متطلبات وتبعات الإصلاح الخليجي
::cck::3432::/cck::
::introtext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً لا يمكن تجاهله واستحقاقاً لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، ألا وهو تحدي الإصلاح الشامل واستحقاق التغيير العميق في مختلف جوانب الدولة والمجتمع. فلم يعد الإصلاح الشامل اليوم ترفاً ولا خياراً بين خيارات بل هو ضرورة ملحّة، إذا ما أرادت دول المجلس أن تحافظ على رفاهيتها وتعزز مكانتها في عالم تنافسي لا يرحم، وأن تعزز الأنظمة الحاكمة من شرعيتها.
::/introtext::
::fulltext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً لا يمكن تجاهله واستحقاقاً لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، ألا وهو تحدي الإصلاح الشامل واستحقاق التغيير العميق في مختلف جوانب الدولة والمجتمع. فلم يعد الإصلاح الشامل اليوم ترفاً ولا خياراً بين خيارات بل هو ضرورة ملحّة، إذا ما أرادت دول المجلس أن تحافظ على رفاهيتها وتعزز مكانتها في عالم تنافسي لا يرحم، وأن تعزز الأنظمة الحاكمة من شرعيتها.
ولن أتطرق هنا إلى البيئة الدولية الجديدة الضاغطة من أجل الإصلاح وهي الوجه الآخر لما يعرف بالحرب العالمية على الإرهاب وسأكتفي بمعالجة البيئة الداخلية.
الإصلاح بديلاً عن العنف
شهدت بلدان الخليج العربية في مرحلة الاضطراب السياسي الذي شهدته المنطقة العربية، محاولات لتغيير الأنظمة أو إدخال تغييرات جذرية عليها، واتخذت هذه المحاولات أشكالاً متعددة تبعاً لظروف كل بلد وطبيعة قوى التغيير، وتصادم النظام السياسي مع التغيير، وتنوعت أشكال محاولات التغيير بين تحرك جماهيري أو انتفاضة شعبية أو حتى عصيان مسلّح.
ويمكن القول إن الصراع بين الأنظمة السياسية ومعارضيها وفي أشد المواجهات لم يصل إلى ما وصلت إليه الأمور في الدول العربية الأخرى، حيث نلاحظ أن المواجهة يتبعها انفراج وعفو عام، واحتواء المعارضين مرة أخرى، بل دخول بعضهم في دائرة السلطة. لكنه وفي ضوء التجربة المرّة للصراعات العنيفة والحصاد المر للانقلابات والثورات في البلدان العربية الأخرى، فإن قوى التغيير في منطقة الخليج أضحت مقتنعة بأن الإصلاح هو البديل للثورة والانقلاب. ويستثنى من ذلك بالطبع قوى التطرف الديني، التي تنشط في المنطقة منذ سقوط نظام طالبان في أفغانستان.
وفي الحقيقة، فإن مواجهة قوى التطرف الديني وهزيمتها لا يمكن أن تتحققا بإجراءات أمنية فقط، بل تتطلبان تعزيز قوى الاعتدال في المجتمع وإصلاح النظام التعليمي والمؤسسة الدينية التي أسهمت في انبثاق التيار المتشدد.
بالمقابل، فإن النخب الحاكمة تقّر ولو نظرياً بضرورة التغيير، وبضرورة الحوار مع نخب المجتمع، وبدور لهذه النخب في إدارة شؤون البلاد. لذلك نتساءل إلى أي مدى يوجد هناك توافق على خيار الإصلاح؟ وإلى أي مدى سيذهب هذا الإصلاح؟ وما هي القوى الكفيلة بإحداث الإصلاح وصيانته؟
من أنظمة التوريث إلى أنظمة المشاركة:
باستثناء المملكة العربية السعودية، التي أقيم فيها حكم آل سعود، من خلال صيرورة صراعات داخلية، انتهت بتغلب الملك عبدالعزيز بن سعود على خصومه وإخضاع مختلف مناطق المملكة لحكمه، فإن باقي الأسر الحاكمة في الخليج قد أمنّت استمرار حكمها وتعزيز شرعيها بالانتقال السلس من الحماية البريطانية إلى الاستقلال ضمن خطة بريطانيا بالانسحاب من شرق السويس. وعملت كل من دولة الكويت ومملكة البحرين على تعزيز شرعية الحكم من خلال إصدار الدستور ومن خلال مجلس منتخب يتمثل فيه المواطنون ويشاركون فيه جزئياً في السلطة.
لقد تهيأت لدول المجلس ثروة استثنائية هي ثروة النفط التي شكلت المحرك لديناميكية التحديث الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي في ظل حضور غربي قوي يتمثل في شركات النفط، وتبعتها مختلف المؤسسات الرأسمالية الحديثة، وكذلك المستشارين، والخبراء، والخبرات والمهارات التي جذبها النفط والاقتصاد السريع النمو، كل ذلك في ظل المظلة الأمنية التي وفرتها الولايات المتحدة والتي خلفت بريطانيا في حماية الخليج.
لقد قطعت دول الخليج أشواطاً واسعة في التحديث الاقتصادي والاجتماعي، وأضحت اقتصاداتها أقوى الاقتصادات العربية، حيث تمثل السعودية المركز الأول، وتحتل الإمارات المركز الثاني في حجم الاقتصادات العربية رغم قلة السكان مقارنة مع دول عربية أخرى، ولا شك أن دول المجلس تمتلك اليوم أفضل بنى تحتية وجامعات حديثة ومؤسسات اقتصادية ومالية قوية، كما أن مستوى المعيشة لدول المجلس هو الأعلى وكذلك معدل دخل الفرد. لكن ذلك لا يتناسب تماماً مع البنية السياسية للدولة، ولا البنى الذاتية للمجتمع المدني، ولا حق المواطنين في الانتظام في تشكيلات سياسية ونقابية ومهنية، ولا في المؤسسات الدستورية التي يشارك الشعب من خلالها في السلطة والرقابة على الثروات الوطنية ووضع السياسات وتنفيذها.
المختلف والمشترك في الأنظمة السياسية:
تشترك الأنظمة السياسية لدول مجلس التعاون في كونها تحكم من قبل أسر حاكمة يتم توارث الحكم فيها. أما ما يخص بنية النظام السياسي والهامش المتاح لمشاركة الشعب في السلطة والنظام الدستوري وما هو مسموح به للمجتمع المدني من تنظيم وتعبير ومشاركة في الحياة العامة، فإنه يتفاوت من نظام لآخر.
كما أن التطور الاجتماعي واضح في نمط الحياة العصرية وتأهل أبناء المنطقة لممارسة مهن تخصصية عالية مثل الطب والهندسة والطيران والمحاماة وغيرها، ومشاركة المرأة في العمل، وإن كان ذلك دون الطموح، وتشكل طبقة وسطى واسعة.
وبالنسبة للوعي السياسي، فإن أبناء الخليج العربي يتمتعون بوعي مرتفع نسبياً في ضوء تدفق المعلومات الميسر عبر الانترنت، وسهولة السفر والاتصال، وانتشار الجامعات، ومراكز البحوث، ووسائط الإعلام المتطورة وتواتر المؤتمرات والندوات، في ظل انفراج نسبي لحرية التعبير والاتصال. لكن المفارقة هي أن البنية السياسية حتى في أكثرها تقدماً متخلفة جداً عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي الذي وصل إليه أبناء المنطقة. ويمكننا باختصار عرض أبرز ملامح القصور في الأنظمة السياسية والتنظيم السياسي للمجتمع كما يلي:
تتوفر لأربع دول هي الكويت، وهي أقدمها، والبحرين والإمارات وقطر دساتير متشابهة إلى حد ما، فيما تقتصر المملكة العربية السعودية على النظام الأساسي، وسلطنة عمان على نظام الدولة، وهما أقل مرتبة من الدستور. ورغم ما تبدو عليه الدساتير والأنظمة من صياغات جذابة، إلا أنها في الواقع تكرس سلطات استثنائية لرأس الدولة على حساب بقية السلطات، وخصوصاً السلطة التشريعية، سواء أتت بالانتخابات أو الانتخابات الجزئية أو التعيين، ويترتب على سلطات رأس الدولة شبه المطلقة تكريس امتيازات وهيمنة للأسر الحاكمة، كما أنه يجرى تعليق الدستور أو مواد منه من حين لآخر.
وفي سلطنة عُمان، فإن مجلس الشورى ينبثق من الانتخابات المحدودة، أما في الإمارات (المجلس الوطني) والسعودية (مجلس الشورى) فإن الأعضاء هم معينون من قبل الحاكم (السعودية ) وحكام الإمارات (الإمارات)، وهذه مجالس استشارية بحتة. ونحن بانتظار تجربة المجلس الوطني في قطر التي تشبه الصيغة الكويتية.
وباستثناء البحرين حيث سمح مؤخراً للتنظيمات السياسية بالعمل الشرعي بموجب قانون التنظيمات السياسية، فإن باقي دول المجلس محرم فيها وجود تنظيمات سياسية بشكل مطلق، فيما تتعايش سلطة الكويت مع العمل السياسي المستتر، والحقيقة أن الأحزاب تعتبر بمثابة (تابو) لدى الأنظمة الخليجية.
تنظيم المجتمع المدني:
تتفاوت الأنظمة الخليجية في تقبلها لما يعرف تقليدياً بالجمعيات الأهلية والنقابات والاتحادات، وما أضحى يعرف عالمياً بمنظمات المجتمع المدني والتي تشمل الأحزاب أيضاً، ففي حين تزدهر هذه المنظمات في الكويت والبحرين حيث لها جذورها التاريخية، فإنها مقيدة كثيراً في الإمارات وعُمان وقطر، وشبه محرّمة في السعودية. وبالنسبة للاتحادات العمالية فإنها قائمة في البحرين والكويت تاريخياً، لكنها غائبة تماماً في بقية دول المجلس.
الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية:
تتفاوت ممارسة الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية وتشريعاتها من بلد خليجي لآخر. لكن يمكن القول إن هناك هامشاً معقولاً في البحرين والكويت، وتضيقاً بدرجات متفاوتة في بقية دول المجلس.
المشاركة في بنية مجلس التعاون:
يفتقر مجلس التعاون الخليجي إلى المشاركة والمراقبة من قبل مواطني دول مجلس التعاون، حيث إن الصيغة القائمة حالياً هي مجلس استشاري غير دائم يجتمع في فترات متباعدة، لينظر فيما يحال إليه من الأمانة العامة للمجلس، وأعضاؤه معينون من قبل حكوماتهم. لذا لا عجب أن يواجه مجلس التعاون الخليجي باللامبالاة من قبل المواطنين الخليجيين.
الإصلاح السياسي المطلوب:
لا يمكننا بالطبع أن نقدم وصفة جاهزة لكل دولة خليجية، فدرجة التطور متفاوتة من بلد لآخر. لكن يمكن القول إن مواطني الخليج بما بلغوه من رقي وما شهدته بلدانهم ومجتمعاتهم من تحديث مهيئون لنظام سياسي حديث، عنوانه الملكية الدستورية، ويستند إلى مؤسسات الدولة الحديثة، وفصل السلطات مع تعاونها، والمشاركة الشعبية من خلال ممثلين منتخبين بالكامل.
ولو أعطينا مثلاً على ذلك ما جرى بمملكة البحرين، التي شهدت تدشين مرحلة الإصلاح إثر الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في فبراير 2001، فإن ما كان محرّماً وتعتبره الدولة خطراً، أضحى شرعياً وداعماً للدولة في البناء. فقد كانت التنظيمات السياسية محرّمة، والعمل السياسي معاقباً عليه، والنقابات غير شرعية، وممارسة الحريات العامة مقيدة جداً، بل إن قانون الجمعيات والأندية الأهلية لعام 1989، يتضمن تحريم اشتغال هذه الجمعيات والأندية بالسياسة. وبالطبع فقد عطل الدستور في ما يخص الحريات والحقوق المدنية والسياسية، وحكمت البلاد في ظل قانون أمن الدولة وقانون الطوارئ طوال 27 عاماً اتسمت بالقمع الشديد، لكن كل ذلك لم يؤمن الاستقرار للبلاد وأعاق تقدمها وازدهارها بحيث تخلفت في نواح عده عن الإمارات مثلاً.
ومع انطلاقة المشروع الإصلاحي تشكلت أحزاب سياسية، وأشهرت النقابات العمالية والجمعيات النوعية الشبابية والحقوقية والبيئية والطلابية، وصدرت العديد من الصحف المتباينة الاتجاهات، وأضحت المعارضة السياسية ظاهرة معترفاً بها، وجرت انتخابات بلدية ونيابية. ورغم القصور في دستور البلاد والتشريعات والبنى المستحدثة (النيابة العامة، ديوان الرقابة، المحكمة الدستورية وغيرها) إلا أن الوضع اليوم هو أفضل بكثير، وشرعية الحكم أقوى وأمتن.
إن العلنية في نقد الدولة وأجهزتها وممارسة العمل السياسي علانية بما يصاحبه من ضجيج وتعبير مختلف الفئات عن مطلبها علناً، لا يعني أن البلاد دخلت الفوضى، بل العكس فهي اليوم أكثر استقراراً من السابق، لذا تتدفق عليها الاستثمارات الخارجية، نتيجة الثقة بالنظام السياسي والوضع الاقتصادي. وفي اعتقادي، فإن دول الخليج الأخرى ليست أقل أهلية من البحرين في خوض تجربة التغيير، ولقد أظهرت تجربة الحوار الوطني في المملكة العربية السعودية على امتداد عامين نضج المواطنين السعوديين وأهليتهم ورؤيتهم الواعية لما هو مطلوب من إصلاحات في الدولة والمجتمع.
وفي الكويت أظهرت تجربة تنظيم النساء لصفوفهن للضغط من أجل إنهاء حرمانهن من حقوقهن السياسية نموذجاً لطاقات النساء الكامنة في كل دول المجلس. ولا غرابة في ذلك إذ إن تأهيل النساء مهنياً وعلمياً وثقافياً لا يقل عن الرجال، وأثبتت النساء أهلية عالية في مختلف الميادين من خلال ممارسة المهن التخصصية، والأعمال الخاصة، والإدارة، والمسؤولية في الدولة كوزيرات ومشّرعات وسفيرات وغيرها. وإذا أخذنا فئة الشباب الخليجي، الذي يوصف خطأ بـ (الميوعة) أو الاتكالية أو اللامسؤولية، فإن تهميش الشباب وعدم وجود تنظيمات خاصة بهم وغياب الحريات العامة، كل ذلك يقف وراء ضياع كثير من الشباب، لكنهم عندما توفر لهم البيئة المناسبة والثقة فإنهم يبدعون، كما هي نماذج الشباب الناجح في مجال الأعمال والعمل الاجتماعي في الكويت والإمارات، والمشاركة السياسية في البحرين، والإنجازات العملية في مختلف دول المجلس.
إذاً، فالمطلوب عقد إجماعي جديد بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها في دول المجلس يستند إلى دساتير عقدية تفتح الطريق للمشاركة الشعبية الفعلية في السلطة، وتتمخض عنها سلطة تشريعية منتخبة كاملة الصلاحيات التشريعية والرقابية وفصل حقيقي للسلطات واستقلال كامل للقضاء.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3432::/cck::
::introtext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً لا يمكن تجاهله واستحقاقاً لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، ألا وهو تحدي الإصلاح الشامل واستحقاق التغيير العميق في مختلف جوانب الدولة والمجتمع. فلم يعد الإصلاح الشامل اليوم ترفاً ولا خياراً بين خيارات بل هو ضرورة ملحّة، إذا ما أرادت دول المجلس أن تحافظ على رفاهيتها وتعزز مكانتها في عالم تنافسي لا يرحم، وأن تعزز الأنظمة الحاكمة من شرعيتها.
::/introtext::
::fulltext::
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً لا يمكن تجاهله واستحقاقاً لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، ألا وهو تحدي الإصلاح الشامل واستحقاق التغيير العميق في مختلف جوانب الدولة والمجتمع. فلم يعد الإصلاح الشامل اليوم ترفاً ولا خياراً بين خيارات بل هو ضرورة ملحّة، إذا ما أرادت دول المجلس أن تحافظ على رفاهيتها وتعزز مكانتها في عالم تنافسي لا يرحم، وأن تعزز الأنظمة الحاكمة من شرعيتها.
ولن أتطرق هنا إلى البيئة الدولية الجديدة الضاغطة من أجل الإصلاح وهي الوجه الآخر لما يعرف بالحرب العالمية على الإرهاب وسأكتفي بمعالجة البيئة الداخلية.
الإصلاح بديلاً عن العنف
شهدت بلدان الخليج العربية في مرحلة الاضطراب السياسي الذي شهدته المنطقة العربية، محاولات لتغيير الأنظمة أو إدخال تغييرات جذرية عليها، واتخذت هذه المحاولات أشكالاً متعددة تبعاً لظروف كل بلد وطبيعة قوى التغيير، وتصادم النظام السياسي مع التغيير، وتنوعت أشكال محاولات التغيير بين تحرك جماهيري أو انتفاضة شعبية أو حتى عصيان مسلّح.
ويمكن القول إن الصراع بين الأنظمة السياسية ومعارضيها وفي أشد المواجهات لم يصل إلى ما وصلت إليه الأمور في الدول العربية الأخرى، حيث نلاحظ أن المواجهة يتبعها انفراج وعفو عام، واحتواء المعارضين مرة أخرى، بل دخول بعضهم في دائرة السلطة. لكنه وفي ضوء التجربة المرّة للصراعات العنيفة والحصاد المر للانقلابات والثورات في البلدان العربية الأخرى، فإن قوى التغيير في منطقة الخليج أضحت مقتنعة بأن الإصلاح هو البديل للثورة والانقلاب. ويستثنى من ذلك بالطبع قوى التطرف الديني، التي تنشط في المنطقة منذ سقوط نظام طالبان في أفغانستان.
وفي الحقيقة، فإن مواجهة قوى التطرف الديني وهزيمتها لا يمكن أن تتحققا بإجراءات أمنية فقط، بل تتطلبان تعزيز قوى الاعتدال في المجتمع وإصلاح النظام التعليمي والمؤسسة الدينية التي أسهمت في انبثاق التيار المتشدد.
بالمقابل، فإن النخب الحاكمة تقّر ولو نظرياً بضرورة التغيير، وبضرورة الحوار مع نخب المجتمع، وبدور لهذه النخب في إدارة شؤون البلاد. لذلك نتساءل إلى أي مدى يوجد هناك توافق على خيار الإصلاح؟ وإلى أي مدى سيذهب هذا الإصلاح؟ وما هي القوى الكفيلة بإحداث الإصلاح وصيانته؟
من أنظمة التوريث إلى أنظمة المشاركة:
باستثناء المملكة العربية السعودية، التي أقيم فيها حكم آل سعود، من خلال صيرورة صراعات داخلية، انتهت بتغلب الملك عبدالعزيز بن سعود على خصومه وإخضاع مختلف مناطق المملكة لحكمه، فإن باقي الأسر الحاكمة في الخليج قد أمنّت استمرار حكمها وتعزيز شرعيها بالانتقال السلس من الحماية البريطانية إلى الاستقلال ضمن خطة بريطانيا بالانسحاب من شرق السويس. وعملت كل من دولة الكويت ومملكة البحرين على تعزيز شرعية الحكم من خلال إصدار الدستور ومن خلال مجلس منتخب يتمثل فيه المواطنون ويشاركون فيه جزئياً في السلطة.
لقد تهيأت لدول المجلس ثروة استثنائية هي ثروة النفط التي شكلت المحرك لديناميكية التحديث الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي في ظل حضور غربي قوي يتمثل في شركات النفط، وتبعتها مختلف المؤسسات الرأسمالية الحديثة، وكذلك المستشارين، والخبراء، والخبرات والمهارات التي جذبها النفط والاقتصاد السريع النمو، كل ذلك في ظل المظلة الأمنية التي وفرتها الولايات المتحدة والتي خلفت بريطانيا في حماية الخليج.
لقد قطعت دول الخليج أشواطاً واسعة في التحديث الاقتصادي والاجتماعي، وأضحت اقتصاداتها أقوى الاقتصادات العربية، حيث تمثل السعودية المركز الأول، وتحتل الإمارات المركز الثاني في حجم الاقتصادات العربية رغم قلة السكان مقارنة مع دول عربية أخرى، ولا شك أن دول المجلس تمتلك اليوم أفضل بنى تحتية وجامعات حديثة ومؤسسات اقتصادية ومالية قوية، كما أن مستوى المعيشة لدول المجلس هو الأعلى وكذلك معدل دخل الفرد. لكن ذلك لا يتناسب تماماً مع البنية السياسية للدولة، ولا البنى الذاتية للمجتمع المدني، ولا حق المواطنين في الانتظام في تشكيلات سياسية ونقابية ومهنية، ولا في المؤسسات الدستورية التي يشارك الشعب من خلالها في السلطة والرقابة على الثروات الوطنية ووضع السياسات وتنفيذها.
المختلف والمشترك في الأنظمة السياسية:
تشترك الأنظمة السياسية لدول مجلس التعاون في كونها تحكم من قبل أسر حاكمة يتم توارث الحكم فيها. أما ما يخص بنية النظام السياسي والهامش المتاح لمشاركة الشعب في السلطة والنظام الدستوري وما هو مسموح به للمجتمع المدني من تنظيم وتعبير ومشاركة في الحياة العامة، فإنه يتفاوت من نظام لآخر.
كما أن التطور الاجتماعي واضح في نمط الحياة العصرية وتأهل أبناء المنطقة لممارسة مهن تخصصية عالية مثل الطب والهندسة والطيران والمحاماة وغيرها، ومشاركة المرأة في العمل، وإن كان ذلك دون الطموح، وتشكل طبقة وسطى واسعة.
وبالنسبة للوعي السياسي، فإن أبناء الخليج العربي يتمتعون بوعي مرتفع نسبياً في ضوء تدفق المعلومات الميسر عبر الانترنت، وسهولة السفر والاتصال، وانتشار الجامعات، ومراكز البحوث، ووسائط الإعلام المتطورة وتواتر المؤتمرات والندوات، في ظل انفراج نسبي لحرية التعبير والاتصال. لكن المفارقة هي أن البنية السياسية حتى في أكثرها تقدماً متخلفة جداً عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي الذي وصل إليه أبناء المنطقة. ويمكننا باختصار عرض أبرز ملامح القصور في الأنظمة السياسية والتنظيم السياسي للمجتمع كما يلي:
تتوفر لأربع دول هي الكويت، وهي أقدمها، والبحرين والإمارات وقطر دساتير متشابهة إلى حد ما، فيما تقتصر المملكة العربية السعودية على النظام الأساسي، وسلطنة عمان على نظام الدولة، وهما أقل مرتبة من الدستور. ورغم ما تبدو عليه الدساتير والأنظمة من صياغات جذابة، إلا أنها في الواقع تكرس سلطات استثنائية لرأس الدولة على حساب بقية السلطات، وخصوصاً السلطة التشريعية، سواء أتت بالانتخابات أو الانتخابات الجزئية أو التعيين، ويترتب على سلطات رأس الدولة شبه المطلقة تكريس امتيازات وهيمنة للأسر الحاكمة، كما أنه يجرى تعليق الدستور أو مواد منه من حين لآخر.
وفي سلطنة عُمان، فإن مجلس الشورى ينبثق من الانتخابات المحدودة، أما في الإمارات (المجلس الوطني) والسعودية (مجلس الشورى) فإن الأعضاء هم معينون من قبل الحاكم (السعودية ) وحكام الإمارات (الإمارات)، وهذه مجالس استشارية بحتة. ونحن بانتظار تجربة المجلس الوطني في قطر التي تشبه الصيغة الكويتية.
وباستثناء البحرين حيث سمح مؤخراً للتنظيمات السياسية بالعمل الشرعي بموجب قانون التنظيمات السياسية، فإن باقي دول المجلس محرم فيها وجود تنظيمات سياسية بشكل مطلق، فيما تتعايش سلطة الكويت مع العمل السياسي المستتر، والحقيقة أن الأحزاب تعتبر بمثابة (تابو) لدى الأنظمة الخليجية.
تنظيم المجتمع المدني:
تتفاوت الأنظمة الخليجية في تقبلها لما يعرف تقليدياً بالجمعيات الأهلية والنقابات والاتحادات، وما أضحى يعرف عالمياً بمنظمات المجتمع المدني والتي تشمل الأحزاب أيضاً، ففي حين تزدهر هذه المنظمات في الكويت والبحرين حيث لها جذورها التاريخية، فإنها مقيدة كثيراً في الإمارات وعُمان وقطر، وشبه محرّمة في السعودية. وبالنسبة للاتحادات العمالية فإنها قائمة في البحرين والكويت تاريخياً، لكنها غائبة تماماً في بقية دول المجلس.
الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية:
تتفاوت ممارسة الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية وتشريعاتها من بلد خليجي لآخر. لكن يمكن القول إن هناك هامشاً معقولاً في البحرين والكويت، وتضيقاً بدرجات متفاوتة في بقية دول المجلس.
المشاركة في بنية مجلس التعاون:
يفتقر مجلس التعاون الخليجي إلى المشاركة والمراقبة من قبل مواطني دول مجلس التعاون، حيث إن الصيغة القائمة حالياً هي مجلس استشاري غير دائم يجتمع في فترات متباعدة، لينظر فيما يحال إليه من الأمانة العامة للمجلس، وأعضاؤه معينون من قبل حكوماتهم. لذا لا عجب أن يواجه مجلس التعاون الخليجي باللامبالاة من قبل المواطنين الخليجيين.
الإصلاح السياسي المطلوب:
لا يمكننا بالطبع أن نقدم وصفة جاهزة لكل دولة خليجية، فدرجة التطور متفاوتة من بلد لآخر. لكن يمكن القول إن مواطني الخليج بما بلغوه من رقي وما شهدته بلدانهم ومجتمعاتهم من تحديث مهيئون لنظام سياسي حديث، عنوانه الملكية الدستورية، ويستند إلى مؤسسات الدولة الحديثة، وفصل السلطات مع تعاونها، والمشاركة الشعبية من خلال ممثلين منتخبين بالكامل.
ولو أعطينا مثلاً على ذلك ما جرى بمملكة البحرين، التي شهدت تدشين مرحلة الإصلاح إثر الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في فبراير 2001، فإن ما كان محرّماً وتعتبره الدولة خطراً، أضحى شرعياً وداعماً للدولة في البناء. فقد كانت التنظيمات السياسية محرّمة، والعمل السياسي معاقباً عليه، والنقابات غير شرعية، وممارسة الحريات العامة مقيدة جداً، بل إن قانون الجمعيات والأندية الأهلية لعام 1989، يتضمن تحريم اشتغال هذه الجمعيات والأندية بالسياسة. وبالطبع فقد عطل الدستور في ما يخص الحريات والحقوق المدنية والسياسية، وحكمت البلاد في ظل قانون أمن الدولة وقانون الطوارئ طوال 27 عاماً اتسمت بالقمع الشديد، لكن كل ذلك لم يؤمن الاستقرار للبلاد وأعاق تقدمها وازدهارها بحيث تخلفت في نواح عده عن الإمارات مثلاً.
ومع انطلاقة المشروع الإصلاحي تشكلت أحزاب سياسية، وأشهرت النقابات العمالية والجمعيات النوعية الشبابية والحقوقية والبيئية والطلابية، وصدرت العديد من الصحف المتباينة الاتجاهات، وأضحت المعارضة السياسية ظاهرة معترفاً بها، وجرت انتخابات بلدية ونيابية. ورغم القصور في دستور البلاد والتشريعات والبنى المستحدثة (النيابة العامة، ديوان الرقابة، المحكمة الدستورية وغيرها) إلا أن الوضع اليوم هو أفضل بكثير، وشرعية الحكم أقوى وأمتن.
إن العلنية في نقد الدولة وأجهزتها وممارسة العمل السياسي علانية بما يصاحبه من ضجيج وتعبير مختلف الفئات عن مطلبها علناً، لا يعني أن البلاد دخلت الفوضى، بل العكس فهي اليوم أكثر استقراراً من السابق، لذا تتدفق عليها الاستثمارات الخارجية، نتيجة الثقة بالنظام السياسي والوضع الاقتصادي. وفي اعتقادي، فإن دول الخليج الأخرى ليست أقل أهلية من البحرين في خوض تجربة التغيير، ولقد أظهرت تجربة الحوار الوطني في المملكة العربية السعودية على امتداد عامين نضج المواطنين السعوديين وأهليتهم ورؤيتهم الواعية لما هو مطلوب من إصلاحات في الدولة والمجتمع.
وفي الكويت أظهرت تجربة تنظيم النساء لصفوفهن للضغط من أجل إنهاء حرمانهن من حقوقهن السياسية نموذجاً لطاقات النساء الكامنة في كل دول المجلس. ولا غرابة في ذلك إذ إن تأهيل النساء مهنياً وعلمياً وثقافياً لا يقل عن الرجال، وأثبتت النساء أهلية عالية في مختلف الميادين من خلال ممارسة المهن التخصصية، والأعمال الخاصة، والإدارة، والمسؤولية في الدولة كوزيرات ومشّرعات وسفيرات وغيرها. وإذا أخذنا فئة الشباب الخليجي، الذي يوصف خطأ بـ (الميوعة) أو الاتكالية أو اللامسؤولية، فإن تهميش الشباب وعدم وجود تنظيمات خاصة بهم وغياب الحريات العامة، كل ذلك يقف وراء ضياع كثير من الشباب، لكنهم عندما توفر لهم البيئة المناسبة والثقة فإنهم يبدعون، كما هي نماذج الشباب الناجح في مجال الأعمال والعمل الاجتماعي في الكويت والإمارات، والمشاركة السياسية في البحرين، والإنجازات العملية في مختلف دول المجلس.
إذاً، فالمطلوب عقد إجماعي جديد بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها في دول المجلس يستند إلى دساتير عقدية تفتح الطريق للمشاركة الشعبية الفعلية في السلطة، وتتمخض عنها سلطة تشريعية منتخبة كاملة الصلاحيات التشريعية والرقابية وفصل حقيقي للسلطات واستقلال كامل للقضاء.
::/fulltext::
::cck::3432::/cck::
