ضوء التطورات الراهنة؟
للإجابة نقول إن الواقع يشير إلى أن العلاقة التي نحن بصددها ليست حديثة العهد لكنها ذات جذور تعود إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، وأضحت في الخمسين سنة الماضية علاقة استراتيجية من منطلق أن عصب الحياة العصرية الأمريكية يوجد مطموراً داخل أراضي دول مجلس التعاون في شكل الذهب الأسود، أي النفط، ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية فإن هناك ملفات أخرى تتشابك خيوطها وتتقاطع خطوطها بين الجانبين منها على سبيل المثال لا الحصر الدور الوطني العروبي لدول مجلس التعاون تجاه القضية العربية التي تشكل حجر الرحى في مسار العرب الحديث أي قضية فلسطين ودور إحدى دول المجلس (المملكة العربية السعودية) في بلورة رؤية عادلة تم التوافق عليها ليس خليجياً فحسب، بل عربياً وبالإجماع في القمة المنعقدة في بيروت عام 2002.
ومنها كذلك أزمة إيران التي تقض مضاجع الأطفال والرضع في دول المنطقة وتحمل ما لا يحمد عقباه، إضافة إلى الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي وتحديدا في العراق ودون شك تبقى مشكلة الإرهاب الدولي قاسماً أعظم مشتركاً في العلاقة بين الطرفين.
وللوقوف على التوجهات السياسية لدول مجلس التعاون تجاه العالم الخارجي الذي يحتوي أمريكا دون توصيف أو تصنيف خاص يلزمنا بالرجوع إلى البيان الختامي لقمة (الملك فهد) والتي انعقدت في مدينة أبو ظبي يومي الأحد والاثنين 16-17 ذو القعدة 1426هجرية الموافق 18-19 ديسمبر 2005 برئاسة صاحب السمو االشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
وإذا كان الاقتصاد عصب الحياة المعاصرة فإن دول مجلس التعاون حسب البيان الختامي قد اعتمدت وثيقة السياسة التجارية الموحدة لدول المجلس فإن الواقع يشير إلى أن هناك اتفاقيات منفردة تمت مع الولايات المتحدة الأمريكية في ضوء ما يعرف بمناطق التجارة الحرة مثل البحرين وسلطنة عمان. وفي هذا الإطار يمكن القول إن الولايات المتحدة تتعامل مع دول المجلس حتى الساعة عبر سياسات منفردة وليست سياسات موحدة، وفي هذا تثور مخاوف حقيقية ذلك لأن الولايات المتحدة تنطلق في توقيع اتفاقيات التجارة الحرة من رؤيتها العالمية لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة، وتبرمج رؤيتها عبر منظمة التجارة الدولية والمنظمات المالية والاقتصادية الدولية ذات الشأن نظراً للدور الكبير الذي تلعبه واشنطن في هذه المرحلة من تطور العالم، بالإضافة إلى ما تراه مفيداً لها ولحلفائها في هذه المنطقة الشديدة الحساسية من العالم خاصة بعد إطلاق حربها ضد الإرهاب الدولي.
وإذا اعتبرنا أن النفط في حد ذاته متغير اقتصادي وركيزة أساسية في اقتصادات القرن العشرين فيمكننا ساعتها بلورة صورة للعلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة لا سيما على ضوء التطورات الأخيرة من الجانب الأمريكي تجاه هذا الركن الأصيل في العلاقات الثنائية.
والمعروف جيداً أن منطقة الشرق الأوسط لا تنال اهتمام الولايات المتحدة إلا في شأنين لا ثالث لهما، الأول هو أمن وأمان دولة إسرائيل. والثاني هو نفط المنطقة العربية فإذا انتفى الأخير من العلاقة الثنائية تغير شكلها بصورة جذرية، واكتسب البعد الأول هيمنة مطلقة على مفهوم السياسية الخارجية الأمريكية في المنطقة.
وقد كان خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأخير والمعروف بخطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونجرس الأمريكي بمجلسيه نقطة مفصلية في مستقبل هذه العلاقة، وربما يعد ما جاء فيه في تقديري مصدر إزعاج لدول مجلس التعاون في حال تغيرت الرؤية الأمريكية للأهمية الاستراتيجية لدول المنطقة الجديدة.
ولم يخف الرئيس بوش نواياه إذ أكد على رغبة إدارته في خفض تبعية بلاده النفطية للشرق الأوسط بنسبة 75 في المائة حتى 2025، موضحا أن ذلك يشكل أحد الشروط للإبقاء على التفوق الاقتصادي للولايات المتحدة.
والسؤال الذي يورد نفسه مباشرة هل يعكس هذا التصريح نوايا مستقبلية تجاه الدول العربية والإسلامية عامة ودول مجلس التعاون على وجه الخصوص ؟ أظن أن ذلك حقيقي وإلى درجة بعيدة وأنه يحمل آثارا سلبية تتخطى المنافع المادية وأرباح بيع النفط لأمريكا وهو ما وضح جلياً في تصريح بوش (إنني واثق بأنه يمكننا أن نقول للشعب الأمريكي إنه عندما تنتهي أبحاثنا سنكون على طريق عدم التبعية للشرق الأوسط في وارداتنا النفطية). ولعل القارئ يتساءل وله في ذلك ألف حق ماذا يعني عدم التبعية؟ وهل الولايات المتحدة بقوتها وقدرتها اليوم تابعة لدول الخليج؟ تقول (الواشنطن بوست) الأمريكية إن حجم الاستهلاك الأمريكي اليومي من النفط يقدر بنحو 15 مليون برميل ينتج منه 4.7 مليون برميل في الحقول الأمريكية نفسها بينما تستورد الـ 10.3 مليون برميل المتبقية من الخارج، يضاف إلى ذلك أن معظم الوارد يتم إنتاجه في الجزء الغربي من الكرة الأرضية وغيره من المناطق التي لا علاقة لها بالخليج العربي، وللحقيقة فإن نسبة النفط المستورد من الخليج لا تزيد على 14 في المائة فحسب من إجمالي الاستهلاك الأمريكي اليومي للنفط ولهذا السبب فإنه لا يتوقع حدوث أثر يذكر لفطام أمريكا عن النفط الخليجي أو الشرق أوسطي على الاقتصاد العالمي جراء تعرضه لتذبذب أسعار النفط، والسبب هو أن الدول الآسيوية المعتمدة كلياً على النفط سرعان ما ستحل محل المشتريات الأمريكية من النفط الخليجي.
