الخليج العربي وبحر قزوين .. رائحة الدم والنفط
::cck::3280::/cck::
::introtext::
عاد سؤال بحر قزوين في شهر مارس الماضي يطرح نفسه بقوة على الساحتين الإقليمية والدولية مع اجتماع موسكو الذي ضم ممثلي الدول الخمس الواقعة على شواطئ قزوين، وهي (روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان)، ولكن السؤال هذه المرة لم يقتصر على النفط وتقسيم البحر بل ركز بشكل أكبر على الجانب الأمني، وبقدر ما كان سؤال نفط بحر قزوين متصلا بشكل كبير بنفط الخليج العربي من حيث المنافسة والاحتياطي والإنتاج والاستثمارات، بقدر ما كان سؤال الأمن في بحر قزوين أيضاً أصبح مرتبطاً بشكل مباشر مع أمن الخليج العربي مع تصاعد الحملة الأمريكية على إيران التي تقع بين البحر شمالا والخليج جنوبا، الأمر الذي جعل من قزوين هدفاً استراتيجياً رئيسياً لدى العسكرية الأمريكية بهدف تضييق الحصار على إيران من الشمال وفصلها عن روسيا، الأمر الذي استدعى من موسكو تحركاً سريعاً لدى دول بحر قزوين الخمس للحيلولة دون دخول قوات أجنبية في البحر، ولتأسيس قوات عسكرية مشتركة بينهم تتولى مهمة حماية بحر قزوين، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لأذربيجان في العام الماضي والتي أحيطت بسرية تامة، وبعد تصريحات الجنرال جونسون قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا التي قال فيها إن واشنطن عازمة على نشر قوات وقواعد عسكرية في حوض بحر قزوين، واختارت واشنطن أذربيجان الملاصقة لإيران كقاعدة انطلاق لقواتها واضعة في اعتبارها خلافات البلدين حول تقسيم ثروات بحر قزوين، وأيضا خلافاتهما السياسية بسبب دعم إيران لأرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم (ناجورني كاراباخ).
::/introtext::
::fulltext::
عاد سؤال بحر قزوين في شهر مارس الماضي يطرح نفسه بقوة على الساحتين الإقليمية والدولية مع اجتماع موسكو الذي ضم ممثلي الدول الخمس الواقعة على شواطئ قزوين، وهي (روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان)، ولكن السؤال هذه المرة لم يقتصر على النفط وتقسيم البحر بل ركز بشكل أكبر على الجانب الأمني، وبقدر ما كان سؤال نفط بحر قزوين متصلا بشكل كبير بنفط الخليج العربي من حيث المنافسة والاحتياطي والإنتاج والاستثمارات، بقدر ما كان سؤال الأمن في بحر قزوين أيضاً أصبح مرتبطاً بشكل مباشر مع أمن الخليج العربي مع تصاعد الحملة الأمريكية على إيران التي تقع بين البحر شمالا والخليج جنوبا، الأمر الذي جعل من قزوين هدفاً استراتيجياً رئيسياً لدى العسكرية الأمريكية بهدف تضييق الحصار على إيران من الشمال وفصلها عن روسيا، الأمر الذي استدعى من موسكو تحركاً سريعاً لدى دول بحر قزوين الخمس للحيلولة دون دخول قوات أجنبية في البحر، ولتأسيس قوات عسكرية مشتركة بينهم تتولى مهمة حماية بحر قزوين، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لأذربيجان في العام الماضي والتي أحيطت بسرية تامة، وبعد تصريحات الجنرال جونسون قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا التي قال فيها إن واشنطن عازمة على نشر قوات وقواعد عسكرية في حوض بحر قزوين، واختارت واشنطن أذربيجان الملاصقة لإيران كقاعدة انطلاق لقواتها واضعة في اعتبارها خلافات البلدين حول تقسيم ثروات بحر قزوين، وأيضا خلافاتهما السياسية بسبب دعم إيران لأرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم (ناجورني كاراباخ).
ولايزال الخلاف قائماً حول تقسيم ثروات بحر قزوين بين الدول الخمس الواقعة على البحر، ولايزال الوضع القانوني للبحر لم يتحدد بعد رغم الجلسات العديدة التي جمعت ممثلي هذه الدول الخمس على مدى نحو خمسة عشر عاماً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وكان آخرها الجلسة رقم 20 لممثلي هذه الدول في موسكو في منتصف مارس المنصرم، والتي كشفت عن خلافات ومشكلات جديدة على رأسها المساعي الأمريكية لعسكرة بحر قزوين والسيطرة عليه أمنيا وعسكريا إلى جانب السيطرة على ثرواته النفطية، الأمر الذي أعاد الحديث حول منافسة منطقة بحر قزوين لمنطقة الخليج العربي، ولكن في هذه المرة المنافسة لن تكون حول النفط فقط، بل حول الهيمنة العسكرية والسياسية، الأمر الذي جعل رئيس تركمانستان صابر مراد نيازوف يستعيد مقولته الشهيرة (رائحة الدم عادت تفوح من مياه بحر قزوين).
تقسيم البحر
قبل انهيار الاتحاد السوفييتي لم تكن هناك مشكلات حول ثروات بحر قزوين الذي كانت تمتلكه وتحيط به دولتان فقط هما إيران والاتحاد السوفييتي، وتنظم العلاقات بينهما حول البحر اتفاقيتان ثنائيتان، الأولى عام 1921 والثانية عام 1940، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورياته ظهرت ثلاث دول جديدة على شواطئه هي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان إلى جانب روسيا وإيران، ومع اختلاف طول سواحل الدول الخمس على البحر المغلق بينهما بلا منافذ على بحار أخرى اندلعت المشكلات بينهم، وخاصة المشكلات القانونية حول تحديد الوضع القانوني للبحر، وهل هو بحر فيخضع لقواعد البحار حسب القانون البحري الدولي ويقسم حسب طول سواحل الدول، أم أنه بحيرة مغلقة فيتم تقسيم ثرواته بالتساوي بين الدول الخمس الواقعة عليه بحيث تنال كل دولة 20 في المائة منه؟ وتطالب إيران بالمقترح الثاني كبحيرة مغلقة نظراً لأن سواحلها لا يزيد طولها على 11 في المائة، بينما تصمم أذربيجان وكازاخستان على المقترح الأول كبحر حيث تحتل الأولى 23 في المائة والثانية 30 في المائة من السواحل، بينما الأمر بالنسبة لروسيا لا يفرق كثيرا حيث تحتل 19 في المائة من السواحل، وأيضا تركمانستان التي تحتل 17 في المائة، وقد كانت روسيا تؤيد في التسعينات إيران في موقفها ولدواع سياسية أكثر منها اقتصادية، إذ كانت موسكو تسعى لكسب الجمهورية الإسلامية المعادية لأمريكا لصفها، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وبروز نوايا واشنطن في الهيمنة على بحر قزوين ووسط آسيا وتقربها بشكل واضح من أذربيجان وكازاخستان رأت موسكو أن من الأفضل لها استراتيجيا أن تدعم الموقف الأذربيجاني والكازاخي حتى تفوت الفرصة على واشنطن، خاصة أن موسكو في كلتا الحالتين لن تخسر شيئا اقتصاديا، كما أنها لن تخسر إيران التي تتصاعد حدة خلافاتها مع واشنطن والغرب بسبب البرنامج النووي الذي تشرف عليه روسيا
محاصرة إيران
التقرير السنوي الاستراتيجي لمجلس الأمن القومي الأمريكي لعام 2000 يرجح أن الصراع حول بحر قزوين ممكن أن يصل إلى حد النزاعات المسلحة، وربط التقرير بين بحر قزوين في الشمال والخليج العربي في الجنوب كنقطتي حصار على إيران، وأشار التقرير إلى ضرورة الاهتمام بأذربيجان كنقطة انتشار للقواعد والقوات العسكرية الأمريكية في البحر وعلى اليابس نظراً لموقعها العازل بين روسيا وإيران، وبدأت واشنطن في زرع الخلافات بين أذربيجان وإيران مستغلة في ذلك دعم إيران لجمهورية أرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم (ناجورني كاراباخ)، ووعدت الولايات المتحدة أذربيجان باستثمارات هائلة تتعدى العشرين مليار دولار في قطاع النفط في بحر قزوين حتى تحثها على الاستمرار في موقفها المضاد لإيران حول تقسيم ثروات البحر، ورغم اعتراضات موسكو الشديدة على أي وجود عسكري أمريكي في منطقة بحر قزوين، إلا أن أذربيجان دعت في أكتوبر الماضي خبراء عسكريين أمريكيين قاموا بوضع محطات رادار حديثة في بحر قزوين قامت بالتشويش على محطات رادار روسية موجودة في البحر منذ عام 1985 ضمن منظومة الإنذار الروسية التي أعدت للكشف عن أي هجوم صاروخي موجه لروسيا من الجنوب، الأمر الذي دعا روسيا إلى طرح مبادرتها في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الدول الخمس المطلة على بحر قزوين والتي طالبت فيها بعدم وجود أي قوات عسكرية أجنبية في حوض البحر، وقال وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف محذراً (إنه من السهل دعوة قوات أجنبية للمنطقة ولكن التجارب أثبتت أنه من الصعب بعد ذلك إخراج هذه القوات الأجنبية).
مبادرة روسية
طرحت روسيا في الاجتماع على الدول الخمس مبادرتها بتشكيل قوة عسكرية مشتركة بينهم لحماية أمن البحر ضد الإرهاب والتهريب وتخريب خطوط الأنابيب وسفن النقل، واقترحت أن تطلق عليها اسم (كاسفور) على غرار مجموعة (بلاكسيفور) الموجودة في البحر الأسود، وأبدت إيران تأييدا كبيرا للمبادرة الروسية، وترددت أذربيجان وتركمانستان في إبداء موافقتهما، إلا أن الضغوط الروسية وتحذيرات موسكو لأنظمة هذين البلدين من المخططات الأمريكية والثورات الملونة التي تدعمها واشنطن في المنطقة دفعت البلدين لإبداء استعدادهما لمناقشة المبادرة الروسية، ويقول المحلل الاقتصادي الروسي فلاديمير فاسيلوف في صحيفة (ريا نوفوستي) إن (موسكو لجأت إلى الأسلوب آخر جديد لإقناع أذربيجان بعدم التعاون العسكري مع واشنطن، حيث وعدتها بإقناع إيران بالتنازل عن موقفها تجاه تقسيم ثروات بحر قزوين بالتساوي، كما وعدتها بالكف عن دعم أرمينيا في النزاع حول إقليم ناجورني كاراباخ) ويقول فاسيلوف: (إن إيران في ظروفها الحالية ومع كثافة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي ممكن أن توافق على أي شيء يحول دون الوجود الأمريكي في بحر قزوين)، وبالفعل تراجعت أذربيجان عن موقفها تجاه استضافة قوات أمريكية، وصرح بذلك سفيرها في موسكو رامز راضايف الذي قال إن نشاط الرادارات الأمريكية سوف يخضع لرقابة تامة بحيث لا يضر بمصالح أية دولة مجاورة وسيكون محدود المدة.
النفط أم العسكرة؟
وفي الرابع والعشرين من يناير الماضي أعلن وزير الدفاع الأذربيجاني صفر أبييف أن بلاده وافقت على الاشتراك في القوات العسكرية المشتركة التي اقترحتها روسيا بشرط حل النزاع حول الوضع القانوني لبحر قزوين وتقسيم ثرواته، وتبذل موسكو جهودها الآن لحل هذه المشكلة وإقناع إيران بالتراجع عن موقفها المتشدد، ويتوقع الخبراء الروس أن توافق طهران رغم صعوبة التراجع إلى نسبة 11 في المائة بعد أن كانت تقتسم ثروات البحر مناصفة مع الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن الأمر يهون مقابل إفشال مخططات واشنطن لعسكرة بحر قزوين لمحاصرة إيران من الشمال مع الوجود الأمريكي في الخليج العربي والعراق جنوباً.
ويتساءل المحللون الروس عن سر اهتمام واشنطن البالغ الآن بالتحديد ببحر قزوين، هل هو النفط أم العسكرة ومحاصرة إيران شمالاً وروسيا جنوباً؟ حيث يرى البعض أن الهدف الرئيسي هو الهيمنة العسكرية وليس النفط، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على النفط العراقي، وأن تكلفة استخراج النفط في بحر قزوين تعادل ثلاث مرات تكلفة استخراجه في العراق ودول الخليج العربية، هذا إلى جانب أن احتياطيات نفط بحر قزوين غير مؤكدة ومبالغ فيها في أحيان كثيرة، حيث تضاربت التقديرات وتفاوتت بشكل كبير، وهناك من يقدر هذه الاحتياطيات بنحو 200 مليار برميل نفط و600 تريليون متر مكعب غاز طبيعي، بينما لم تقدره وزارة الطاقة الأمريكية عام 2000 بأكثر من 40 مليار برميل، وهو التقدير الذي أقرته الوكالة الدولية للطاقة التي قالت في تقريرها عام 2001 إن احتياطي نفط بحر قزوين لا يزيد على 2,7 في المائة من الاحتياطي العالمي بينما احتياطي دول الخليج العربية يقدر بنحو 45 في المائة.
توجهات الاستثمارات
ويقول د. ولفر دكول مدير برنامج الطاقة في جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة أن (تقديرات نفط بحر قزوين لا تؤهله لمنافسة نفط دول الخليج العربية، ولكن هذا لا يمنع من إمكانية تأثير نفط بحر قزوين في أسعار النفط العالمية بشكل كبير، خاصة أن 90 في المائة من هذا النفط لا يخضع لمنظمة أوبك، وتتحكم به دول ذات أنظمة حكومية شمولية توجهها سياساتها الخارجية أكثر من تأثيرات السوق والعرض والطلب، هذا في الوقت الذي زادت فيه حاجة الدول الصناعية للنفط والطاقة بشكل كبير في الأعوام الماضية، الأمر الذي أدى إلى الارتفاع الجنوني لأسعار النفط)، ويرى المحلل الاقتصادي الروسي بيوتر جونتشاروف أن (الإقبال المتزايد على النفط وارتفاع أسعاره سوف يدفع الاستثمارات الأجنبية للتوجه لبحر قزوين، وخاصة استثمارات دول تعاني من نقص الطاقة وزيادة الإنتاج مثل الصين والهند واليابان، والتي لن تكفيها حصتها التي تحصل عليها من نفط دول الخليج العربية الذي تحتكره شركات عالمية معدودة تعطي الحصة الرئيسية منه للدول الغربية، كما أن ارتفاع تكلفة استخراج نفط بحر قزوين لم يعد سبباً لتراجع الاستثمارات عنه، نظراً للحاجة الملحة للنفط وكذلك لتقدم تقنيات استخراجه في الأعوام القليلة الماضية، الأمر الذي يجعل من نفط بحر قزوين منافساً حقيقياً للنفط العربي في الأعوام المقبلة).
الخبير الاستراتيجي الروسي فاسيلي زوبكوف كتب في صحيفة نيزافيسمايا يقول (إن الوضع الآن في بحر قزوين يختلف عما كان عليه منذ أربع سنوات مضت، فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي يدفع واشنطن للمضي في تنفيذ مخططاتها للهيمنة على بحر قزوين ليس فقط عسكرياً ولكن أيضاً اقتصادياً، فالهيمنة العسكرية مطلوبة لمحاصرة إيران والوجود العسكري في وسط آسيا، والهيمنة الاقتصادية مطلوبة للتحكم بمصادر الطاقة وأسعار النفط العالمية)، ولا يستبعد زوبكوف أن يؤدي تزايد اهتمام واشنطن ببحر قزوين إلى نشوء نزاعات مسلحة وحروب في المنطقة، خاصة لو وجدت إيران نفسها محاصرة شمالا ومعزولة عن صديقتها روسيا التي أصبحت مصدراً رئيسياً لطهران في وارداتها من السلاح، الأمر الذي قد يدفعها إلى تفجير الأوضاع في الجنوب وخاصة في منطقة الخليج العربي التي تشغل أهمية وحساسية قصوى بالنسبة لواشنطن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3280::/cck::
::introtext::
عاد سؤال بحر قزوين في شهر مارس الماضي يطرح نفسه بقوة على الساحتين الإقليمية والدولية مع اجتماع موسكو الذي ضم ممثلي الدول الخمس الواقعة على شواطئ قزوين، وهي (روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان)، ولكن السؤال هذه المرة لم يقتصر على النفط وتقسيم البحر بل ركز بشكل أكبر على الجانب الأمني، وبقدر ما كان سؤال نفط بحر قزوين متصلا بشكل كبير بنفط الخليج العربي من حيث المنافسة والاحتياطي والإنتاج والاستثمارات، بقدر ما كان سؤال الأمن في بحر قزوين أيضاً أصبح مرتبطاً بشكل مباشر مع أمن الخليج العربي مع تصاعد الحملة الأمريكية على إيران التي تقع بين البحر شمالا والخليج جنوبا، الأمر الذي جعل من قزوين هدفاً استراتيجياً رئيسياً لدى العسكرية الأمريكية بهدف تضييق الحصار على إيران من الشمال وفصلها عن روسيا، الأمر الذي استدعى من موسكو تحركاً سريعاً لدى دول بحر قزوين الخمس للحيلولة دون دخول قوات أجنبية في البحر، ولتأسيس قوات عسكرية مشتركة بينهم تتولى مهمة حماية بحر قزوين، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لأذربيجان في العام الماضي والتي أحيطت بسرية تامة، وبعد تصريحات الجنرال جونسون قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا التي قال فيها إن واشنطن عازمة على نشر قوات وقواعد عسكرية في حوض بحر قزوين، واختارت واشنطن أذربيجان الملاصقة لإيران كقاعدة انطلاق لقواتها واضعة في اعتبارها خلافات البلدين حول تقسيم ثروات بحر قزوين، وأيضا خلافاتهما السياسية بسبب دعم إيران لأرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم (ناجورني كاراباخ).
::/introtext::
::fulltext::
عاد سؤال بحر قزوين في شهر مارس الماضي يطرح نفسه بقوة على الساحتين الإقليمية والدولية مع اجتماع موسكو الذي ضم ممثلي الدول الخمس الواقعة على شواطئ قزوين، وهي (روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان)، ولكن السؤال هذه المرة لم يقتصر على النفط وتقسيم البحر بل ركز بشكل أكبر على الجانب الأمني، وبقدر ما كان سؤال نفط بحر قزوين متصلا بشكل كبير بنفط الخليج العربي من حيث المنافسة والاحتياطي والإنتاج والاستثمارات، بقدر ما كان سؤال الأمن في بحر قزوين أيضاً أصبح مرتبطاً بشكل مباشر مع أمن الخليج العربي مع تصاعد الحملة الأمريكية على إيران التي تقع بين البحر شمالا والخليج جنوبا، الأمر الذي جعل من قزوين هدفاً استراتيجياً رئيسياً لدى العسكرية الأمريكية بهدف تضييق الحصار على إيران من الشمال وفصلها عن روسيا، الأمر الذي استدعى من موسكو تحركاً سريعاً لدى دول بحر قزوين الخمس للحيلولة دون دخول قوات أجنبية في البحر، ولتأسيس قوات عسكرية مشتركة بينهم تتولى مهمة حماية بحر قزوين، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لأذربيجان في العام الماضي والتي أحيطت بسرية تامة، وبعد تصريحات الجنرال جونسون قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا التي قال فيها إن واشنطن عازمة على نشر قوات وقواعد عسكرية في حوض بحر قزوين، واختارت واشنطن أذربيجان الملاصقة لإيران كقاعدة انطلاق لقواتها واضعة في اعتبارها خلافات البلدين حول تقسيم ثروات بحر قزوين، وأيضا خلافاتهما السياسية بسبب دعم إيران لأرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم (ناجورني كاراباخ).
ولايزال الخلاف قائماً حول تقسيم ثروات بحر قزوين بين الدول الخمس الواقعة على البحر، ولايزال الوضع القانوني للبحر لم يتحدد بعد رغم الجلسات العديدة التي جمعت ممثلي هذه الدول الخمس على مدى نحو خمسة عشر عاماً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وكان آخرها الجلسة رقم 20 لممثلي هذه الدول في موسكو في منتصف مارس المنصرم، والتي كشفت عن خلافات ومشكلات جديدة على رأسها المساعي الأمريكية لعسكرة بحر قزوين والسيطرة عليه أمنيا وعسكريا إلى جانب السيطرة على ثرواته النفطية، الأمر الذي أعاد الحديث حول منافسة منطقة بحر قزوين لمنطقة الخليج العربي، ولكن في هذه المرة المنافسة لن تكون حول النفط فقط، بل حول الهيمنة العسكرية والسياسية، الأمر الذي جعل رئيس تركمانستان صابر مراد نيازوف يستعيد مقولته الشهيرة (رائحة الدم عادت تفوح من مياه بحر قزوين).
تقسيم البحر
قبل انهيار الاتحاد السوفييتي لم تكن هناك مشكلات حول ثروات بحر قزوين الذي كانت تمتلكه وتحيط به دولتان فقط هما إيران والاتحاد السوفييتي، وتنظم العلاقات بينهما حول البحر اتفاقيتان ثنائيتان، الأولى عام 1921 والثانية عام 1940، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورياته ظهرت ثلاث دول جديدة على شواطئه هي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان إلى جانب روسيا وإيران، ومع اختلاف طول سواحل الدول الخمس على البحر المغلق بينهما بلا منافذ على بحار أخرى اندلعت المشكلات بينهم، وخاصة المشكلات القانونية حول تحديد الوضع القانوني للبحر، وهل هو بحر فيخضع لقواعد البحار حسب القانون البحري الدولي ويقسم حسب طول سواحل الدول، أم أنه بحيرة مغلقة فيتم تقسيم ثرواته بالتساوي بين الدول الخمس الواقعة عليه بحيث تنال كل دولة 20 في المائة منه؟ وتطالب إيران بالمقترح الثاني كبحيرة مغلقة نظراً لأن سواحلها لا يزيد طولها على 11 في المائة، بينما تصمم أذربيجان وكازاخستان على المقترح الأول كبحر حيث تحتل الأولى 23 في المائة والثانية 30 في المائة من السواحل، بينما الأمر بالنسبة لروسيا لا يفرق كثيرا حيث تحتل 19 في المائة من السواحل، وأيضا تركمانستان التي تحتل 17 في المائة، وقد كانت روسيا تؤيد في التسعينات إيران في موقفها ولدواع سياسية أكثر منها اقتصادية، إذ كانت موسكو تسعى لكسب الجمهورية الإسلامية المعادية لأمريكا لصفها، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وبروز نوايا واشنطن في الهيمنة على بحر قزوين ووسط آسيا وتقربها بشكل واضح من أذربيجان وكازاخستان رأت موسكو أن من الأفضل لها استراتيجيا أن تدعم الموقف الأذربيجاني والكازاخي حتى تفوت الفرصة على واشنطن، خاصة أن موسكو في كلتا الحالتين لن تخسر شيئا اقتصاديا، كما أنها لن تخسر إيران التي تتصاعد حدة خلافاتها مع واشنطن والغرب بسبب البرنامج النووي الذي تشرف عليه روسيا
محاصرة إيران
التقرير السنوي الاستراتيجي لمجلس الأمن القومي الأمريكي لعام 2000 يرجح أن الصراع حول بحر قزوين ممكن أن يصل إلى حد النزاعات المسلحة، وربط التقرير بين بحر قزوين في الشمال والخليج العربي في الجنوب كنقطتي حصار على إيران، وأشار التقرير إلى ضرورة الاهتمام بأذربيجان كنقطة انتشار للقواعد والقوات العسكرية الأمريكية في البحر وعلى اليابس نظراً لموقعها العازل بين روسيا وإيران، وبدأت واشنطن في زرع الخلافات بين أذربيجان وإيران مستغلة في ذلك دعم إيران لجمهورية أرمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم (ناجورني كاراباخ)، ووعدت الولايات المتحدة أذربيجان باستثمارات هائلة تتعدى العشرين مليار دولار في قطاع النفط في بحر قزوين حتى تحثها على الاستمرار في موقفها المضاد لإيران حول تقسيم ثروات البحر، ورغم اعتراضات موسكو الشديدة على أي وجود عسكري أمريكي في منطقة بحر قزوين، إلا أن أذربيجان دعت في أكتوبر الماضي خبراء عسكريين أمريكيين قاموا بوضع محطات رادار حديثة في بحر قزوين قامت بالتشويش على محطات رادار روسية موجودة في البحر منذ عام 1985 ضمن منظومة الإنذار الروسية التي أعدت للكشف عن أي هجوم صاروخي موجه لروسيا من الجنوب، الأمر الذي دعا روسيا إلى طرح مبادرتها في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الدول الخمس المطلة على بحر قزوين والتي طالبت فيها بعدم وجود أي قوات عسكرية أجنبية في حوض البحر، وقال وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف محذراً (إنه من السهل دعوة قوات أجنبية للمنطقة ولكن التجارب أثبتت أنه من الصعب بعد ذلك إخراج هذه القوات الأجنبية).
مبادرة روسية
طرحت روسيا في الاجتماع على الدول الخمس مبادرتها بتشكيل قوة عسكرية مشتركة بينهم لحماية أمن البحر ضد الإرهاب والتهريب وتخريب خطوط الأنابيب وسفن النقل، واقترحت أن تطلق عليها اسم (كاسفور) على غرار مجموعة (بلاكسيفور) الموجودة في البحر الأسود، وأبدت إيران تأييدا كبيرا للمبادرة الروسية، وترددت أذربيجان وتركمانستان في إبداء موافقتهما، إلا أن الضغوط الروسية وتحذيرات موسكو لأنظمة هذين البلدين من المخططات الأمريكية والثورات الملونة التي تدعمها واشنطن في المنطقة دفعت البلدين لإبداء استعدادهما لمناقشة المبادرة الروسية، ويقول المحلل الاقتصادي الروسي فلاديمير فاسيلوف في صحيفة (ريا نوفوستي) إن (موسكو لجأت إلى الأسلوب آخر جديد لإقناع أذربيجان بعدم التعاون العسكري مع واشنطن، حيث وعدتها بإقناع إيران بالتنازل عن موقفها تجاه تقسيم ثروات بحر قزوين بالتساوي، كما وعدتها بالكف عن دعم أرمينيا في النزاع حول إقليم ناجورني كاراباخ) ويقول فاسيلوف: (إن إيران في ظروفها الحالية ومع كثافة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي ممكن أن توافق على أي شيء يحول دون الوجود الأمريكي في بحر قزوين)، وبالفعل تراجعت أذربيجان عن موقفها تجاه استضافة قوات أمريكية، وصرح بذلك سفيرها في موسكو رامز راضايف الذي قال إن نشاط الرادارات الأمريكية سوف يخضع لرقابة تامة بحيث لا يضر بمصالح أية دولة مجاورة وسيكون محدود المدة.
النفط أم العسكرة؟
وفي الرابع والعشرين من يناير الماضي أعلن وزير الدفاع الأذربيجاني صفر أبييف أن بلاده وافقت على الاشتراك في القوات العسكرية المشتركة التي اقترحتها روسيا بشرط حل النزاع حول الوضع القانوني لبحر قزوين وتقسيم ثرواته، وتبذل موسكو جهودها الآن لحل هذه المشكلة وإقناع إيران بالتراجع عن موقفها المتشدد، ويتوقع الخبراء الروس أن توافق طهران رغم صعوبة التراجع إلى نسبة 11 في المائة بعد أن كانت تقتسم ثروات البحر مناصفة مع الاتحاد السوفييتي السابق، ولكن الأمر يهون مقابل إفشال مخططات واشنطن لعسكرة بحر قزوين لمحاصرة إيران من الشمال مع الوجود الأمريكي في الخليج العربي والعراق جنوباً.
ويتساءل المحللون الروس عن سر اهتمام واشنطن البالغ الآن بالتحديد ببحر قزوين، هل هو النفط أم العسكرة ومحاصرة إيران شمالاً وروسيا جنوباً؟ حيث يرى البعض أن الهدف الرئيسي هو الهيمنة العسكرية وليس النفط، خاصة بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على النفط العراقي، وأن تكلفة استخراج النفط في بحر قزوين تعادل ثلاث مرات تكلفة استخراجه في العراق ودول الخليج العربية، هذا إلى جانب أن احتياطيات نفط بحر قزوين غير مؤكدة ومبالغ فيها في أحيان كثيرة، حيث تضاربت التقديرات وتفاوتت بشكل كبير، وهناك من يقدر هذه الاحتياطيات بنحو 200 مليار برميل نفط و600 تريليون متر مكعب غاز طبيعي، بينما لم تقدره وزارة الطاقة الأمريكية عام 2000 بأكثر من 40 مليار برميل، وهو التقدير الذي أقرته الوكالة الدولية للطاقة التي قالت في تقريرها عام 2001 إن احتياطي نفط بحر قزوين لا يزيد على 2,7 في المائة من الاحتياطي العالمي بينما احتياطي دول الخليج العربية يقدر بنحو 45 في المائة.
توجهات الاستثمارات
ويقول د. ولفر دكول مدير برنامج الطاقة في جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة أن (تقديرات نفط بحر قزوين لا تؤهله لمنافسة نفط دول الخليج العربية، ولكن هذا لا يمنع من إمكانية تأثير نفط بحر قزوين في أسعار النفط العالمية بشكل كبير، خاصة أن 90 في المائة من هذا النفط لا يخضع لمنظمة أوبك، وتتحكم به دول ذات أنظمة حكومية شمولية توجهها سياساتها الخارجية أكثر من تأثيرات السوق والعرض والطلب، هذا في الوقت الذي زادت فيه حاجة الدول الصناعية للنفط والطاقة بشكل كبير في الأعوام الماضية، الأمر الذي أدى إلى الارتفاع الجنوني لأسعار النفط)، ويرى المحلل الاقتصادي الروسي بيوتر جونتشاروف أن (الإقبال المتزايد على النفط وارتفاع أسعاره سوف يدفع الاستثمارات الأجنبية للتوجه لبحر قزوين، وخاصة استثمارات دول تعاني من نقص الطاقة وزيادة الإنتاج مثل الصين والهند واليابان، والتي لن تكفيها حصتها التي تحصل عليها من نفط دول الخليج العربية الذي تحتكره شركات عالمية معدودة تعطي الحصة الرئيسية منه للدول الغربية، كما أن ارتفاع تكلفة استخراج نفط بحر قزوين لم يعد سبباً لتراجع الاستثمارات عنه، نظراً للحاجة الملحة للنفط وكذلك لتقدم تقنيات استخراجه في الأعوام القليلة الماضية، الأمر الذي يجعل من نفط بحر قزوين منافساً حقيقياً للنفط العربي في الأعوام المقبلة).
الخبير الاستراتيجي الروسي فاسيلي زوبكوف كتب في صحيفة نيزافيسمايا يقول (إن الوضع الآن في بحر قزوين يختلف عما كان عليه منذ أربع سنوات مضت، فالوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي يدفع واشنطن للمضي في تنفيذ مخططاتها للهيمنة على بحر قزوين ليس فقط عسكرياً ولكن أيضاً اقتصادياً، فالهيمنة العسكرية مطلوبة لمحاصرة إيران والوجود العسكري في وسط آسيا، والهيمنة الاقتصادية مطلوبة للتحكم بمصادر الطاقة وأسعار النفط العالمية)، ولا يستبعد زوبكوف أن يؤدي تزايد اهتمام واشنطن ببحر قزوين إلى نشوء نزاعات مسلحة وحروب في المنطقة، خاصة لو وجدت إيران نفسها محاصرة شمالا ومعزولة عن صديقتها روسيا التي أصبحت مصدراً رئيسياً لطهران في وارداتها من السلاح، الأمر الذي قد يدفعها إلى تفجير الأوضاع في الجنوب وخاصة في منطقة الخليج العربي التي تشغل أهمية وحساسية قصوى بالنسبة لواشنطن.
::/fulltext::
::cck::3280::/cck::
