دول مجلس التعاون والتهديد النووي والإرهاب العالمي
::cck::3459::/cck::
::introtext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الحالية قضايا صعبة على عدة صعد محلية وإقليمية ودولية، ولو أردنا أن نحدد بعضا من هذه القضايا لتسليط الضوء عليها لوجدنا أنها كثيرة، ولهذا يمكن أن نختار أهمها في الوقت الحالي، أو بمعنى آخر الأكثر سخونة واشتعالاً.
::/introtext::
::fulltext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الحالية قضايا صعبة على عدة صعد محلية وإقليمية ودولية، ولو أردنا أن نحدد بعضا من هذه القضايا لتسليط الضوء عليها لوجدنا أنها كثيرة، ولهذا يمكن أن نختار أهمها في الوقت الحالي، أو بمعنى آخر الأكثر سخونة واشتعالاً.
وأمامنا على الصعيد الإقليمي قضية ساخنة وقابلة للاشتعال أكثر في المستقبل القريب، وهي قضية الملف النووي الإيراني، هذه القضية التي تمس بشكل مباشر ليس دول الخليج العربية والمنطقة أمنياً فقط، بل أيضاً العديد من المصالح الاقتصادية والتجارية والسياسية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تربطها جميعا بإيران علاقات واسعة في مختلف هذه المجالات. وبالتالي فالقضية بالفعل مع تصاعدها أصبحت تحتاج من دول المجلس وقفة جديدة وإعادة نظر، خاصة بعد قرار مجلس مديري الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، وعلى المستوى الدولي تبقى قضية الحرب العالمية على الإرهاب تتصدر القائمة لتدور حولها الكثير من الأحداث والتطورات المحلية والإقليمية والدولية، خاصة أن هذه القضية بالتحديد وضعت دول مجلس التعاون في بؤرة الاهتمام الدولي على مدى خمسة أعوام مضت، وجعلت المنطقة ساحة للحروب والصراعات الدولية.
بداية مع الملف النووي الإيراني نود أن نشير إلى أن إحالة الملف بشكل كامل إلى مجلس الأمن الدولي لم يتخذ قرارها بعد، وكل ما تم حتى الآن في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية وما جرى في اجتماع مديري الوكالة الأخير في مطلع فبراير المنصرم هو مجرد إبلاغ مجلس الأمن الدولي بمجريات الأحداث وتطوراتها، ويبقى على قرار الإحالة الكاملة للملف أن تجيب إيران عن سؤال واحد إجابة محددة ومباشرة، هذا السؤال هو:
هل توافق إيران على التنازل عن تخصيب اليورانيوم على أرضها أم لا؟
الضربة العسكرية
إذا افترضنا أن إيران صممت على موقفها ولم تتنازل، وهو في الحقيقة احتمال ليس كبيراً كما يتصور البعض، لأنها بهذا كما يقال (تضع العربة أمام الحصان)، كما أنها تضع حلفاءها وأصدقاءها وعلى رأسهم جيرانها في موقف حرج، حيث إن احتمال استخدام روسيا أو الصين لحق الفيتو ضد أي قرار في مجلس الأمن ليس كبيرا كما يتصور البعض، ذلك لأن روسيا ليس من مصلحتها أن يتم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية لأن هذا يُخرج البرنامج النووي الإيراني من تحت سيطرة موسكو مستقبلا، ويخلق من إيران قوة نووية أخرى قريبة من الحدود الروسية، مما يشكل تهديدا مستقبليا لاستراتيجيات وطموحات روسيا في المنطقة، كما أننا نستبعد احتمال أن يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بتوجيه ضربة عسكرية لإيران أو لمواقعها النووية، حتى لو طلبت واشنطن ذلك، حيث إن إيران لم ترتكب خطأ من الأخطاء الواردة في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة التي تستوجب استخدام القوة، والأمر لا يتعدى كونه يشكل تهديداً محتملاً وغير مباشر، والأوضاع الدولية والإقليمية بعد الحرب في العراق لا تحتمل حربا أخرى في هذه المنطقة، وأيضاً الأوضاع على الساحة الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية لا تسمح على الإطلاق للبيت الأبيض في المستقبل القريب بخوض حرب جديدة في الأراضي البعيدة، وبالتالي فإن أقصى ما هو متوقع من مجلس الأمن الدولي في حالة إصرار طهران على موقفها هو توقيع عقوبات اقتصادية وتجارية عليها.
ونحن لا نتفق مع الرأي الذي يرى أن أي قرار بعقوبات اقتصادية أو تجارية لا يزعج إيران كثيرا، بحجة أنها تواجه منذ سنوات ما يشبه هذه العقوبات، والأمر في الحقيقة يختلف كثيرا الآن لأنه يتعلق بالتهديد النووي، وقد تواجه طهران قرار العقوبات بحدة وتصميم أكثر على المضي في طريقها غير آبهة بالمجتمع الدولي، مما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر للأمور قد يصل إلى حد المواجهة العسكرية التي لا تحتاج لقرارات دولية، ونقصد هنا بالتحديد إسرائيل، وأمامنا نموذج المفاعل النووي العراقي الذي ضربته إسرائيل في مطلع الثمانينات شاهدا على مثل هذا الاحتمال، مما يشكل تهديداً كبيراً لدول المنطقة كلها.
احتمال العقوبات
كذلك في حالة الاحتمال الأكثر توقعا، وهو تعرض إيران لعقوبات دولية اقتصادية أو تجارية أو أية عقوبات أخرى مشابهة، فإن الأمر لن يكون هيناً، لا على إيران ولا على جاراتها من دول مجلس التعاون الخليجي التي تربطها جميعاً بإيران علاقات اقتصادية وتجارية، خاصة إذا اشتملت العقوبات (وهو المتوقع) على فرض حصار بحري وجوي على الحدود الإيرانية، ومنع دخول وخروج البضائع ووضع قيود على سفر الأفراد، وهو الأمر الذي ستكون له آثار سلبية في العلاقات بين إيران وجاراتها، وخاصة دول مجلس التعاون التي تشغل تجارتها الخارجية مع إيران حجماً كبيراً، مما سينعكس سلباً على اقتصادات كل من إيران وهذه الدول، وستكون له تداعيات أخرى على المستويات السياسية والاجتماعية، لأن انقطاع التبادل التجاري ووقف السفر الأفراد سيؤثران بشكل مباشر في الروابط والاتصالات بين دول مجلس التعاون وإيران على صعد مختلفة، خاصة إذا علمنا أن تنامي التبادل التجاري بين إيران ودول مجلس التعاون ساهم إلى حد كبير في استقرار الأوضاع وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة إلى حد كبير طيلة السنوات الماضية. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن أي قرار بعقوبات من هذا القبيل سوف يترتب عليه جلب قوات عسكرية دولية إلى مياه الخليج العربي لمراقبة تنفيذ العقوبات، وبالطبع ستكون في مواجهة هذه القوات شمالا قوات عسكرية إيرانية، مما يجعل المنطقة في حالة توتر أمني مستمر خشية وقوع ما لا يحمد عقباه، وسوف تتبع ذلك بالضرورة حالة طوارئ أمنية وعسكرية في دول مجلس التعاون سوف ترهق كاهلها بنفقات باهظة، وتظل المنطقة عرضة دائما للتدخلات والضغوط الأجنبية.
كل هذه الأوضاع المتوقعة والمحتملة مع التصاعد الحالي للأحداث تلقي على عاتق دول مجلس التعاون الخليجي عبئا ومسؤولية كبيرة وتوجب عليها ضرورة التدخل والمشاركة في الحوار وعمليات التسوية، وعدم الاكتفاء بالتصريحات ووضع البنود المكررة والجامدة في بيانات اجتماعات ولقاءات ممثلي بلدان المجلس، خاصة أن علاقات كافة دول المجلس بإيران تسمح لها أكثر من غيرها بالتدخل والحوار وإقناع إيران بالتراجع عن سياسات التصعيد والصدام التي لن تؤدي إلا إلى فقدان طهران ثقة المجتمع الدولي وثقة جيرانها أيضاً.
جهود مكافحة الإرهاب
القضية الأخرى التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة بلا استثناء وربما أكثر من غيرها من باقي دول العالم، هي قضية ما يسمى (الإرهاب الدولي)، هذه القضية التي لا نرى أنها تنفصل كثيراً عن قضية النووي الإيراني بحكم وضع واشنطن لإيران ضمن دول (محور الشر) واتهامها لها بأنها تدعم جماعات وتنظيمات إرهابية، وفي الوقت نفسه اتهمت واشنطن بعض دول مجلس التعاون الخليجي بالتقصير في مكافحة الإرهاب وعدم الجدية في القضاء على بؤر وخلايا تكوين الجماعات الإرهابية داخل هذه الدول، ولم يشفع لهذه الدول ما بذلته من جهود في محاصرة كل ما يشتبه فيه على أرضها وقيامها بتجفيف وإغلاق كل قنوات الدعم المادي والمعنوي لكل ما يشتبه فيه من جماعات وتنظيمات وحتى أفراد. وتحولت منطقة الخليج العربي إلى ساحة مفتوحة للحرب العالمية المزعومة على الإرهاب التي اشتعلت بالأمس في العراق، ولا يدري أحد أين ستشتعل غداً، ولكن علينا نحن في دول مجلس التعاون أن نعترف بأننا لم نواجه هذه القضية بالشكل والجهد الجماعي المطلوب، والذي كان يتوقعه الكثيرون في إطار مجلس التعاون الخليجي، واكتفت دول المجلس بجهود مستقلة داخل كل دولة على حدة، الأمر الذي أدى إلى تشتت الجهود وتفشي الظاهرة ونموها الذي تمثل في العديد من الأحداث الإرهابية والدموية التي شهدتها بعض دول المجلس، ووصل الأمر إلى درجة تباين وتناقض جهود بعض دول الخليج مع بعضها الآخر، ولم تشفع لنا البيانات المشتركة الصادرة عن قمم مجلس التعاون، التي لم تستطع أن تخفي هذه التناقضات والخلافات. ولا نخشى هنا أن نقول إن بعض وسائل الإعلام الخليجية، أو الموجودة على أراضي بعض دول مجلس التعاون لعبت هي أيضاً (ربما عن غير عمد) دوراً سلبياً في نمو الخلافات والتناقضات بين دول المجلس في مواجهة ظاهرة الإرهاب.
الحلول والمقترحات
بدأت الحرب العالمية على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ولم تنته بعد، ولا يدري أحد متى ستنتهي، وهل ستكون لها نهاية بالفعل أم لا؟ إن الأمر يستلزم من دول مجلس التعاون جهودا مشتركة أكثر عملية وموضوعية وعلمية أيضاً، والمشاركة مطلوبة من مختلف فئات ومؤسسات مجتمعات دول الخليج على المستويين الرسمي والشعبي. وعلينا قبل أن نعلن الحرب المشتركة على الإرهاب أن نحدد بداية مفاهيم مشتركة للإرهاب ومظاهره وعوامل نشأته ونموه في مجتمعاتنا، إذ لا يمكن أن نجتمع على مكافحة عدو لم نحدد معالمه وتكوينه وإمكانياته وبؤر تكوينه ونشأته، فلابد من دراسات علمية موسعة لهذه الظاهرة التي تهدد مجتمعاتنا آجلا أو عاجلا، وعلينا أن نسعى للاستفادة من خبرات الآخرين من الأخوة العرب والأجانب في هذا المجال، وأن نعترف بضعف خبراتنا في هذا المجال باعتبار أن مجتمعاتنا الخليجية كانت بالأمس القريب مجتمعات هادئة وأمنة ومستقرة، وعلى مجلس التعاون الخليجي كإطار مشترك لنا أن يتبنى عملية تنسيق كافة الجهود من كل دول المجلس على المستويين الرسمي والشعبي، وأن يدعو إلى عقد المؤتمرات والندوات وجلسات الحوار والمناقشات حول هذه القضية المهمة للغاية، ويدعو أيضاً الخبراء والمختصين في كافة المجالات المتصلة بهذه القضية سواء من أبناء دول المجلس أو من الأجانب إلى بحث ودراسة هذه الظاهرة الخطيرة. ولا يفوتنا هنا أن نشيد بجهود بعض دول المجلس في هذا المجال، ومنها جهود المملكة العربية السعودية التي دعت في فبراير من العام الماضي إلى مؤتمر دولي في الرياض لمكافحة الإرهاب حضره ممثلو أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية وإقليمية، والمبادرة التي طرحها على المؤتمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز بإنشاء مركز دولي لمحاربة الإرهاب يتولى دراسة هذه الظاهرة على أسس علمية حديثة ليضع لها الحلول العملية والموضوعية. أيضاً هناك العديد من المؤتمرات والندوات عقدت في دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول مجلس التعاون، ولكن تبقى في النهاية عملية التنسيق بين كل هذه الجهود ودعمها وتطويرها، وهي المهمة التي نرى أن مجلس التعاون الخليجي هو المنوط به توليها، لأن أي جهود فردية أو مستقلة في مواجهة هذه الظاهرة لن تكون لها الفاعلية المطلوبة باعتبار أن ظاهرة الإرهاب، كما اتفق الجميع، ظاهرة عالمية تحتاج إلى جهود جماعية على جميع المستويات الرسمية والشعبية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3459::/cck::
::introtext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الحالية قضايا صعبة على عدة صعد محلية وإقليمية ودولية، ولو أردنا أن نحدد بعضا من هذه القضايا لتسليط الضوء عليها لوجدنا أنها كثيرة، ولهذا يمكن أن نختار أهمها في الوقت الحالي، أو بمعنى آخر الأكثر سخونة واشتعالاً.
::/introtext::
::fulltext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الحالية قضايا صعبة على عدة صعد محلية وإقليمية ودولية، ولو أردنا أن نحدد بعضا من هذه القضايا لتسليط الضوء عليها لوجدنا أنها كثيرة، ولهذا يمكن أن نختار أهمها في الوقت الحالي، أو بمعنى آخر الأكثر سخونة واشتعالاً.
وأمامنا على الصعيد الإقليمي قضية ساخنة وقابلة للاشتعال أكثر في المستقبل القريب، وهي قضية الملف النووي الإيراني، هذه القضية التي تمس بشكل مباشر ليس دول الخليج العربية والمنطقة أمنياً فقط، بل أيضاً العديد من المصالح الاقتصادية والتجارية والسياسية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تربطها جميعا بإيران علاقات واسعة في مختلف هذه المجالات. وبالتالي فالقضية بالفعل مع تصاعدها أصبحت تحتاج من دول المجلس وقفة جديدة وإعادة نظر، خاصة بعد قرار مجلس مديري الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، وعلى المستوى الدولي تبقى قضية الحرب العالمية على الإرهاب تتصدر القائمة لتدور حولها الكثير من الأحداث والتطورات المحلية والإقليمية والدولية، خاصة أن هذه القضية بالتحديد وضعت دول مجلس التعاون في بؤرة الاهتمام الدولي على مدى خمسة أعوام مضت، وجعلت المنطقة ساحة للحروب والصراعات الدولية.
بداية مع الملف النووي الإيراني نود أن نشير إلى أن إحالة الملف بشكل كامل إلى مجلس الأمن الدولي لم يتخذ قرارها بعد، وكل ما تم حتى الآن في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية وما جرى في اجتماع مديري الوكالة الأخير في مطلع فبراير المنصرم هو مجرد إبلاغ مجلس الأمن الدولي بمجريات الأحداث وتطوراتها، ويبقى على قرار الإحالة الكاملة للملف أن تجيب إيران عن سؤال واحد إجابة محددة ومباشرة، هذا السؤال هو:
هل توافق إيران على التنازل عن تخصيب اليورانيوم على أرضها أم لا؟
الضربة العسكرية
إذا افترضنا أن إيران صممت على موقفها ولم تتنازل، وهو في الحقيقة احتمال ليس كبيراً كما يتصور البعض، لأنها بهذا كما يقال (تضع العربة أمام الحصان)، كما أنها تضع حلفاءها وأصدقاءها وعلى رأسهم جيرانها في موقف حرج، حيث إن احتمال استخدام روسيا أو الصين لحق الفيتو ضد أي قرار في مجلس الأمن ليس كبيرا كما يتصور البعض، ذلك لأن روسيا ليس من مصلحتها أن يتم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية لأن هذا يُخرج البرنامج النووي الإيراني من تحت سيطرة موسكو مستقبلا، ويخلق من إيران قوة نووية أخرى قريبة من الحدود الروسية، مما يشكل تهديدا مستقبليا لاستراتيجيات وطموحات روسيا في المنطقة، كما أننا نستبعد احتمال أن يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بتوجيه ضربة عسكرية لإيران أو لمواقعها النووية، حتى لو طلبت واشنطن ذلك، حيث إن إيران لم ترتكب خطأ من الأخطاء الواردة في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة التي تستوجب استخدام القوة، والأمر لا يتعدى كونه يشكل تهديداً محتملاً وغير مباشر، والأوضاع الدولية والإقليمية بعد الحرب في العراق لا تحتمل حربا أخرى في هذه المنطقة، وأيضاً الأوضاع على الساحة الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية لا تسمح على الإطلاق للبيت الأبيض في المستقبل القريب بخوض حرب جديدة في الأراضي البعيدة، وبالتالي فإن أقصى ما هو متوقع من مجلس الأمن الدولي في حالة إصرار طهران على موقفها هو توقيع عقوبات اقتصادية وتجارية عليها.
ونحن لا نتفق مع الرأي الذي يرى أن أي قرار بعقوبات اقتصادية أو تجارية لا يزعج إيران كثيرا، بحجة أنها تواجه منذ سنوات ما يشبه هذه العقوبات، والأمر في الحقيقة يختلف كثيرا الآن لأنه يتعلق بالتهديد النووي، وقد تواجه طهران قرار العقوبات بحدة وتصميم أكثر على المضي في طريقها غير آبهة بالمجتمع الدولي، مما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر للأمور قد يصل إلى حد المواجهة العسكرية التي لا تحتاج لقرارات دولية، ونقصد هنا بالتحديد إسرائيل، وأمامنا نموذج المفاعل النووي العراقي الذي ضربته إسرائيل في مطلع الثمانينات شاهدا على مثل هذا الاحتمال، مما يشكل تهديداً كبيراً لدول المنطقة كلها.
احتمال العقوبات
كذلك في حالة الاحتمال الأكثر توقعا، وهو تعرض إيران لعقوبات دولية اقتصادية أو تجارية أو أية عقوبات أخرى مشابهة، فإن الأمر لن يكون هيناً، لا على إيران ولا على جاراتها من دول مجلس التعاون الخليجي التي تربطها جميعاً بإيران علاقات اقتصادية وتجارية، خاصة إذا اشتملت العقوبات (وهو المتوقع) على فرض حصار بحري وجوي على الحدود الإيرانية، ومنع دخول وخروج البضائع ووضع قيود على سفر الأفراد، وهو الأمر الذي ستكون له آثار سلبية في العلاقات بين إيران وجاراتها، وخاصة دول مجلس التعاون التي تشغل تجارتها الخارجية مع إيران حجماً كبيراً، مما سينعكس سلباً على اقتصادات كل من إيران وهذه الدول، وستكون له تداعيات أخرى على المستويات السياسية والاجتماعية، لأن انقطاع التبادل التجاري ووقف السفر الأفراد سيؤثران بشكل مباشر في الروابط والاتصالات بين دول مجلس التعاون وإيران على صعد مختلفة، خاصة إذا علمنا أن تنامي التبادل التجاري بين إيران ودول مجلس التعاون ساهم إلى حد كبير في استقرار الأوضاع وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة إلى حد كبير طيلة السنوات الماضية. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن أي قرار بعقوبات من هذا القبيل سوف يترتب عليه جلب قوات عسكرية دولية إلى مياه الخليج العربي لمراقبة تنفيذ العقوبات، وبالطبع ستكون في مواجهة هذه القوات شمالا قوات عسكرية إيرانية، مما يجعل المنطقة في حالة توتر أمني مستمر خشية وقوع ما لا يحمد عقباه، وسوف تتبع ذلك بالضرورة حالة طوارئ أمنية وعسكرية في دول مجلس التعاون سوف ترهق كاهلها بنفقات باهظة، وتظل المنطقة عرضة دائما للتدخلات والضغوط الأجنبية.
كل هذه الأوضاع المتوقعة والمحتملة مع التصاعد الحالي للأحداث تلقي على عاتق دول مجلس التعاون الخليجي عبئا ومسؤولية كبيرة وتوجب عليها ضرورة التدخل والمشاركة في الحوار وعمليات التسوية، وعدم الاكتفاء بالتصريحات ووضع البنود المكررة والجامدة في بيانات اجتماعات ولقاءات ممثلي بلدان المجلس، خاصة أن علاقات كافة دول المجلس بإيران تسمح لها أكثر من غيرها بالتدخل والحوار وإقناع إيران بالتراجع عن سياسات التصعيد والصدام التي لن تؤدي إلا إلى فقدان طهران ثقة المجتمع الدولي وثقة جيرانها أيضاً.
جهود مكافحة الإرهاب
القضية الأخرى التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة بلا استثناء وربما أكثر من غيرها من باقي دول العالم، هي قضية ما يسمى (الإرهاب الدولي)، هذه القضية التي لا نرى أنها تنفصل كثيراً عن قضية النووي الإيراني بحكم وضع واشنطن لإيران ضمن دول (محور الشر) واتهامها لها بأنها تدعم جماعات وتنظيمات إرهابية، وفي الوقت نفسه اتهمت واشنطن بعض دول مجلس التعاون الخليجي بالتقصير في مكافحة الإرهاب وعدم الجدية في القضاء على بؤر وخلايا تكوين الجماعات الإرهابية داخل هذه الدول، ولم يشفع لهذه الدول ما بذلته من جهود في محاصرة كل ما يشتبه فيه على أرضها وقيامها بتجفيف وإغلاق كل قنوات الدعم المادي والمعنوي لكل ما يشتبه فيه من جماعات وتنظيمات وحتى أفراد. وتحولت منطقة الخليج العربي إلى ساحة مفتوحة للحرب العالمية المزعومة على الإرهاب التي اشتعلت بالأمس في العراق، ولا يدري أحد أين ستشتعل غداً، ولكن علينا نحن في دول مجلس التعاون أن نعترف بأننا لم نواجه هذه القضية بالشكل والجهد الجماعي المطلوب، والذي كان يتوقعه الكثيرون في إطار مجلس التعاون الخليجي، واكتفت دول المجلس بجهود مستقلة داخل كل دولة على حدة، الأمر الذي أدى إلى تشتت الجهود وتفشي الظاهرة ونموها الذي تمثل في العديد من الأحداث الإرهابية والدموية التي شهدتها بعض دول المجلس، ووصل الأمر إلى درجة تباين وتناقض جهود بعض دول الخليج مع بعضها الآخر، ولم تشفع لنا البيانات المشتركة الصادرة عن قمم مجلس التعاون، التي لم تستطع أن تخفي هذه التناقضات والخلافات. ولا نخشى هنا أن نقول إن بعض وسائل الإعلام الخليجية، أو الموجودة على أراضي بعض دول مجلس التعاون لعبت هي أيضاً (ربما عن غير عمد) دوراً سلبياً في نمو الخلافات والتناقضات بين دول المجلس في مواجهة ظاهرة الإرهاب.
الحلول والمقترحات
بدأت الحرب العالمية على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ولم تنته بعد، ولا يدري أحد متى ستنتهي، وهل ستكون لها نهاية بالفعل أم لا؟ إن الأمر يستلزم من دول مجلس التعاون جهودا مشتركة أكثر عملية وموضوعية وعلمية أيضاً، والمشاركة مطلوبة من مختلف فئات ومؤسسات مجتمعات دول الخليج على المستويين الرسمي والشعبي. وعلينا قبل أن نعلن الحرب المشتركة على الإرهاب أن نحدد بداية مفاهيم مشتركة للإرهاب ومظاهره وعوامل نشأته ونموه في مجتمعاتنا، إذ لا يمكن أن نجتمع على مكافحة عدو لم نحدد معالمه وتكوينه وإمكانياته وبؤر تكوينه ونشأته، فلابد من دراسات علمية موسعة لهذه الظاهرة التي تهدد مجتمعاتنا آجلا أو عاجلا، وعلينا أن نسعى للاستفادة من خبرات الآخرين من الأخوة العرب والأجانب في هذا المجال، وأن نعترف بضعف خبراتنا في هذا المجال باعتبار أن مجتمعاتنا الخليجية كانت بالأمس القريب مجتمعات هادئة وأمنة ومستقرة، وعلى مجلس التعاون الخليجي كإطار مشترك لنا أن يتبنى عملية تنسيق كافة الجهود من كل دول المجلس على المستويين الرسمي والشعبي، وأن يدعو إلى عقد المؤتمرات والندوات وجلسات الحوار والمناقشات حول هذه القضية المهمة للغاية، ويدعو أيضاً الخبراء والمختصين في كافة المجالات المتصلة بهذه القضية سواء من أبناء دول المجلس أو من الأجانب إلى بحث ودراسة هذه الظاهرة الخطيرة. ولا يفوتنا هنا أن نشيد بجهود بعض دول المجلس في هذا المجال، ومنها جهود المملكة العربية السعودية التي دعت في فبراير من العام الماضي إلى مؤتمر دولي في الرياض لمكافحة الإرهاب حضره ممثلو أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية وإقليمية، والمبادرة التي طرحها على المؤتمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز بإنشاء مركز دولي لمحاربة الإرهاب يتولى دراسة هذه الظاهرة على أسس علمية حديثة ليضع لها الحلول العملية والموضوعية. أيضاً هناك العديد من المؤتمرات والندوات عقدت في دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول مجلس التعاون، ولكن تبقى في النهاية عملية التنسيق بين كل هذه الجهود ودعمها وتطويرها، وهي المهمة التي نرى أن مجلس التعاون الخليجي هو المنوط به توليها، لأن أي جهود فردية أو مستقلة في مواجهة هذه الظاهرة لن تكون لها الفاعلية المطلوبة باعتبار أن ظاهرة الإرهاب، كما اتفق الجميع، ظاهرة عالمية تحتاج إلى جهود جماعية على جميع المستويات الرسمية والشعبية.
::/fulltext::
::cck::3459::/cck::
