السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون إزاء ظاهرة الإرهاب

::cck::3429::/cck::
::introtext::

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وظاهرة الإرهاب باتت إحدى أهم القضايا في أجندة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، وصارت جهود مكافحتها في قمة أولويات السياسة الخارجية لمختلف دول العالم، بعد أن صاغ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مبدأه الشهير ضد الإرهاب في 20 سبتمبر 2001، والقائل: (إن كل دولة في أي منطقة من العالم عليها أن تتخذ قراراً إما أن تكون معنا أو تكون مع الإرهابيين، وأنه من الآن فصاعداً فإن أية دولة تستمر في توفير الحماية والمأمن للإرهاب سوف تعتبر نظاماً معادياً للولايات المتحدة).

::/introtext::
::fulltext::

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وظاهرة الإرهاب باتت إحدى أهم القضايا في أجندة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، وصارت جهود مكافحتها في قمة أولويات السياسة الخارجية لمختلف دول العالم، بعد أن صاغ الرئيس الأمريكي جورج بوش مبدأه الشهير ضد الإرهاب في 20 سبتمبر 2001، والقائل: (إن كل دولة في أي منطقة من العالم عليها أن تتخذ قراراً إما أن تكون معنا أو تكون مع الإرهابيين، وأنه من الآن فصاعداً فإن أية دولة تستمر في توفير الحماية والمأمن للإرهاب سوف تعتبر نظاماً معادياً للولايات المتحدة).
ولأن دول مجلس التعاون الخليجي كانت معنية أكثر من غيرها بتداعيات هذه الأحداث، نتيجة للربط – الخاطئ والمزعوم- بينها وبين ظاهرتي التطرف والإرهاب من جانب بعض الأوساط الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة والغرب بصفة عامة، فقد احتلت جهود مكافحة الإرهاب أولوية متقدمة في السياسة الخارجية لهذه الدول لتنفي عن نفسها تلك المزاعم والادعاءات من ناحية، ولتثبت أنها كانت ضحية الإرهاب من ناحية ثانية، ولتؤكد أنها تعاونت قبل أحداث سبتمبر مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب من ناحية ثالثة.
من أجل ذلك، ارتكزت سياسة دول المجلس الخارجية إزاء ظاهرة الإرهاب على عدة ثوابت أساسية تأخذ في الاعتبار خصوصيتها الثقافية والحضارية والمجتمعية، وانتماءاتها العربية والإسلامية، أهمها:
ـ عالمية الإرهاب، باعتباره ظاهرة لا دين لها ولا وطن وأنه عمل دخيل على المبادئ الإسلامية، ومن ثم فالتنظيمات الإرهابية لا يجوز وصفها بالإسلامية، وعلى هذا فإن من أهداف جهود مكافحة الإرهاب خليجياً وعربياً، وتحديداً على المستوى الإعلامي، تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام.
ـ إن ظاهرة الإرهاب في العالم بشكل عام ترجع في الأغلب إلى فقدان العدالة الاقتصادية والسياسية، وسياسات الكيل بمكيالين، وبقاء العديد من النزاعات الإقليمية من دون تسوية، فهذه السياسات خلفت وراءها عالمـاً لديه تراكمات سياسية نفسية غير سوية (عدائية) بعدم عدالة الموقف الأمريكي إزاء العديد من الملفات المشتعلة في العالم طوال ما يزيد على نصف قرن من الزمان، لعل أبرزها ملف الصراع العربـي – الإسرائيلي، حيث شهد انحيازاً أمريكياً سافراً لإسرائيل.
ـ ضرورة التفرقة بين الإرهاب المنبوذ غير المشروع دينياً وقانونياً وأخلاقياً، والكفاح المسلح المشروع ضد الاحتلال الأجنبي المجاز وفق المواثيق الدولية والشرائع الدينية.
ـ إعمال الحكمة في التعامل مع الإرهاب، باعتبارها الحل الأمثل للتصدي لظاهرة الإرهاب، وهذه الحكمة تقتضي ألا يقتصر الأمر على الحل الأمني، وأن تكون الحرب ضد الإرهاب متعددة الجوانب لاستئصال الظاهرة من جذورها والقضاء على الأسباب والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد الإرهابيين على ممارسة أعمالهم.
ـ ضرورة أن تكون محاربة الإرهاب مسؤولية دولية تضامنية لا تنفرد بها دولة دون سائر الدول، وذلك حتى لا تتحول تلك الدولة إلى (شرطي عالمي) توجه اتهاماتها إلى كل دولة تتعارض مصالحها معها، وإنما ينبغي أن تأتي في إطار منظمة الأمم المتحدة وفي إطار اتفاقيات دولية منظمة للعمل الدولي في هذا الصدد. ومن الضروري أن يوضع الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب في إطاره الصحيح.
وحرصت دول المجلس على التأكيد على هذه الثوابت في كل المناسبات، سواء في الاجتماعات الوزارية أو في اجتماعات القمم الخليجية، وبرز هذا بوضوح في البيان الختامي للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته السادسة والعشرين للمجلس الأعلى (قمة فهد) التي انعقدت في أبو ظبي في ديسمبر 2005، حيث أكد البيان على دعم كل جهد إقليمي ودولي لمكافحة الإرهاب، من خلال بلورة المواقف وتنسيقها حول تعريف الإرهاب وتحديده، والتمييز بينه وبين حقوق الشعوب المشروعة في مقاومة الاحتلال، التي لا تستبيح دماء الأبرياء.
وتأسيساً على هذه الثوابت، تعاطت السياسة الخارجية لدول المجلس بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مع ظاهرة الإرهاب وفق العديد من الآليات والإجراءات، سواء على المستويين الإقليمي والدولي، والتي يمكن إيجازها على الشكل التالي:
أولاً: الانضمام إلى التحالف الدولي للإرهاب: تعاطت دول المجلس مع الدعوة الأمريكية إلى بناء تحالف دولـي ضد الإرهاب من منظور موضوعي يقرأ الواقع المحيط، ومن منطلق المصلحة الخليجية والعربية والإسلاميـة العامـة. بيد أنها وضعت شروطاً للمشاركة في هذا التحالف، في مقدمتها: (أن تكون الحملة الأمريكية ضد الإرهاب متزنة بدافع العدالة وليس الانتقـام، وضرورة عدم الإعلان عن أي اتهامات لأشخاص أو جهات بالمشاركة في تنفيذ أو دعم الهجمات التي حدثت أو غيرها من الأعمال الإرهابية قبل التأكد من صحة المعلومات والتحقيقات في شأن هذه الأعمال حتى تكون الصورة واضحـة، ورفض فكرة العقاب الجماعي العشوائي الذي يمكن أن يؤدي إلى سقوط أبرياء مثل الذين سقطوا في الولايات المتحدة).
وأكدت قمة مجلس التعاون الخليجي الثانية والعشرون التي انعقدت في مسقط نهاية ديسمبر 2001 على دعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على الإرهاب، والاستعداد الكامل للتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهة هذه الظاهرة، كما دعت القمة إلى عقد مؤتمر دولي لوضع قواعد دولية لمحاربة الإرهاب، وذلك انطلاقاً من قناعة مفادها أن الإرهاب أصبح ظاهرة دولية مجهولة الهوية والأهداف والأدوات لا تفرق في ضرباتها بين دين أو جنس أو لون أو عرق، ولا تستدعي صدام الحضارات، وإنما حوار الحضارات من خلال تضافر جهود جميع أعضاء المجتمع الدولـي على قدم المساواة للقضاء على هذه الظاهرة ليس من منطلق خشية الغضب الأمريكي، في إطار (مع أو ضـد) وإنما من منطلق الضمير الوطني الذي يشكل جزءاً من الضمير العالمي. وهو ما أكدته أيضاً القمة الخليجية السادسة والعشرون التي انعقدت في أبو ظبي في ديسمبر 2005 بتشديدها على دعم الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، كما سبق الإشارة.
