الخليج النووي.. التساؤلات الأربعة حول إيران نووية!

::cck::3282::/cck::
::introtext::

منذ اللحظة التي كشف فيها المجلس الوطني للمقاومة في إيران في منتصف أغسطس 2002 عن وجود موقعين سريين نوويين في إيران أحدهما في )ناتانز( على مسافة 100 ميل شمال أصفهان، والآخر في آراك على مسافة 150 ميلاً جنوب العاصمة طهران، فإن تدفقاً غير مسبوق لسيل من الحقائق المتسارعة سواء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، أو من مراكز أبحاث ودراسات مستقلة، أو من الولايات المتحدة. وحتى من اعترافات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم خاصة بدءاً من فبراير 2003 قد جعلت العالم بأسره أمام جهد إيراني مخطط واسع النطاق بدأ تحديداً منذ العام 1985 إبان الحرب الإيرانية – العراقية لبناء مجمع متكامل لصناعة دورة وقود نووي كاملة توفر حسب تبرير الرئيس الإيراني في 9 فبراير 2003 الاكتفاء الذاتي في الوقود النووي المطلوب لبرنامج طموح يهدف إلى بناء عدد من المفاعلات النووية لإنتاج طاقة كهربية تصل إلى 6.000 ميجا وات وهو ما يعني إنشاء من ثلاثة إلى خمسة مفاعلات مماثلة لمفاعل (بوشهر) النووي ذي قدرة الإنتاج 1.000ميجا وات.

::/introtext::
::fulltext::

منذ اللحظة التي كشف فيها المجلس الوطني للمقاومة في إيران في منتصف أغسطس 2002 عن وجود موقعين سريين نوويين في إيران أحدهما في )ناتانز( على مسافة 100 ميل شمال أصفهان، والآخر في آراك على مسافة 150 ميلاً جنوب العاصمة طهران، فإن تدفقاً غير مسبوق لسيل من الحقائق المتسارعة سواء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، أو من مراكز أبحاث ودراسات مستقلة، أو من الولايات المتحدة. وحتى من اعترافات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم خاصة بدءاً من فبراير 2003 قد جعلت العالم بأسره أمام جهد إيراني مخطط واسع النطاق بدأ تحديداً منذ العام 1985 إبان الحرب الإيرانية – العراقية لبناء مجمع متكامل لصناعة دورة وقود نووي كاملة توفر حسب تبرير الرئيس الإيراني في 9 فبراير 2003 الاكتفاء الذاتي في الوقود النووي المطلوب لبرنامج طموح يهدف إلى بناء عدد من المفاعلات النووية لإنتاج طاقة كهربية تصل إلى 6.000 ميجا وات وهو ما يعني إنشاء من ثلاثة إلى خمسة مفاعلات مماثلة لمفاعل (بوشهر) النووي ذي قدرة الإنتاج 1.000ميجا وات.
المؤكد الآن أنه رغم التبريرات الإيرانية لهذا السعي الدؤوب لإنتاج الوقود النووي فإن كل ما تكشف حول مدى وتوقيت وسرية البرنامج النووي الإيراني يشير إلى إرادة إيرانية في إنتاج مواد انشطارية ذات طبيعة مزدوجة الاستخدام، ففي الوقت الذي تستخدم فيه كوقود نووي لمفاعلات إنتاج الطاقة، فإن استخدامها في صنع أسلحة نووية هو أمر مطروح بقوة ترجحه، كما أسلفنا، اعتبارات ما تكشف في مدى وتوقيت وسرية هذا البرنامج.
والواقع الحالي يشير إلى مجمع متكامل لإنتاج مواد انشطارية قد تجد طريقها لصناعة وحيازة أسلحة نووية من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر مسارات متوازية ثلاثة:
المسار الأول: معالجة الوقود المستنفذ في مفاعل (بوشهر) النووي لإنتاج الطاقة، وهو في هذه الحالة ينتج ما مقداره ¼ طن من مادة البلوتونيوم سنوياً وهو ما يكفي لإنتاج 30 قنبلة نووية معيارية في العام الواحد (هذا في حالة قرار إيران بمعالجة الوقود المستنفذ).
المسار الثاني: إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب (Highly Enriched Uranium) في مصانع التخصيب في ناتانز، والتي في حالة تصنيع وتركيب العدد المطلوب من الطوارد الغازية في مباني التخصيب المجهزة تحت الأرض يصبح من الممكن إنتاج حوالي 500 كيلوجرام من الـ HEU الذي يكفي أيضاً لإنتاج من 30-25 قنبلة نووية معيارية في العام الواحد (هذا في حالة قرار إيران بوقف إنتاج المصانع لليورانيوم منخفض التخصيب (Low- Enriched Uranium) اللازم لتشغيل مفاعلات إنتاج الطاقة على غرار (بوشهر) والشروع في إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب).
المسار الثالث: معالجة الوقود المستنفذ في مفاعل الأبحاث النووي الذي يعمل بالماء الثقيل في آراك ذي القدرة 40 ميجاوات حيث يمكن لإيران – في حالة اتخاذها قراراً بذلك – إنتاج ما يتراوح بين (9 – 12) كيلوجراماً من البلوتونيوم وهو ما يعني قدرة إنتاج ما بين (2 – 3) قنابل نووية معيارية سنوياً.
إيران ودوافع السير على حبل مشدود
أمام واقع هذه المسارات الثلاثة لإنتاج الوقود النووي اللازم لبرنامج إيران النووي السلمي لإنتاج الطاقة الكهربية كما تطرحه إيران، أو الإنتاج الموازي للمواد الانشطارية المستخدمة في صناعة السلاح النووي كما تطرحه قوى ومنظمات ومراكز أبحاث دولية، يصبح التساؤل الآن لماذا تخاطر الجمهورية الإسلامية في إيران بالسير على هذا الحبل المشدود بالشكوك حول النية الحقيقية من وراء التأكيد على حقها في امتلاك تقنية نووية متطورة تكفل لها إمكانية إنتاج الوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعلاتها النووية للطاقة السلمية خاصة أن قوى دولية مثل روسيا تعرض عليها توفير هذا الوقود النووي بل وإجراء عمليات تخصيب الوقود النووي على أراضيها شريطة استعادة كامل الوقود المستنفذ بعد ذلك ضماناً لعدم تسربه بالمعالجة لإنتاج المواد الانشطارية المستخدمة في صناعة الأسلحة النووية.
أتصور باعتبار منطق الأشياء أن هناك مبررات إيرانية وراء سيرها على هذا الحبل المشدود بالشكوك حول مقصدها النهائي في حيازة فعلية أو افتراضية لسلاح نووي:
– فإيران موضوعة الآن على قائمة (محور الشر) الأمريكية كما كانت الحال مع الجارة العراق، وصخب المطالبة بتغيير النظام المارق فيها، مصحوباً بدوي المدافع وهدير الطائرات الأمريكية ورائحة الدم المسال في العراق يبدو الآن أمراً قائماً على حدودها الشرقية مباشرة. وهي تدرك أن ضمان البقاء وردع الخطر لن يتأتيا دون حيازة قدرة نووية.
– إيران القابعة وسط محيط إقليمي نووي يمتد من إسرائيل غرباً مروراً بالعراق – الذي يبدو الآن في استراحة قصيرة فرضها الغزو والاحتلال – وعبوراً إلى الشرق حيث الهند وباكستان تدرك تماماً حجم المخاطر الكامنة في العيش دون حيازة قدرة نووية.
– إيران عانت ولا تزال من انعزالية استراتيجية إقليمية ودولية تستشعرها دائماً بفعل الانتماء المذهبي والاغتراب القومي ويكفي في ذلك استعادة شواهد حربها مع العراق حيث عمل الجميع – الجيران العرب والقوى الدولية – لصالح العراق وضدها، وهي في ذلك تدرك أن معايشة انعزالية جديدة لن تكون ممكنة دون حيازة قدرة نووية.
– إيران تدرك قدرها في دور إقليمي مهيمن يرسخ لمكانة دولية طموحة، ولأن شرف الدخول إلى نادي الصفوة النووي هو تصديق الاعتماد الأخير للدور والمكانة، فإن حيازة قدرة نووية تصبح أمراً لا غنى عنه.
إيران النووية.. متى ؟!
الأمر المطروح الآخر هو تقدير الوقت المستغرق أمام إيران لحيازتها الفعلية أو الافتراضية لسلاح نووي وحيث إن شواهد الأحداث ترجح على الأقل حالياً استبعاد إنتاج المواد الانشطارية من خلال المسار الأول وهو معالجة الوقود المستنفذ في مفاعل (بوشهر) بفعل الضغوط الدولية التي بلغت ذروتها بانضمام روسيا والصين إلى دول الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة، وصدور بيان مجلس الأمن في 29 مارس 2006 بدعوة إيران إلى وقف أنشطة تخصيب الوقود النووي وها ما يؤشر إلى احتمال قبول إيران بالعرض الروسي لتوريد وقود مفاعل (بوشهر) واستعادة الوقود المستنفذ مع التمسك بنشاط تخصيب نووي محدود لأغراض البحث، يصبح أمام إيران اللجوء إلى المسارين الثاني والثالث لإنتاج المواد الانشطارية، أي عبر تخصيب اليورانيوم في موقع ناتانز أو معالجة وقود مفاعل الأبحاث النووي في آراك سواء تم ذلك بصورة سرية أو علنية، وهو الأمر الذي سيعتمد فيه الوقت المستغرق حتى إنتاج مواد انشطارية تكفي لصناعة سلاح نووي على أربعة سيناريوهات محتملة:
– رفض إيران لدعوة المجتمع الدولي إلى وقف أنشطة التخصيب، وتعرضها بالتالي لعقوبات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية قد تضر بجهودها سواء في زيادة سعة برنامج التخصيب بالطرد الغازي أو في بناء مفاعل أبحاث الماء الثقيل.
– إقناع إيران المجتمع الدولي بإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب LEU تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (وهو ما قد يوفر لها إمكانية تدوير اليورانيوم منخفض التخصيب LEU إلى النوع عالي التخصيب HEU خلال فترة وجيزة قد تتيحها أزمة مفتعلة مع الوكالة تُعلق أثناءها عمليات التفتيش!).
– انسحاب إيران من معاهدة منع الانتشار النووي NPT ومن ثم استبعاد المفتشين الدوليين وتركيزها على أنشطة التخصيب في ناتانز وربما مناطق أخرى، إضافة إلى معالجة الوقود النووي المستخدم في مفاعل آراك.
– شن هجمات جوية وصاروخية استباقية من قبل الولايات المتحدة – وربما إسرائيل – ضد المنشآت النووية الإيرانية.
إلا أن ما تطرحه تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية في حال استمرار إيران في أنشطة تخصيب اليورانيوم هو أن أمامها ما بين (2-3) سنوات لإنتاج المادة الانشطارية (HEU) الكافية لصناعة سلاح نووي، بينما ترى مصادر الاستخبارات الأمريكية أن أمام إيران مدى زمني يتراوح ما بين (5-10) سنوات لإنتاج المادة الانشطارية (HEU) اللازمة لصناعة سلاح نووي، وتبدو التقديرات الأمريكية أكثر مصداقية باعتبار إدراكها للصعوبات الفنية الهائلة التي تواجهها إيران حالياً في مسألة تصنيع الطوارد المركزية الغازية خاصة بعد فقدها للمساعدات التقنية التي كان يوفرها العالم الباكستاني عن عبدالقدير خان، إضافة إلى نقص الخبرة الكافية لتشغيل عدد كبير من الطوارد عبر دفق غازي متكامل.
أما في ما يخص المادة الانشطارية الأخرى وهي البلوتونيوم والذي قد يتم الحصول عليه من مفاعل الماء الثقيل للأبحاث في آراك، فإن افتراض الانتهاء من بناء المفاعل في 2014 قد يؤشر إلى أن أمام إيران حوالي عقدين من الآن للحصول على كمية بلوتونيوم تكفي لإنتاج سلاح نووي.
وبعيداً عن كل تلك التقديرات والسيناريوهات المحتملة، فإن منطقة الخليج والشرق الأوسط عليها أن تتهيأ للتعامل في غضون عقد قادم أو يزيد قليلاً مع إيران الدولة المالكة بالفعل للسلاح النووي أو إيران الدولة التي تملك افتراضاً السلاح النووي باعتبارها حائزة لكل الإمكانيات المطلوبة لصناعة السلاح النووي والمنتظرة فقط لقرار البدء بالتجميع، وهو الأمر الذي يعني بزوغ شمس حقبة أمنية جديدة لم يعهدها الخليج من قبل.
إلا أن هذا التهيؤ المطلوب للتعامل مع إيران الحائزة بالفعل أو بالافتراض لسلاح نووي يحتاج إلى إجابات واضحة هو أربعة تساؤلات ملحة في المسألة الإيرانية:
– التساؤل الأول: مدى تأثير حيازة السلاح النووي في السياسة الخارجية لإيران؟
– التساؤل الثاني: كيف هو الأسلوب الذي ستعبر إيران به الحافة النووية لحيازة السلاح النووي؟
– التساؤل الثالث: هل تغيير النظام الإسلامي الحاكم أداة فعالة لكبح طموح إيران النووي؟
– التساؤل الرابع: هل هجوم عسكري استباقي ضد المنشآت النووية قادر على تقويض البرنامج النووي الإيراني؟
سنحاول تالياً سبر غور هذه التساؤلات في محاولة لاستقراء إجابات أو ربما ملامح إجابات تشكل فيما بينها تركيب صورة ذهنية لماهية بيئة أمنية قادمة على الطريق في منطقة الخليج.
إيران النووية والسياسة الخارجية الإقليمية والدولية
يذهب فريق من الباحثين في مجال السياسة الخارجية إلى الأخذ بفكرة موجزها أن الدول تتجه لسلوك أكثر عدوانية في سياستها الخارجية فور حيازتها لأنواع من أسلحة الدمار الشامل التي تتيح لها مساحة مناورة أكبر في ظل قدرة الردع التي توفرها هذه الأسلحة، ويطرحون أمثلة كثيرة على صحة فكرتهم منها الاندفاع الباكستاني للاستيلاء على جزء من كشمير فيما عرف بـ (أزمة كارجيل) خلال الفترة من مايو – يوليو 1999 والذي ما كان ليحدث لولا الثقة التي اكتسبتها آنذاك باكستان بحيازتها للسلاح النووي في عام 1998 واعتقادها أن منافستها الهند ستردع عن القيام برد عسكري، كما يشير هؤلاء بثقة إلى أن حيازة العراق للأسلحة الكيماوية والجرثومية في السنوات الأخيرة من حربه الطويلة مع إيران قد دفعته إلى انتهاج سياسة أكثر عدوانية تجاه دول الجوار وإسرائيل انتهت به إلى الغزو الصريح لأراضي دولة الكويت في أغسطس 1990. لذا فإن أصحاب هذه المدرسة في الفكر يرون أن إيران النووية ستصبح أكثر عدوانية في سعيها لتحقيق مصالحها القومية في الخليج، وستكون أكثر ترهيباً في مطالبها للتعاون الإقليمي الذي قد يشمل مجالات عدة تتراوح بين المطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في الخليج مروراً بالمطالبة بأسعار عالية للنفط وبسياسات أكثر تشدداً ضد إسرائيل وانتهاء بالتهديد باستئناف تصدير الثورة على غرار ما فعلت أوائل ثمانينات القرن الماضي عندما حاولت تخريب المنشآت الحيوية في دول الجوار الصديقة للغرب.
إلا أن فريقاً آخر من الباحثين يأخذون بفكرة مناقضة للسابق، حيث يفترضون أن الدول يحيازتها لأسلحة الدمار الشامل تتجه نحو العقلانية والاعتدال في علاقاتها الخارجية والأمنية، ويضربون مثالاً على ذلك العلاقات السوفييتية – الأمريكية إبان حقبة الحرب الباردة خاصة سلوك القوتين العظميين إبان أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، إضافة إلى سلوكهم الحذر وتجنب التصعيد السياسي والعسكري في أزمات إقليمية عديدة على نحو ما حدث إبان التورط الأمريكي في فيتنام، والسوفييتي في أفغانستان وكذلك في إدارتهم لأحداث مهمة في سلسلة الصراع العربي – الإسرائيلي. لذا فهم يرون أن إيران النووية الأكثر قوة ستكون أقل خطراً وميلاً للمخاطرة ليس فقط بسبب ما يطرحونه من سوابق عالمية، وإنما أيضاً لذاتية الدولة الإيرانية التي يرون أن لديها عقدة الدونية والتي تسعى إلى السلاح النووي للاسترخاء النفسي وضمان بقاء النظام، لذا فهي ستؤسس لاستراتيجية نووية تعتمد الردع الدفاعي، ويدعمون ما يذهبون إليه بأن إيران تاريخياً لم تسع إلى اعتماد استراتيجية هجومية وأنها على مدار أكثر من مائة وخمسين عاماً لم تغزُ أو تهاجم دولة أخرى!
خلاصة الأمر، أن المرجح هو تعامل إيران النووية في سياستها الخارجية بصورة حذرة وأنها لن تسعى لعدوان عسكري صريح في محيطها الإقليمي لأسباب عدة منها أن الوضع السياسي الاقليمي القائم يعمل لصالحها منذ الغزو الأمريكي للعراق، إضافة إلى ما تعانيه ترسانتها العسكرية التقليدية من ضعف واضح، إلا أن تردي الأوضاع الداخلية في العراق خاصة مع مغادرة القوات الأمريكية لهذا البلد قد يدفع إيران إلى التخلي عن ذلك الحذر، في المقابل فإن إيران نووية ستزيد دعمها للجماعات المسلحة – أو ما يطلق عليه الغرب الجماعات الإرهابية – التي تعمل ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل حصانة نووية ترد عنها انتقام هاتين الدولتين، وإن كان هذا الدعم سيظل قاصراً على الأسلحة التقليدية، كما أن إيران النووية ستكون أكثر ميلاً للاقتراب من حافة الخطر في علاقاتها مع إسرائيل سواء في تأثيرها المتزايد في الشؤون الداخلية الفلسطينية أو في التلويح الصريح برد أعنف على أي هجوم إسرائيلي وهو ما عبر عنه هاشمي رفسنجاني بقوله (نحن لسنا قلقين من إسرائيل وتهديداتها، إذا ارتكبت إسرائيل مثل هذا الخطأ فسوف نعطيها لطمة لن تنساها ليس فقط خلال عدة سنوات ولكن في كل تاريخها).
إيران وكيفية اجتياز الحافة النووية
بداية فإن الطريقة التي ستختارها إيران لتعبر بها الحافة النووية سوف يكون لها تأثير كبير في ردود الأفعال الدولية والإقليمية والداخلية معاً حول مسألة الحيازة للسلاح النووي.
أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية طريقان لعبور الحافة النووية، الأول وهو العبور الصريح بشفافية عبر الاختبارالعلني لسلاح نووي على نحو ما فعلته أخيراً كل من الهند وباكستان في مايو 1998، وكذلك ما فعلته الدول الأعضاء في النادي النووي العالمي عدا إسرائيل الطريق الثاني هو العبور بالغموض، أي اقتناع الدول الأخرى بأن إيران أصبحت تمتلك كل مكونات صناعة السلاح النووي مواد وتصميماً إلا أنها تقف عند حد عدم تجميعها، أي أن إيران بذلك تكون في نظر الآخرين قوة نووية افتراضية وهي بذلك تنهج نفس المسار الإسرائيلي الذي اختار إطلاق سحابة الغموض حول مسألة حيازته للسلاح النووي لأسباب عدة تخص الأمن الإسرائيلي ليس هذا مجال عرضها.
إن معظم الخبراء في الشأن الإيراني يعتقدون أن الجمهورية الإسلامية لن تلجأ إلى اختبارات علنية لسلاح نووي، وسوف تفضل البقاء كقوة نووية افتراضية، رغم السلوك الإيراني الصريح والمستمر في الإعلان عن تطور قدراته العسكرية التقليدية كما هي الحال في سلسلة اختبارات الصواريخ الباليستية الأطول مدى. ويدلل الخبراء على وجهة نظرهم في اختيار إيران لمسلك الغموض إلى سياسات إيران في دعم عمليات الجماعات المسلحة في فلسطين ولبنان وأخيراً في العراق، وإلى ممارساتها في العمليات السرية على المستوى الدولي كما برز في حوادث استهداف منشآت يهودية في أمريكا اللاتينية. ويرى هؤلاء أن عبور الحافة النووية بصورة غير علنية سوف يتيح لإيران – كما في حالة إسرائيل – الإنكار المستمر والمقبول للحيازة النووية والإبقاء على علاقات عامة دولية مفيدة، كما أنه سيلقي بمسؤولية إثبات تلك الحيازة المحظورة على أطراف دولية ذوي اتجاهات عدائية أصيلة للجمهورية الإسلامية في إيران كالولايات المتحدة وإسرائيل تبقي اتهاماتهم بمثابة مزاعم ومشاعر مضادة أكثر منها حقائق على الأرض. إلا أن انتهاج أسلوب الغموض في حيازة السلاح النووي تظل له انعكاساته السلبية على النظام في إيران، أولها حرمانه من مكاسب الحيازة النووية في دعم مكانته الداخلية وهو الدعم الذي كان ولا يزال في حاجة ماسة إليه في وجه تصاعد قوى المعارضة المدنية لنظام رجال الدين. وثاني تلك المثالب هو أن الكشف اللاحق عن حقيقة الحيازة النووية من قبل الأطراف الدولية سيطرح صعوبة بالغة أمام النظام الحالي وحتى القادم لتبرير غموض تلك الحيازة، وربما سيعرض إيران لسيل لا ينقطع من التدخلات الدولية في شؤونها الداخلية ومن العقوبات الدولية التي ستقوض برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحجم من قدراتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية.
إيران.. تغيير النظام والطموح النووي
يعود طموح إيران النووي إلى بداية عقد الستينات في القرن الماضي عندما وقعت إيران أولى الاتفاقيات الثنائية مع الولايات المتحدة في المجال النووي، وتم بناء أول مفاعل نووي في عهد الشاه عقب إعلانه تأسيس (مركز طهران للبحوث النووية) TNRC عام 1967 الذي ضم مفاعلاً نووياً للبحوث بطاقة 5 ميجاوات حصل عليه الإيرانيون من الولايات المتحدة في ذلك العام، ووقعت إيران على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية NPT في الأول من شهر يوليو 1968، وأصبحت الاتفاقية نافذة المفعول رسمياً في 5 مارس 1970.
وصعّد الشاه طموحه النووي في العام 1976 بإطلاق برنامج لبناء 20 مفاعلاً نووياً لإنتاج الطاقة بدأه ببناء مفاعلين في بوشهر بقدرة 1200 ميجاوات لكل منهما بلغت نسبة الأشغال المنفذة في مفاعل (بوشهر – 1) 85 في المائة وفي مفاعل (بوشهر- 2) حوالي 50 في المائة في شهر فبراير 1979 عندما أطاحت الثورة الإسلامية بحكومة الشاه، وعلقت البرنامج النووي الإيراني، ثم جاءت الحرب العراقية – الإيرانية ليتولى سلاح الجو العراقي قصف المنشآت النووية في بوشهر ست مرات (في مارس 1984، وفبراير1985 ومارس 1985 ويوليو 1986، ومرتين في نوفمبر1987) الأمر الذي أدى إلى تدمير المنطقة المركزية لقلب المفاعلين النوويين هناك. ويسود الاعتقاد بأن الشاه كان يسعى في ظل البرنامج النووي السلمي الذي شرع به إلى امتلاك إيران لأسلحة نووية، فقد ذكر مؤسس وأول رئيس لهيئة الطاقة النووية الإيرانية بين عامي 1974و1978 الدكتور أكبر اعتماد أن تجارب هادفة لإنتاج اليورانيوم المخصب من الوقود النووي المستهلك باستخدام مواد كيميائية قد نفذت في معهد بحوث الطاقة الذرية، كما سرد أسدالله علام الوزير المخضرم والمقرب من الشاه في مذكراته حول رغبة الأخيرالشديدة في حيازة سلاح نووي وأنه عمد إلى تشكيل فريق من مركز طهران للبحوث النووية متخصص في تصميم الأسلحة النووية. ويبدو أن النظام الإسلامي في إيران الذي كان قد علق البرنامج النووي عقب وصوله إلى السلطة سارع مرة أخرى إلى إحياء البرنامج النووي الإيراني مرة أخرى منذ منتصف الثمانينات عبر مسارين متوازيين، الأول وهو استكمال مشروعات بناء مفاعلات إنتاج الطاقة تأسيساً على إصلاح واستكمال مفاعلات بوشهر، والتي نجحت في النهاية في توقيع اتفاق مع روسيا في 8 يناير 1995 لإكمال تشغيل أحد المفاعلات بطاقة 1000 ميجاوات في إطار خطة طموحة لبناء عدد يتراوح ما بين 4-5 مفاعلات لتوليد ما مجموعه 6.000 ميجاوات من الطاقة الكهربية على نحو ما ذكره الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في 9 فبراير 2003 في معرض دفاعه عما تكشف آنذاك من قيام إيران بتخصيب اليورانيوم في منشآت مخصصة لذلك في (ناتانز) الواقعة جنوبي كاشان، بينما المسار الثاني والذي بدأ في التوقيت نفسه – أي العام 1985 – فكان تخصيب اليورانيوم بطريقة الطرد المركزي والذي لعب فيه العالم الباكستاني عبدالقدير خان دوراً رئيسياً في تسريب المعلومات والرسوم التصميمية وبعض مكونات الطوارد الغازية المركزية وهو ما اعترفت به إيران رسمياً في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اجتماعها خلال الفترة من 9-12 أغسطس 2003، والذي على أساسه أصدرت الوكالة تقريرها الشهير في 26 أغسطس 2003 الذي اتهمت فيه إيران رسمياً بتضليل الوكالة في ما يخص برنامج التخصيب الذي ادعت إيران آنذاك أنه بدأ في العام 1997، وليس كما تكشف عنه من حقيقة أنه بدأ في العام 1985، وإذا ما أضفنا إلى ذلك إعادة قراءة متأنية إلى ما قاله الرئيس الإيراني آنذاك – والمرشد الأعلى الحالي- في خطاب له أمام هيئة الطاقة الذرية الإيرانية (في ما يخص الطاقة الذرية، نحن نحتاجها الآن.. أمتنا دائماً مهددة من الخارج. وأقل ما يمكن أن نفعله لمواجهة هذا الخطر هو أن ندع أعداءنا يعرفون أننا يمكننا الدفاع عن أنفسنا، لذا فكل خطوة تتخذونها هنا تكون من أجل الدفاع عن وطننا وتطورنا، وبوضع ذلك في أذهاننا فإن عليكم العمل بجد وسرعة كبيرة)، إن ربط تطور البرنامج النووي الإيراني في عهدي الشاه والجمهورية الإسلامية يشير إلى حقيقة أن طموح الحيازة لسلاح نووي – على التوازي مع إنتاج الطاقة من مفاعلات نووية – يتعدى الخطوط الأيديولوجية والحزبية، وأنها في الجوهر مسألة طموح قومي، وكما عبر عن ذلك كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني السابق في معرض دفاعه عن تخصيب اليورانيوم في إيران بقوله (أن يطالبنا أحد بالتخلص عن حيازة دورة الوقود النووي هو أمر مناقض لحقوقنا القانونية والشرعية، ولا يستطيع أحد في إيران أن يتخذ قراراً بحرمان الأمة من شيء هو مصدر فخرها). إن استطلاعات رأي عديدة نشرت في داخل وخارج إيران تشير إلى رفض الإيرانيين بشدة لأي جهود دولية تفرض صياغة أخرى لسياسات بلدهم حول الطاقة النووية أو حرمانهم مما يرونه أنه حق طبيعي وقومي، ويبدو أن الرضاء الشعبي الذي تحوزه القيادة الإيرانية في المسألة النووية يأتي على خلفية إدراك الإيرانيين بالأخطار الآنية التي باتت تحيط إيران بعد اكتمال حلقة الحصار حولها بالغزو الأمريكي للعراق، إضافة إلى مخاطبة النزعة القومية وطموح المكانة الإقليمية والدولية التي يجيدها النظام الحاكم في إيران، ولعل في نظرة استرجاع عابرة للعنفوان القومي الذي غمر شوارع المدن الباكستانية عقب التفجيرات النووية في مايو 1998 ما يؤكد ذلك. وهكذا فإن معظم المتابعين للشأن الإيراني من الخبراء يقدرون أن تغييراً للنظام في إيران كما تطمح الولايات المتحدة وبعض من حلفائها لن يحدث تغييراً ذا معنى في استمرار الإيرانيين في تطوير تقنيات نووية توفر لهم قدرة حيازة سلاح نووي في اللحظة التي يقررون فيها ذلك.
الهجوم الاستباقي ومدى تقويض البرنامج النووي الإيراني
تتناول تقارير صحفية عديدة وتسريبات إعلامية أخرى متعهدة من قبل الإدارة الأمريكية واسرئيل على السؤال حول مسألة الإعداد والتهيؤ لتنفيذ ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية بهدف تقويض البرنامج النووي لنظام الجمهورية الإسلامية على غرار ما فعلته إسرائيل في يونيو 1981 بتدميرها مفاعل (اويزراك) العراقي. ويذهب العديد من الصقور في واشنطن في ترويجهم لهذه الاستباقية العسكرية إلى أن مثل هذه الضربة أو الضربات ستدمر أو على الأقل ستعرقل البرنامج النووي الإيراني، وأنها ستدفع إلى سقوط النظام الديني في هذا البلد حيث الهالة غير المرئية للملالي هناك سوف تتحطم، وقدرتهم على الإمساك بالسلطة ستنهار.
إلا أن واقع الأمر يفرض وجود صعوبة بالغة أمام العمل العسكري الاستباقي من وجهة النظر العملية لأبعاد عدة تأتي في مقدمتها مسألة الاستخبارات المتوفرة عن البرنامج النووي الإيراني، وطبيعة الأهداف النووية الإيرانية المطلوب استهدافها.
فعلى جانب المسألة الاستخباراتية، يبدو أن الجانب الأمريكي يعاني لدرجة ما من مستوى الثقة المطلوبة فيما يتوفر لديه من معلومات عن البنية الأساسية النووية في إيران وهو ما يعني عدم الاعتقاد في اكتماليتها، الأمر الذي يعني أن تنفيذ هذه الضربة أو الضربات الاستباقية لن يتسم بالفاعلية لخروج العديد من الأهداف التي لم تتوافر معلومات عنها عن قوائم التهديف المقررة، ولعل ذلك يعيد لدى الأمريكيين على نحو خاص ما حدث لهم في منتصف العام 1964 عندما فكرت الولايات المتحدة في تقويض البنية الأساسية النووية للصين قبل أن تجري اختبارها النووي الأول، حيث كانت لدى القيادة العسكرية الأمريكية آنذاك شكوك حول مدى اكتمالية الاستخبارات المتوفرة لديهم عن البرنامج النووي الصيني، وقد كان ذلك بالفعل ما حدث، إذ فوجئت الولايات المتحدة استباق الصين بتفجير قنبلتها النووية الأولى وكانت من نوع اليورانيوم وليس البلوتونيوم التي تصورت الاستخبارات الأمريكية تقدم برنامج معالجة في الوقت الذي قللت فيه وبدرجة خطيرة تقدم الصين في برنامج تخصيب اليورانيوم. وحتى في مسألة كوريا الشمالية فلم تكن لدى الولايات المتحدة استخبارات متكاملة في بعض نواحي برنامج إنتاج البلوتونيوم حيث لم تتوفر لديها معلومات عما إذا كانت هناك منشآت لإعادة معالجة البلوتونيوم لم تكتشف بعد، إضافة إلى جهل تام بمكان وجود برنامج تخصيب اليورانيوم حيث يبدو أن مثل تلك المنشآت والبرامج تدار بكاملها في مواقع تحت الأرض.
في الوضع الإيراني، فالمعروف أن لدى إيران مجمعاً متكاملاً لإنتاج المواد الانشطارية يشمل تحويل اليورانيوم الخام وتخصيب اليورانيوم وإنتاج الماء الثقيل ومفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل يمكنه إنتاج البلوتونيوم، لكن إيران على عكس باكستان ليست كل منشآتها فوق الأرض، فلديها خليط من منشآت فوق الأرض وأخرى تحت الأرض، الأمر الذي يرجح اقتراب المسلك الإيراني من النمط الكوري الشمالي، التي وضعت منشآتها المرتبطة بإنتاج السلاح النووي في مواقع حصينة تحت الأرض يصبح كشف أنشطتها والتعرف إلى قدراتها وتطورها من الأمور البالغة التعقيد.
المسألة الثانية التي تفرض صعوبة على فاعلية العمل العسكري الاستباقي من قبل الولايات المتحدة طبيعة الأهداف النووية الإيرانية المطلوب قصفها، فالجمهورية الإسلامية في إيران استوعبت درس تدمير المفاعل العراقي بواسطة الطيران الإسرائيلي في صيف العام 1981، فعمدت بعد ذلك إلى وضع منشآتها النووية بعيداً إلى الشرق لتكون خارج مديات عمل الطيران الإسرئيلي- وإن كان واقع الأمر حالياً يتيح لإسرائيل الوصول لهذه المنشآت خاصة بعد حصولها على طائرات قتال بعيد المدى مثل
الـ F-16 I Storm والـ F-15 I Thunder – إضافة إلى انتشارها الموسع في شمال ووسط الدولة مع استغلال الطبيعة الجبلية السائدة في التحصين الطبيعي لهذه المنشآت، وتسعى إيران في الفترة الأخيرة وبدعم هندسي كوري شمالي لبناء شبكة أنفاق عميقة تحت الأرض تربط ساحات واسعة لاستيعاب تجهيزات المنشآت النووية في مناطق أصفهان وناتانز وآراك وربما في أماكن أخرى غير معلن عنها.
ما يبدو الآن أننا أمام برنامج نووي إيراني صمم بصورة لا تجعل منه وحدة فيزيائية واحدة يمكن استهدافها بضربة واحدة، ولكننا أمام برنامج نووي متعدد الوحدات ذ ي مرونة تمكنه من استيعاب الضربات والخسائر المادية واقابلية إعادة التجميع مرة أخرى، وعلى ذلك فلن تكون هناك معايير حاسمة حول إنجاز الضربة أو الضربات الاستباقية، كما أنه لن تكون هناك معايير جازمة لما سوف تعيد إيران بناءه من برنامجها النووي خاصة أنها تكاد تحوز – إن لم يكن تحوز بالفعل – قدرات وطنية لدورة إنتاج وقود نووي متكاملة، الأمر الذي يرجح أن التلف الناجم عن عمل عسكري استباقي قد يؤخر البرنامج النووي الإيراني ربما لعام أو عامين وهذا أسوأ في حد ذاته من عدم فعل أي شيء.
هل من خيار ثالث أمام الولايات المتحدة؟
هكذا تبدو الآن صورة الولايات المتحدة الحائرة بين الخيار الدبلوماسي الذي يحتوي بين جنباته المزج بين العصا والجزرة من خلال التلويح بعقوبات اقتصادية وعزل سياسي وكذلك التلويح بضمانات أمنية ومنافع اقتصادية، وبين الخيار العسكري الذي تبدو فيه فاعليته محاطة بشكوك كثيفة لن تفرز في أقصى تقدير سوى تأخير زمني محدود للبرنامج النووي الإيراني، في وقت ستدفع فيه الولايات المتحدة ثمناً باهظاً سواء أمام الرأي العام العالمي أو في عمق الشأن العراقي، الذي يبدو أن إيران التي تغلغلت كثيراً في شرايينه ستكون قادرة على تحصيل المقابل فيه.
ربما يكون هناك خيار ثالث لا يزال مطروحاً أمام الولايات المتحدة وهو احتواء وردع إيران النووية على نحو ما مارسته زمن الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفييتي. لكن هل الإقليم المحيط قابل لدعم الاحتواء الأمريكي؟! وهل الجمهورية الإسلامية في إيران في الأساس قابلة للردع؟! الإجابات تحتاج إلى قراءة أخرى، وهو ما سوف نطرحة في عرض قادم.
وإلى حين ذلك دعونا نتذكر ما يردده الرئيس جورج بوش من أن (إيران النووية هو أمر لايمكن احتماله)، وهذا صحيح، فاحتمال إيران النووية هو بمثابة كابوس وقد يكون كذلك في حده الأدنى وهو إمكانية استخدام إيران في المستقبل للسلاح النووي أو حتى تمرير بعض منه إلى جماعات مسلحة موالية، لكن الكابوس في حده الأعلى هو ذلك التأثير المقيد الذي سيفرضه على ما تصورته الولايات المتحدة من استراتيجية لبناء شرق أوسط كبير، الذي يبدو أن هدرها بدأ في اللحظة نفسها التي عبرت فيها فرق المارينز والجيش الأمريكي خط الحدود الكويتية – العراقية في العشرين من مارس 2003، والتي من المؤكد أن شهادة وفاتها سيصدق عليها إذا ما عبر الطيران الأمريكي الأجواء نحو ناتانز وأصفهان وآراك وأهداف نووية إيرانية أخرى.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3282::/cck::
::introtext::

منذ اللحظة التي كشف فيها المجلس الوطني للمقاومة في إيران في منتصف أغسطس 2002 عن وجود موقعين سريين نوويين في إيران أحدهما في )ناتانز( على مسافة 100 ميل شمال أصفهان، والآخر في آراك على مسافة 150 ميلاً جنوب العاصمة طهران، فإن تدفقاً غير مسبوق لسيل من الحقائق المتسارعة سواء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، أو من مراكز أبحاث ودراسات مستقلة، أو من الولايات المتحدة. وحتى من اعترافات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم خاصة بدءاً من فبراير 2003 قد جعلت العالم بأسره أمام جهد إيراني مخطط واسع النطاق بدأ تحديداً منذ العام 1985 إبان الحرب الإيرانية – العراقية لبناء مجمع متكامل لصناعة دورة وقود نووي كاملة توفر حسب تبرير الرئيس الإيراني في 9 فبراير 2003 الاكتفاء الذاتي في الوقود النووي المطلوب لبرنامج طموح يهدف إلى بناء عدد من المفاعلات النووية لإنتاج طاقة كهربية تصل إلى 6.000 ميجا وات وهو ما يعني إنشاء من ثلاثة إلى خمسة مفاعلات مماثلة لمفاعل (بوشهر) النووي ذي قدرة الإنتاج 1.000ميجا وات.

::/introtext::
::fulltext::

منذ اللحظة التي كشف فيها المجلس الوطني للمقاومة في إيران في منتصف أغسطس 2002 عن وجود موقعين سريين نوويين في إيران أحدهما في )ناتانز( على مسافة 100 ميل شمال أصفهان، والآخر في آراك على مسافة 150 ميلاً جنوب العاصمة طهران، فإن تدفقاً غير مسبوق لسيل من الحقائق المتسارعة سواء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، أو من مراكز أبحاث ودراسات مستقلة، أو من الولايات المتحدة. وحتى من اعترافات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم خاصة بدءاً من فبراير 2003 قد جعلت العالم بأسره أمام جهد إيراني مخطط واسع النطاق بدأ تحديداً منذ العام 1985 إبان الحرب الإيرانية – العراقية لبناء مجمع متكامل لصناعة دورة وقود نووي كاملة توفر حسب تبرير الرئيس الإيراني في 9 فبراير 2003 الاكتفاء الذاتي في الوقود النووي المطلوب لبرنامج طموح يهدف إلى بناء عدد من المفاعلات النووية لإنتاج طاقة كهربية تصل إلى 6.000 ميجا وات وهو ما يعني إنشاء من ثلاثة إلى خمسة مفاعلات مماثلة لمفاعل (بوشهر) النووي ذي قدرة الإنتاج 1.000ميجا وات.
المؤكد الآن أنه رغم التبريرات الإيرانية لهذا السعي الدؤوب لإنتاج الوقود النووي فإن كل ما تكشف حول مدى وتوقيت وسرية البرنامج النووي الإيراني يشير إلى إرادة إيرانية في إنتاج مواد انشطارية ذات طبيعة مزدوجة الاستخدام، ففي الوقت الذي تستخدم فيه كوقود نووي لمفاعلات إنتاج الطاقة، فإن استخدامها في صنع أسلحة نووية هو أمر مطروح بقوة ترجحه، كما أسلفنا، اعتبارات ما تكشف في مدى وتوقيت وسرية هذا البرنامج.
والواقع الحالي يشير إلى مجمع متكامل لإنتاج مواد انشطارية قد تجد طريقها لصناعة وحيازة أسلحة نووية من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر مسارات متوازية ثلاثة:
المسار الأول: معالجة الوقود المستنفذ في مفاعل (بوشهر) النووي لإنتاج الطاقة، وهو في هذه الحالة ينتج ما مقداره ¼ طن من مادة البلوتونيوم سنوياً وهو ما يكفي لإنتاج 30 قنبلة نووية معيارية في العام الواحد (هذا في حالة قرار إيران بمعالجة الوقود المستنفذ).
المسار الثاني: إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب (Highly Enriched Uranium) في مصانع التخصيب في ناتانز، والتي في حالة تصنيع وتركيب العدد المطلوب من الطوارد الغازية في مباني التخصيب المجهزة تحت الأرض يصبح من الممكن إنتاج حوالي 500 كيلوجرام من الـ HEU الذي يكفي أيضاً لإنتاج من 30-25 قنبلة نووية معيارية في العام الواحد (هذا في حالة قرار إيران بوقف إنتاج المصانع لليورانيوم منخفض التخصيب (Low- Enriched Uranium) اللازم لتشغيل مفاعلات إنتاج الطاقة على غرار (بوشهر) والشروع في إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب).
المسار الثالث: معالجة الوقود المستنفذ في مفاعل الأبحاث النووي الذي يعمل بالماء الثقيل في آراك ذي القدرة 40 ميجاوات حيث يمكن لإيران – في حالة اتخاذها قراراً بذلك – إنتاج ما يتراوح بين (9 – 12) كيلوجراماً من البلوتونيوم وهو ما يعني قدرة إنتاج ما بين (2 – 3) قنابل نووية معيارية سنوياً.
إيران ودوافع السير على حبل مشدود
أمام واقع هذه المسارات الثلاثة لإنتاج الوقود النووي اللازم لبرنامج إيران النووي السلمي لإنتاج الطاقة الكهربية كما تطرحه إيران، أو الإنتاج الموازي للمواد الانشطارية المستخدمة في صناعة السلاح النووي كما تطرحه قوى ومنظمات ومراكز أبحاث دولية، يصبح التساؤل الآن لماذا تخاطر الجمهورية الإسلامية في إيران بالسير على هذا الحبل المشدود بالشكوك حول النية الحقيقية من وراء التأكيد على حقها في امتلاك تقنية نووية متطورة تكفل لها إمكانية إنتاج الوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعلاتها النووية للطاقة السلمية خاصة أن قوى دولية مثل روسيا تعرض عليها توفير هذا الوقود النووي بل وإجراء عمليات تخصيب الوقود النووي على أراضيها شريطة استعادة كامل الوقود المستنفذ بعد ذلك ضماناً لعدم تسربه بالمعالجة لإنتاج المواد الانشطارية المستخدمة في صناعة الأسلحة النووية.
أتصور باعتبار منطق الأشياء أن هناك مبررات إيرانية وراء سيرها على هذا الحبل المشدود بالشكوك حول مقصدها النهائي في حيازة فعلية أو افتراضية لسلاح نووي:
– فإيران موضوعة الآن على قائمة (محور الشر) الأمريكية كما كانت الحال مع الجارة العراق، وصخب المطالبة بتغيير النظام المارق فيها، مصحوباً بدوي المدافع وهدير الطائرات الأمريكية ورائحة الدم المسال في العراق يبدو الآن أمراً قائماً على حدودها الشرقية مباشرة. وهي تدرك أن ضمان البقاء وردع الخطر لن يتأتيا دون حيازة قدرة نووية.
– إيران القابعة وسط محيط إقليمي نووي يمتد من إسرائيل غرباً مروراً بالعراق – الذي يبدو الآن في استراحة قصيرة فرضها الغزو والاحتلال – وعبوراً إلى الشرق حيث الهند وباكستان تدرك تماماً حجم المخاطر الكامنة في العيش دون حيازة قدرة نووية.
– إيران عانت ولا تزال من انعزالية استراتيجية إقليمية ودولية تستشعرها دائماً بفعل الانتماء المذهبي والاغتراب القومي ويكفي في ذلك استعادة شواهد حربها مع العراق حيث عمل الجميع – الجيران العرب والقوى الدولية – لصالح العراق وضدها، وهي في ذلك تدرك أن معايشة انعزالية جديدة لن تكون ممكنة دون حيازة قدرة نووية.
– إيران تدرك قدرها في دور إقليمي مهيمن يرسخ لمكانة دولية طموحة، ولأن شرف الدخول إلى نادي الصفوة النووي هو تصديق الاعتماد الأخير للدور والمكانة، فإن حيازة قدرة نووية تصبح أمراً لا غنى عنه.
إيران النووية.. متى ؟!
الأمر المطروح الآخر هو تقدير الوقت المستغرق أمام إيران لحيازتها الفعلية أو الافتراضية لسلاح نووي وحيث إن شواهد الأحداث ترجح على الأقل حالياً استبعاد إنتاج المواد الانشطارية من خلال المسار الأول وهو معالجة الوقود المستنفذ في مفاعل (بوشهر) بفعل الضغوط الدولية التي بلغت ذروتها بانضمام روسيا والصين إلى دول الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة، وصدور بيان مجلس الأمن في 29 مارس 2006 بدعوة إيران إلى وقف أنشطة تخصيب الوقود النووي وها ما يؤشر إلى احتمال قبول إيران بالعرض الروسي لتوريد وقود مفاعل (بوشهر) واستعادة الوقود المستنفذ مع التمسك بنشاط تخصيب نووي محدود لأغراض البحث، يصبح أمام إيران اللجوء إلى المسارين الثاني والثالث لإنتاج المواد الانشطارية، أي عبر تخصيب اليورانيوم في موقع ناتانز أو معالجة وقود مفاعل الأبحاث النووي في آراك سواء تم ذلك بصورة سرية أو علنية، وهو الأمر الذي سيعتمد فيه الوقت المستغرق حتى إنتاج مواد انشطارية تكفي لصناعة سلاح نووي على أربعة سيناريوهات محتملة:
– رفض إيران لدعوة المجتمع الدولي إلى وقف أنشطة التخصيب، وتعرضها بالتالي لعقوبات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية قد تضر بجهودها سواء في زيادة سعة برنامج التخصيب بالطرد الغازي أو في بناء مفاعل أبحاث الماء الثقيل.
– إقناع إيران المجتمع الدولي بإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب LEU تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (وهو ما قد يوفر لها إمكانية تدوير اليورانيوم منخفض التخصيب LEU إلى النوع عالي التخصيب HEU خلال فترة وجيزة قد تتيحها أزمة مفتعلة مع الوكالة تُعلق أثناءها عمليات التفتيش!).
– انسحاب إيران من معاهدة منع الانتشار النووي NPT ومن ثم استبعاد المفتشين الدوليين وتركيزها على أنشطة التخصيب في ناتانز وربما مناطق أخرى، إضافة إلى معالجة الوقود النووي المستخدم في مفاعل آراك.
– شن هجمات جوية وصاروخية استباقية من قبل الولايات المتحدة – وربما إسرائيل – ضد المنشآت النووية الإيرانية.
إلا أن ما تطرحه تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية في حال استمرار إيران في أنشطة تخصيب اليورانيوم هو أن أمامها ما بين (2-3) سنوات لإنتاج المادة الانشطارية (HEU) الكافية لصناعة سلاح نووي، بينما ترى مصادر الاستخبارات الأمريكية أن أمام إيران مدى زمني يتراوح ما بين (5-10) سنوات لإنتاج المادة الانشطارية (HEU) اللازمة لصناعة سلاح نووي، وتبدو التقديرات الأمريكية أكثر مصداقية باعتبار إدراكها للصعوبات الفنية الهائلة التي تواجهها إيران حالياً في مسألة تصنيع الطوارد المركزية الغازية خاصة بعد فقدها للمساعدات التقنية التي كان يوفرها العالم الباكستاني عن عبدالقدير خان، إضافة إلى نقص الخبرة الكافية لتشغيل عدد كبير من الطوارد عبر دفق غازي متكامل.
أما في ما يخص المادة الانشطارية الأخرى وهي البلوتونيوم والذي قد يتم الحصول عليه من مفاعل الماء الثقيل للأبحاث في آراك، فإن افتراض الانتهاء من بناء المفاعل في 2014 قد يؤشر إلى أن أمام إيران حوالي عقدين من الآن للحصول على كمية بلوتونيوم تكفي لإنتاج سلاح نووي.
وبعيداً عن كل تلك التقديرات والسيناريوهات المحتملة، فإن منطقة الخليج والشرق الأوسط عليها أن تتهيأ للتعامل في غضون عقد قادم أو يزيد قليلاً مع إيران الدولة المالكة بالفعل للسلاح النووي أو إيران الدولة التي تملك افتراضاً السلاح النووي باعتبارها حائزة لكل الإمكانيات المطلوبة لصناعة السلاح النووي والمنتظرة فقط لقرار البدء بالتجميع، وهو الأمر الذي يعني بزوغ شمس حقبة أمنية جديدة لم يعهدها الخليج من قبل.
إلا أن هذا التهيؤ المطلوب للتعامل مع إيران الحائزة بالفعل أو بالافتراض لسلاح نووي يحتاج إلى إجابات واضحة هو أربعة تساؤلات ملحة في المسألة الإيرانية:
– التساؤل الأول: مدى تأثير حيازة السلاح النووي في السياسة الخارجية لإيران؟
– التساؤل الثاني: كيف هو الأسلوب الذي ستعبر إيران به الحافة النووية لحيازة السلاح النووي؟
– التساؤل الثالث: هل تغيير النظام الإسلامي الحاكم أداة فعالة لكبح طموح إيران النووي؟
– التساؤل الرابع: هل هجوم عسكري استباقي ضد المنشآت النووية قادر على تقويض البرنامج النووي الإيراني؟
سنحاول تالياً سبر غور هذه التساؤلات في محاولة لاستقراء إجابات أو ربما ملامح إجابات تشكل فيما بينها تركيب صورة ذهنية لماهية بيئة أمنية قادمة على الطريق في منطقة الخليج.
إيران النووية والسياسة الخارجية الإقليمية والدولية
يذهب فريق من الباحثين في مجال السياسة الخارجية إلى الأخذ بفكرة موجزها أن الدول تتجه لسلوك أكثر عدوانية في سياستها الخارجية فور حيازتها لأنواع من أسلحة الدمار الشامل التي تتيح لها مساحة مناورة أكبر في ظل قدرة الردع التي توفرها هذه الأسلحة، ويطرحون أمثلة كثيرة على صحة فكرتهم منها الاندفاع الباكستاني للاستيلاء على جزء من كشمير فيما عرف بـ (أزمة كارجيل) خلال الفترة من مايو – يوليو 1999 والذي ما كان ليحدث لولا الثقة التي اكتسبتها آنذاك باكستان بحيازتها للسلاح النووي في عام 1998 واعتقادها أن منافستها الهند ستردع عن القيام برد عسكري، كما يشير هؤلاء بثقة إلى أن حيازة العراق للأسلحة الكيماوية والجرثومية في السنوات الأخيرة من حربه الطويلة مع إيران قد دفعته إلى انتهاج سياسة أكثر عدوانية تجاه دول الجوار وإسرائيل انتهت به إلى الغزو الصريح لأراضي دولة الكويت في أغسطس 1990. لذا فإن أصحاب هذه المدرسة في الفكر يرون أن إيران النووية ستصبح أكثر عدوانية في سعيها لتحقيق مصالحها القومية في الخليج، وستكون أكثر ترهيباً في مطالبها للتعاون الإقليمي الذي قد يشمل مجالات عدة تتراوح بين المطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في الخليج مروراً بالمطالبة بأسعار عالية للنفط وبسياسات أكثر تشدداً ضد إسرائيل وانتهاء بالتهديد باستئناف تصدير الثورة على غرار ما فعلت أوائل ثمانينات القرن الماضي عندما حاولت تخريب المنشآت الحيوية في دول الجوار الصديقة للغرب.
إلا أن فريقاً آخر من الباحثين يأخذون بفكرة مناقضة للسابق، حيث يفترضون أن الدول يحيازتها لأسلحة الدمار الشامل تتجه نحو العقلانية والاعتدال في علاقاتها الخارجية والأمنية، ويضربون مثالاً على ذلك العلاقات السوفييتية – الأمريكية إبان حقبة الحرب الباردة خاصة سلوك القوتين العظميين إبان أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، إضافة إلى سلوكهم الحذر وتجنب التصعيد السياسي والعسكري في أزمات إقليمية عديدة على نحو ما حدث إبان التورط الأمريكي في فيتنام، والسوفييتي في أفغانستان وكذلك في إدارتهم لأحداث مهمة في سلسلة الصراع العربي – الإسرائيلي. لذا فهم يرون أن إيران النووية الأكثر قوة ستكون أقل خطراً وميلاً للمخاطرة ليس فقط بسبب ما يطرحونه من سوابق عالمية، وإنما أيضاً لذاتية الدولة الإيرانية التي يرون أن لديها عقدة الدونية والتي تسعى إلى السلاح النووي للاسترخاء النفسي وضمان بقاء النظام، لذا فهي ستؤسس لاستراتيجية نووية تعتمد الردع الدفاعي، ويدعمون ما يذهبون إليه بأن إيران تاريخياً لم تسع إلى اعتماد استراتيجية هجومية وأنها على مدار أكثر من مائة وخمسين عاماً لم تغزُ أو تهاجم دولة أخرى!
خلاصة الأمر، أن المرجح هو تعامل إيران النووية في سياستها الخارجية بصورة حذرة وأنها لن تسعى لعدوان عسكري صريح في محيطها الإقليمي لأسباب عدة منها أن الوضع السياسي الاقليمي القائم يعمل لصالحها منذ الغزو الأمريكي للعراق، إضافة إلى ما تعانيه ترسانتها العسكرية التقليدية من ضعف واضح، إلا أن تردي الأوضاع الداخلية في العراق خاصة مع مغادرة القوات الأمريكية لهذا البلد قد يدفع إيران إلى التخلي عن ذلك الحذر، في المقابل فإن إيران نووية ستزيد دعمها للجماعات المسلحة – أو ما يطلق عليه الغرب الجماعات الإرهابية – التي تعمل ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في ظل حصانة نووية ترد عنها انتقام هاتين الدولتين، وإن كان هذا الدعم سيظل قاصراً على الأسلحة التقليدية، كما أن إيران النووية ستكون أكثر ميلاً للاقتراب من حافة الخطر في علاقاتها مع إسرائيل سواء في تأثيرها المتزايد في الشؤون الداخلية الفلسطينية أو في التلويح الصريح برد أعنف على أي هجوم إسرائيلي وهو ما عبر عنه هاشمي رفسنجاني بقوله (نحن لسنا قلقين من إسرائيل وتهديداتها، إذا ارتكبت إسرائيل مثل هذا الخطأ فسوف نعطيها لطمة لن تنساها ليس فقط خلال عدة سنوات ولكن في كل تاريخها).
إيران وكيفية اجتياز الحافة النووية
بداية فإن الطريقة التي ستختارها إيران لتعبر بها الحافة النووية سوف يكون لها تأثير كبير في ردود الأفعال الدولية والإقليمية والداخلية معاً حول مسألة الحيازة للسلاح النووي.
أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية طريقان لعبور الحافة النووية، الأول وهو العبور الصريح بشفافية عبر الاختبارالعلني لسلاح نووي على نحو ما فعلته أخيراً كل من الهند وباكستان في مايو 1998، وكذلك ما فعلته الدول الأعضاء في النادي النووي العالمي عدا إسرائيل الطريق الثاني هو العبور بالغموض، أي اقتناع الدول الأخرى بأن إيران أصبحت تمتلك كل مكونات صناعة السلاح النووي مواد وتصميماً إلا أنها تقف عند حد عدم تجميعها، أي أن إيران بذلك تكون في نظر الآخرين قوة نووية افتراضية وهي بذلك تنهج نفس المسار الإسرائيلي الذي اختار إطلاق سحابة الغموض حول مسألة حيازته للسلاح النووي لأسباب عدة تخص الأمن الإسرائيلي ليس هذا مجال عرضها.
إن معظم الخبراء في الشأن الإيراني يعتقدون أن الجمهورية الإسلامية لن تلجأ إلى اختبارات علنية لسلاح نووي، وسوف تفضل البقاء كقوة نووية افتراضية، رغم السلوك الإيراني الصريح والمستمر في الإعلان عن تطور قدراته العسكرية التقليدية كما هي الحال في سلسلة اختبارات الصواريخ الباليستية الأطول مدى. ويدلل الخبراء على وجهة نظرهم في اختيار إيران لمسلك الغموض إلى سياسات إيران في دعم عمليات الجماعات المسلحة في فلسطين ولبنان وأخيراً في العراق، وإلى ممارساتها في العمليات السرية على المستوى الدولي كما برز في حوادث استهداف منشآت يهودية في أمريكا اللاتينية. ويرى هؤلاء أن عبور الحافة النووية بصورة غير علنية سوف يتيح لإيران – كما في حالة إسرائيل – الإنكار المستمر والمقبول للحيازة النووية والإبقاء على علاقات عامة دولية مفيدة، كما أنه سيلقي بمسؤولية إثبات تلك الحيازة المحظورة على أطراف دولية ذوي اتجاهات عدائية أصيلة للجمهورية الإسلامية في إيران كالولايات المتحدة وإسرائيل تبقي اتهاماتهم بمثابة مزاعم ومشاعر مضادة أكثر منها حقائق على الأرض. إلا أن انتهاج أسلوب الغموض في حيازة السلاح النووي تظل له انعكاساته السلبية على النظام في إيران، أولها حرمانه من مكاسب الحيازة النووية في دعم مكانته الداخلية وهو الدعم الذي كان ولا يزال في حاجة ماسة إليه في وجه تصاعد قوى المعارضة المدنية لنظام رجال الدين. وثاني تلك المثالب هو أن الكشف اللاحق عن حقيقة الحيازة النووية من قبل الأطراف الدولية سيطرح صعوبة بالغة أمام النظام الحالي وحتى القادم لتبرير غموض تلك الحيازة، وربما سيعرض إيران لسيل لا ينقطع من التدخلات الدولية في شؤونها الداخلية ومن العقوبات الدولية التي ستقوض برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحجم من قدراتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية.
إيران.. تغيير النظام والطموح النووي
يعود طموح إيران النووي إلى بداية عقد الستينات في القرن الماضي عندما وقعت إيران أولى الاتفاقيات الثنائية مع الولايات المتحدة في المجال النووي، وتم بناء أول مفاعل نووي في عهد الشاه عقب إعلانه تأسيس (مركز طهران للبحوث النووية) TNRC عام 1967 الذي ضم مفاعلاً نووياً للبحوث بطاقة 5 ميجاوات حصل عليه الإيرانيون من الولايات المتحدة في ذلك العام، ووقعت إيران على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية NPT في الأول من شهر يوليو 1968، وأصبحت الاتفاقية نافذة المفعول رسمياً في 5 مارس 1970.
وصعّد الشاه طموحه النووي في العام 1976 بإطلاق برنامج لبناء 20 مفاعلاً نووياً لإنتاج الطاقة بدأه ببناء مفاعلين في بوشهر بقدرة 1200 ميجاوات لكل منهما بلغت نسبة الأشغال المنفذة في مفاعل (بوشهر – 1) 85 في المائة وفي مفاعل (بوشهر- 2) حوالي 50 في المائة في شهر فبراير 1979 عندما أطاحت الثورة الإسلامية بحكومة الشاه، وعلقت البرنامج النووي الإيراني، ثم جاءت الحرب العراقية – الإيرانية ليتولى سلاح الجو العراقي قصف المنشآت النووية في بوشهر ست مرات (في مارس 1984، وفبراير1985 ومارس 1985 ويوليو 1986، ومرتين في نوفمبر1987) الأمر الذي أدى إلى تدمير المنطقة المركزية لقلب المفاعلين النوويين هناك. ويسود الاعتقاد بأن الشاه كان يسعى في ظل البرنامج النووي السلمي الذي شرع به إلى امتلاك إيران لأسلحة نووية، فقد ذكر مؤسس وأول رئيس لهيئة الطاقة النووية الإيرانية بين عامي 1974و1978 الدكتور أكبر اعتماد أن تجارب هادفة لإنتاج اليورانيوم المخصب من الوقود النووي المستهلك باستخدام مواد كيميائية قد نفذت في معهد بحوث الطاقة الذرية، كما سرد أسدالله علام الوزير المخضرم والمقرب من الشاه في مذكراته حول رغبة الأخيرالشديدة في حيازة سلاح نووي وأنه عمد إلى تشكيل فريق من مركز طهران للبحوث النووية متخصص في تصميم الأسلحة النووية. ويبدو أن النظام الإسلامي في إيران الذي كان قد علق البرنامج النووي عقب وصوله إلى السلطة سارع مرة أخرى إلى إحياء البرنامج النووي الإيراني مرة أخرى منذ منتصف الثمانينات عبر مسارين متوازيين، الأول وهو استكمال مشروعات بناء مفاعلات إنتاج الطاقة تأسيساً على إصلاح واستكمال مفاعلات بوشهر، والتي نجحت في النهاية في توقيع اتفاق مع روسيا في 8 يناير 1995 لإكمال تشغيل أحد المفاعلات بطاقة 1000 ميجاوات في إطار خطة طموحة لبناء عدد يتراوح ما بين 4-5 مفاعلات لتوليد ما مجموعه 6.000 ميجاوات من الطاقة الكهربية على نحو ما ذكره الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في 9 فبراير 2003 في معرض دفاعه عما تكشف آنذاك من قيام إيران بتخصيب اليورانيوم في منشآت مخصصة لذلك في (ناتانز) الواقعة جنوبي كاشان، بينما المسار الثاني والذي بدأ في التوقيت نفسه – أي العام 1985 – فكان تخصيب اليورانيوم بطريقة الطرد المركزي والذي لعب فيه العالم الباكستاني عبدالقدير خان دوراً رئيسياً في تسريب المعلومات والرسوم التصميمية وبعض مكونات الطوارد الغازية المركزية وهو ما اعترفت به إيران رسمياً في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اجتماعها خلال الفترة من 9-12 أغسطس 2003، والذي على أساسه أصدرت الوكالة تقريرها الشهير في 26 أغسطس 2003 الذي اتهمت فيه إيران رسمياً بتضليل الوكالة في ما يخص برنامج التخصيب الذي ادعت إيران آنذاك أنه بدأ في العام 1997، وليس كما تكشف عنه من حقيقة أنه بدأ في العام 1985، وإذا ما أضفنا إلى ذلك إعادة قراءة متأنية إلى ما قاله الرئيس الإيراني آنذاك – والمرشد الأعلى الحالي- في خطاب له أمام هيئة الطاقة الذرية الإيرانية (في ما يخص الطاقة الذرية، نحن نحتاجها الآن.. أمتنا دائماً مهددة من الخارج. وأقل ما يمكن أن نفعله لمواجهة هذا الخطر هو أن ندع أعداءنا يعرفون أننا يمكننا الدفاع عن أنفسنا، لذا فكل خطوة تتخذونها هنا تكون من أجل الدفاع عن وطننا وتطورنا، وبوضع ذلك في أذهاننا فإن عليكم العمل بجد وسرعة كبيرة)، إن ربط تطور البرنامج النووي الإيراني في عهدي الشاه والجمهورية الإسلامية يشير إلى حقيقة أن طموح الحيازة لسلاح نووي – على التوازي مع إنتاج الطاقة من مفاعلات نووية – يتعدى الخطوط الأيديولوجية والحزبية، وأنها في الجوهر مسألة طموح قومي، وكما عبر عن ذلك كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني السابق في معرض دفاعه عن تخصيب اليورانيوم في إيران بقوله (أن يطالبنا أحد بالتخلص عن حيازة دورة الوقود النووي هو أمر مناقض لحقوقنا القانونية والشرعية، ولا يستطيع أحد في إيران أن يتخذ قراراً بحرمان الأمة من شيء هو مصدر فخرها). إن استطلاعات رأي عديدة نشرت في داخل وخارج إيران تشير إلى رفض الإيرانيين بشدة لأي جهود دولية تفرض صياغة أخرى لسياسات بلدهم حول الطاقة النووية أو حرمانهم مما يرونه أنه حق طبيعي وقومي، ويبدو أن الرضاء الشعبي الذي تحوزه القيادة الإيرانية في المسألة النووية يأتي على خلفية إدراك الإيرانيين بالأخطار الآنية التي باتت تحيط إيران بعد اكتمال حلقة الحصار حولها بالغزو الأمريكي للعراق، إضافة إلى مخاطبة النزعة القومية وطموح المكانة الإقليمية والدولية التي يجيدها النظام الحاكم في إيران، ولعل في نظرة استرجاع عابرة للعنفوان القومي الذي غمر شوارع المدن الباكستانية عقب التفجيرات النووية في مايو 1998 ما يؤكد ذلك. وهكذا فإن معظم المتابعين للشأن الإيراني من الخبراء يقدرون أن تغييراً للنظام في إيران كما تطمح الولايات المتحدة وبعض من حلفائها لن يحدث تغييراً ذا معنى في استمرار الإيرانيين في تطوير تقنيات نووية توفر لهم قدرة حيازة سلاح نووي في اللحظة التي يقررون فيها ذلك.
الهجوم الاستباقي ومدى تقويض البرنامج النووي الإيراني
تتناول تقارير صحفية عديدة وتسريبات إعلامية أخرى متعهدة من قبل الإدارة الأمريكية واسرئيل على السؤال حول مسألة الإعداد والتهيؤ لتنفيذ ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية بهدف تقويض البرنامج النووي لنظام الجمهورية الإسلامية على غرار ما فعلته إسرائيل في يونيو 1981 بتدميرها مفاعل (اويزراك) العراقي. ويذهب العديد من الصقور في واشنطن في ترويجهم لهذه الاستباقية العسكرية إلى أن مثل هذه الضربة أو الضربات ستدمر أو على الأقل ستعرقل البرنامج النووي الإيراني، وأنها ستدفع إلى سقوط النظام الديني في هذا البلد حيث الهالة غير المرئية للملالي هناك سوف تتحطم، وقدرتهم على الإمساك بالسلطة ستنهار.
إلا أن واقع الأمر يفرض وجود صعوبة بالغة أمام العمل العسكري الاستباقي من وجهة النظر العملية لأبعاد عدة تأتي في مقدمتها مسألة الاستخبارات المتوفرة عن البرنامج النووي الإيراني، وطبيعة الأهداف النووية الإيرانية المطلوب استهدافها.
فعلى جانب المسألة الاستخباراتية، يبدو أن الجانب الأمريكي يعاني لدرجة ما من مستوى الثقة المطلوبة فيما يتوفر لديه من معلومات عن البنية الأساسية النووية في إيران وهو ما يعني عدم الاعتقاد في اكتماليتها، الأمر الذي يعني أن تنفيذ هذه الضربة أو الضربات الاستباقية لن يتسم بالفاعلية لخروج العديد من الأهداف التي لم تتوافر معلومات عنها عن قوائم التهديف المقررة، ولعل ذلك يعيد لدى الأمريكيين على نحو خاص ما حدث لهم في منتصف العام 1964 عندما فكرت الولايات المتحدة في تقويض البنية الأساسية النووية للصين قبل أن تجري اختبارها النووي الأول، حيث كانت لدى القيادة العسكرية الأمريكية آنذاك شكوك حول مدى اكتمالية الاستخبارات المتوفرة لديهم عن البرنامج النووي الصيني، وقد كان ذلك بالفعل ما حدث، إذ فوجئت الولايات المتحدة استباق الصين بتفجير قنبلتها النووية الأولى وكانت من نوع اليورانيوم وليس البلوتونيوم التي تصورت الاستخبارات الأمريكية تقدم برنامج معالجة في الوقت الذي قللت فيه وبدرجة خطيرة تقدم الصين في برنامج تخصيب اليورانيوم. وحتى في مسألة كوريا الشمالية فلم تكن لدى الولايات المتحدة استخبارات متكاملة في بعض نواحي برنامج إنتاج البلوتونيوم حيث لم تتوفر لديها معلومات عما إذا كانت هناك منشآت لإعادة معالجة البلوتونيوم لم تكتشف بعد، إضافة إلى جهل تام بمكان وجود برنامج تخصيب اليورانيوم حيث يبدو أن مثل تلك المنشآت والبرامج تدار بكاملها في مواقع تحت الأرض.
في الوضع الإيراني، فالمعروف أن لدى إيران مجمعاً متكاملاً لإنتاج المواد الانشطارية يشمل تحويل اليورانيوم الخام وتخصيب اليورانيوم وإنتاج الماء الثقيل ومفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل يمكنه إنتاج البلوتونيوم، لكن إيران على عكس باكستان ليست كل منشآتها فوق الأرض، فلديها خليط من منشآت فوق الأرض وأخرى تحت الأرض، الأمر الذي يرجح اقتراب المسلك الإيراني من النمط الكوري الشمالي، التي وضعت منشآتها المرتبطة بإنتاج السلاح النووي في مواقع حصينة تحت الأرض يصبح كشف أنشطتها والتعرف إلى قدراتها وتطورها من الأمور البالغة التعقيد.
المسألة الثانية التي تفرض صعوبة على فاعلية العمل العسكري الاستباقي من قبل الولايات المتحدة طبيعة الأهداف النووية الإيرانية المطلوب قصفها، فالجمهورية الإسلامية في إيران استوعبت درس تدمير المفاعل العراقي بواسطة الطيران الإسرائيلي في صيف العام 1981، فعمدت بعد ذلك إلى وضع منشآتها النووية بعيداً إلى الشرق لتكون خارج مديات عمل الطيران الإسرئيلي- وإن كان واقع الأمر حالياً يتيح لإسرائيل الوصول لهذه المنشآت خاصة بعد حصولها على طائرات قتال بعيد المدى مثل
الـ F-16 I Storm والـ F-15 I Thunder – إضافة إلى انتشارها الموسع في شمال ووسط الدولة مع استغلال الطبيعة الجبلية السائدة في التحصين الطبيعي لهذه المنشآت، وتسعى إيران في الفترة الأخيرة وبدعم هندسي كوري شمالي لبناء شبكة أنفاق عميقة تحت الأرض تربط ساحات واسعة لاستيعاب تجهيزات المنشآت النووية في مناطق أصفهان وناتانز وآراك وربما في أماكن أخرى غير معلن عنها.
ما يبدو الآن أننا أمام برنامج نووي إيراني صمم بصورة لا تجعل منه وحدة فيزيائية واحدة يمكن استهدافها بضربة واحدة، ولكننا أمام برنامج نووي متعدد الوحدات ذ ي مرونة تمكنه من استيعاب الضربات والخسائر المادية واقابلية إعادة التجميع مرة أخرى، وعلى ذلك فلن تكون هناك معايير حاسمة حول إنجاز الضربة أو الضربات الاستباقية، كما أنه لن تكون هناك معايير جازمة لما سوف تعيد إيران بناءه من برنامجها النووي خاصة أنها تكاد تحوز – إن لم يكن تحوز بالفعل – قدرات وطنية لدورة إنتاج وقود نووي متكاملة، الأمر الذي يرجح أن التلف الناجم عن عمل عسكري استباقي قد يؤخر البرنامج النووي الإيراني ربما لعام أو عامين وهذا أسوأ في حد ذاته من عدم فعل أي شيء.
هل من خيار ثالث أمام الولايات المتحدة؟
هكذا تبدو الآن صورة الولايات المتحدة الحائرة بين الخيار الدبلوماسي الذي يحتوي بين جنباته المزج بين العصا والجزرة من خلال التلويح بعقوبات اقتصادية وعزل سياسي وكذلك التلويح بضمانات أمنية ومنافع اقتصادية، وبين الخيار العسكري الذي تبدو فيه فاعليته محاطة بشكوك كثيفة لن تفرز في أقصى تقدير سوى تأخير زمني محدود للبرنامج النووي الإيراني، في وقت ستدفع فيه الولايات المتحدة ثمناً باهظاً سواء أمام الرأي العام العالمي أو في عمق الشأن العراقي، الذي يبدو أن إيران التي تغلغلت كثيراً في شرايينه ستكون قادرة على تحصيل المقابل فيه.
ربما يكون هناك خيار ثالث لا يزال مطروحاً أمام الولايات المتحدة وهو احتواء وردع إيران النووية على نحو ما مارسته زمن الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفييتي. لكن هل الإقليم المحيط قابل لدعم الاحتواء الأمريكي؟! وهل الجمهورية الإسلامية في إيران في الأساس قابلة للردع؟! الإجابات تحتاج إلى قراءة أخرى، وهو ما سوف نطرحة في عرض قادم.
وإلى حين ذلك دعونا نتذكر ما يردده الرئيس جورج بوش من أن (إيران النووية هو أمر لايمكن احتماله)، وهذا صحيح، فاحتمال إيران النووية هو بمثابة كابوس وقد يكون كذلك في حده الأدنى وهو إمكانية استخدام إيران في المستقبل للسلاح النووي أو حتى تمرير بعض منه إلى جماعات مسلحة موالية، لكن الكابوس في حده الأعلى هو ذلك التأثير المقيد الذي سيفرضه على ما تصورته الولايات المتحدة من استراتيجية لبناء شرق أوسط كبير، الذي يبدو أن هدرها بدأ في اللحظة نفسها التي عبرت فيها فرق المارينز والجيش الأمريكي خط الحدود الكويتية – العراقية في العشرين من مارس 2003، والتي من المؤكد أن شهادة وفاتها سيصدق عليها إذا ما عبر الطيران الأمريكي الأجواء نحو ناتانز وأصفهان وآراك وأهداف نووية إيرانية أخرى.

::/fulltext::
::cck::3282::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *