السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية تجاه الصين الشعبية
::cck::3456::/cck::
::introtext::
المملكة العربية السعودية شأنها شأن جميع دول العالم الأخرى تتأثر بما يحدث حولها، وينعكس ذلك بالتالي على سياساتها الخارجية. وعلاقة المملكة بجمهورية الصين الشعبية لم تكن تنطلق في يوم من الأيام من فراغ، بل كانت استجابة لمتغيرات ومحددات داخلية وأخرى خارجية كان لها بالغ الأثر في توجيه السياسة الخارجية للمملكة تجاه الصين الشعبية. فلقد كان لعوامل عدة كالدين، والعلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والدعم الصيني للثوار اليساريين في منطقة الخليج، وقضية تايوان، ومشتريات السلاح، التأثير الأبرز في صياغة سياسة المملكة الخارجية تجاه الصين الشعبية طوال فترة الحرب الباردة. لقد كانت المملكة آخر الدول الخليجية العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، حيث تمت إقامتها في 21 يوليو من عام 1990 بعد كل من الكويت (مارس 1971) وسلطنة عمان (مايو 1978) والإمارات (نوفمبر 1984) وقطر (يوليو 1988) والبحرين (إبريل 1989).
::/introtext::
::fulltext::
المملكة العربية السعودية شأنها شأن جميع دول العالم الأخرى تتأثر بما يحدث حولها، وينعكس ذلك بالتالي على سياساتها الخارجية. وعلاقة المملكة بجمهورية الصين الشعبية لم تكن تنطلق في يوم من الأيام من فراغ، بل كانت استجابة لمتغيرات ومحددات داخلية وأخرى خارجية كان لها بالغ الأثر في توجيه السياسة الخارجية للمملكة تجاه الصين الشعبية. فلقد كان لعوامل عدة كالدين، والعلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والدعم الصيني للثوار اليساريين في منطقة الخليج، وقضية تايوان، ومشتريات السلاح، التأثير الأبرز في صياغة سياسة المملكة الخارجية تجاه الصين الشعبية طوال فترة الحرب الباردة. لقد كانت المملكة آخر الدول الخليجية العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، حيث تمت إقامتها في 21 يوليو من عام 1990 بعد كل من الكويت (مارس 1971) وسلطنة عمان (مايو 1978) والإمارات (نوفمبر 1984) وقطر (يوليو 1988) والبحرين (إبريل 1989).
في البداية كانت المملكة العربية السعودية، وهو الحال أيضاً مع الدول الخليجية الأخرى، غير مرتاحة لمجيء النظام الشيوعي في الصين، لذلك ابتعدت المملكة والأنظمة الخليجية القائمة عن التواصل مع النظام السياسي في الصين، وظلت علاقاتها أقوى مع الغرب الذي كان في فترتي الخمسينات والستينات على خلاف شديد مع الصين الشعبية. كان الخلاف السعودي-الصيني يتمحور أساساً حول سوء معاملة النظام الشيوعي في الصين لمسلمي الصين من جهة ودعمه للحركات اليسارية في اليمن الجنوبي وظفار وكذلك لدعمه نظام عبدالناصر وأفكاره. لذلك فباستثناء اللقاء الذي جمع بين الأمير فيصل بن سعود وزير خارجية المملكة آنذاك مع شو إنلاي رئيس وزراء الصين الشعبية على هامش اجتماعات مؤتمر باندونغ في عام 1955 وزيارات الحجاج الصينيين إلى مكة المكرمة واجتماع رؤساء بعثاتهم مع مسؤولين سعوديين أثناء فترة الحج فإن التواصل السعودي-الصيني كان معدوماً في فترة العقدين الأولين من عمر نشأة جمهورية الصين الشعبية، حتى إن حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال فترة العقدين تلك كان لا يتعدى 35 مليون دولار أمريكي، وكان معظمه عبارة عن تجارة غير مباشر.
ورغم المحاولات الصينية الشعبية نحو استمالة حكومة المملكة العربية السعودية لإقامة علاقات دبلوماسية معها خلال عقدي السبعينات والثمانينات إلا أن المملكة ظلت غير راغبة في ذلك، فنذكر من تلك المحاولات الانفتاح الصيني على الغرب والولايات المتحدة بالذات والابتعاد عن الاتحاد السوفييتي، وإنهاء دعمها لحركات التحرر والحركات الثورية في المنطقة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، وتبني سياسات متوافقة مع الخط العام للسياسة السعودية في كل من لبنان وفلسطين وأفغانستان والحرب العراقية-الإيرانية والنظرة إلى أمن المنطقة والانفتاح على دول الخليج العربية الأخرى وإقامة علاقات دبلوماسية معها. جراء هذه التحولات الصينية الشعبية سهلت المملكة بعض الإجراءات في التعامل مع الصين الشعبية أهمها زيادة حجم التبادل التجاري بين الطرفين، حيث وصل في عقد السبعينات إلى حوالي 150 مليون دولار أمريكي، ثم ارتفع في عقد الثمانينات ليصل إلى حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي. بالإضافة إلى هذا الانفتاح الاقتصادي كان هناك أيضاً نوع من الانفتاح السياسي والذي تمثل في مصافحة ولي العهد السعودي آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز لرئيس الوزراء الصيني شو شيانغ في نوفمبر عام 1981 أثناء اجتماعات قمة الشمال والجنوب في كانكون. وفي نوفمبر من عام 1985 وأثناء مشاركة كل من المملكة والصين الشعبية في احتفالات السلطنة بعيدها الوطني التقى ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مع نائب رئيس الوزراء الصيني ياو يلين، إلا أن كل هذه اللقاءات لم تكن رسمية ولم تؤد إلى تغيير على مستوى السياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية، وصاحب ذلك الانفتاح الاقتصادي والسياسي انفتاح ديني بين الطرفين تمثل في قيام زيارات متبادلة بينهما في هذا الإطار.
لكن كل تلك المحاولات الانفتاحية بين الطرفين على بعضهما البعض لم تؤد إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما أو حتى الحديث الجدي نحوها لا سيما من قبل الطرف السعودي. والسبب المباشر في ذلك هو أن الطرف السعودي لم يشعر في تلك الفترة، منذ نشأة الصين الشعبية وحتى منتصف الثمانينات، بأهمية الصين الشعبية المباشرة بالنسبة للمملكة ومصالحها، بمعنى آخر، لم تتيقن الحكومة السعودية في تلك الفترة إلى حاجتها إلى الصين الشعبية، وكانت تشعر بأنه لا يوجد ما يمكن أن يحمس المملكة على أن تقيم علاقات مع جمهورية الصين الشعبية وتقطع علاقتها القائمة مع جمهورية الصين في تايوان خاصة أن الشرط الأساسي الذي تضعه حكومة الصين الشعبية لأية دولة تريد أن تقيم علاقات دبلوماسية معها هو أن تقوم هذه الدولة بقطع علاقاتها الدبلوماسية القائمة، إن وجدت، مع حكومة جمهورية الصين في تايوان وألا تقيم معها علاقات دبلوماسية في المستقبل.
لكن الوضع اختلف بعد أن بدأت حكومة المملكة تشعر بأهمية الصين الشعبية للسعودية وبأن علاقات جديدة مع بكين ستكون في مصلحة الرياض. جاء هذا الإدراك بعد تيقن حكومة المملكة بضرورة وحاجة المملكة للحصول على أنظمة صواريخ متطورة تضاهي ما لدى كل من إسرائيل وإيران، خاصة أن حرب الصواريخ كانت محتدمة في تلك الفترة بين إيران والعراق، لذلك شعرت المملكة بحاجتها لصواريخ مماثلة تكون لديها القدرة على ردع القوى الأخرى. وكان بروز أهمية الصين للسعودية يعود أيضاً إلى رفض الولايات المتحدة تقديم أسلحة ومعدات عسكرية كانت المملكة قد طلبتها من واشنطن، لذلك عقد الطرفان السعودي والصيني صفقة سلاح سرية في مارس عام 1988 حصلت من خلالها المملكة على مجموعة من الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى المسماة (DF-3) أو (رياح الشرق) والتي تمتلك القدرة على حمل رؤوس تقليدية وغير تقليدية. وكانت هذه هي البداية نحو توجه جديد في السياسة الخارجية السعودية نحو الصين الشعبية قائم على ضرورة العمل من أجل خلق انفراج في العلاقات السياسية معها. وهذا ما حدث بالفعل حيث قامت زيارات بين مسؤولي الطرفين لعواصم البلدين كان أولها زيارة نائب وزير الخارجية الصيني للرياض في إبريل عام 1988، والذي يعتبر أول أعلى مسؤول في الحكومة الصينية يقوم بزيارة للمملكة، ثم قامت وفود من المملكة بزيارة الصين كان من ضمنها زيارة الأمير بندر بن سلطان لبكين في يوليو عام 1990 والتي هيأت الظروف لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبالفعل أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية، وقطعت المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية الصين في تايوان وتم تحويل سفارتيهما إلى مكاتب تجارية.
وما إن قامت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حتى برزت أهمية الصين الشعبية سياسياً للسعودية والمنطقة بأسرها، فبعد أقل من شهر من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية والصين الشعبية أقدمت القوات العراقية على غزو الكويت واحتلاله، ولكون الصين الشعبية عضواً دائماً في مجلس الأمن كان لا بد من الحصول على موافقتها أو على الأقل عدم معارضتها على مشروع قرار يعطي الأمم المتحدة الحق في التحرك لإخراج القوات العراقية من الكويت. وفي الاجتماعات المتكررة بين المسؤولين السعوديين والصينيين كان موضوع الكويت هو الموضوع الأساسي في جميع اللقاءات، حيث كانت المملكة تود الحصول من الجانب الصيني على عدم معارضة الأخير لمشروع القرار الدولي ضد العراق، وعلى ضرورة ألا تقدم الصين أي شكل من أشكال الدعم العسكري إلى العراق. فكان لها ذلك، حيث إن الصين الشعبية لم تعارض القرار بل تغيبت عن التصويت في مجلس الأمن مما هيأ الأمر لصدور قرار دولي يلزم العراق بالخروج أو مواجهة تحرك دولي مضاد. وهو ما حدث بالفعل. ومنذ ذلك الوقت بدأت أهمية الصين الشعبية تتزايد بالنسبة للسعودية. وهذا كان واضحا في تزايد الزيارات التي قام بها مسؤولون سعوديون كبار كولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبدالله بن عبد العزيز في 1998 والأمير سلمان بن عبدالعزيز في 1999 إلى الصين وغيرهما من المسؤولين.
واليوم تبرز أهمية الصين الاقتصادية بالنسبة المملكة باعتبارها ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فقد بدأت الصين تستورد النفط بكميات كبيرة منذ مطلع التسعينات، إلا أن زيادة النمو الاقتصادي الذي أوصلها مؤخرا إلى مصاف رابع أكبر اقتصاد في العالم حتّمت عليها زيادة حجم وارداتها من النفط والغاز كي تلبي حجم الطلب الصيني المتزايد على مثل تلك المواد. وتعتبر المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للنفط للصين من بين دول المنطقة، حيث يصل اعتماد الصين على النفط السعودي إلى نحو 17 في المائة من مجموع واردات الصين من النفط في العالم. ومن المتوقع لهذه النسبة أن تزيد بشكل أكبر عندما تنتهي الصين من تطوير مصافيها البترولية التي تعمل شركات سعودية مع أخرى صينية على إنجازها حتى تتأقلم تلك المنشآت مع نوعية النفط الخام المستورد من المملكة. وتعتبر الصين بالنسبة للسعودية اليوم رابع أهم مستورد للنفط السعودي في آسيا بعد كل من اليابان وكوريا الجنوبية والهند، مع العلم بأن آسيا تستورد 60 في المائة من النفط السعودي. كما أن المملكة هي الشريك التجاري الأول للصين في منطقة غرب آسيا وإفريقيا، أما الصين فهي الشريك التجاري الرابع للمملكة عالميا، ومعدل النمو في تجارتها السنوية يصل إلى 41 في المائة. مما يجعل الصين على درجة عالية من الأهمية بالنسبة للمملكة في المستقبل، حيث إن استمرار ارتفاع معدلات نموها الاقتصادي سيحتم زيادة حجم العلاقات التجارية القائمة بين البلدين في المستقبل القريب، لذلك جاءت زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأخيرة للصين خاصة وآسيا عامة لتكون أول زيارة يقوم بها كعاهل للمملكة العربية السعودية خارج نطاق المنطقة العربية وأول زيارة لعاهل سعودي للصين الشعبية. فهذه الزيارة تأتي إدراكاً من قبل القيادة السعودية لأهمية الصين المقبلة في الاقتصاد العالمي.
من ذلك يتضح لنا أن السياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية لم تكن وليدة استراتيجية واضحة وشاملة منذ البداية بل كانت سياسة متأثرة بالتطورات والمصالح السعودية التي تختلف من فترة إلى أخرى. ففي العقدين الأولين من عمر جمهورية الصين الشعبية كانت السياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية قائمة على أساس عداء المملكة للشيوعية وعلاقة بكين بموسكو، لكن مع تغير التحالف بين بكين وموسكو والتحول الصيني نحو الولايات المتحدة ووقفها للدعم المقدم للحركات الثورية في المنطقة الخليجية ظلت المملكة على خلاف مع الصين الشعبية رغم أن هذه الأخيرة غيرت الكثير من مواقفها لتتماشى مع المواقف السعودية. ففي أواخر الثمانينات كانت المصالح العسكرية هي الطاغية على التوجه السعودي نحو الصين، وفي أوائل التسعينات أصبحت المصالح السياسية هي الأهم. واليوم تعتبر المصالح الاقتصادية صاحبة النصيب الأكبر في الاهتمام السعودي بالصين، فالسياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية إذن هي سياسة تتحكم بها المصالح الآنية للمملكة أكثر من كونها سياسة نابعة من استراتيجية شاملة ومتكاملة. ويمكن أن نعزو غياب الاستراتيجية الواضحة والشاملة للسياسة الخارجية السعودية تجاه الصين إلى خصوصية العلاقة القائمة بين المملكة والولايات المتحدة والتي لا تود الرياض أن تعكرها بتقارب استراتيجي كبير مع الصين الشعبية نظراً لاستمرار الحالة التنافسية في علاقة الولايات المتحدة بالصين. لكن يمكن أن نقول إن المملكة العربية السعودية نجحت إلى أبعد حد في استثمار علاقتها مع الصين الشعبية لتتماشى مع مصالحها الأبرز في كل فترة، وهذا في حد ذاته إنجاز يكتب للدبلوماسية السعودية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3456::/cck::
::introtext::
المملكة العربية السعودية شأنها شأن جميع دول العالم الأخرى تتأثر بما يحدث حولها، وينعكس ذلك بالتالي على سياساتها الخارجية. وعلاقة المملكة بجمهورية الصين الشعبية لم تكن تنطلق في يوم من الأيام من فراغ، بل كانت استجابة لمتغيرات ومحددات داخلية وأخرى خارجية كان لها بالغ الأثر في توجيه السياسة الخارجية للمملكة تجاه الصين الشعبية. فلقد كان لعوامل عدة كالدين، والعلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والدعم الصيني للثوار اليساريين في منطقة الخليج، وقضية تايوان، ومشتريات السلاح، التأثير الأبرز في صياغة سياسة المملكة الخارجية تجاه الصين الشعبية طوال فترة الحرب الباردة. لقد كانت المملكة آخر الدول الخليجية العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، حيث تمت إقامتها في 21 يوليو من عام 1990 بعد كل من الكويت (مارس 1971) وسلطنة عمان (مايو 1978) والإمارات (نوفمبر 1984) وقطر (يوليو 1988) والبحرين (إبريل 1989).
::/introtext::
::fulltext::
المملكة العربية السعودية شأنها شأن جميع دول العالم الأخرى تتأثر بما يحدث حولها، وينعكس ذلك بالتالي على سياساتها الخارجية. وعلاقة المملكة بجمهورية الصين الشعبية لم تكن تنطلق في يوم من الأيام من فراغ، بل كانت استجابة لمتغيرات ومحددات داخلية وأخرى خارجية كان لها بالغ الأثر في توجيه السياسة الخارجية للمملكة تجاه الصين الشعبية. فلقد كان لعوامل عدة كالدين، والعلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والدعم الصيني للثوار اليساريين في منطقة الخليج، وقضية تايوان، ومشتريات السلاح، التأثير الأبرز في صياغة سياسة المملكة الخارجية تجاه الصين الشعبية طوال فترة الحرب الباردة. لقد كانت المملكة آخر الدول الخليجية العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، حيث تمت إقامتها في 21 يوليو من عام 1990 بعد كل من الكويت (مارس 1971) وسلطنة عمان (مايو 1978) والإمارات (نوفمبر 1984) وقطر (يوليو 1988) والبحرين (إبريل 1989).
في البداية كانت المملكة العربية السعودية، وهو الحال أيضاً مع الدول الخليجية الأخرى، غير مرتاحة لمجيء النظام الشيوعي في الصين، لذلك ابتعدت المملكة والأنظمة الخليجية القائمة عن التواصل مع النظام السياسي في الصين، وظلت علاقاتها أقوى مع الغرب الذي كان في فترتي الخمسينات والستينات على خلاف شديد مع الصين الشعبية. كان الخلاف السعودي-الصيني يتمحور أساساً حول سوء معاملة النظام الشيوعي في الصين لمسلمي الصين من جهة ودعمه للحركات اليسارية في اليمن الجنوبي وظفار وكذلك لدعمه نظام عبدالناصر وأفكاره. لذلك فباستثناء اللقاء الذي جمع بين الأمير فيصل بن سعود وزير خارجية المملكة آنذاك مع شو إنلاي رئيس وزراء الصين الشعبية على هامش اجتماعات مؤتمر باندونغ في عام 1955 وزيارات الحجاج الصينيين إلى مكة المكرمة واجتماع رؤساء بعثاتهم مع مسؤولين سعوديين أثناء فترة الحج فإن التواصل السعودي-الصيني كان معدوماً في فترة العقدين الأولين من عمر نشأة جمهورية الصين الشعبية، حتى إن حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال فترة العقدين تلك كان لا يتعدى 35 مليون دولار أمريكي، وكان معظمه عبارة عن تجارة غير مباشر.
ورغم المحاولات الصينية الشعبية نحو استمالة حكومة المملكة العربية السعودية لإقامة علاقات دبلوماسية معها خلال عقدي السبعينات والثمانينات إلا أن المملكة ظلت غير راغبة في ذلك، فنذكر من تلك المحاولات الانفتاح الصيني على الغرب والولايات المتحدة بالذات والابتعاد عن الاتحاد السوفييتي، وإنهاء دعمها لحركات التحرر والحركات الثورية في المنطقة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، وتبني سياسات متوافقة مع الخط العام للسياسة السعودية في كل من لبنان وفلسطين وأفغانستان والحرب العراقية-الإيرانية والنظرة إلى أمن المنطقة والانفتاح على دول الخليج العربية الأخرى وإقامة علاقات دبلوماسية معها. جراء هذه التحولات الصينية الشعبية سهلت المملكة بعض الإجراءات في التعامل مع الصين الشعبية أهمها زيادة حجم التبادل التجاري بين الطرفين، حيث وصل في عقد السبعينات إلى حوالي 150 مليون دولار أمريكي، ثم ارتفع في عقد الثمانينات ليصل إلى حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي. بالإضافة إلى هذا الانفتاح الاقتصادي كان هناك أيضاً نوع من الانفتاح السياسي والذي تمثل في مصافحة ولي العهد السعودي آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز لرئيس الوزراء الصيني شو شيانغ في نوفمبر عام 1981 أثناء اجتماعات قمة الشمال والجنوب في كانكون. وفي نوفمبر من عام 1985 وأثناء مشاركة كل من المملكة والصين الشعبية في احتفالات السلطنة بعيدها الوطني التقى ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مع نائب رئيس الوزراء الصيني ياو يلين، إلا أن كل هذه اللقاءات لم تكن رسمية ولم تؤد إلى تغيير على مستوى السياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية، وصاحب ذلك الانفتاح الاقتصادي والسياسي انفتاح ديني بين الطرفين تمثل في قيام زيارات متبادلة بينهما في هذا الإطار.
لكن كل تلك المحاولات الانفتاحية بين الطرفين على بعضهما البعض لم تؤد إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما أو حتى الحديث الجدي نحوها لا سيما من قبل الطرف السعودي. والسبب المباشر في ذلك هو أن الطرف السعودي لم يشعر في تلك الفترة، منذ نشأة الصين الشعبية وحتى منتصف الثمانينات، بأهمية الصين الشعبية المباشرة بالنسبة للمملكة ومصالحها، بمعنى آخر، لم تتيقن الحكومة السعودية في تلك الفترة إلى حاجتها إلى الصين الشعبية، وكانت تشعر بأنه لا يوجد ما يمكن أن يحمس المملكة على أن تقيم علاقات مع جمهورية الصين الشعبية وتقطع علاقتها القائمة مع جمهورية الصين في تايوان خاصة أن الشرط الأساسي الذي تضعه حكومة الصين الشعبية لأية دولة تريد أن تقيم علاقات دبلوماسية معها هو أن تقوم هذه الدولة بقطع علاقاتها الدبلوماسية القائمة، إن وجدت، مع حكومة جمهورية الصين في تايوان وألا تقيم معها علاقات دبلوماسية في المستقبل.
لكن الوضع اختلف بعد أن بدأت حكومة المملكة تشعر بأهمية الصين الشعبية للسعودية وبأن علاقات جديدة مع بكين ستكون في مصلحة الرياض. جاء هذا الإدراك بعد تيقن حكومة المملكة بضرورة وحاجة المملكة للحصول على أنظمة صواريخ متطورة تضاهي ما لدى كل من إسرائيل وإيران، خاصة أن حرب الصواريخ كانت محتدمة في تلك الفترة بين إيران والعراق، لذلك شعرت المملكة بحاجتها لصواريخ مماثلة تكون لديها القدرة على ردع القوى الأخرى. وكان بروز أهمية الصين للسعودية يعود أيضاً إلى رفض الولايات المتحدة تقديم أسلحة ومعدات عسكرية كانت المملكة قد طلبتها من واشنطن، لذلك عقد الطرفان السعودي والصيني صفقة سلاح سرية في مارس عام 1988 حصلت من خلالها المملكة على مجموعة من الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى المسماة (DF-3) أو (رياح الشرق) والتي تمتلك القدرة على حمل رؤوس تقليدية وغير تقليدية. وكانت هذه هي البداية نحو توجه جديد في السياسة الخارجية السعودية نحو الصين الشعبية قائم على ضرورة العمل من أجل خلق انفراج في العلاقات السياسية معها. وهذا ما حدث بالفعل حيث قامت زيارات بين مسؤولي الطرفين لعواصم البلدين كان أولها زيارة نائب وزير الخارجية الصيني للرياض في إبريل عام 1988، والذي يعتبر أول أعلى مسؤول في الحكومة الصينية يقوم بزيارة للمملكة، ثم قامت وفود من المملكة بزيارة الصين كان من ضمنها زيارة الأمير بندر بن سلطان لبكين في يوليو عام 1990 والتي هيأت الظروف لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبالفعل أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية، وقطعت المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية الصين في تايوان وتم تحويل سفارتيهما إلى مكاتب تجارية.
وما إن قامت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حتى برزت أهمية الصين الشعبية سياسياً للسعودية والمنطقة بأسرها، فبعد أقل من شهر من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية والصين الشعبية أقدمت القوات العراقية على غزو الكويت واحتلاله، ولكون الصين الشعبية عضواً دائماً في مجلس الأمن كان لا بد من الحصول على موافقتها أو على الأقل عدم معارضتها على مشروع قرار يعطي الأمم المتحدة الحق في التحرك لإخراج القوات العراقية من الكويت. وفي الاجتماعات المتكررة بين المسؤولين السعوديين والصينيين كان موضوع الكويت هو الموضوع الأساسي في جميع اللقاءات، حيث كانت المملكة تود الحصول من الجانب الصيني على عدم معارضة الأخير لمشروع القرار الدولي ضد العراق، وعلى ضرورة ألا تقدم الصين أي شكل من أشكال الدعم العسكري إلى العراق. فكان لها ذلك، حيث إن الصين الشعبية لم تعارض القرار بل تغيبت عن التصويت في مجلس الأمن مما هيأ الأمر لصدور قرار دولي يلزم العراق بالخروج أو مواجهة تحرك دولي مضاد. وهو ما حدث بالفعل. ومنذ ذلك الوقت بدأت أهمية الصين الشعبية تتزايد بالنسبة للسعودية. وهذا كان واضحا في تزايد الزيارات التي قام بها مسؤولون سعوديون كبار كولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبدالله بن عبد العزيز في 1998 والأمير سلمان بن عبدالعزيز في 1999 إلى الصين وغيرهما من المسؤولين.
واليوم تبرز أهمية الصين الاقتصادية بالنسبة المملكة باعتبارها ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، فقد بدأت الصين تستورد النفط بكميات كبيرة منذ مطلع التسعينات، إلا أن زيادة النمو الاقتصادي الذي أوصلها مؤخرا إلى مصاف رابع أكبر اقتصاد في العالم حتّمت عليها زيادة حجم وارداتها من النفط والغاز كي تلبي حجم الطلب الصيني المتزايد على مثل تلك المواد. وتعتبر المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للنفط للصين من بين دول المنطقة، حيث يصل اعتماد الصين على النفط السعودي إلى نحو 17 في المائة من مجموع واردات الصين من النفط في العالم. ومن المتوقع لهذه النسبة أن تزيد بشكل أكبر عندما تنتهي الصين من تطوير مصافيها البترولية التي تعمل شركات سعودية مع أخرى صينية على إنجازها حتى تتأقلم تلك المنشآت مع نوعية النفط الخام المستورد من المملكة. وتعتبر الصين بالنسبة للسعودية اليوم رابع أهم مستورد للنفط السعودي في آسيا بعد كل من اليابان وكوريا الجنوبية والهند، مع العلم بأن آسيا تستورد 60 في المائة من النفط السعودي. كما أن المملكة هي الشريك التجاري الأول للصين في منطقة غرب آسيا وإفريقيا، أما الصين فهي الشريك التجاري الرابع للمملكة عالميا، ومعدل النمو في تجارتها السنوية يصل إلى 41 في المائة. مما يجعل الصين على درجة عالية من الأهمية بالنسبة للمملكة في المستقبل، حيث إن استمرار ارتفاع معدلات نموها الاقتصادي سيحتم زيادة حجم العلاقات التجارية القائمة بين البلدين في المستقبل القريب، لذلك جاءت زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأخيرة للصين خاصة وآسيا عامة لتكون أول زيارة يقوم بها كعاهل للمملكة العربية السعودية خارج نطاق المنطقة العربية وأول زيارة لعاهل سعودي للصين الشعبية. فهذه الزيارة تأتي إدراكاً من قبل القيادة السعودية لأهمية الصين المقبلة في الاقتصاد العالمي.
من ذلك يتضح لنا أن السياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية لم تكن وليدة استراتيجية واضحة وشاملة منذ البداية بل كانت سياسة متأثرة بالتطورات والمصالح السعودية التي تختلف من فترة إلى أخرى. ففي العقدين الأولين من عمر جمهورية الصين الشعبية كانت السياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية قائمة على أساس عداء المملكة للشيوعية وعلاقة بكين بموسكو، لكن مع تغير التحالف بين بكين وموسكو والتحول الصيني نحو الولايات المتحدة ووقفها للدعم المقدم للحركات الثورية في المنطقة الخليجية ظلت المملكة على خلاف مع الصين الشعبية رغم أن هذه الأخيرة غيرت الكثير من مواقفها لتتماشى مع المواقف السعودية. ففي أواخر الثمانينات كانت المصالح العسكرية هي الطاغية على التوجه السعودي نحو الصين، وفي أوائل التسعينات أصبحت المصالح السياسية هي الأهم. واليوم تعتبر المصالح الاقتصادية صاحبة النصيب الأكبر في الاهتمام السعودي بالصين، فالسياسة الخارجية السعودية تجاه الصين الشعبية إذن هي سياسة تتحكم بها المصالح الآنية للمملكة أكثر من كونها سياسة نابعة من استراتيجية شاملة ومتكاملة. ويمكن أن نعزو غياب الاستراتيجية الواضحة والشاملة للسياسة الخارجية السعودية تجاه الصين إلى خصوصية العلاقة القائمة بين المملكة والولايات المتحدة والتي لا تود الرياض أن تعكرها بتقارب استراتيجي كبير مع الصين الشعبية نظراً لاستمرار الحالة التنافسية في علاقة الولايات المتحدة بالصين. لكن يمكن أن نقول إن المملكة العربية السعودية نجحت إلى أبعد حد في استثمار علاقتها مع الصين الشعبية لتتماشى مع مصالحها الأبرز في كل فترة، وهذا في حد ذاته إنجاز يكتب للدبلوماسية السعودية.
::/fulltext::
::cck::3456::/cck::