وفي إطار دعم الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، استضافت المملكة العربية السعودية في شهر فبراير 2005 أعمال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، والذي أسفر عن عدة توصيات مهمة، في مقدمتها مقترح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، الذي لا شك أنه سيسهم بشكل حيوي وفاعل في الجهد الدولي لمكافحة الإرهاب تحت إشراف الأمم المتحدة .
ثانياً: التجاوب مع الجهود الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب: حيث تجاوبت دول المجلس مع قرارات الأمم المتحدة الصادرة عقب أحداث 11 سبتمبر، وفي مقدمتها: القراران الدوليان (1368) و(1373) الصادران في شهر سبتمبر من عام 2001 واللذان وضعا استراتيجية دولية متكاملة لمكافحة تمويل الإرهاب تقوم على آليات وقواعد جديدة، منها: تجميد كل الأرصدة المالية لكل الجماعات المشتبه في تورطها في أعمال إرهابية، وقمع كل من يساعدهم، وإلزام كل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية باتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لمحاربة الإرهاب، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومنح الدول حق استخدام القوة العسكرية إذا ما تعرضت لأي هجمات إرهابية، والامتناع عن توفير أي دعم فعلي أو ضمني لكيانات أو أشخاص يتورطون في أعمال إرهابية.
وبناء على ما سبق، اتخذت دول المجلس العديد من الإجراءات التي توافقت مع قرارات الشرعية الدولية في مسألة مكافحة الإرهاب، حيث وجهت المصارف المركزية الخليجية تعليمات ـ مرفقة بها القوائم الأمريكية المتلاحقة للأفراد والتنظيمات الإرهابية المحظورة ـ إلى كل المصارف العامة والخاصة وشركات الاستثمار الخليجية والأجنبية الموجودة على أرض خليجية بمراقبة تحويل أي أرصدة مالية أو مساعدات مادية من هؤلاء الأشخاص أو الجهات إلى تنظيم القاعدة أو العكس. ومن ناحية ثانية قامت بإصدار قوانين جديدة لغسيل الأموال، والتخلي عن السرية التقليدية التي تفرضها المصارف على حسابات عملائها في ما يتصل بأموال العمل الخيري أو الجهات التي تشتبه السلطات في علاقتها بجهات دولية متهمة بالإرهاب، فضلاً عن إعادة تنظيم عمل الجمعيات الخيرية والقواعد التي تحكمها.
ثالثاً: قطع العلاقات الدبلوماسيـة مع حركة طالبـان: قامت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في شهر سبتمبر 2001 بقطع علاقاتهما الدبلوماسية مع حركة طالبان، بسبب رفض الأخيرة لمساعيهما لحضها على التجاوب مع مطالب مجلس الأمن الدولـي بتسليم أسامة بن لادن، كرد فعل سريع منهما حاولتا به نفي أي صلة لهما بالإرهاب.
وعزت الدولتان قرارهما باستمرار حركة طالبان في استخدام أراضيها لإيواء وتسليح وتشجيع عدد من المغرر بهم من كل الجنسيات، للقيام بعمليات إرهابية إجرامية تروع الآمنين والأبرياء وتخالف كل شرع وعقيدة وتنشر الذعر والدمار في العالم وتشويه سمعة المسلمين، ورفض حكومة طالبان تسليم هؤلاء المجرمين للعدالة، أو الكف عن إيوائهم، ومواصلة تدريبهم وتحريضهم، وجعل أراضيها ملجأ وملاذاً ومركزاً لجذب واستقطاب وتدريب وتجنيد الإرهابيين.
رابعاً: التحرك بفاعلية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي والتأكيد على رؤيتها الخاصة بمكافحة الإرهاب، وبرز هذا جلياً في أعمال الاجتماع التاسع (الطارئ) لوزراء خارجية منظمة المؤتمـر الإسلامي الذي انعقد في الدوحة- باعتبارها رئيس المؤتمر آنذاك- في أكتوبر 2001، وتمخضت عن المؤتمر فكرة ـ خليجية بالأساس – وهي إنشاء صندوق إسلامي لمساعدة الشعب الأفغانـي، تبرعت فيه كل من السعودية وقطر بعشرة ملايين دولار والإمارات بثلاثة ملايين دولار وسلطنة عمان بمليون دولار، ما عكس فكرة التكافل الاجتماعي الإسلامي الذي تعد دول الخليج أكبر مؤسس لأركانه في العالم الإسلامـي.
كما أكد البيان الختامي للاجتماع على ثوابت الموقف الخليجي من ظاهرة الإرهاب، وفي مقدمتها وجوب التفرقة بين الإرهاب وحق الشعوب في تحرير أراضيها ومقاومة الاحتلال ومن بينها شعوب فلسطين ولبنان وسوريا. بمعنى آخر حاولت دول المجلس إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مفادها (أن التوصل إلى تسوية عادلة في الشرق الأوسط قد ينزع أحد (الفتائل) الرئيسية التي تخرج من قارورة الإرهاب الدولـي، وأن الانحياز الأمريكي لإسرائيل أفقد الولايات المتحدة شعبية في أوساط العالمين العربـي والإسلامـي).
خامساً: تبني سياسة إعلامية خارجية موحدة: حرصت دول المجلس على الاهتمام بتحسين صورتها التي تعرضت للتشويه في الخارج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تجسدت في موافقة قادة دول المجلس في قمة مسقط نهاية عام 2001 على تبني استراتيجية إعلامية خليجية جديدة، تستهدف تحسين صورة العرب والإسلام في الولايات المتحدة وأوروبا بعدما تعرضت لانتكاسة قوية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وذلك تحت شعار (مكافحة الإرهاب إعلامياً).
وترتكز هذه الاستراتيجية على تكثيف الإعلام الخارجي بما يتناسب مع المستجدات ووضع برامج إعلامية لتصحيح الأطروحات المغلوطة عن الإسلام، ومواجهة الحملات الإعلامية الغربية التي تزعم أن دول المجلس مصدر التطرف وتفريخ الإرهابيين في دول العالم.
إضافة إلى التحركات السابقة، اتخذت دول المجلس إجراءات جماعية موحدة تجاه مكافحة الإرهاب في إطار مجلس التعاون، تمثلت في إقرار الاتفاقية الأمنية الخليجية المشتركة لمكافحة الإرهاب في شهر مايو 2004، والتي تتبنى رؤية مشتركة وشاملة لكيفية استئصال ظاهرتي التطرف والإرهاب، استناداً إلى الأبعاد السياسية والأمنية والثقافية للظاهرة. وهذه الاتفاقية تعتبر تتويجاً للاستراتيجية الخليجية الموحدة لمكافحة التطرف والإرهاب التي تم إقرارها في أكتوبر 2001، والتي ترتكز على عدة مبادئ، أهمها: (تبادل المعلومات والتنسيق في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز جهود توفير التدريب المشترك للعاملين في أجهزة الأمن، والأخذ بأحدث التقنيات، وتطوير الأساليب التدريبية وتبادل الخبرات بين دول المجلس، واتخاذ الخطوات المناسبة وتعزيز الإجراءات الوقائية وتطوير الوسائل المتعلقة بالمواجهة التشريعية والأمنية للإرهاب بما يتماشى مع الظروف والتحولات المستجدة، ويكفل حماية دول المجلس وشعوبها من المخاطر الإرهابية، وتأييد التحرك والتعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، وقطع الطريق على مصادر التمويل.
والخلاصة، أن السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي إزاء الإرهاب أخذت في الاعتبار ثلاث نقاط رئيسية، الأولى خصوصيتها الثقافية والحضارية والمجتمعية. والثانية انتماءاتها العربية والإسلامية. والثالثة مقتضيات ومتطلبات التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، لذا جاءت هذه السياسة متزنة إلى حد بعيد.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3429::/cck::
::introtext::

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وظاهرة الإرهاب باتت إحدى أهم القضايا في أجندة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، وصارت جهود مكافحتها في قمة أولويات السياسة الخارجية لمختلف دول العالم، بعد أن صاغ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مبدأه الشهير ضد الإرهاب في 20 سبتمبر 2001، والقائل: (إن كل دولة في أي منطقة من العالم عليها أن تتخذ قراراً إما أن تكون معنا أو تكون مع الإرهابيين، وأنه من الآن فصاعداً فإن أية دولة تستمر في توفير الحماية والمأمن للإرهاب سوف تعتبر نظاماً معادياً للولايات المتحدة).

::/introtext::
::fulltext::

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وظاهرة الإرهاب باتت إحدى أهم القضايا في أجندة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، وصارت جهود مكافحتها في قمة أولويات السياسة الخارجية لمختلف دول العالم، بعد أن صاغ الرئيس الأمريكي جورج بوش مبدأه الشهير ضد الإرهاب في 20 سبتمبر 2001، والقائل: (إن كل دولة في أي منطقة من العالم عليها أن تتخذ قراراً إما أن تكون معنا أو تكون مع الإرهابيين، وأنه من الآن فصاعداً فإن أية دولة تستمر في توفير الحماية والمأمن للإرهاب سوف تعتبر نظاماً معادياً للولايات المتحدة).
ولأن دول مجلس التعاون الخليجي كانت معنية أكثر من غيرها بتداعيات هذه الأحداث، نتيجة للربط – الخاطئ والمزعوم- بينها وبين ظاهرتي التطرف والإرهاب من جانب بعض الأوساط الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة والغرب بصفة عامة، فقد احتلت جهود مكافحة الإرهاب أولوية متقدمة في السياسة الخارجية لهذه الدول لتنفي عن نفسها تلك المزاعم والادعاءات من ناحية، ولتثبت أنها كانت ضحية الإرهاب من ناحية ثانية، ولتؤكد أنها تعاونت قبل أحداث سبتمبر مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب من ناحية ثالثة.
من أجل ذلك، ارتكزت سياسة دول المجلس الخارجية إزاء ظاهرة الإرهاب على عدة ثوابت أساسية تأخذ في الاعتبار خصوصيتها الثقافية والحضارية والمجتمعية، وانتماءاتها العربية والإسلامية، أهمها:
ـ عالمية الإرهاب، باعتباره ظاهرة لا دين لها ولا وطن وأنه عمل دخيل على المبادئ الإسلامية، ومن ثم فالتنظيمات الإرهابية لا يجوز وصفها بالإسلامية، وعلى هذا فإن من أهداف جهود مكافحة الإرهاب خليجياً وعربياً، وتحديداً على المستوى الإعلامي، تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام.
ـ إن ظاهرة الإرهاب في العالم بشكل عام ترجع في الأغلب إلى فقدان العدالة الاقتصادية والسياسية، وسياسات الكيل بمكيالين، وبقاء العديد من النزاعات الإقليمية من دون تسوية، فهذه السياسات خلفت وراءها عالمـاً لديه تراكمات سياسية نفسية غير سوية (عدائية) بعدم عدالة الموقف الأمريكي إزاء العديد من الملفات المشتعلة في العالم طوال ما يزيد على نصف قرن من الزمان، لعل أبرزها ملف الصراع العربـي – الإسرائيلي، حيث شهد انحيازاً أمريكياً سافراً لإسرائيل.
ـ ضرورة التفرقة بين الإرهاب المنبوذ غير المشروع دينياً وقانونياً وأخلاقياً، والكفاح المسلح المشروع ضد الاحتلال الأجنبي المجاز وفق المواثيق الدولية والشرائع الدينية.
ـ إعمال الحكمة في التعامل مع الإرهاب، باعتبارها الحل الأمثل للتصدي لظاهرة الإرهاب، وهذه الحكمة تقتضي ألا يقتصر الأمر على الحل الأمني، وأن تكون الحرب ضد الإرهاب متعددة الجوانب لاستئصال الظاهرة من جذورها والقضاء على الأسباب والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد الإرهابيين على ممارسة أعمالهم.
ـ ضرورة أن تكون محاربة الإرهاب مسؤولية دولية تضامنية لا تنفرد بها دولة دون سائر الدول، وذلك حتى لا تتحول تلك الدولة إلى (شرطي عالمي) توجه اتهاماتها إلى كل دولة تتعارض مصالحها معها، وإنما ينبغي أن تأتي في إطار منظمة الأمم المتحدة وفي إطار اتفاقيات دولية منظمة للعمل الدولي في هذا الصدد. ومن الضروري أن يوضع الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب في إطاره الصحيح.
وحرصت دول المجلس على التأكيد على هذه الثوابت في كل المناسبات، سواء في الاجتماعات الوزارية أو في اجتماعات القمم الخليجية، وبرز هذا بوضوح في البيان الختامي للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته السادسة والعشرين للمجلس الأعلى (قمة فهد) التي انعقدت في أبو ظبي في ديسمبر 2005، حيث أكد البيان على دعم كل جهد إقليمي ودولي لمكافحة الإرهاب، من خلال بلورة المواقف وتنسيقها حول تعريف الإرهاب وتحديده، والتمييز بينه وبين حقوق الشعوب المشروعة في مقاومة الاحتلال، التي لا تستبيح دماء الأبرياء.
وتأسيساً على هذه الثوابت، تعاطت السياسة الخارجية لدول المجلس بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مع ظاهرة الإرهاب وفق العديد من الآليات والإجراءات، سواء على المستويين الإقليمي والدولي، والتي يمكن إيجازها على الشكل التالي:
أولاً: الانضمام إلى التحالف الدولي للإرهاب: تعاطت دول المجلس مع الدعوة الأمريكية إلى بناء تحالف دولـي ضد الإرهاب من منظور موضوعي يقرأ الواقع المحيط، ومن منطلق المصلحة الخليجية والعربية والإسلاميـة العامـة. بيد أنها وضعت شروطاً للمشاركة في هذا التحالف، في مقدمتها: (أن تكون الحملة الأمريكية ضد الإرهاب متزنة بدافع العدالة وليس الانتقـام، وضرورة عدم الإعلان عن أي اتهامات لأشخاص أو جهات بالمشاركة في تنفيذ أو دعم الهجمات التي حدثت أو غيرها من الأعمال الإرهابية قبل التأكد من صحة المعلومات والتحقيقات في شأن هذه الأعمال حتى تكون الصورة واضحـة، ورفض فكرة العقاب الجماعي العشوائي الذي يمكن أن يؤدي إلى سقوط أبرياء مثل الذين سقطوا في الولايات المتحدة).
وأكدت قمة مجلس التعاون الخليجي الثانية والعشرون التي انعقدت في مسقط نهاية ديسمبر 2001 على دعم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على الإرهاب، والاستعداد الكامل للتعاون مع المجتمع الدولي لمواجهة هذه الظاهرة، كما دعت القمة إلى عقد مؤتمر دولي لوضع قواعد دولية لمحاربة الإرهاب، وذلك انطلاقاً من قناعة مفادها أن الإرهاب أصبح ظاهرة دولية مجهولة الهوية والأهداف والأدوات لا تفرق في ضرباتها بين دين أو جنس أو لون أو عرق، ولا تستدعي صدام الحضارات، وإنما حوار الحضارات من خلال تضافر جهود جميع أعضاء المجتمع الدولـي على قدم المساواة للقضاء على هذه الظاهرة ليس من منطلق خشية الغضب الأمريكي، في إطار (مع أو ضـد) وإنما من منطلق الضمير الوطني الذي يشكل جزءاً من الضمير العالمي. وهو ما أكدته أيضاً القمة الخليجية السادسة والعشرون التي انعقدت في أبو ظبي في ديسمبر 2005 بتشديدها على دعم الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، كما سبق الإشارة.
وفي إطار دعم الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، استضافت المملكة العربية السعودية في شهر فبراير 2005 أعمال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، والذي أسفر عن عدة توصيات مهمة، في مقدمتها مقترح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، الذي لا شك أنه سيسهم بشكل حيوي وفاعل في الجهد الدولي لمكافحة الإرهاب تحت إشراف الأمم المتحدة .
ثانياً: التجاوب مع الجهود الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب: حيث تجاوبت دول المجلس مع قرارات الأمم المتحدة الصادرة عقب أحداث 11 سبتمبر، وفي مقدمتها: القراران الدوليان (1368) و(1373) الصادران في شهر سبتمبر من عام 2001 واللذان وضعا استراتيجية دولية متكاملة لمكافحة تمويل الإرهاب تقوم على آليات وقواعد جديدة، منها: تجميد كل الأرصدة المالية لكل الجماعات المشتبه في تورطها في أعمال إرهابية، وقمع كل من يساعدهم، وإلزام كل الدول الأعضاء في المنظمة الدولية باتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لمحاربة الإرهاب، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومنح الدول حق استخدام القوة العسكرية إذا ما تعرضت لأي هجمات إرهابية، والامتناع عن توفير أي دعم فعلي أو ضمني لكيانات أو أشخاص يتورطون في أعمال إرهابية.
وبناء على ما سبق، اتخذت دول المجلس العديد من الإجراءات التي توافقت مع قرارات الشرعية الدولية في مسألة مكافحة الإرهاب، حيث وجهت المصارف المركزية الخليجية تعليمات ـ مرفقة بها القوائم الأمريكية المتلاحقة للأفراد والتنظيمات الإرهابية المحظورة ـ إلى كل المصارف العامة والخاصة وشركات الاستثمار الخليجية والأجنبية الموجودة على أرض خليجية بمراقبة تحويل أي أرصدة مالية أو مساعدات مادية من هؤلاء الأشخاص أو الجهات إلى تنظيم القاعدة أو العكس. ومن ناحية ثانية قامت بإصدار قوانين جديدة لغسيل الأموال، والتخلي عن السرية التقليدية التي تفرضها المصارف على حسابات عملائها في ما يتصل بأموال العمل الخيري أو الجهات التي تشتبه السلطات في علاقتها بجهات دولية متهمة بالإرهاب، فضلاً عن إعادة تنظيم عمل الجمعيات الخيرية والقواعد التي تحكمها.
ثالثاً: قطع العلاقات الدبلوماسيـة مع حركة طالبـان: قامت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في شهر سبتمبر 2001 بقطع علاقاتهما الدبلوماسية مع حركة طالبان، بسبب رفض الأخيرة لمساعيهما لحضها على التجاوب مع مطالب مجلس الأمن الدولـي بتسليم أسامة بن لادن، كرد فعل سريع منهما حاولتا به نفي أي صلة لهما بالإرهاب.
وعزت الدولتان قرارهما باستمرار حركة طالبان في استخدام أراضيها لإيواء وتسليح وتشجيع عدد من المغرر بهم من كل الجنسيات، للقيام بعمليات إرهابية إجرامية تروع الآمنين والأبرياء وتخالف كل شرع وعقيدة وتنشر الذعر والدمار في العالم وتشويه سمعة المسلمين، ورفض حكومة طالبان تسليم هؤلاء المجرمين للعدالة، أو الكف عن إيوائهم، ومواصلة تدريبهم وتحريضهم، وجعل أراضيها ملجأ وملاذاً ومركزاً لجذب واستقطاب وتدريب وتجنيد الإرهابيين.
رابعاً: التحرك بفاعلية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي والتأكيد على رؤيتها الخاصة بمكافحة الإرهاب، وبرز هذا جلياً في أعمال الاجتماع التاسع (الطارئ) لوزراء خارجية منظمة المؤتمـر الإسلامي الذي انعقد في الدوحة- باعتبارها رئيس المؤتمر آنذاك- في أكتوبر 2001، وتمخضت عن المؤتمر فكرة ـ خليجية بالأساس – وهي إنشاء صندوق إسلامي لمساعدة الشعب الأفغانـي، تبرعت فيه كل من السعودية وقطر بعشرة ملايين دولار والإمارات بثلاثة ملايين دولار وسلطنة عمان بمليون دولار، ما عكس فكرة التكافل الاجتماعي الإسلامي الذي تعد دول الخليج أكبر مؤسس لأركانه في العالم الإسلامـي.
كما أكد البيان الختامي للاجتماع على ثوابت الموقف الخليجي من ظاهرة الإرهاب، وفي مقدمتها وجوب التفرقة بين الإرهاب وحق الشعوب في تحرير أراضيها ومقاومة الاحتلال ومن بينها شعوب فلسطين ولبنان وسوريا. بمعنى آخر حاولت دول المجلس إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مفادها (أن التوصل إلى تسوية عادلة في الشرق الأوسط قد ينزع أحد (الفتائل) الرئيسية التي تخرج من قارورة الإرهاب الدولـي، وأن الانحياز الأمريكي لإسرائيل أفقد الولايات المتحدة شعبية في أوساط العالمين العربـي والإسلامـي).
خامساً: تبني سياسة إعلامية خارجية موحدة: حرصت دول المجلس على الاهتمام بتحسين صورتها التي تعرضت للتشويه في الخارج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تجسدت في موافقة قادة دول المجلس في قمة مسقط نهاية عام 2001 على تبني استراتيجية إعلامية خليجية جديدة، تستهدف تحسين صورة العرب والإسلام في الولايات المتحدة وأوروبا بعدما تعرضت لانتكاسة قوية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وذلك تحت شعار (مكافحة الإرهاب إعلامياً).
وترتكز هذه الاستراتيجية على تكثيف الإعلام الخارجي بما يتناسب مع المستجدات ووضع برامج إعلامية لتصحيح الأطروحات المغلوطة عن الإسلام، ومواجهة الحملات الإعلامية الغربية التي تزعم أن دول المجلس مصدر التطرف وتفريخ الإرهابيين في دول العالم.
إضافة إلى التحركات السابقة، اتخذت دول المجلس إجراءات جماعية موحدة تجاه مكافحة الإرهاب في إطار مجلس التعاون، تمثلت في إقرار الاتفاقية الأمنية الخليجية المشتركة لمكافحة الإرهاب في شهر مايو 2004، والتي تتبنى رؤية مشتركة وشاملة لكيفية استئصال ظاهرتي التطرف والإرهاب، استناداً إلى الأبعاد السياسية والأمنية والثقافية للظاهرة. وهذه الاتفاقية تعتبر تتويجاً للاستراتيجية الخليجية الموحدة لمكافحة التطرف والإرهاب التي تم إقرارها في أكتوبر 2001، والتي ترتكز على عدة مبادئ، أهمها: (تبادل المعلومات والتنسيق في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، وتعزيز جهود توفير التدريب المشترك للعاملين في أجهزة الأمن، والأخذ بأحدث التقنيات، وتطوير الأساليب التدريبية وتبادل الخبرات بين دول المجلس، واتخاذ الخطوات المناسبة وتعزيز الإجراءات الوقائية وتطوير الوسائل المتعلقة بالمواجهة التشريعية والأمنية للإرهاب بما يتماشى مع الظروف والتحولات المستجدة، ويكفل حماية دول المجلس وشعوبها من المخاطر الإرهابية، وتأييد التحرك والتعاون الدولي لمكافحة الإرهاب، وقطع الطريق على مصادر التمويل.
والخلاصة، أن السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي إزاء الإرهاب أخذت في الاعتبار ثلاث نقاط رئيسية، الأولى خصوصيتها الثقافية والحضارية والمجتمعية. والثانية انتماءاتها العربية والإسلامية. والثالثة مقتضيات ومتطلبات التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، لذا جاءت هذه السياسة متزنة إلى حد بعيد.

::/fulltext::
::cck::3429::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *