عام صعب على أمن الخليج
::cck::3276::/cck::
::introtext::
أثبت عام 2006 أنه عام صعب بالنسبة للأمن في منطقة الخليج، إذ إن التطورات الراهنة لا تترك للأسف مجالاً كبيراً للتفاؤل. كما كان المناخ الأمني متوتراً أيضاً في منطقة الخليج على مدى عام 2005، بل إن المخاوف كانت تزداد مع مرور أيام السنة بأن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الصراع، فقد فشل العراق في تحقيق الهدوء، بينما اتخذت إيران موقفاً يزداد تصلباً نحو دول أخرى، لتتفاقم المخاوف من التبعات المحتملة لبرنامجها النووي. وربما يكون من الممكن احتواء هذه القضايا لو أنها كانت منعزلة، غير أن عدم وجود أي نظام لإدارة الصراعات في الوقت الذي تتداخل وتتفاعل الاهتمامات الإقليمية والخارجية في ما يخص القضايا الأمنية يُبـرِز خطراً واضحاً بأن الأحداث قد تخرج عن نطاق السيطرة، فتفتح الباب أمام صراع جديد يمكن أن يكون مدمراً.
::/introtext::
::fulltext::
أثبت عام 2006 أنه عام صعب بالنسبة للأمن في منطقة الخليج، إذ إن التطورات الراهنة لا تترك للأسف مجالاً كبيراً للتفاؤل. كما كان المناخ الأمني متوتراً أيضاً في منطقة الخليج على مدى عام 2005، بل إن المخاوف كانت تزداد مع مرور أيام السنة بأن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الصراع، فقد فشل العراق في تحقيق الهدوء، بينما اتخذت إيران موقفاً يزداد تصلباً نحو دول أخرى، لتتفاقم المخاوف من التبعات المحتملة لبرنامجها النووي. وربما يكون من الممكن احتواء هذه القضايا لو أنها كانت منعزلة، غير أن عدم وجود أي نظام لإدارة الصراعات في الوقت الذي تتداخل وتتفاعل الاهتمامات الإقليمية والخارجية في ما يخص القضايا الأمنية يُبـرِز خطراً واضحاً بأن الأحداث قد تخرج عن نطاق السيطرة، فتفتح الباب أمام صراع جديد يمكن أن يكون مدمراً.
ويمكن تسجيل ثلاث ملاحظات مهمة حول المناخ الأمني الراهن في منطقة الخليج:
* الأولى هي أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة مستمرة في التصاعد، فقد احتفظت منطقة الخليج بموقعها ذي الأهمية الاستثنائية من خلال القضايا الأساسية التي تحظى حالياً بالاهتمام العالمي، وذلك بدءاً من العراق ومروراً بالأزمة النووية مع إيران ووصولاً إلى التأثيرات الأوسع للإرهاب وحالة عدم الاستقرار السياسي. وتولي مناطق أخرى مثل آسيا المزيد من الاهتمام بمنطقة الخليج، فقد أكدت الأحداث الأخيرة في هذه المنطقة أن أمن الخليج ليس قضية إقليمية فحسب، بل هو قضية ذات تفاعلات وتأثيرات عالمية.
وهناك إجماع على أن الخليج هو شريان حياة الطاقة بالنسبة للعالم. وتشير التطورات الحديثة في الوقت الحاضر إلى أن الدور الحيوي لهذه المنطقة في الازدهار والاستقرار الاقتصادي العالمي سوف يصبح أكثر أهمية وحساسية خلال العقود المقبلة، فقد ارتفع سعر برميل النفط خلال أقل من سنتين بنسبة 55 في المائة. وتدل جميع المؤشرات على أن الأسعار ستبقى مرتفعة، بل تتجه نحو المزيد من الارتفاع، وذلك بدلاً من أن تشير إلى احتمال حدوث حالة استرخاء في أسواق النفط العالمية، حتى إن تقديرات وصول سعر برميل النفط إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل لم تعد تُعتبـَـر مبالغاً فيها. ويعود أحد عوامل هذه الزيادات إلى التصاعد الكبير في الطلب الآسيوي على الطاقة، وهو طلب مرشح للارتفاع. وهناك عامل ثانٍ، وهو أن العجز في قدرات إنتاج مصافي النفط سوف يستمر لعقود مقبلة من الزمن. وجعلت هذه الحقائق روسيا تضع أمن الطاقة في صدارة جدول أعمال القمة المقبلة للدول الصناعية الثماني. ويُذكـَـر أن منطقة الخليج تنتج في الوقت الحاضر بأقصى طاقاتها الإنتاجية من النفط، باستثناء المملكة العربية السعودية التي تمتلك طاقة أعلى مما تنتج عملياً. وتضيف الأحداث السياسية عاملاً آخر إلى الحساسية الشديدة التي تعاني منها سوق النفط.
فعلى الرغم من فشل محاولة عناصر من تنظيم (القاعدة) مهاجمة مجمع (أبقيق) النفطي في المملكة العربية السعودية وعدم حدوث أي أضرار نتيجة لهذه المحاولة، فإنها أدت إلى زيادة سعر برميل النفط دولارين بصورة فورية.
ولذلك، فإن منطقة الخليج تظل منطقة حساسة حتى في قضايا الطاقة وحدها.
* الملاحظة الثانية هي أن الأمن الفعلي في منطقة الخليج وآفاقه المستقبلية لا يشهدان تحسناً. ويشير التاريخ الحديث للصراعات في هذه المنطقة إلى أن انتهاء أزمة محددة لا تتبعه بالضرورة فترة من الاستقرار النسبي، فقد أدى قيام الثورة الإيرانية إلى اندلاع الحرب الإيرانية ـ العراقية التي قادت بدورها إلى الغزو العراقي لدولة الكويت. ولا يوجد في الوقت الحاضر ما يشير إلى أن العلاقات في منطقة الخليج تتجه نحو التحسن بعد غزو العراق وإزاحة نظام حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فالعراق يتأرجح على حافة حرب أهلية، كما أن غزوه جعل الإرهاب يتصاعد بدلاً من أن يتقلص. أما إيران التي تتسلح بمفهوم (زائف) من الثقة بالنفس، فإنها تخاطر باحتمال تعرضها لتدخل خارجي، بينما تقف بعناد في مواجهة المجتمع الدولي في ما يخص برنامجها النووي. ويمثل كل من إيران والعراق في الوقت الحالي عاملين سلبيين في الجانب الأمني، وأن النتيجة الواضحة التي يمكن أن تترتب على هذا الوضع هي نشوب جولة أخرى من الصراع أو ربما قيام سباق تسلح محموم.
* الملاحظة الثالثة وتتمثل في ازدياد صفة (التدويل) في القضايا المتصلة بالمناخ الأمني في منطقة الخليج. فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة في لعب الدور المهيمن، فإن هناك أطرافاً أخرى، بما فيها أوروبا وحلف شمالي الأطلسي وآسيا بدأت تنظر باهتمام متزايد إلى منطقة الخليج، وتدرج تطورات الأحداث فيها ضمن حساباتها الاستراتيجية. وقد أصبحت قضايا الأمن الإقليمي الخليجي تمثل جزءاً من حسابات الأمن الوطني لتلك الدول. وتنعكس هذه الحقيقة في التوجه الذي لم يـَـعـُـدْ يبتعد عن قضايا أمن الخليج أو يعتبرها شأناً خاصاً بالولايات المتحدة الأمريكية. وتعلمت أوروبا، ومنها فرنسا وألمانيا درساً من خلافها مع الولايات المتحدة قبل غزو العراق، وهو أن ترك منطقة الخليج بيد واشنطن وحدها لن يكون تصرفاً يمر من دون تكاليف باهظة. وكان الهجوم الذي حدث في مدريد بمثابة تذكير بهذا الدرس. كما أن دولاً مثل الهند والصين التي تسعى إلى حماية خطوط إمداداتها من الطاقة، ليس من المرجح أن تعتمد على الولايات المتحدة أو على بعض الآليات الأمنية الإقليمية الضعيفة جداً كضمان للاستقرار. فإذا تعرضت خطوط إمدادات الطاقة إلى الخطر، فسوف تكون هذه الدول هي التي تتلقى الضربة الأولى والأكثر قسوة.
أين تضعنا هذه الحقائق؟
تتطلب المنطقة مفهوماً مختلفاً في تناول مشكلاتها، وهي بحاجة إلى ذلك في أسرع وقت ممكن. ويمكن أن تتمثل البداية الجيدة لذلك في الخطاب الذي ألقاه الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية أثناء مؤتمر الحوار الخليجي في عام 2004 في مملكة البحرين، والذي لم يلقَ ما يستحقه من الاهتمام في ذلك الوقت، فقد أكد الأمير سعود الفيصل وجود حاجة ملحّة إلى جهد جماعي يعمل على تطوير إطار جديد وأكثر صلابة لأمن منطقة الخليج.
ودعا إلى أن يستند هذا الإطار إلى مكونات وطنية وإقليمية ودولية، وأشار إلى أن المقصود بالمكونات الوطنية هو إجراء (إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية حقيقية، وليس مجرد تغييرات تجميلية أو شكلية). وقد بدأت الخطوات بالفعل لتحقيق ذلك، لكن الطريق يظل طويلاً وصعباً. ويتألف الجانب الإقليمي – حسب رأي الوزير السعودي – من (مجلس تعاون خليجي موحد ويمنٍ مزدهر وعراق مستقر وإيران صديقة). ولكن لا يتوفر أي من هذه العوامل في الوقت الحاضر، بل لا يوجد في الواقع أي تحرك في هذا الاتجاه. وطالب الأمير سعود الفيصل أخيراً في إشارته إلى الأهمية الأكيدة للمساعدة الدولية المستمرة من أجل ضمان أمن الخليج بتوفير ضمانات من جانب المجتمع الدولي وليس (بصورة أحادية من جانب القوة العظمى الوحيدة في العالم). ويعني هذا المطلب المشاركة الإيجابية من جانب القوى الآسيوية أيضاً.
هل يمكن تحقيق مثل هذه الانطلاقة؟
يعلمنا التاريخ يوماً بعد يوم أن على المرء ألاّ يفرط في التفاؤل، فالولايات المتحدة الأمريكية ليست بصدد التخلي عن هيمنتها من أجل بعض الأحاديث الدائرة حول التفاعل الأمني الجماعي المحتمل، كما أن دول مجلس التعاون الخليجي قلقة على قضاياها الأمنية الداخلية، ولا تعمل كجبهة مشتركة في ما يخص الشؤون الإقليمية. والعراق لا يزال بعيداً لأعوام مقبلة عن لعب دور إيجابي وبـنّـاء في المنطقة. وتبدو إيران في الوقت الحاضر مستعدة للمخاطرة بنشوب صراع إقليمي آخر كوسيلة لتثبيت حقها في امتلاك القدرات النووية. لهذا كله نقول إن الوضع محبط حقاً، ولا يبدو أن أحداً يرغب في أن يتخذ الخطوة الأولى حتى الآن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3276::/cck::
::introtext::
أثبت عام 2006 أنه عام صعب بالنسبة للأمن في منطقة الخليج، إذ إن التطورات الراهنة لا تترك للأسف مجالاً كبيراً للتفاؤل. كما كان المناخ الأمني متوتراً أيضاً في منطقة الخليج على مدى عام 2005، بل إن المخاوف كانت تزداد مع مرور أيام السنة بأن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الصراع، فقد فشل العراق في تحقيق الهدوء، بينما اتخذت إيران موقفاً يزداد تصلباً نحو دول أخرى، لتتفاقم المخاوف من التبعات المحتملة لبرنامجها النووي. وربما يكون من الممكن احتواء هذه القضايا لو أنها كانت منعزلة، غير أن عدم وجود أي نظام لإدارة الصراعات في الوقت الذي تتداخل وتتفاعل الاهتمامات الإقليمية والخارجية في ما يخص القضايا الأمنية يُبـرِز خطراً واضحاً بأن الأحداث قد تخرج عن نطاق السيطرة، فتفتح الباب أمام صراع جديد يمكن أن يكون مدمراً.
::/introtext::
::fulltext::
أثبت عام 2006 أنه عام صعب بالنسبة للأمن في منطقة الخليج، إذ إن التطورات الراهنة لا تترك للأسف مجالاً كبيراً للتفاؤل. كما كان المناخ الأمني متوتراً أيضاً في منطقة الخليج على مدى عام 2005، بل إن المخاوف كانت تزداد مع مرور أيام السنة بأن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من الصراع، فقد فشل العراق في تحقيق الهدوء، بينما اتخذت إيران موقفاً يزداد تصلباً نحو دول أخرى، لتتفاقم المخاوف من التبعات المحتملة لبرنامجها النووي. وربما يكون من الممكن احتواء هذه القضايا لو أنها كانت منعزلة، غير أن عدم وجود أي نظام لإدارة الصراعات في الوقت الذي تتداخل وتتفاعل الاهتمامات الإقليمية والخارجية في ما يخص القضايا الأمنية يُبـرِز خطراً واضحاً بأن الأحداث قد تخرج عن نطاق السيطرة، فتفتح الباب أمام صراع جديد يمكن أن يكون مدمراً.
ويمكن تسجيل ثلاث ملاحظات مهمة حول المناخ الأمني الراهن في منطقة الخليج:
* الأولى هي أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة مستمرة في التصاعد، فقد احتفظت منطقة الخليج بموقعها ذي الأهمية الاستثنائية من خلال القضايا الأساسية التي تحظى حالياً بالاهتمام العالمي، وذلك بدءاً من العراق ومروراً بالأزمة النووية مع إيران ووصولاً إلى التأثيرات الأوسع للإرهاب وحالة عدم الاستقرار السياسي. وتولي مناطق أخرى مثل آسيا المزيد من الاهتمام بمنطقة الخليج، فقد أكدت الأحداث الأخيرة في هذه المنطقة أن أمن الخليج ليس قضية إقليمية فحسب، بل هو قضية ذات تفاعلات وتأثيرات عالمية.
وهناك إجماع على أن الخليج هو شريان حياة الطاقة بالنسبة للعالم. وتشير التطورات الحديثة في الوقت الحاضر إلى أن الدور الحيوي لهذه المنطقة في الازدهار والاستقرار الاقتصادي العالمي سوف يصبح أكثر أهمية وحساسية خلال العقود المقبلة، فقد ارتفع سعر برميل النفط خلال أقل من سنتين بنسبة 55 في المائة. وتدل جميع المؤشرات على أن الأسعار ستبقى مرتفعة، بل تتجه نحو المزيد من الارتفاع، وذلك بدلاً من أن تشير إلى احتمال حدوث حالة استرخاء في أسواق النفط العالمية، حتى إن تقديرات وصول سعر برميل النفط إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل لم تعد تُعتبـَـر مبالغاً فيها. ويعود أحد عوامل هذه الزيادات إلى التصاعد الكبير في الطلب الآسيوي على الطاقة، وهو طلب مرشح للارتفاع. وهناك عامل ثانٍ، وهو أن العجز في قدرات إنتاج مصافي النفط سوف يستمر لعقود مقبلة من الزمن. وجعلت هذه الحقائق روسيا تضع أمن الطاقة في صدارة جدول أعمال القمة المقبلة للدول الصناعية الثماني. ويُذكـَـر أن منطقة الخليج تنتج في الوقت الحاضر بأقصى طاقاتها الإنتاجية من النفط، باستثناء المملكة العربية السعودية التي تمتلك طاقة أعلى مما تنتج عملياً. وتضيف الأحداث السياسية عاملاً آخر إلى الحساسية الشديدة التي تعاني منها سوق النفط.
فعلى الرغم من فشل محاولة عناصر من تنظيم (القاعدة) مهاجمة مجمع (أبقيق) النفطي في المملكة العربية السعودية وعدم حدوث أي أضرار نتيجة لهذه المحاولة، فإنها أدت إلى زيادة سعر برميل النفط دولارين بصورة فورية.
ولذلك، فإن منطقة الخليج تظل منطقة حساسة حتى في قضايا الطاقة وحدها.
* الملاحظة الثانية هي أن الأمن الفعلي في منطقة الخليج وآفاقه المستقبلية لا يشهدان تحسناً. ويشير التاريخ الحديث للصراعات في هذه المنطقة إلى أن انتهاء أزمة محددة لا تتبعه بالضرورة فترة من الاستقرار النسبي، فقد أدى قيام الثورة الإيرانية إلى اندلاع الحرب الإيرانية ـ العراقية التي قادت بدورها إلى الغزو العراقي لدولة الكويت. ولا يوجد في الوقت الحاضر ما يشير إلى أن العلاقات في منطقة الخليج تتجه نحو التحسن بعد غزو العراق وإزاحة نظام حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فالعراق يتأرجح على حافة حرب أهلية، كما أن غزوه جعل الإرهاب يتصاعد بدلاً من أن يتقلص. أما إيران التي تتسلح بمفهوم (زائف) من الثقة بالنفس، فإنها تخاطر باحتمال تعرضها لتدخل خارجي، بينما تقف بعناد في مواجهة المجتمع الدولي في ما يخص برنامجها النووي. ويمثل كل من إيران والعراق في الوقت الحالي عاملين سلبيين في الجانب الأمني، وأن النتيجة الواضحة التي يمكن أن تترتب على هذا الوضع هي نشوب جولة أخرى من الصراع أو ربما قيام سباق تسلح محموم.
* الملاحظة الثالثة وتتمثل في ازدياد صفة (التدويل) في القضايا المتصلة بالمناخ الأمني في منطقة الخليج. فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية مستمرة في لعب الدور المهيمن، فإن هناك أطرافاً أخرى، بما فيها أوروبا وحلف شمالي الأطلسي وآسيا بدأت تنظر باهتمام متزايد إلى منطقة الخليج، وتدرج تطورات الأحداث فيها ضمن حساباتها الاستراتيجية. وقد أصبحت قضايا الأمن الإقليمي الخليجي تمثل جزءاً من حسابات الأمن الوطني لتلك الدول. وتنعكس هذه الحقيقة في التوجه الذي لم يـَـعـُـدْ يبتعد عن قضايا أمن الخليج أو يعتبرها شأناً خاصاً بالولايات المتحدة الأمريكية. وتعلمت أوروبا، ومنها فرنسا وألمانيا درساً من خلافها مع الولايات المتحدة قبل غزو العراق، وهو أن ترك منطقة الخليج بيد واشنطن وحدها لن يكون تصرفاً يمر من دون تكاليف باهظة. وكان الهجوم الذي حدث في مدريد بمثابة تذكير بهذا الدرس. كما أن دولاً مثل الهند والصين التي تسعى إلى حماية خطوط إمداداتها من الطاقة، ليس من المرجح أن تعتمد على الولايات المتحدة أو على بعض الآليات الأمنية الإقليمية الضعيفة جداً كضمان للاستقرار. فإذا تعرضت خطوط إمدادات الطاقة إلى الخطر، فسوف تكون هذه الدول هي التي تتلقى الضربة الأولى والأكثر قسوة.
أين تضعنا هذه الحقائق؟
تتطلب المنطقة مفهوماً مختلفاً في تناول مشكلاتها، وهي بحاجة إلى ذلك في أسرع وقت ممكن. ويمكن أن تتمثل البداية الجيدة لذلك في الخطاب الذي ألقاه الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية أثناء مؤتمر الحوار الخليجي في عام 2004 في مملكة البحرين، والذي لم يلقَ ما يستحقه من الاهتمام في ذلك الوقت، فقد أكد الأمير سعود الفيصل وجود حاجة ملحّة إلى جهد جماعي يعمل على تطوير إطار جديد وأكثر صلابة لأمن منطقة الخليج.
ودعا إلى أن يستند هذا الإطار إلى مكونات وطنية وإقليمية ودولية، وأشار إلى أن المقصود بالمكونات الوطنية هو إجراء (إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية حقيقية، وليس مجرد تغييرات تجميلية أو شكلية). وقد بدأت الخطوات بالفعل لتحقيق ذلك، لكن الطريق يظل طويلاً وصعباً. ويتألف الجانب الإقليمي – حسب رأي الوزير السعودي – من (مجلس تعاون خليجي موحد ويمنٍ مزدهر وعراق مستقر وإيران صديقة). ولكن لا يتوفر أي من هذه العوامل في الوقت الحاضر، بل لا يوجد في الواقع أي تحرك في هذا الاتجاه. وطالب الأمير سعود الفيصل أخيراً في إشارته إلى الأهمية الأكيدة للمساعدة الدولية المستمرة من أجل ضمان أمن الخليج بتوفير ضمانات من جانب المجتمع الدولي وليس (بصورة أحادية من جانب القوة العظمى الوحيدة في العالم). ويعني هذا المطلب المشاركة الإيجابية من جانب القوى الآسيوية أيضاً.
هل يمكن تحقيق مثل هذه الانطلاقة؟
يعلمنا التاريخ يوماً بعد يوم أن على المرء ألاّ يفرط في التفاؤل، فالولايات المتحدة الأمريكية ليست بصدد التخلي عن هيمنتها من أجل بعض الأحاديث الدائرة حول التفاعل الأمني الجماعي المحتمل، كما أن دول مجلس التعاون الخليجي قلقة على قضاياها الأمنية الداخلية، ولا تعمل كجبهة مشتركة في ما يخص الشؤون الإقليمية. والعراق لا يزال بعيداً لأعوام مقبلة عن لعب دور إيجابي وبـنّـاء في المنطقة. وتبدو إيران في الوقت الحاضر مستعدة للمخاطرة بنشوب صراع إقليمي آخر كوسيلة لتثبيت حقها في امتلاك القدرات النووية. لهذا كله نقول إن الوضع محبط حقاً، ولا يبدو أن أحداً يرغب في أن يتخذ الخطوة الأولى حتى الآن.
::/fulltext::
::cck::3276::/cck::
