انفلونزا الإعلام العربي
::cck::3285::/cck::
::introtext::
الإعلام ربما يكون العلم الوحيد الذي لا تخضع عمليات تقييمه ونقده وتقييم أدائه للنظام الحسابي، مثلما تخضع غيره من العلوم لسبب أنه العلم الذي يختلف الناس على أهميته، بعد أن اتفقوا على أن لا اختلاف بينهم حول علوم الطب والفلك والفيزياء والكيمياء وبقية العلوم التي تخضع للمنطق الحسابي.
::/introtext::
::fulltext::
الإعلام ربما يكون العلم الوحيد الذي لا تخضع عمليات تقييمه ونقده وتقييم أدائه للنظام الحسابي، مثلما تخضع غيره من العلوم لسبب أنه العلم الذي يختلف الناس على أهميته، بعد أن اتفقوا على أن لا اختلاف بينهم حول علوم الطب والفلك والفيزياء والكيمياء وبقية العلوم التي تخضع للمنطق الحسابي.
إن اختلاف الناس على أهمية علم الإعلام يأتي بسبب كونه علماً حديثاً على المنهجية الأكاديمية، رغم أن الإنسان مارسه منذ القدم فعلياً وليس منهجياً وبقدر تعلق الأمر بالعرب وليس بغيرهم من الأمم فإن الإعلام لعب دوراً مهماً في حياتهم، خاصة أنهم أمة تعاملت مع الكلام تعاملاً شفافاً قاده آلاف الشعراء والكتّاب والمثقفين منذ جاهليتهم وحتى نهضتهم ثم نكوصهم وعودتهم إلى الحياة مطلع القرن الماضي.
إن حديثنا عن الإعلام هو حديث عن معنى وجود هذه الأمة لالتصاقه بلغة التعبير وفنون المخاطبة التي هي من أهم وسائل التعبير عندها. لذا فإننا بقدر ما نفهم هذه الوسيلة ونتعرف إلى مدى قدرتها على التعبير عن العمق في الشخصية الوطنية بقدر ما نتعرف إلى الميل الفعلي والتطور الفعلي في الشخصية.
تلك المقدمة ربما لا تحظى باهتمام الكثير من القراء لكنني أجدها مهمة، ونحن معاً سنستعرض ما أصاب الإعلام من أمراض جعلته يدور في مكانه يحتمي خلف متاريس الحكومات، ويواجه الأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بنمط من الدفاعية المقيتة، ويتخلى عن مهمة كشف الألغام قبل تفجيرها. وهي المهمة الرئيسية التي يجدر أن يقوم بها الإعلام في كل المجتمعات التي تسعى إلى التحضر.
الحديث عن الإعلام إنما هو حديث تقييم شامل للعلاقة بينه وبين المتغيرات والتحولات الكبيرة في الحياة، ولا أعتقد أن الحديث عن هذا العلم الذي لايزال خارج دائرة الاهتمام الفعلي، والذي لم يكن بمقدوره حتى الآن قيادة أي جزء من التحولات الخطيرة في حياتنا تسعه مثل هذه الدراسة البسيطة، وعليه فإن أمامنا ثلاث محطات مهمة يجب التوقف عندها لنتعرف ربما ولو بشكل خارجي إلى صلة هذا العلم بحياتنا العامة بعد أن ظل بعيداً عن حياتنا الخاصة والتدخل فيها وتغييرها وفقاً لنمط أخلاقي مؤثر ومستمر هدفه بناء الشخصية وتقديمها.
المحطة الأولى:
وتمتد ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما خلفتاه من النتائج كان الأبرز فيها ظهور الكتلة الاشتراكية كمعسكر وقوة عسكرية واقتصادية وما رافقها بعد ذلك من بروز التكتلات السياسية وما ظهر من حرب باردة انتهت بسقوط الأنظمة الاشتراكية وأعلاه الاتحاد السوفييتي وعودة القيادة الرأسمالية للعالم في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.
ومن دون الخوض في تفاصيل التشعبات السياسية المعروفة في هذه الحقبة من الزمن إلا أننا هنا نتوقف عند مأزق ساهم الإعلام في رسم صورته وقام بتأطيرها وبروزها ومنع التلاعب بها تحت توجيه الساسة الذين يقودون الأحزاب والتيارات والقوى الفاعلة في المجتمعات العربية وأنني هنا استعمل المثال الفلسطيني كنتيجة إعلامية لنحو نصف قرن من العمل المتلاحق بين السياسة والإعلام، من دون أن أقصد أنني مع ضياع نصف فلسطين. إنه فقط مثال ملموس يقع تحت اليد.
عندما أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين بعد عام 1948 رفض الساسة العرب قاطبة التعامل مع القرار، وقادوا الإعلام لنحو نصف قرن من الزمن قيادة محكمة لرفض هذا القرار والترويج بأن مجرد التفكير في تطبيقه أو الدعوة لقيام دولة فلسطين من الضفة الغربية وقطاع غزة إنما هو خيانة كبرى.
وهكذا أصبح التلاحم بين الحكومات والإعلام نموذجاً فريداً في الحياة لم ينجح في أي حقل آخر من الحقول مثلما نجح في التعامل مع القضية الفلسطينية التي كانت إلى غاية الحادي عشر من أيلول سبتمبر 2001 الشغل الشاغل للإعلام العربي.
وكانت فلسطين هي القاسم المشترك الأعظم في الحياة العربية، وكان الراديو والصحف والمجلات، وهي وسائل الإعلام التي كانت في هذه الحقبة من الزمن، تقود الخطاب الإعلامي والذي كان في أغلبه وسيلة بيد الحاكم ضد المحكوم في الغالب.
وفي هذه الحقبة التي امتدت منذ مطلع القرن العشرين ومن الخامس من حزيران عام 1966 كان النموذج الوطني واضحاً في الحياة العربية مستنداً إلى أسس سياسية تاريخية تمتلك أمثلتها وشواهدها. وكذا الحال بالنسبة إلى صنع نموذج البطولة والتحرر.
وكانت هذه قاعدة الأواني المستطرقة على المتلقي العربي فتؤثر فيه وتفعل فعلها من المحيط إلى الخليج.
وبمواجهة هذه النماذج التي اهتم بها الخطاب الإعلامي الغربي انبرى النموذج الغربي وفقاً لنظرية الحضور الإعلامي، فطرح في وقت مبكر فكرة البطل الخارق (السوبرمان) دون أن يمنحه جنسية معينة بل أبقاه معلقاً في أذهان الشباب باعتباره مثلاً عالمياً.
وبرغم أن التصادم بين النموذجين لم يكن مؤاتيا في تلك الفترة، وبرغم الثورة الشعرية العربية التي ربطت حولها محور الإعلام لعقود طويلة، فقد انبرى الخطاب الإعلامي العربي بالتعامل مع المرأة بشكل فعال ومحترم، حتى إن المرأة قفزت إلى قيادة الخطاب الإعلامي بوقت مبكر فكانت كتابات (بنت الشاطئ) وكانت قصائد نازك الملائكة تأخذ لب المتلقي، وتعبر تعبيراً دقيقاً عن أن المرأة قاسم مشترك في الحياة العامة وليست ذات وظيفة منزلية فقط، وهذا الخطاب القديم تغلب وقفز على الخطاب الحالي الذي اعتمد (العري والجنس) فقط.
المحطة الثانية
بدأت فعلياً بعد نكسة حزيران 1967، وتحديداً مع شرذمة القوى والأحزاب والتيارات السياسية العربية وانقساماتها الخطيرة أو لنقل بدقة بعد الإفاقة الكبيرة بأن ثمة لعبة دولية كان العرب ضحاياها منذ أبرم الغرب اتفاقية سايكس بيكو مطلع القرن الماضي.
إن أبرز ما في هذه المرحلة هو سقوط المرجعيات السياسية واهتزاز المرجعيات الفكرية وتذبذب الخطاب الإعلامي العربي بعد أن واجه العرب دافعاً جديداً نجم عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان ورفضها الانسحاب من هذه الأراضي وضربها عرض الحائط بالقرارات الدولية، وهكذا حصل التغيير في الخطاب الإعلامي العربي الذي كان يعتبر مجرد التفكير بتطبيق قرار تقسيم فلسطين خيانة كبرى، فأصبح يتحدث عن مهمة (فايروس فاش) ثم كارتر.. ثم.. ثم.. ثم كامب ديفيد وأخيراً أوسلو وما تلاه من قيام سلطة فلسطينية على بضعة أمتار فقط من أراضي فلسطين.
هذا التغيير الدراماتيكي في الخطاب الإعلامي العربي رافقه بالضرورة تغيير في نمط الحياة وكانت الحصيلة المنطقية الأولى أن الإعلام وخطابه وشيوخه ووسائله لا يقود الحياة إنما هو مجرد وسيلة تعبير بليدة ليس بمقدوره لعب دور القيادة والتوجيه وأخذ المبادرة وهكذا سقط الإعلام بالضربة القاضية أمام امتحان الثقة في النصف الثاني من القرن العشرين.
وتحت وطأة هذا التغيير الكبير ظهرت على نطاق واسع الدعوات لصناعة الإعلام ووضعه في بورصة السوق التجارية شأنه شأن أية صناعة أخرى. نعم الإعلام صناعة وحرفة بإمكانها أن تدر الملايين، ولكن أن توضع لهذه الصناعة مهمة واحدة فقط تروج للخبر وللعري وللتقانات الوافدة شيء وأن تعبر هذه الصناعة المطلوبة عن الحياة ومتغيراتها في مجتمعاتنا تعبيراً دقيقاً يعبر عن احترام التقاليد والعادات الاجتماعية وعن فلسفة قوم لهم باع طويل في بناء الحياة شيء آخر.
إن الصناعة هنا تأخذ الحرفة فقط وتترك الضرورة الملمة لهذه الحرفة تأخذ الحرية، وتترك ضرورة هذه الحرية وهنا فقط حصل التداخل السريع، وأخذ الخطاب الإعلامي العربي يخرج عن السيطرة تماما مثلما خرج مرض (أنفلونزا الطيور) عن سيطرة البشر ويهدد بالتحول إلى وباء.
مقابل هذه الحيرة والتخبط في الخطاب الإعلامي العربي الذي فشل في إبلاغ المتلقي العربي بأن الغرب استطاع أن يسرق بوسائل متعددة 75 في المائة من أموال سكان الأرض وترك للباقين 25 في المائة فقط يتقاسمون العيش فيها ويتصارعون ويتقاتلون من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن فيها، كانت الرؤية الغربية لواقعنا السياسي والاجتماعي ولتطورنا الخلقي تصيب في الصميم وتطرق أبوابنا بقوة، وبينما يدعو بيني مورس صراحة إلى وجوب ترحيل الفلسطينيين من أرض فلسطين بما في ذلك سكان عام 1948 خلال العقدين المقبلين يرى نعوم تشومسكي وإسرائيل شاماك بأن الفكر الإسرائيلي وكذلك الأمريكي لا يريدان إلا مزيداً من الفقر والجهل للفلسطينيين وذلك عندما انبريا للدفاع عن صمت المفكرين العرب وحيرتهم الكبرى الحالية.
إن مرحلة ما بعد حزيران امتازت بالتجريبية وبالخوف من الإعلان عن الهوية القومية، وامتازت بالتخلي عن الخطاب الوطني والعودة إلى المنبع الديني كحل نهائي، ومثل هذه المتغيرات السريعة أصابت الخطاب الإعلامي العربي بالدوار، وبشرت بولادات فكرية مشوهة قد تحرق الأخضر واليابس من دون عودة سريعة للفكر السياسي والثقافي وخطابهما الموحد ومن دون ظهور مفكرين قادرين على صياغة بدائل وطنية معقولة ومقبولة وجديدة.
لقد كان سقوط الاتحاد السوفييتي وغياب المرجعية الدولية في التصدي للشراكة الاقتصادية الصناعية الفكرية الإعلامية الغربية هي الميزة التي طبعت هذه الحقبة التي شهدت نهاية الرغبة الاستقلالية والنزوع إلى التحرر، وجاءت بفكرة انصهار الشعوب أو العولمة وغياب النزعة الاستقلالية.
المحطة الثالثة:
تبدأ هذه المحطة من محطات الخطاب الإعلامي العربي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما ولا تزال مستمرة ربما إلى عقدين أو ثلاثة عقود أخرى من القرن الجديد.
وشهدت هذه المحطة الجديدة تغييراً جوهرياً في الخطاب الإعلامي العربي شمل هذا التغيير التخلي عن نموذج البطل الوطني والتمسك بالبطل الديني والتخلي عن النزعة القومية والوطنية والدعوة إلى الديمقراطية على النمط الغربي والتوغل في الترويج لفكرة العولمة والانبهار بتحول العالم إلى قرية صغيرة بإمكانها أن تخلق جمهورية أفلاطونية تقتل خصوصية الشعوب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
إن سعي الخطاب الإعلامي العربي الرسمي الجديد نفسه إلى الديمقراطية لا يبدد أنه يسير بحسب جدلية التوافق بين الزمان والمكان، فالزمان هو أوائل القرن الحادي والعشرين والمكان هو الوطن العربي الذي حكم عليه منذ أن وضع رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي منتصف سبعينات القرن الماضي بريجنسكي رؤيته إلى عالم تنتمي فيه الروح الداعية إلى تفكيك الكيانات الكبرى.
ورغم أن بريجنسكي كان يطرق هو ومن معه في الفترة التي سبقت احتلال السوفييت لأفغانستان يطرق تحت جدار الاتحاد السوفييتي الذي سقط بعد ذلك بأقل من عقدين من الزمن إلا أن بريجنسكي بشر بوقت مبكر أيضاً بديمقراطية غرستها الدول الكبرى، وليست ديمقراطية مطلقة السراح ديمقراطية عليها أن تحارب الإرهاب من دون الاتفاق على تعريف الإرهاب، ولابد من التذكير بأن وجهة النظر الغربية عن الديمقراطية تختلف عن وجهة النظر العربية. فالأولى نتاج من نتاجات فكرة أفلاطون قبل ألفين وخمسمائة عام بحسب ما ورد في محاورته السياسية أن الحكومة يجب ألا يتولاها سوى نخب لديهم قدرة الإدراك والحكمة المطلوبة.
ومثل هذه النماذج الديمقراطية لا تتناسب ومجتمعنا القبلي العربي بأي حال من الأحوال فلقد أصبح الحديث عن الخطاب الإعلامي العربي عن الديمقراطية والتعددية خطابا يكاد يكون ملزماً وهو خطاب يذكرني بفرضية الخطاب الذي ساد أربعينات وخمسينات ومعظم ستينات القرن الماضي عن القضية الفلسطينية، والذي كان يقاتل من أجل منع إقامة دولة في قسم من فلسطين وهكذا.
وعادت الحيرة إلى الخطاب الإعلامي العربي ويخطئ من يظن أن هذا الخطاب تعقل ونضج. إن ما يطرحه هذا الخطاب من نظرة متدنية إلى المرأة وخلوه من نماذج نسائية رائدة على غرار الريادة في النصف الثاني من القرن الماضي وانغماسه إلى حد احتماله في عولمة المرأة الفناء السياسة وتبشيره بنمط برامجي لا حياة فيه وتخليه عن الثقافة لاعتقاده بأنها تتناقض مع البرامجية إن هذه الأمراض الخطيرة التي تصيب الإعلام العربي تحتاج قطعاً إلى تغيير جوهري جذري يعيد إلى الخطاب الإعلامي هويته المستقلة التي تضع بين يديه وبأمانة شؤون ثقافة أعطت البشرية في يوم ما أعظم ما لديها من تجارب ثقافة تحتضر اليوم شأنها شأن الفكر القومي الذي أصبح عالة ثقيلة على عالمنا المطبوع بالعمومية ونبذ الخصوصية الوطنية، وبالتالي ارتداد العولمة بالكامل والخضوع لمنطقها حتى بات الحديث عن القومية والوطنية والخصوصية وما تشمله من تقاليد وعادات غير عدائية ضرباً من ضروب الخرافة أو البدع القديمة التي لا يمكن أن تتماشى مع العصر، وكأن هذا العصر يلزمه لكي يدخل إلى بيوتنا أن يلغي الخصوصية الوطنية والالتفات إلى الماضي والتغزل بالجبال والوديان والأنهار الوطنية والتمسك بمقولة إن الأرض أمنا جميعا تدفئنا أينما كنا بحرارتها وتثلج صدورنا أينما كنا بصقيعها وأن لا خصوصية لصحراء أو لناقة أو لنهر أو جبل ولا خصوصية لأغنية أو قصيدة، وبالتالي فإن الخيال في الفن والأدب، من دون جنسية شأنه شأن البطل الكوني /سوبرمان/ الذي لا يحمل جنسية بذاتها.
تلك هي سمات الخطاب الإعلامي الدولي أو خطاب العولمة، ورب من يسأل الآن ما هو الذي يحرك الخطاب الإعلامي العربي؟ وهل ثمة خطاب إعلامي عربي موحد أم أن هناك أنماطاً من الخطابات الإعلامية في كل دولة، وأن هذه الخطابات لا تشترك بصفة موحدة؟ ورغم أن الحديث عن شرذمة الخطاب شأن والحديث عن الخطاب نفسه شأن آخر إلا أنني أجد برغم ذلك أن ثمة حصيلة نهائية يسوقنا إليها هذا الخطاب سواء كان موحداً أو غير موحد من خلال السؤال التالي هل يجوز إعادة تشكيل ثقافة قوم من الأقوام مجددا ومسح ما كانت عليه ثقافتهم الماضية؟ وهل يجوز إيجاد نماذج جديدة للمتنبي وامرئ القيس وطه حسين. أن /اريك وانك/ الكاتب الآسيوي الذي وظف قلمه في الصحافة الغربية لصالح الغرب يعتقد أن بإمكان ويحق الغربي وعملا بقوته وأحقيته وسطوته أن يعيد تشكيل ثقافات الشعوب كما يريد وبما يحقق مصالحه الكاملة. وإذا كان هذا الكاتب الآسيوي قد تخلى عن ثقافة أجداده واعتقد بأن بإمكان الغرب أن يصنع الثقافة، ويعيد تشكيلها وفق هواه فيمكن أن يصنع الصاروخ والسيارات الفارهة. وإذا كانت الكاتبة البريطانية أيميلي انكرام تدعو الغرب صراحة إلى أن يدافع عن نفسه ضد ما تسميه الراديكالية الإسلامية في سياق مقال عن ردود الفعل الإسلامية على نشر الصور المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الصحف الدنماركية، إذا كان هؤلاء يعبرون عن فلسفاتهم من دون خجل ومن دون مجاملة ومن دون احترام حرية الآخرين، ويدافعون عن مصالح حضاراتهم بدقة تحت ما يسمونه صراحة (صراع الحضارات) فلماذا لا ندافع عن خصوصيتنا لماذا نتخلى عن اعتزازنا بهذه الخصوصية؟ ولماذا نخاف من أن يسود بين ثنايانا خطاب إعلامي متوازن من شأنه أن يخلق لنا أجيالاً جديدة تتخلى عن العقد الفكرية والدينية والسياسية وتطلق لسانها بوضوح ومن دون تردد.
ولابد من إعادة التذكير بأن الحديث عن الخطاب الإعلامي العربي لا يعني إعادة تشكيل الخطاب القومي أبداً إذ إن الخطاب القومي شأن سياسي يدخل في أجندة قوى وأحزاب وله موازينه الفكرية، أما الخطاب الإعلامي فإنه النزعة العمومية في التعبير وبدل أن يكون تعبيرنا عن نزعتنا متوترا غير واضح وموظف لأغراض تجارية إعلانية تسوق على حساب غيرها من الأغراض ندعو أن يكون تعبيرنا عن نزعتنا الذاتية معبراً عن مرحلة بناء قادمة لأجيال قادمة لا نريد لها أن تكون لعبة يتقاذفها الغرب مثل تقاذف الآباء والأجداد، ولابد أيضاً من أن ندرك أن هذا الخطاب الإعلامي لابد أن تكون له قضية يدافع عنها بصدق وعفوية من دون تعصب أعمى وطائفية وتغليب نزعة الفئوية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3285::/cck::
::introtext::
الإعلام ربما يكون العلم الوحيد الذي لا تخضع عمليات تقييمه ونقده وتقييم أدائه للنظام الحسابي، مثلما تخضع غيره من العلوم لسبب أنه العلم الذي يختلف الناس على أهميته، بعد أن اتفقوا على أن لا اختلاف بينهم حول علوم الطب والفلك والفيزياء والكيمياء وبقية العلوم التي تخضع للمنطق الحسابي.
::/introtext::
::fulltext::
الإعلام ربما يكون العلم الوحيد الذي لا تخضع عمليات تقييمه ونقده وتقييم أدائه للنظام الحسابي، مثلما تخضع غيره من العلوم لسبب أنه العلم الذي يختلف الناس على أهميته، بعد أن اتفقوا على أن لا اختلاف بينهم حول علوم الطب والفلك والفيزياء والكيمياء وبقية العلوم التي تخضع للمنطق الحسابي.
إن اختلاف الناس على أهمية علم الإعلام يأتي بسبب كونه علماً حديثاً على المنهجية الأكاديمية، رغم أن الإنسان مارسه منذ القدم فعلياً وليس منهجياً وبقدر تعلق الأمر بالعرب وليس بغيرهم من الأمم فإن الإعلام لعب دوراً مهماً في حياتهم، خاصة أنهم أمة تعاملت مع الكلام تعاملاً شفافاً قاده آلاف الشعراء والكتّاب والمثقفين منذ جاهليتهم وحتى نهضتهم ثم نكوصهم وعودتهم إلى الحياة مطلع القرن الماضي.
إن حديثنا عن الإعلام هو حديث عن معنى وجود هذه الأمة لالتصاقه بلغة التعبير وفنون المخاطبة التي هي من أهم وسائل التعبير عندها. لذا فإننا بقدر ما نفهم هذه الوسيلة ونتعرف إلى مدى قدرتها على التعبير عن العمق في الشخصية الوطنية بقدر ما نتعرف إلى الميل الفعلي والتطور الفعلي في الشخصية.
تلك المقدمة ربما لا تحظى باهتمام الكثير من القراء لكنني أجدها مهمة، ونحن معاً سنستعرض ما أصاب الإعلام من أمراض جعلته يدور في مكانه يحتمي خلف متاريس الحكومات، ويواجه الأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بنمط من الدفاعية المقيتة، ويتخلى عن مهمة كشف الألغام قبل تفجيرها. وهي المهمة الرئيسية التي يجدر أن يقوم بها الإعلام في كل المجتمعات التي تسعى إلى التحضر.
الحديث عن الإعلام إنما هو حديث تقييم شامل للعلاقة بينه وبين المتغيرات والتحولات الكبيرة في الحياة، ولا أعتقد أن الحديث عن هذا العلم الذي لايزال خارج دائرة الاهتمام الفعلي، والذي لم يكن بمقدوره حتى الآن قيادة أي جزء من التحولات الخطيرة في حياتنا تسعه مثل هذه الدراسة البسيطة، وعليه فإن أمامنا ثلاث محطات مهمة يجب التوقف عندها لنتعرف ربما ولو بشكل خارجي إلى صلة هذا العلم بحياتنا العامة بعد أن ظل بعيداً عن حياتنا الخاصة والتدخل فيها وتغييرها وفقاً لنمط أخلاقي مؤثر ومستمر هدفه بناء الشخصية وتقديمها.
المحطة الأولى:
وتمتد ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية وما خلفتاه من النتائج كان الأبرز فيها ظهور الكتلة الاشتراكية كمعسكر وقوة عسكرية واقتصادية وما رافقها بعد ذلك من بروز التكتلات السياسية وما ظهر من حرب باردة انتهت بسقوط الأنظمة الاشتراكية وأعلاه الاتحاد السوفييتي وعودة القيادة الرأسمالية للعالم في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.
ومن دون الخوض في تفاصيل التشعبات السياسية المعروفة في هذه الحقبة من الزمن إلا أننا هنا نتوقف عند مأزق ساهم الإعلام في رسم صورته وقام بتأطيرها وبروزها ومنع التلاعب بها تحت توجيه الساسة الذين يقودون الأحزاب والتيارات والقوى الفاعلة في المجتمعات العربية وأنني هنا استعمل المثال الفلسطيني كنتيجة إعلامية لنحو نصف قرن من العمل المتلاحق بين السياسة والإعلام، من دون أن أقصد أنني مع ضياع نصف فلسطين. إنه فقط مثال ملموس يقع تحت اليد.
عندما أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين بعد عام 1948 رفض الساسة العرب قاطبة التعامل مع القرار، وقادوا الإعلام لنحو نصف قرن من الزمن قيادة محكمة لرفض هذا القرار والترويج بأن مجرد التفكير في تطبيقه أو الدعوة لقيام دولة فلسطين من الضفة الغربية وقطاع غزة إنما هو خيانة كبرى.
وهكذا أصبح التلاحم بين الحكومات والإعلام نموذجاً فريداً في الحياة لم ينجح في أي حقل آخر من الحقول مثلما نجح في التعامل مع القضية الفلسطينية التي كانت إلى غاية الحادي عشر من أيلول سبتمبر 2001 الشغل الشاغل للإعلام العربي.
وكانت فلسطين هي القاسم المشترك الأعظم في الحياة العربية، وكان الراديو والصحف والمجلات، وهي وسائل الإعلام التي كانت في هذه الحقبة من الزمن، تقود الخطاب الإعلامي والذي كان في أغلبه وسيلة بيد الحاكم ضد المحكوم في الغالب.
وفي هذه الحقبة التي امتدت منذ مطلع القرن العشرين ومن الخامس من حزيران عام 1966 كان النموذج الوطني واضحاً في الحياة العربية مستنداً إلى أسس سياسية تاريخية تمتلك أمثلتها وشواهدها. وكذا الحال بالنسبة إلى صنع نموذج البطولة والتحرر.
وكانت هذه قاعدة الأواني المستطرقة على المتلقي العربي فتؤثر فيه وتفعل فعلها من المحيط إلى الخليج.
وبمواجهة هذه النماذج التي اهتم بها الخطاب الإعلامي الغربي انبرى النموذج الغربي وفقاً لنظرية الحضور الإعلامي، فطرح في وقت مبكر فكرة البطل الخارق (السوبرمان) دون أن يمنحه جنسية معينة بل أبقاه معلقاً في أذهان الشباب باعتباره مثلاً عالمياً.
وبرغم أن التصادم بين النموذجين لم يكن مؤاتيا في تلك الفترة، وبرغم الثورة الشعرية العربية التي ربطت حولها محور الإعلام لعقود طويلة، فقد انبرى الخطاب الإعلامي العربي بالتعامل مع المرأة بشكل فعال ومحترم، حتى إن المرأة قفزت إلى قيادة الخطاب الإعلامي بوقت مبكر فكانت كتابات (بنت الشاطئ) وكانت قصائد نازك الملائكة تأخذ لب المتلقي، وتعبر تعبيراً دقيقاً عن أن المرأة قاسم مشترك في الحياة العامة وليست ذات وظيفة منزلية فقط، وهذا الخطاب القديم تغلب وقفز على الخطاب الحالي الذي اعتمد (العري والجنس) فقط.
المحطة الثانية
بدأت فعلياً بعد نكسة حزيران 1967، وتحديداً مع شرذمة القوى والأحزاب والتيارات السياسية العربية وانقساماتها الخطيرة أو لنقل بدقة بعد الإفاقة الكبيرة بأن ثمة لعبة دولية كان العرب ضحاياها منذ أبرم الغرب اتفاقية سايكس بيكو مطلع القرن الماضي.
إن أبرز ما في هذه المرحلة هو سقوط المرجعيات السياسية واهتزاز المرجعيات الفكرية وتذبذب الخطاب الإعلامي العربي بعد أن واجه العرب دافعاً جديداً نجم عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان ورفضها الانسحاب من هذه الأراضي وضربها عرض الحائط بالقرارات الدولية، وهكذا حصل التغيير في الخطاب الإعلامي العربي الذي كان يعتبر مجرد التفكير بتطبيق قرار تقسيم فلسطين خيانة كبرى، فأصبح يتحدث عن مهمة (فايروس فاش) ثم كارتر.. ثم.. ثم.. ثم كامب ديفيد وأخيراً أوسلو وما تلاه من قيام سلطة فلسطينية على بضعة أمتار فقط من أراضي فلسطين.
هذا التغيير الدراماتيكي في الخطاب الإعلامي العربي رافقه بالضرورة تغيير في نمط الحياة وكانت الحصيلة المنطقية الأولى أن الإعلام وخطابه وشيوخه ووسائله لا يقود الحياة إنما هو مجرد وسيلة تعبير بليدة ليس بمقدوره لعب دور القيادة والتوجيه وأخذ المبادرة وهكذا سقط الإعلام بالضربة القاضية أمام امتحان الثقة في النصف الثاني من القرن العشرين.
وتحت وطأة هذا التغيير الكبير ظهرت على نطاق واسع الدعوات لصناعة الإعلام ووضعه في بورصة السوق التجارية شأنه شأن أية صناعة أخرى. نعم الإعلام صناعة وحرفة بإمكانها أن تدر الملايين، ولكن أن توضع لهذه الصناعة مهمة واحدة فقط تروج للخبر وللعري وللتقانات الوافدة شيء وأن تعبر هذه الصناعة المطلوبة عن الحياة ومتغيراتها في مجتمعاتنا تعبيراً دقيقاً يعبر عن احترام التقاليد والعادات الاجتماعية وعن فلسفة قوم لهم باع طويل في بناء الحياة شيء آخر.
إن الصناعة هنا تأخذ الحرفة فقط وتترك الضرورة الملمة لهذه الحرفة تأخذ الحرية، وتترك ضرورة هذه الحرية وهنا فقط حصل التداخل السريع، وأخذ الخطاب الإعلامي العربي يخرج عن السيطرة تماما مثلما خرج مرض (أنفلونزا الطيور) عن سيطرة البشر ويهدد بالتحول إلى وباء.
مقابل هذه الحيرة والتخبط في الخطاب الإعلامي العربي الذي فشل في إبلاغ المتلقي العربي بأن الغرب استطاع أن يسرق بوسائل متعددة 75 في المائة من أموال سكان الأرض وترك للباقين 25 في المائة فقط يتقاسمون العيش فيها ويتصارعون ويتقاتلون من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن فيها، كانت الرؤية الغربية لواقعنا السياسي والاجتماعي ولتطورنا الخلقي تصيب في الصميم وتطرق أبوابنا بقوة، وبينما يدعو بيني مورس صراحة إلى وجوب ترحيل الفلسطينيين من أرض فلسطين بما في ذلك سكان عام 1948 خلال العقدين المقبلين يرى نعوم تشومسكي وإسرائيل شاماك بأن الفكر الإسرائيلي وكذلك الأمريكي لا يريدان إلا مزيداً من الفقر والجهل للفلسطينيين وذلك عندما انبريا للدفاع عن صمت المفكرين العرب وحيرتهم الكبرى الحالية.
إن مرحلة ما بعد حزيران امتازت بالتجريبية وبالخوف من الإعلان عن الهوية القومية، وامتازت بالتخلي عن الخطاب الوطني والعودة إلى المنبع الديني كحل نهائي، ومثل هذه المتغيرات السريعة أصابت الخطاب الإعلامي العربي بالدوار، وبشرت بولادات فكرية مشوهة قد تحرق الأخضر واليابس من دون عودة سريعة للفكر السياسي والثقافي وخطابهما الموحد ومن دون ظهور مفكرين قادرين على صياغة بدائل وطنية معقولة ومقبولة وجديدة.
لقد كان سقوط الاتحاد السوفييتي وغياب المرجعية الدولية في التصدي للشراكة الاقتصادية الصناعية الفكرية الإعلامية الغربية هي الميزة التي طبعت هذه الحقبة التي شهدت نهاية الرغبة الاستقلالية والنزوع إلى التحرر، وجاءت بفكرة انصهار الشعوب أو العولمة وغياب النزعة الاستقلالية.
المحطة الثالثة:
تبدأ هذه المحطة من محطات الخطاب الإعلامي العربي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما ولا تزال مستمرة ربما إلى عقدين أو ثلاثة عقود أخرى من القرن الجديد.
وشهدت هذه المحطة الجديدة تغييراً جوهرياً في الخطاب الإعلامي العربي شمل هذا التغيير التخلي عن نموذج البطل الوطني والتمسك بالبطل الديني والتخلي عن النزعة القومية والوطنية والدعوة إلى الديمقراطية على النمط الغربي والتوغل في الترويج لفكرة العولمة والانبهار بتحول العالم إلى قرية صغيرة بإمكانها أن تخلق جمهورية أفلاطونية تقتل خصوصية الشعوب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
إن سعي الخطاب الإعلامي العربي الرسمي الجديد نفسه إلى الديمقراطية لا يبدد أنه يسير بحسب جدلية التوافق بين الزمان والمكان، فالزمان هو أوائل القرن الحادي والعشرين والمكان هو الوطن العربي الذي حكم عليه منذ أن وضع رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي منتصف سبعينات القرن الماضي بريجنسكي رؤيته إلى عالم تنتمي فيه الروح الداعية إلى تفكيك الكيانات الكبرى.
ورغم أن بريجنسكي كان يطرق هو ومن معه في الفترة التي سبقت احتلال السوفييت لأفغانستان يطرق تحت جدار الاتحاد السوفييتي الذي سقط بعد ذلك بأقل من عقدين من الزمن إلا أن بريجنسكي بشر بوقت مبكر أيضاً بديمقراطية غرستها الدول الكبرى، وليست ديمقراطية مطلقة السراح ديمقراطية عليها أن تحارب الإرهاب من دون الاتفاق على تعريف الإرهاب، ولابد من التذكير بأن وجهة النظر الغربية عن الديمقراطية تختلف عن وجهة النظر العربية. فالأولى نتاج من نتاجات فكرة أفلاطون قبل ألفين وخمسمائة عام بحسب ما ورد في محاورته السياسية أن الحكومة يجب ألا يتولاها سوى نخب لديهم قدرة الإدراك والحكمة المطلوبة.
ومثل هذه النماذج الديمقراطية لا تتناسب ومجتمعنا القبلي العربي بأي حال من الأحوال فلقد أصبح الحديث عن الخطاب الإعلامي العربي عن الديمقراطية والتعددية خطابا يكاد يكون ملزماً وهو خطاب يذكرني بفرضية الخطاب الذي ساد أربعينات وخمسينات ومعظم ستينات القرن الماضي عن القضية الفلسطينية، والذي كان يقاتل من أجل منع إقامة دولة في قسم من فلسطين وهكذا.
وعادت الحيرة إلى الخطاب الإعلامي العربي ويخطئ من يظن أن هذا الخطاب تعقل ونضج. إن ما يطرحه هذا الخطاب من نظرة متدنية إلى المرأة وخلوه من نماذج نسائية رائدة على غرار الريادة في النصف الثاني من القرن الماضي وانغماسه إلى حد احتماله في عولمة المرأة الفناء السياسة وتبشيره بنمط برامجي لا حياة فيه وتخليه عن الثقافة لاعتقاده بأنها تتناقض مع البرامجية إن هذه الأمراض الخطيرة التي تصيب الإعلام العربي تحتاج قطعاً إلى تغيير جوهري جذري يعيد إلى الخطاب الإعلامي هويته المستقلة التي تضع بين يديه وبأمانة شؤون ثقافة أعطت البشرية في يوم ما أعظم ما لديها من تجارب ثقافة تحتضر اليوم شأنها شأن الفكر القومي الذي أصبح عالة ثقيلة على عالمنا المطبوع بالعمومية ونبذ الخصوصية الوطنية، وبالتالي ارتداد العولمة بالكامل والخضوع لمنطقها حتى بات الحديث عن القومية والوطنية والخصوصية وما تشمله من تقاليد وعادات غير عدائية ضرباً من ضروب الخرافة أو البدع القديمة التي لا يمكن أن تتماشى مع العصر، وكأن هذا العصر يلزمه لكي يدخل إلى بيوتنا أن يلغي الخصوصية الوطنية والالتفات إلى الماضي والتغزل بالجبال والوديان والأنهار الوطنية والتمسك بمقولة إن الأرض أمنا جميعا تدفئنا أينما كنا بحرارتها وتثلج صدورنا أينما كنا بصقيعها وأن لا خصوصية لصحراء أو لناقة أو لنهر أو جبل ولا خصوصية لأغنية أو قصيدة، وبالتالي فإن الخيال في الفن والأدب، من دون جنسية شأنه شأن البطل الكوني /سوبرمان/ الذي لا يحمل جنسية بذاتها.
تلك هي سمات الخطاب الإعلامي الدولي أو خطاب العولمة، ورب من يسأل الآن ما هو الذي يحرك الخطاب الإعلامي العربي؟ وهل ثمة خطاب إعلامي عربي موحد أم أن هناك أنماطاً من الخطابات الإعلامية في كل دولة، وأن هذه الخطابات لا تشترك بصفة موحدة؟ ورغم أن الحديث عن شرذمة الخطاب شأن والحديث عن الخطاب نفسه شأن آخر إلا أنني أجد برغم ذلك أن ثمة حصيلة نهائية يسوقنا إليها هذا الخطاب سواء كان موحداً أو غير موحد من خلال السؤال التالي هل يجوز إعادة تشكيل ثقافة قوم من الأقوام مجددا ومسح ما كانت عليه ثقافتهم الماضية؟ وهل يجوز إيجاد نماذج جديدة للمتنبي وامرئ القيس وطه حسين. أن /اريك وانك/ الكاتب الآسيوي الذي وظف قلمه في الصحافة الغربية لصالح الغرب يعتقد أن بإمكان ويحق الغربي وعملا بقوته وأحقيته وسطوته أن يعيد تشكيل ثقافات الشعوب كما يريد وبما يحقق مصالحه الكاملة. وإذا كان هذا الكاتب الآسيوي قد تخلى عن ثقافة أجداده واعتقد بأن بإمكان الغرب أن يصنع الثقافة، ويعيد تشكيلها وفق هواه فيمكن أن يصنع الصاروخ والسيارات الفارهة. وإذا كانت الكاتبة البريطانية أيميلي انكرام تدعو الغرب صراحة إلى أن يدافع عن نفسه ضد ما تسميه الراديكالية الإسلامية في سياق مقال عن ردود الفعل الإسلامية على نشر الصور المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الصحف الدنماركية، إذا كان هؤلاء يعبرون عن فلسفاتهم من دون خجل ومن دون مجاملة ومن دون احترام حرية الآخرين، ويدافعون عن مصالح حضاراتهم بدقة تحت ما يسمونه صراحة (صراع الحضارات) فلماذا لا ندافع عن خصوصيتنا لماذا نتخلى عن اعتزازنا بهذه الخصوصية؟ ولماذا نخاف من أن يسود بين ثنايانا خطاب إعلامي متوازن من شأنه أن يخلق لنا أجيالاً جديدة تتخلى عن العقد الفكرية والدينية والسياسية وتطلق لسانها بوضوح ومن دون تردد.
ولابد من إعادة التذكير بأن الحديث عن الخطاب الإعلامي العربي لا يعني إعادة تشكيل الخطاب القومي أبداً إذ إن الخطاب القومي شأن سياسي يدخل في أجندة قوى وأحزاب وله موازينه الفكرية، أما الخطاب الإعلامي فإنه النزعة العمومية في التعبير وبدل أن يكون تعبيرنا عن نزعتنا متوترا غير واضح وموظف لأغراض تجارية إعلانية تسوق على حساب غيرها من الأغراض ندعو أن يكون تعبيرنا عن نزعتنا الذاتية معبراً عن مرحلة بناء قادمة لأجيال قادمة لا نريد لها أن تكون لعبة يتقاذفها الغرب مثل تقاذف الآباء والأجداد، ولابد أيضاً من أن ندرك أن هذا الخطاب الإعلامي لابد أن تكون له قضية يدافع عنها بصدق وعفوية من دون تعصب أعمى وطائفية وتغليب نزعة الفئوية.
::/fulltext::
::cck::3285::/cck::