وعليه، فإن الأمر لن يتوقف عند إحداث تأثيرات سيئة في اقتصادات دول مجلس التعاون، لكنه على أي حال يعكس نوايا سياسية لتنفيذ مخططات ما عرف بوثيقة (القرن الأمريكي) التي تبلورت عن دليل السياسة الدفاعية الأمريكية وهو ما يمكن اختصاره في عبارة واحدة وهي (تخلص القوة الإمبراطورية الأمريكية من أي التزامات أو سياسات تفرض عليها تبعات تجاه دول أو تكتلات بعينها مما يتيح لها سيطرة مطلقة على مقدرات الأمور في القرن الحادي والعشرين. فهل جاءت كلمات بوش لتضع من جديد النقاط على الحروف تجاه مستقبل هذه العلاقة؟
ومن بين القضايا الفاعلة والتي تعد قاسماً مشتركاً بين الطرفين ومنذ وقت طويل تأتي قضايا إيران برمتها وليس قضية البرنامج النووي فحسب ذلك أنه لا يخفى على أحد أن جزءاً كبيراً من السعي الذي شهدته دول مجلس التعاون منذ الثمانينات حتى اليوم إنما يخلق في رحم الأيام من جراء التهديدات الأمنية الإيرانية التي تجاوزت مداها باحتلالها أراضي إماراتية رغم رفض المجتمع الدولي لذلك.
وللموضوعية نذكر أن الولايات المتحدة كان لها موقف تقدمي في هذا الإطار عندما أبلغت الحكومة الأمريكية في عام 1992 الحكومة الإيرانية علناً وعبر القنوات الدبلوماسية بأن الأزمة يجب ألا تنفجر وأن استعمال القوة أمر غير مقبول. وفي ذلك الوقت أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر أن الإدارة أيدت التوصل إلى حل سلمي للنزاعات الإقليمية كالنزاع على (جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) فيما أشارت تصريحات وزير الخارجية بالوكالة لورانس ايغلبرغر وقتها إلى معارضة أمريكا استخدام إيران القوة في فرض سلطتها على جزيرة أبو موسى وهو ما يتناقض مع مبدأ حل النزاع بالوسائل الدبلوماسية.
والواقع أن إيران تمثل اليوم حجر عثرة في طريق العلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون فهي من جهة تشكل مخاوف حقيقية بذاتها وتثير هواجس أخطر بتحديها للعالم الخارجي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ؟ ماذا يعني ذلك؟ الإجابة تلزمنا بالعودة إلى ما طالب به وزير الخارجية الإماراتي السابق عبد الله بن راشد النعيمي في مؤتمر صحفي عقده إثر انتهاء أعمال القمة من ضمانات لدول الخليج في ما يتعلق بمفاعل بوشهر النووي الإيراني، إذ قال سعادته نحن في منطقة قريبة من المفاعل النووي بوشهر وليست لدينا ضمانات ولا وقاية ولا حماية إذا تسرب شيء من هذا المفاعل وهو على مياه الخليج. وأضاف أن إيران ليست عضواً في اتفاقية الإنذار المبكر، ونطالب بضمانات وحماية لنا وهو ما يعني أن إيران بحضورها فقط تشكل عامل قلق، بينما على الجانب الآخر نجد أن تشابك الأزمة الإيرانية – الأمريكية يجعل دول مجلس التعاون في الوقت ذاته تحت تهديد مباشر عسكرياً واقتصادياً، ذلك أنه في ظل التمادي الإيراني في المضي قدماً نحو برنامج نووي وفي ضوء استكمالها لتخصيب اليورانيوم وتهديداتها التي لا تنقطع بشأن الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وعدم جدوى الوسائل الدبلوماسية معها يذهب كثير من المحللين إلى أن المواجهة العسكرية قادمة لا ريب فيها، ولعل ما ذكرته صحيفة (الصنداي تايمز) البريطانية يوم الأحد الماضي 12/2 من أن تجهيزات تجري على قدم وساق داخل وزارة الدفاع (البنتاجون) الأمريكي للإعداد لضربة عسكرية لإيران ومواقعها النووية يؤكد أن المنطقة مقدمة على لهيب مشتعل وربيع دام إن جاز التعبير.
ومما لاشك فيه أن إيران تدرك احتمالية هذه المواجهة وتعد الخطط للمواجهة مستخدمة استراتيجية ما يعرف بـ (محامي الشيطان) وضمن أوراق الشيطان تلك توجيه صواريخ باليستية إيرانية من طراز شهاب وغيرها إلى أكبر عدد ممكن من القواعد الأمريكية في منطقة الخليج العربي وغير خاف على أحد أن عدداً منها يوجد على أراضي دول المجلس، فإلى أي مدى ستكون هذه العلاقة الثلاثية بين أمريكا وإيران ودول مجلس التعاون مؤثرة في مستقبل العلاقات الأمريكية – الخليجية ؟ وهل ستدفع دول المجلس ضريبة غالية من أمنها وأمانها من جراء مواجهة ليس لها ذنب فيها أو جريرة تجاهها، وليست إلا صراع أطراف دولية قوية تحاول السيطرة والهيمنة على مقدرات منطقة الخليج العربي والتي هي حتى الساعة عصب رئيسي في الاقتصاد القومي العالمي؟
والأمر المؤكد أن القضايا والتفاعلات ما بين السياسة الخارجية الأمريكية ودول مجلس التعاون تزخر بأحداث جسام ليس آخرها الوجود الأمريكي في العراق والذي من دون شك يؤثر سلبياً في أمن واستقرار دول المجلس، وقد جاء بيان القمة الأخير ليعرب عن ترحيبه بالانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت بتاريخ 15 ديسمبر الجاري، وتطلع المجلس إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ العراق لكن ما لم يقله البيان هو أن الوجود الأمريكي في العراق يتعدى قضية بلد الرشيد بمفرده ويأخذ من أرضه نقطة انطلاق لمخطط القرن الأمريكي ينتقل منها إلى شرق آسيا حتى تكتمل له السيطرة، ورغم التصريحات المتكررة عن الانسحابات الأمريكية من العراق إلا أن البيانات التي تتحدث عن بناء أربع عشرة قاعدة عسكرية في العراق تأتي مناقضة لحديث الانسحاب. ويبقى القول إن هذا الوجود بهذه الصورة يفقد المنطقة هدوءها وأمنها على المدى البعيد، ويطلق مكنونات الصدور الشعبية لسكان دول المنطقة التي بدأت تتساءل مع العالم أجمع عن جدوى الغزو الأمريكي للعراق من جهة، وعن الوجود الأمريكي في هذه المنطقة من جهة أخرى وإلى أين يمضي في قادمات الأيام؟ ولعل ذلك هو ما ذهب إليه حكماء دول مجلس التعاون في بدايات أيام الغزو عندما دعوا إلى قيام الأمم المتحدة بالمهمة الرئيسية في العراق خلال مرحلة ما بعد الحرب.
وانطلاقاً من عروبة دول مجلس التعاون فإنها تجد نفسها في مواجهة خلاف واسع مع الولايات المتحدة الأمريكية لجهة إسرائيل وهو خلاف لا يبدو أنه سيلتئم جرحه في القريب العاجل أو في المدى المتوسط ويؤثر بحال من الأحوال في طبيعة العلاقات الخارجية بينهما.
أما عن الشق الأول في هذا الفراق فيتأتى من الموقف الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية، فالمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون أكد مجدداً في بيانه الأخير على تمسك دوله بمبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 والتي تنطلق من قرارات الشرعية الدولية مؤكداً التكامل بين هذه المبادرة و(خارطة الطريق) ليس هذا فحسب، بل إن المجلس أكد مجدداً أن السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المستندة إلى المقومات الضرورية لها وعاصمتها القدس الشريف. وفي السياق ذاته أكد المجلس على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان العربي السوري المحتل إلى خط حدود الرابع من يونيو عام 1967 ومن مزارع شبعا في جنوب لبنان.
والحقيقة التي يدركها الجميع هي أن ما جاء في هذا البيان إنما يتناقض مع كثير من المواقف الأمريكية الرسمية الداعمة بشكل كبير للتسلط الإسرائيلي في المنطقة عامة والتعسف في معاملة الفلسطينيين، خاصة أن الموقف الأمريكي حتى لو تشدق بالحديث عن القضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية فإن الأمر لا يتعدى الحديث، وخير دليل على ذلك تراجع الرئيس الأمريكي جورج بوش عن وعوده بإقامة الدولة الفلسطينية في عام 2005، كما أن إشارة دول المجلس إلى القدس الشريف كعاصمة موحدة لإسرائيل أمر لا تقبل به الدبلوماسية الأمريكية التي تود نقل سفارتها سنة تلو الأخرى من تل أبيب إلى القدس لولا التدخل الرئاسي الذي يراعي المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها بالطبع تدفق النفط على بلاده، وهذا ما يجعلنا من جديد ندرك معنى خلاص الولايات المتحدة من التبعية للشرق الأوسط وعلى وجه الدقة نفط الشرق الأوسط الذي هو بأكبر قدر نفط دول الخليج.
بل إن عروبة دول المجلس لا تقف عند هذا الإطار فقط، بل نراها تتجلى في إطار الصراع (الدوجماطيقي) المشتعل اليوم في العالم الغربي بعد أن أذكت تيارات اليمين المسيحي الأصولي والتيارات الصهيونية المتمسحة إن جاز التعبير ناره، ذلك لأنه من الولايات المتحدة انطلقت في السنوات العشر الأخيرة دعوات تصادم الحضارات وهو التعبير المستتر لمواجهات الأديان، وليس المشهد الدنماركي الأخير إلا بداية إرهاصات لمواجهات قادمة، ووضح جلياً أن خلافاً حادثاً في العلاقة بين الطرفين من منطلق حرص دول مجلس التعاون على صون المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك الذي قال البيان الختامي للقمة الأخيرة إن التهديدات الموجهة إليه لا تؤدي إلا إلى استفزاز مشاعر المسلمين والمساس بحرمة مقدساتهم، الأمر الذي يقوض عملية السلام.
ولعلنا نذكّر بعنوان لمجلة (التايم) الأمريكية في أحد أعدادها منذ بضع سنوات تقول فيه (متى يبني اليهود هيكلهم الثالث؟) وتستطرد مضيفة (أن مسجداً وقروناً من الكراهية تقف في مواجهة هذا الحلم اليهودي) والمسجد المقصود بالطبع هو الأقصى المبارك والكراهية كما صورتها (التايم) هي من جانب العرب والمسلمين.
وفي تقديري أنه طالماً بقي الموقف الأمريكي داعماً لهذه الاتجاهات الأصولية اليمينية التي تصيب المسلمين في أقدس مقدساتهم، فإن الأمر يخرج من بين يدي الحكومات التي تجد نفسها في مواجهة شعوبها العروبية والإسلامية الرافضة لهذه السياسات العنصرية.
وفي الوقت الذي تحاك فيه المؤامرات الأمريكية – الإسرائيلية ضد سوريا البلد العربي الشقيق نجد دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان العربي السوري المحتل إلى خط الرابع من يونيو عام 1967 ومن مزارع شبعا في جنوب لبنان، وبكل تأكيد وتحديد فإن هذا الموقف ينظر إليه بصورة سلبية من قبل الجانب الأمريكي الذي يسعى للخلاص من النظام السوري ضمن (منظومة خلاصية استقصائية) يتطلع إليها في المنطقة للخلاص من رموز عربية وإسلامية لا تريدها إدارات واشنطن الأخيرة وهو ما لم ولن تقبل به شعوب المنطقة.
أما الشق الآخر في الخلاف فهو أن دول مجلس التعاون والتي كانت لها وقفة صادقة تجاه التهديدات الإيرانية للمنطقة قامت أيضاً بمسؤوليتها الأدبية تجاه المطالبة بإعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل من خلال مطالبتها إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة انتشار الأسلحة النووية وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما طالب المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للوصول إلى ذلك.
وبلا شك فإن هذا الحديث لا يلقى هوى أو صدى لدى الإدارة الأمريكية التي تغض الطرف عن المشروع النووي الإسرائيلي، في حين تعامل إيران بشكل مختلف تماماً وهو ما يجعل الحديث من قبل دول مجلس التعاون غير مستساغ عن عصبة البيت الأبيض.
ويبقى المرتكز الأخير في هذه البانوراما السريعة للسياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية يدور في إطار (طاعون العصر) ألا وهو الإرهاب، القضية التي باتت تؤرق دول مجلس التعاون والتي لم يكن لها وجود قبل عقدين، فدول المجلس في البيان الأخير أثنت على الجهود والآليات والإجراءات التي اتخذت من قبل أعضائها لمحاربة الإرهاب ونبذه بمختلف أشكاله وصوره وأيا كان مصدره، وفي هذا الاتجاه تصب مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية بالقدر نفسه، لكن ينبغي التفريق بين السبب والمسبب، وليس من قبيل البوح بالأسرار أن الولايات المتحدة التي تسعى اليوم بشكل حثيث إلى مواجهة الإرهاب من منظورها لعبت ذات مرة دور الساحر، وكان أن انقلب السحر على الساحر لتجد دول الخليج نفسها ومن جديد تدفع استحقاقات أزمات لم تكن طرفاً فيها ولابد لها من مواجهتها، وهنا كذلك يجب التوقف أمام منظومة محاربة الإرهاب بين الرؤية الوطنية لدول مجلس التعاون التي تريد تحقيق الأمن وإدراك الأمان لشعوبها في مجابهتها لهذا الغول المخيف الذي لا يبقي على ذرع أو ضرع ولا يرحم كهلاً عجوزاً أو طفلاً رضيعاً وبين التذرع بالإرهاب لتحقيق استراتيجيات مرسومة مسبقاً وخير دليل على صدق هذا الكلام هو العودة لقراءة متأنية فيما أطلق عليه الأيام الماضية استراتيجية الدفاع الأمريكية للعشرين سنة المقبلة من أجل مواجهة الإرهاب، وعندها سيدرك القارئ الفرق في النظرة لهذه الأزمة بين الجانبين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة.
وختاما يمكننا القول وبكل ثقة إنه طالما بقيت جماعات اليمين المحافظ هي الفاعلة في الدوائر الأمريكية فإن خيراً كثيراً لا يرتجى في تحسن العلاقات الخارجية العربية والخليجية عامة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ويزعم توم ديلاي زعيم الغالبية في مجلس النواب الأمريكي غداة الإعلان عن فوز جورج بوش في انتخابات الرئاسة 2004. (سيكون في وسعنا من الآن فصاعدا أن نقود هذا البلد في الاتجاه الذي نحلم به منذ سنوات عدة، فنحن سنعيد الرب إلى مكانه في المجال العام).
وعند هذا القول وأقوال من لف لفه يدرك المرء أن طرق الافتراق أوسع كثيرا من أسباب الاتفاق بين الشعوب العربية والإسلامية وبين الإدارات الأمريكية وسياساتها الخارجية رغم أن في السياسة مساحات رمادية واسعة بين الأبيض والأسود، لكن الخوف كل الخوف يوم أن تصبح السياسات الخارجية للدول محل تطبيق عملي للدوجماطيقيات ورهناً لصراع الأصوليات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3454::/cck::
::introtext::
مما لاشك فيه أن منطقة الخليج العربي ستظل بشكل عام بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها وأصدقائها من دول أوروبا الغربية واليابان بمثابة إنسان العين فعلى ما تنتجه من بترول تعتمد القوة العسكرية والقوة الاقتصادية لهذه الدول.
::/introtext::
::fulltext::
مما لاشك فيه أن منطقة الخليج العربي ستظل بشكل عام بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها وأصدقائها من دول أوروبا الغربية واليابان بمثابة إنسان العين فعلى ما تنتجه من بترول تعتمد القوة العسكرية والقوة الاقتصادية لهذه الدول.
وفي السبعينات والثمانينات كان القول إنه إذا ما استطاعت موسكو أن تغلق صنابير البترول فلاشك أن أمريكا وحلفاءها سيركعون على أقدامهم بل ويزداد الموقف خطورة إذا استطاعت موسكو تحويل مصب هذا البترول إليها.
والحقيقة أنه مع غروب شمس الاتحاد السوفييتي السابق ظهرت في الأفق قضايا جديدة أثرت في مجريات العلاقات الخارجية بين دول الخليج عامة ودول مجلس التعاون خاصة وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي انفردت بالزعامة الإمبراطورية دون شريك ولسنوات طوال مقبلة.
والتساؤل موضوع هذا المقال يبحث في العلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون مع واشنطن فماذا عن محددات هذه العلاقة، وأهم المنحنيات التي تؤثر فيها وما مستقبلها في ضوء التطورات الراهنة؟
للإجابة نقول إن الواقع يشير إلى أن العلاقة التي نحن بصددها ليست حديثة العهد لكنها ذات جذور تعود إلى ما قبل منتصف القرن الماضي، وأضحت في الخمسين سنة الماضية علاقة استراتيجية من منطلق أن عصب الحياة العصرية الأمريكية يوجد مطموراً داخل أراضي دول مجلس التعاون في شكل الذهب الأسود، أي النفط، ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية فإن هناك ملفات أخرى تتشابك خيوطها وتتقاطع خطوطها بين الجانبين منها على سبيل المثال لا الحصر الدور الوطني العروبي لدول مجلس التعاون تجاه القضية العربية التي تشكل حجر الرحى في مسار العرب الحديث أي قضية فلسطين ودور إحدى دول المجلس (المملكة العربية السعودية) في بلورة رؤية عادلة تم التوافق عليها ليس خليجياً فحسب، بل عربياً وبالإجماع في القمة المنعقدة في بيروت عام 2002.
ومنها كذلك أزمة إيران التي تقض مضاجع الأطفال والرضع في دول المنطقة وتحمل ما لا يحمد عقباه، إضافة إلى الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي وتحديدا في العراق ودون شك تبقى مشكلة الإرهاب الدولي قاسماً أعظم مشتركاً في العلاقة بين الطرفين.
وللوقوف على التوجهات السياسية لدول مجلس التعاون تجاه العالم الخارجي الذي يحتوي أمريكا دون توصيف أو تصنيف خاص يلزمنا بالرجوع إلى البيان الختامي لقمة (الملك فهد) والتي انعقدت في مدينة أبو ظبي يومي الأحد والاثنين 16-17 ذو القعدة 1426هجرية الموافق 18-19 ديسمبر 2005 برئاسة صاحب السمو االشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
وإذا كان الاقتصاد عصب الحياة المعاصرة فإن دول مجلس التعاون حسب البيان الختامي قد اعتمدت وثيقة السياسة التجارية الموحدة لدول المجلس فإن الواقع يشير إلى أن هناك اتفاقيات منفردة تمت مع الولايات المتحدة الأمريكية في ضوء ما يعرف بمناطق التجارة الحرة مثل البحرين وسلطنة عمان. وفي هذا الإطار يمكن القول إن الولايات المتحدة تتعامل مع دول المجلس حتى الساعة عبر سياسات منفردة وليست سياسات موحدة، وفي هذا تثور مخاوف حقيقية ذلك لأن الولايات المتحدة تنطلق في توقيع اتفاقيات التجارة الحرة من رؤيتها العالمية لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة، وتبرمج رؤيتها عبر منظمة التجارة الدولية والمنظمات المالية والاقتصادية الدولية ذات الشأن نظراً للدور الكبير الذي تلعبه واشنطن في هذه المرحلة من تطور العالم، بالإضافة إلى ما تراه مفيداً لها ولحلفائها في هذه المنطقة الشديدة الحساسية من العالم خاصة بعد إطلاق حربها ضد الإرهاب الدولي.
وإذا اعتبرنا أن النفط في حد ذاته متغير اقتصادي وركيزة أساسية في اقتصادات القرن العشرين فيمكننا ساعتها بلورة صورة للعلاقات الخارجية لدول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة لا سيما على ضوء التطورات الأخيرة من الجانب الأمريكي تجاه هذا الركن الأصيل في العلاقات الثنائية.
والمعروف جيداً أن منطقة الشرق الأوسط لا تنال اهتمام الولايات المتحدة إلا في شأنين لا ثالث لهما، الأول هو أمن وأمان دولة إسرائيل. والثاني هو نفط المنطقة العربية فإذا انتفى الأخير من العلاقة الثنائية تغير شكلها بصورة جذرية، واكتسب البعد الأول هيمنة مطلقة على مفهوم السياسية الخارجية الأمريكية في المنطقة.
وقد كان خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأخير والمعروف بخطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونجرس الأمريكي بمجلسيه نقطة مفصلية في مستقبل هذه العلاقة، وربما يعد ما جاء فيه في تقديري مصدر إزعاج لدول مجلس التعاون في حال تغيرت الرؤية الأمريكية للأهمية الاستراتيجية لدول المنطقة الجديدة.
ولم يخف الرئيس بوش نواياه إذ أكد على رغبة إدارته في خفض تبعية بلاده النفطية للشرق الأوسط بنسبة 75 في المائة حتى 2025، موضحا أن ذلك يشكل أحد الشروط للإبقاء على التفوق الاقتصادي للولايات المتحدة.
والسؤال الذي يورد نفسه مباشرة هل يعكس هذا التصريح نوايا مستقبلية تجاه الدول العربية والإسلامية عامة ودول مجلس التعاون على وجه الخصوص ؟ أظن أن ذلك حقيقي وإلى درجة بعيدة وأنه يحمل آثارا سلبية تتخطى المنافع المادية وأرباح بيع النفط لأمريكا وهو ما وضح جلياً في تصريح بوش (إنني واثق بأنه يمكننا أن نقول للشعب الأمريكي إنه عندما تنتهي أبحاثنا سنكون على طريق عدم التبعية للشرق الأوسط في وارداتنا النفطية). ولعل القارئ يتساءل وله في ذلك ألف حق ماذا يعني عدم التبعية؟ وهل الولايات المتحدة بقوتها وقدرتها اليوم تابعة لدول الخليج؟ تقول (الواشنطن بوست) الأمريكية إن حجم الاستهلاك الأمريكي اليومي من النفط يقدر بنحو 15 مليون برميل ينتج منه 4.7 مليون برميل في الحقول الأمريكية نفسها بينما تستورد الـ 10.3 مليون برميل المتبقية من الخارج، يضاف إلى ذلك أن معظم الوارد يتم إنتاجه في الجزء الغربي من الكرة الأرضية وغيره من المناطق التي لا علاقة لها بالخليج العربي، وللحقيقة فإن نسبة النفط المستورد من الخليج لا تزيد على 14 في المائة فحسب من إجمالي الاستهلاك الأمريكي اليومي للنفط ولهذا السبب فإنه لا يتوقع حدوث أثر يذكر لفطام أمريكا عن النفط الخليجي أو الشرق أوسطي على الاقتصاد العالمي جراء تعرضه لتذبذب أسعار النفط، والسبب هو أن الدول الآسيوية المعتمدة كلياً على النفط سرعان ما ستحل محل المشتريات الأمريكية من النفط الخليجي.
وعليه، فإن الأمر لن يتوقف عند إحداث تأثيرات سيئة في اقتصادات دول مجلس التعاون، لكنه على أي حال يعكس نوايا سياسية لتنفيذ مخططات ما عرف بوثيقة (القرن الأمريكي) التي تبلورت عن دليل السياسة الدفاعية الأمريكية وهو ما يمكن اختصاره في عبارة واحدة وهي (تخلص القوة الإمبراطورية الأمريكية من أي التزامات أو سياسات تفرض عليها تبعات تجاه دول أو تكتلات بعينها مما يتيح لها سيطرة مطلقة على مقدرات الأمور في القرن الحادي والعشرين. فهل جاءت كلمات بوش لتضع من جديد النقاط على الحروف تجاه مستقبل هذه العلاقة؟
ومن بين القضايا الفاعلة والتي تعد قاسماً مشتركاً بين الطرفين ومنذ وقت طويل تأتي قضايا إيران برمتها وليس قضية البرنامج النووي فحسب ذلك أنه لا يخفى على أحد أن جزءاً كبيراً من السعي الذي شهدته دول مجلس التعاون منذ الثمانينات حتى اليوم إنما يخلق في رحم الأيام من جراء التهديدات الأمنية الإيرانية التي تجاوزت مداها باحتلالها أراضي إماراتية رغم رفض المجتمع الدولي لذلك.
وللموضوعية نذكر أن الولايات المتحدة كان لها موقف تقدمي في هذا الإطار عندما أبلغت الحكومة الأمريكية في عام 1992 الحكومة الإيرانية علناً وعبر القنوات الدبلوماسية بأن الأزمة يجب ألا تنفجر وأن استعمال القوة أمر غير مقبول. وفي ذلك الوقت أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر أن الإدارة أيدت التوصل إلى حل سلمي للنزاعات الإقليمية كالنزاع على (جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) فيما أشارت تصريحات وزير الخارجية بالوكالة لورانس ايغلبرغر وقتها إلى معارضة أمريكا استخدام إيران القوة في فرض سلطتها على جزيرة أبو موسى وهو ما يتناقض مع مبدأ حل النزاع بالوسائل الدبلوماسية.
والواقع أن إيران تمثل اليوم حجر عثرة في طريق العلاقات بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون فهي من جهة تشكل مخاوف حقيقية بذاتها وتثير هواجس أخطر بتحديها للعالم الخارجي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ؟ ماذا يعني ذلك؟ الإجابة تلزمنا بالعودة إلى ما طالب به وزير الخارجية الإماراتي السابق عبد الله بن راشد النعيمي في مؤتمر صحفي عقده إثر انتهاء أعمال القمة من ضمانات لدول الخليج في ما يتعلق بمفاعل بوشهر النووي الإيراني، إذ قال سعادته نحن في منطقة قريبة من المفاعل النووي بوشهر وليست لدينا ضمانات ولا وقاية ولا حماية إذا تسرب شيء من هذا المفاعل وهو على مياه الخليج. وأضاف أن إيران ليست عضواً في اتفاقية الإنذار المبكر، ونطالب بضمانات وحماية لنا وهو ما يعني أن إيران بحضورها فقط تشكل عامل قلق، بينما على الجانب الآخر نجد أن تشابك الأزمة الإيرانية – الأمريكية يجعل دول مجلس التعاون في الوقت ذاته تحت تهديد مباشر عسكرياً واقتصادياً، ذلك أنه في ظل التمادي الإيراني في المضي قدماً نحو برنامج نووي وفي ضوء استكمالها لتخصيب اليورانيوم وتهديداتها التي لا تنقطع بشأن الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وعدم جدوى الوسائل الدبلوماسية معها يذهب كثير من المحللين إلى أن المواجهة العسكرية قادمة لا ريب فيها، ولعل ما ذكرته صحيفة (الصنداي تايمز) البريطانية يوم الأحد الماضي 12/2 من أن تجهيزات تجري على قدم وساق داخل وزارة الدفاع (البنتاجون) الأمريكي للإعداد لضربة عسكرية لإيران ومواقعها النووية يؤكد أن المنطقة مقدمة على لهيب مشتعل وربيع دام إن جاز التعبير.
ومما لاشك فيه أن إيران تدرك احتمالية هذه المواجهة وتعد الخطط للمواجهة مستخدمة استراتيجية ما يعرف بـ (محامي الشيطان) وضمن أوراق الشيطان تلك توجيه صواريخ باليستية إيرانية من طراز شهاب وغيرها إلى أكبر عدد ممكن من القواعد الأمريكية في منطقة الخليج العربي وغير خاف على أحد أن عدداً منها يوجد على أراضي دول المجلس، فإلى أي مدى ستكون هذه العلاقة الثلاثية بين أمريكا وإيران ودول مجلس التعاون مؤثرة في مستقبل العلاقات الأمريكية – الخليجية ؟ وهل ستدفع دول المجلس ضريبة غالية من أمنها وأمانها من جراء مواجهة ليس لها ذنب فيها أو جريرة تجاهها، وليست إلا صراع أطراف دولية قوية تحاول السيطرة والهيمنة على مقدرات منطقة الخليج العربي والتي هي حتى الساعة عصب رئيسي في الاقتصاد القومي العالمي؟
والأمر المؤكد أن القضايا والتفاعلات ما بين السياسة الخارجية الأمريكية ودول مجلس التعاون تزخر بأحداث جسام ليس آخرها الوجود الأمريكي في العراق والذي من دون شك يؤثر سلبياً في أمن واستقرار دول المجلس، وقد جاء بيان القمة الأخير ليعرب عن ترحيبه بالانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت بتاريخ 15 ديسمبر الجاري، وتطلع المجلس إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ العراق لكن ما لم يقله البيان هو أن الوجود الأمريكي في العراق يتعدى قضية بلد الرشيد بمفرده ويأخذ من أرضه نقطة انطلاق لمخطط القرن الأمريكي ينتقل منها إلى شرق آسيا حتى تكتمل له السيطرة، ورغم التصريحات المتكررة عن الانسحابات الأمريكية من العراق إلا أن البيانات التي تتحدث عن بناء أربع عشرة قاعدة عسكرية في العراق تأتي مناقضة لحديث الانسحاب. ويبقى القول إن هذا الوجود بهذه الصورة يفقد المنطقة هدوءها وأمنها على المدى البعيد، ويطلق مكنونات الصدور الشعبية لسكان دول المنطقة التي بدأت تتساءل مع العالم أجمع عن جدوى الغزو الأمريكي للعراق من جهة، وعن الوجود الأمريكي في هذه المنطقة من جهة أخرى وإلى أين يمضي في قادمات الأيام؟ ولعل ذلك هو ما ذهب إليه حكماء دول مجلس التعاون في بدايات أيام الغزو عندما دعوا إلى قيام الأمم المتحدة بالمهمة الرئيسية في العراق خلال مرحلة ما بعد الحرب.
وانطلاقاً من عروبة دول مجلس التعاون فإنها تجد نفسها في مواجهة خلاف واسع مع الولايات المتحدة الأمريكية لجهة إسرائيل وهو خلاف لا يبدو أنه سيلتئم جرحه في القريب العاجل أو في المدى المتوسط ويؤثر بحال من الأحوال في طبيعة العلاقات الخارجية بينهما.
أما عن الشق الأول في هذا الفراق فيتأتى من الموقف الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية، فالمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون أكد مجدداً في بيانه الأخير على تمسك دوله بمبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 والتي تنطلق من قرارات الشرعية الدولية مؤكداً التكامل بين هذه المبادرة و(خارطة الطريق) ليس هذا فحسب، بل إن المجلس أكد مجدداً أن السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المستندة إلى المقومات الضرورية لها وعاصمتها القدس الشريف. وفي السياق ذاته أكد المجلس على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان العربي السوري المحتل إلى خط حدود الرابع من يونيو عام 1967 ومن مزارع شبعا في جنوب لبنان.
والحقيقة التي يدركها الجميع هي أن ما جاء في هذا البيان إنما يتناقض مع كثير من المواقف الأمريكية الرسمية الداعمة بشكل كبير للتسلط الإسرائيلي في المنطقة عامة والتعسف في معاملة الفلسطينيين، خاصة أن الموقف الأمريكي حتى لو تشدق بالحديث عن القضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية فإن الأمر لا يتعدى الحديث، وخير دليل على ذلك تراجع الرئيس الأمريكي جورج بوش عن وعوده بإقامة الدولة الفلسطينية في عام 2005، كما أن إشارة دول المجلس إلى القدس الشريف كعاصمة موحدة لإسرائيل أمر لا تقبل به الدبلوماسية الأمريكية التي تود نقل سفارتها سنة تلو الأخرى من تل أبيب إلى القدس لولا التدخل الرئاسي الذي يراعي المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها بالطبع تدفق النفط على بلاده، وهذا ما يجعلنا من جديد ندرك معنى خلاص الولايات المتحدة من التبعية للشرق الأوسط وعلى وجه الدقة نفط الشرق الأوسط الذي هو بأكبر قدر نفط دول الخليج.
بل إن عروبة دول المجلس لا تقف عند هذا الإطار فقط، بل نراها تتجلى في إطار الصراع (الدوجماطيقي) المشتعل اليوم في العالم الغربي بعد أن أذكت تيارات اليمين المسيحي الأصولي والتيارات الصهيونية المتمسحة إن جاز التعبير ناره، ذلك لأنه من الولايات المتحدة انطلقت في السنوات العشر الأخيرة دعوات تصادم الحضارات وهو التعبير المستتر لمواجهات الأديان، وليس المشهد الدنماركي الأخير إلا بداية إرهاصات لمواجهات قادمة، ووضح جلياً أن خلافاً حادثاً في العلاقة بين الطرفين من منطلق حرص دول مجلس التعاون على صون المقدسات الإسلامية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك الذي قال البيان الختامي للقمة الأخيرة إن التهديدات الموجهة إليه لا تؤدي إلا إلى استفزاز مشاعر المسلمين والمساس بحرمة مقدساتهم، الأمر الذي يقوض عملية السلام.
ولعلنا نذكّر بعنوان لمجلة (التايم) الأمريكية في أحد أعدادها منذ بضع سنوات تقول فيه (متى يبني اليهود هيكلهم الثالث؟) وتستطرد مضيفة (أن مسجداً وقروناً من الكراهية تقف في مواجهة هذا الحلم اليهودي) والمسجد المقصود بالطبع هو الأقصى المبارك والكراهية كما صورتها (التايم) هي من جانب العرب والمسلمين.
وفي تقديري أنه طالماً بقي الموقف الأمريكي داعماً لهذه الاتجاهات الأصولية اليمينية التي تصيب المسلمين في أقدس مقدساتهم، فإن الأمر يخرج من بين يدي الحكومات التي تجد نفسها في مواجهة شعوبها العروبية والإسلامية الرافضة لهذه السياسات العنصرية.
وفي الوقت الذي تحاك فيه المؤامرات الأمريكية – الإسرائيلية ضد سوريا البلد العربي الشقيق نجد دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الجولان العربي السوري المحتل إلى خط الرابع من يونيو عام 1967 ومن مزارع شبعا في جنوب لبنان، وبكل تأكيد وتحديد فإن هذا الموقف ينظر إليه بصورة سلبية من قبل الجانب الأمريكي الذي يسعى للخلاص من النظام السوري ضمن (منظومة خلاصية استقصائية) يتطلع إليها في المنطقة للخلاص من رموز عربية وإسلامية لا تريدها إدارات واشنطن الأخيرة وهو ما لم ولن تقبل به شعوب المنطقة.
أما الشق الآخر في الخلاف فهو أن دول مجلس التعاون والتي كانت لها وقفة صادقة تجاه التهديدات الإيرانية للمنطقة قامت أيضاً بمسؤوليتها الأدبية تجاه المطالبة بإعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل من خلال مطالبتها إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة انتشار الأسلحة النووية وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما طالب المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل للوصول إلى ذلك.
وبلا شك فإن هذا الحديث لا يلقى هوى أو صدى لدى الإدارة الأمريكية التي تغض الطرف عن المشروع النووي الإسرائيلي، في حين تعامل إيران بشكل مختلف تماماً وهو ما يجعل الحديث من قبل دول مجلس التعاون غير مستساغ عن عصبة البيت الأبيض.
ويبقى المرتكز الأخير في هذه البانوراما السريعة للسياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية يدور في إطار (طاعون العصر) ألا وهو الإرهاب، القضية التي باتت تؤرق دول مجلس التعاون والتي لم يكن لها وجود قبل عقدين، فدول المجلس في البيان الأخير أثنت على الجهود والآليات والإجراءات التي اتخذت من قبل أعضائها لمحاربة الإرهاب ونبذه بمختلف أشكاله وصوره وأيا كان مصدره، وفي هذا الاتجاه تصب مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية بالقدر نفسه، لكن ينبغي التفريق بين السبب والمسبب، وليس من قبيل البوح بالأسرار أن الولايات المتحدة التي تسعى اليوم بشكل حثيث إلى مواجهة الإرهاب من منظورها لعبت ذات مرة دور الساحر، وكان أن انقلب السحر على الساحر لتجد دول الخليج نفسها ومن جديد تدفع استحقاقات أزمات لم تكن طرفاً فيها ولابد لها من مواجهتها، وهنا كذلك يجب التوقف أمام منظومة محاربة الإرهاب بين الرؤية الوطنية لدول مجلس التعاون التي تريد تحقيق الأمن وإدراك الأمان لشعوبها في مجابهتها لهذا الغول المخيف الذي لا يبقي على ذرع أو ضرع ولا يرحم كهلاً عجوزاً أو طفلاً رضيعاً وبين التذرع بالإرهاب لتحقيق استراتيجيات مرسومة مسبقاً وخير دليل على صدق هذا الكلام هو العودة لقراءة متأنية فيما أطلق عليه الأيام الماضية استراتيجية الدفاع الأمريكية للعشرين سنة المقبلة من أجل مواجهة الإرهاب، وعندها سيدرك القارئ الفرق في النظرة لهذه الأزمة بين الجانبين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة.
وختاما يمكننا القول وبكل ثقة إنه طالما بقيت جماعات اليمين المحافظ هي الفاعلة في الدوائر الأمريكية فإن خيراً كثيراً لا يرتجى في تحسن العلاقات الخارجية العربية والخليجية عامة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ويزعم توم ديلاي زعيم الغالبية في مجلس النواب الأمريكي غداة الإعلان عن فوز جورج بوش في انتخابات الرئاسة 2004. (سيكون في وسعنا من الآن فصاعدا أن نقود هذا البلد في الاتجاه الذي نحلم به منذ سنوات عدة، فنحن سنعيد الرب إلى مكانه في المجال العام).
وعند هذا القول وأقوال من لف لفه يدرك المرء أن طرق الافتراق أوسع كثيرا من أسباب الاتفاق بين الشعوب العربية والإسلامية وبين الإدارات الأمريكية وسياساتها الخارجية رغم أن في السياسة مساحات رمادية واسعة بين الأبيض والأسود، لكن الخوف كل الخوف يوم أن تصبح السياسات الخارجية للدول محل تطبيق عملي للدوجماطيقيات ورهناً لصراع الأصوليات.
::/fulltext::
::cck::3454::/cck::
