الأمن البيئي الخليجي: التحديات وأولويات العمل

::cck::3202::/cck::
::introtext::

 لقد تطورت مفاهيم جديدة للأمن، وظهرت تعبيرات جديدة مثل (الأمن الإنساني) و(التعايش السلمي) و(الأمن الجماعي) و(الأمن المشترك) و(الأمن البيئي)، وكلها تشير إلى أن الأمن لا يشمل فحسب الجوانب العسكرية، بل أيضاً الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية. فتقليدياً كان مفهوم الأمن يكاد يكون قاصراً على الأمن العسكري، إذ كان يبدو أن التحديات التي تواجه دولة ما تأتي من استعمال العنف من خارجها أي من جانب دولة أخرى أو ربما كان استخدام العنف أو التمرد من الداخل، ومن ثم سعت الدول إلى تحقيق أمنها عن طريق تكوين القوات المسلحة من أجل مقاومة أو ردع أي هجوم محتمل، ولكن في ظل التغيرات السريعة التي شهدها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يعد هذا المفهوم الضيق للأمن معبراً بصدق عن التحديات المختلفة التي تواجه الدول والتي تمثل تهديداً لمصالحها الحيوية في عالم تزداد فيه ظاهرة الاعتماد المتبادل، وربما تكون أكبر الأخطار التي تهدد الأمن هي الأخطار الاقتصادية، وكذلك التهديدات البيئية وما قد ينجم عنها من أخطار جسيمة؛ فلم يعد نشوب التوترات والنزاعات العسكرية قاصراً على حدوثها بمفردها، ولكنها أصبحت ممتزجة بتحديات عالمية جديدة يأتي في مقدمتها اتساع نطاق التخلف، وانتشار الفقر، ومشكلات بيئية واسعة النطاق تهدد الحياه البشرية، والمساواة الاقتصادية والأمن القومي والإقليمي والعالمي.

::/introtext::
::fulltext::

لقد تطورت مفاهيم جديدة للأمن، وظهرت تعبيرات جديدة مثل (الأمن الإنساني) و(التعايش السلمي) و(الأمن الجماعي) و(الأمن المشترك) و(الأمن البيئي)، وكلها تشير إلى أن الأمن لا يشمل فحسب الجوانب العسكرية، بل أيضاً الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية. فتقليدياً كان مفهوم الأمن يكاد يكون قاصراً على الأمن العسكري، إذ كان يبدو أن التحديات التي تواجه دولة ما تأتي من استعمال العنف من خارجها أي من جانب دولة أخرى أو ربما كان استخدام العنف أو التمرد من الداخل، ومن ثم سعت الدول إلى تحقيق أمنها عن طريق تكوين القوات المسلحة من أجل مقاومة أو ردع أي هجوم محتمل، ولكن في ظل التغيرات السريعة التي شهدها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يعد هذا المفهوم الضيق للأمن معبراً بصدق عن التحديات المختلفة التي تواجه الدول والتي تمثل تهديداً لمصالحها الحيوية في عالم تزداد فيه ظاهرة الاعتماد المتبادل، وربما تكون أكبر الأخطار التي تهدد الأمن هي الأخطار الاقتصادية، وكذلك التهديدات البيئية وما قد ينجم عنها من أخطار جسيمة؛ فلم يعد نشوب التوترات والنزاعات العسكرية قاصراً على حدوثها بمفردها، ولكنها أصبحت ممتزجة بتحديات عالمية جديدة يأتي في مقدمتها اتساع نطاق التخلف، وانتشار الفقر، ومشكلات بيئية واسعة النطاق تهدد الحياه البشرية، والمساواة الاقتصادية والأمن القومي والإقليمي والعالمي. ولذلك تتنوع مصادر التهديد للأمن البيئي الخليجي، الأمر الذي يتطلب وضع مجموعة من الاستراتيجيات لمواجهة تلك التهديدات وتحقيق الأمن البيئي الخليجي.
مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي
تتعدد مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي ما بين مصادر إقليمية تتمثل في التلوث بجميع أنواعه وخاصة تلوث مياه الخليج والتلوث الإشعاعي والتصحر والتعرية والجفاف والحروب التي باتت تهدد البيئة الخليجية في أي وقت، ومصادر أخرى تهدد الأمن العالمي الذي يمثل الأمن البيئي الخليجي جزءاً منه، ويأتي في مقدمة تلك المصادر: التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري، وثقب الأوزون فضلاً عن التنوع البيولوجي، ويمكن عرض أهم بعض مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي تفصيلاً في الآتي:
1ـ الحـــروب:
في أوقات الحروب تعتبر بعض المصادر الاستراتيجية مثل مشروعات إنتاج الطاقة ومنشآت توزيع الطاقة أهدافاً معرضة للهجوم في حالة الحرب، ومن المحتمل أن تكون المفاعلات النووية ومفاعلات الأبحاث الذرية أهدافاً مغرية بصفة خاصة وذلك نظراً لأهميتها في عمليات توليد الكهرباء وعلاقتها بمجالات إنتاج الأسلحة النووية وكذلك نظرا للأخطار المتضاعفة التي تنجم عن توالد الموارد المشعة عندما يحدث انفجار في قلب المفاعل بسبب العمليات الحربية
(قصف جوي، عمليات تخريب.. إلخ) ومن أوضح الأمثلة على ذلك قيام إسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي (إوزيراك) في يونيو 1981، كما كانت الأهداف ذات الصبغة النووية في العراق هي أول الأهداف التي هوجمت أثناء الغارات الجوية التي قامت بها قوات التحالف في يناير 1991، لكن الأخطر من ذلك كله ما قام به العراقيون في أواخر فترة احتلالهم القصيرة للكويت عندما تعمدوا تدمير البنية الأساسية للمجمعات الصناعية الكويتية لإنتاج البترول. وكذلك أدى اعتقاد العراقيين بأن البترول هو الهدف الأول للحرب الأنجلو – أمريكية على العراق إلى قيامهم بإشعال النار في أنابيب النفط العراقية التي تحاول قوات الاحتلال السيطرة عليها لاستخدامها في تصدير النفط العراقي إلى الخارج.
ومما يزيد من الأثر المدمر للحروب في البيئة الخليجية هو نوعية الأسلحة المدمرة المستخدمة في حربي الخليج الثانية والثالثة، فخلال هاتين الحربين تم استخدام كمية من اليورانيوم المنضب تفوق 2000 طن متري، والتي تحتاج إلى أكثر من 150 مليار دولار لتنظيف البيئة منها، وهذه التكلفة الاقتصادية الهائلة جاءت على أساس اعتبار تنظيف منطقة ملوثة بحوالي 70 طناً في الولايات المتحدة قدرت تكلفتها بأربعة مليارات دولار. ومن ناحية أخرى أكد المتخصصون في مجال البيئة أن النفايات النووية ومنها اليورانيوم المستنفذ (المنضب) الذي تركته الحربان الأخيرتان وراءهما سيبقى تأثيرها البيئي والصحي في الخليج لسنوات طويلة. وفي هذا كله تأكيد ودليل واضح على أن الحروب باتت من أهم مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي.
2ـ تلوث مياه الخليج:
تعتبر مياه الخليج ذات أهمية كبيرة بالنسبة للدول المطلة عليه، ليس فقط لاحتوائها على الثروات الطبيعية التي تتضمن الثروة السمكية واللؤلؤ والكائنات الحية التي تتميز بها هذه المنطقة، ولكن لأنها مصدر أساسي لمياه الشرب، لذلك شكل تلوث الخليج العربي بملايين البراميل من النفط الخام تهديداً مباشراً لمحطات التحلية المطلة على شاطئ الخليج، كما أن إحراق آبار النفط أدى إلى تلوث الهواء مما كون مطراً حمضياً، أدى بدوره إلى زيادة جسيمات الكبريت الساقطة سواء على المياه أو التربة، ولم تصبح المياه الجوفية نادرة فحسب، وإنما أيضاً ذات نوعية مختلفة في صفاتها الطبيعية. الجدير بالذكر هنا أن بعض الدراسات أشارت إلى أن الخليج العربي هو أكثر المجاري المائية تلوثاً بالنفط على مستوى العالم، وتقدر كمية النفط التي تلوث مياه الخليج العربي بما يقرب من 144 ألف طن سنوياً، وفي تقدير آخر ورد أن الفترة الممتدة من عام 1979 وحتى عام 1989, تلوثت المنطقة بحوالي 150 ألف طن من النفط، ووفقاً لهذه التقديرات فإن التلوث بالنفط في تلك المنطقة يمثل 3.1 في المائة من مجموع التلوث العالمي بالنفط، أي بمقدار 47 مرة عن متوسط كمية البيئة البحرية في أي مساحة مماثلة.
فمنذ الستينات من القرن العشرين وحتى عام 1996، حدثت 62 بقعة نفط أساسية – يقصد ببقعة النفط الأساسية تلك البقعة التي تضم أكثر من 10 ملايين جالون من النفط (الجالون = 3.78 متراً)- ولقد كانت بقعة النفط التي حدثت في فبراير 1991 خلال حرب الخليج الثانية أكبر بقعة نفط تحدث على مدى التاريخ، حيث أغرق الخليج العربي بنحو 240 مليون برميل من النفط الخام، مما أثر فيه سلباً، وأثر بالتالي في ثروته السمكية.
3ـ التلوث الإشعاعي والنووي:
على الرغم من أن الإنسان لم يستخدم الطاقة النووية كسلاح منذ عام 1945، إلا أن مصادر التلوث الإشعاعي متعددة، وتأتي في مقدمتها اختبارات وتجارب الأسلحة النووية والهيدروجينية والتي تنتج عنها كميات ضخمة من الطاقة من المواد المشعة التي تسبب دماراً شاملاً لمظاهر الحياة على سطح الأرض، واستخدام المفاعلات النووية وتوليد الطاقة الكهربائية وعمليات نقل وتداول المواد والعناصر المشعة، وحوادث المنشآت والمفاعلات النووية والتي قد تنجم عن بعضها آثار بالغة الخطورة خاصة عندما يحدث انصهار في قلب المفاعل، ومن أشهر تلك الحوادث، ذلك الحادث الذي وقع في الوحدة الرابعة في محطة (تشرنوبيل) لإنتاج الكهرباء في 26 إبريل عام 1986. ويضاف إلى ذلك عمليات التداول غير المشروع للمواد والعناصر المشعة، حيث أدى تزايد استخدام العناصر المشعة في الأغراض الطبية والبحوث العلمية والأغراض الصناعية والزراعية إلى زيادة الطلب على هذه العناصر، وكثيراً ما تتعرض هذه العناصر لحوادث الفقد والسرقة والإهمال وكلها أمور قد تؤدي إلى حدوث تلوث إشعاعي.
ويتأكد تهديد التلوث الإشعاعي والنووي في ظل وجود البرنامج النووي الإيراني الذي تعود جذوره إلى أوائل السبعينات عندما جرى العمل في بناء مفاعل (بوشهر) على الخليج بدعوى حاجة هذا المفاعل لمصدر ماء متوافر، ويتعذر الحصول عليه داخل إيران، ولكن ذلك كان له مغزى سياسي واستراتيجي، وجاء في ظل هدف الشاه محمد رضا بهلوي بشأن القيام بدور شرطي الخليج. وقد ظهرت في النصف الثاني من عام 2003 عدة دلائل ووقائع تشير في مجملها إلى تطوير البرنامج النووي الإيراني، حيث قامت إيران بإطلاق برنامج لتطوير تكنولوجيا تصنيع الماء الثقيل، ولديها منشأة تقوم بذلك في مدينة (آراك)، كذلك تقوم إيران باستغلال ترسيبات لليورانيوم الطبيعي الموجود في أراضيها بالقرب من (يازد) كمصدر محلي للمواد المشعة، وحاولت الحصول – حسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووثيقة فرنسية – على معدات نووية خاصة بإعادة معالجة الوقود النووي عام 2000، وكذلك سعت إلى الاستعانة بخبراء وعلماء أجانب من باكستان وكوريا الشمالية ودول غربية أخرى لتطوير برامجها النووية، بل وجدت في موقع (ناتانز) النووي عينات من مستويين من اليورانيوم.
ويتعاظم خطر التلوث الإشعاعي والنووي على الأمن البيئي الخليجي في ظل ما أعلنته إسرائيل التي ليست بعيدة جغرافياً عن دول الخليج في مارس عام 1996 عن إمكانية التسرب من حاويات النفايات النووية في صحراء النقب حيث يوجد مفاعل ديمونة، فأي إشعاع يتسرب يبقى لمدة زمنية طويلة، ويظل بقاؤه خطراً موقوتاً ينذر بانتشار الإشعاع في حالة هطول أمطار تسبب سيولا أو انتقال رياح قوية أو غيرها من العوامل الطبيعية التي تنقل الإشعاع المتسرب إلى أماكن أخرى.
ومن هنا يتضح أن الحوادث النووية قد تحدث في لحظات، ولكنها تعرض الحياه البشرية للخطر لسنوات، وبذلك يصبح مفاعل (ديمونة) والنفايات النووية المدفونة في صحراء النقب قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت مؤدية إلى ضرر لا يمكن أن يحمد عقباه.
كيفية تفعيل وسائل تحقيق الأمن البيئي الخليجي
إن تحقيق الاستقرار والأمن لبيئة الخليج العربي يتطلب أن تضع دوله – وعلى وجه السرعة – المعاهدات الدولية المتعلقة بالبيئة موضع التنفيذ، وبصفة خاصة ينبغي استعراض وتعزيز اتفاقية (لاهاي) الثانية لعام 1899، والرابعة لعام 1907، وبروتوكول جنيف الأول لعام 1925 بشأن الحرب الكيميائية والبكترولوجية، واتفاقية حماية التراث العالمي والثقافي والطبيعي لعام 1972، وكذلك بروتوكول (برن) الأول لعام 1917، يضاف إلى ذلك ضرورة استمرار دول الخليج العربي في تأييد ودعم كل المبادرات الخاصة بإخلاء الشرق الأوسط وآسيا من أسلحة الدمار الشامل، وكذلك يجب تفعيل المبادئ الخاصة بالقانون الدولي للبيئة باعتباره أحد فروع القانون الدولي. ومن أهم تلك المبادئ ما ورد في إعلان استوكهولم عام 1972، ومنها حق الدول في السيادة الكاملة على ثرواتها واستخراجها طبقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ووفقاً لسياستها الخاصة في مجال حماية البيئة، وفي هذا المجال تتحمل الدول المسؤولية الكاملة في ألا تؤدي نشاطاتها داخل حدود سيادتها الإقليمية أو في الأقاليم التي تخضع لرقابتها إلى الإضرار بالبيئة التي تقع في الدول الأخرى أو الأقاليم التي تقع خارج سيادتها الإقليمية.
لقد آن الأوان أن تدرك دول الخليج العربية أن حجم الموارد الطبيعية وقدرات النظم البيئية أصبح محدوداً، الأمر الذي يحتم عليها اتباع أو وضع خطط تنموية لا تقود إلى المزيد من الصراعات حول الموارد، ولكن يجب أيضاً أن تدفع بجهود التنمية المتواصلة في دول الخليج، إلا أن التنمية المتواصلة لا يمكن أن تتحقق من دون أن يحدث تغيير جذري في طرق وضع وتنفيذ خطط التنمية بحيث يأخذ البعد البيئي في الاعتبار، ولا يتعامل مع هذا البعد على أنه أمر مسلم به. فالتنمية المتواصلة لن تتحقق من دون استخدام رشيد للموارد المتاحة، كما أنها لن تتحقق إذا لم نجعل الأمن البيئي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والإقليمي والعالمي.
من ناحية أخرى، ينبغي التأكيد على دور جمعيات النفع العام الخليجية في حل المشكلات البيئية في منطقة الخليج العربي، حيث تعتبر المشاركة الأهلية في ما يتعلق بالبيئة من العوامل المهمة المساعدة في عملية التنمية المتواصلة، فالمجتمع المحلي هو الأكثر دراية بالبيئة المحلية المحيطة به، بل إن المنظمات الدولية تعتمد على دور المنظمات الأهلية في حل وإدارة المشكلات والمعضلات البيئية، وذلك لعلم تلك المحافل الدولية بأن السكان المحليين هم الأقدر على تشخيص المشكلة ووضع البدائل والحلول المناسبة لظروفهم، فخطط التنمية ذات البعد البيئي لن تتحقق من دون مشاركة شعبية وإحساس المواطن بالمسؤولية الفردية.
والخلاصة أن اتساع مفهوم الأمن ليشمل الجوانب البيئية جنباً إلى جنب مع الجوانب العسكرية والاقتصادية يحتم على دول الخليج العربية أن تبحث عن تحول جوهري في الأسلوب الذي يمكنها من تحقيق درجة حقيقية من الأمن، فلا يعد يجوز لقادة تلك الدول أن يكتفوا برد الفعل في سياساتهم الأمنية، خاصة في شقها البيئي، بل يجب أن يتخذوا أيضاً إجراءات وقائية. لذلك أصبحت صياغة استراتيجية طاقة بيئية متكاملة تعتمد على مبدأ (المشاركة) من الأولويات الأساسية لدول مجلس التعاون الخليجي التي أصبحت بحاجة إلى توحيد الجهود لتحديد أولويات قضايا الطاقة والبيئة، فضلاً عن تحديد الإمكانات المادية البشرية المتوافرة مما يتيح الفرصة لرسم خطط عمل قابلة للتحقيق لمواجهة مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي. لذلك فالمطلوب هو تفعيل وثيقة (العمل البيئي في الوطن العربي) وإعلان (أبوظبي للتنمية المستدامة) اللذين يمثلان خطوة مهمة وأساسية في الطريق نحو صياغة هذه الاستراتيجية، وكذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى عقد المزيد من اتفاقيات التفاهم بين دول الخليج العربية من أجل تعزيز التعاون المشترك في مجال الأمن البيئي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3202::/cck::
::introtext::

 لقد تطورت مفاهيم جديدة للأمن، وظهرت تعبيرات جديدة مثل (الأمن الإنساني) و(التعايش السلمي) و(الأمن الجماعي) و(الأمن المشترك) و(الأمن البيئي)، وكلها تشير إلى أن الأمن لا يشمل فحسب الجوانب العسكرية، بل أيضاً الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية. فتقليدياً كان مفهوم الأمن يكاد يكون قاصراً على الأمن العسكري، إذ كان يبدو أن التحديات التي تواجه دولة ما تأتي من استعمال العنف من خارجها أي من جانب دولة أخرى أو ربما كان استخدام العنف أو التمرد من الداخل، ومن ثم سعت الدول إلى تحقيق أمنها عن طريق تكوين القوات المسلحة من أجل مقاومة أو ردع أي هجوم محتمل، ولكن في ظل التغيرات السريعة التي شهدها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يعد هذا المفهوم الضيق للأمن معبراً بصدق عن التحديات المختلفة التي تواجه الدول والتي تمثل تهديداً لمصالحها الحيوية في عالم تزداد فيه ظاهرة الاعتماد المتبادل، وربما تكون أكبر الأخطار التي تهدد الأمن هي الأخطار الاقتصادية، وكذلك التهديدات البيئية وما قد ينجم عنها من أخطار جسيمة؛ فلم يعد نشوب التوترات والنزاعات العسكرية قاصراً على حدوثها بمفردها، ولكنها أصبحت ممتزجة بتحديات عالمية جديدة يأتي في مقدمتها اتساع نطاق التخلف، وانتشار الفقر، ومشكلات بيئية واسعة النطاق تهدد الحياه البشرية، والمساواة الاقتصادية والأمن القومي والإقليمي والعالمي.

::/introtext::
::fulltext::

لقد تطورت مفاهيم جديدة للأمن، وظهرت تعبيرات جديدة مثل (الأمن الإنساني) و(التعايش السلمي) و(الأمن الجماعي) و(الأمن المشترك) و(الأمن البيئي)، وكلها تشير إلى أن الأمن لا يشمل فحسب الجوانب العسكرية، بل أيضاً الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية. فتقليدياً كان مفهوم الأمن يكاد يكون قاصراً على الأمن العسكري، إذ كان يبدو أن التحديات التي تواجه دولة ما تأتي من استعمال العنف من خارجها أي من جانب دولة أخرى أو ربما كان استخدام العنف أو التمرد من الداخل، ومن ثم سعت الدول إلى تحقيق أمنها عن طريق تكوين القوات المسلحة من أجل مقاومة أو ردع أي هجوم محتمل، ولكن في ظل التغيرات السريعة التي شهدها العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يعد هذا المفهوم الضيق للأمن معبراً بصدق عن التحديات المختلفة التي تواجه الدول والتي تمثل تهديداً لمصالحها الحيوية في عالم تزداد فيه ظاهرة الاعتماد المتبادل، وربما تكون أكبر الأخطار التي تهدد الأمن هي الأخطار الاقتصادية، وكذلك التهديدات البيئية وما قد ينجم عنها من أخطار جسيمة؛ فلم يعد نشوب التوترات والنزاعات العسكرية قاصراً على حدوثها بمفردها، ولكنها أصبحت ممتزجة بتحديات عالمية جديدة يأتي في مقدمتها اتساع نطاق التخلف، وانتشار الفقر، ومشكلات بيئية واسعة النطاق تهدد الحياه البشرية، والمساواة الاقتصادية والأمن القومي والإقليمي والعالمي. ولذلك تتنوع مصادر التهديد للأمن البيئي الخليجي، الأمر الذي يتطلب وضع مجموعة من الاستراتيجيات لمواجهة تلك التهديدات وتحقيق الأمن البيئي الخليجي.
مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي
تتعدد مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي ما بين مصادر إقليمية تتمثل في التلوث بجميع أنواعه وخاصة تلوث مياه الخليج والتلوث الإشعاعي والتصحر والتعرية والجفاف والحروب التي باتت تهدد البيئة الخليجية في أي وقت، ومصادر أخرى تهدد الأمن العالمي الذي يمثل الأمن البيئي الخليجي جزءاً منه، ويأتي في مقدمة تلك المصادر: التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري، وثقب الأوزون فضلاً عن التنوع البيولوجي، ويمكن عرض أهم بعض مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي تفصيلاً في الآتي:
1ـ الحـــروب:
في أوقات الحروب تعتبر بعض المصادر الاستراتيجية مثل مشروعات إنتاج الطاقة ومنشآت توزيع الطاقة أهدافاً معرضة للهجوم في حالة الحرب، ومن المحتمل أن تكون المفاعلات النووية ومفاعلات الأبحاث الذرية أهدافاً مغرية بصفة خاصة وذلك نظراً لأهميتها في عمليات توليد الكهرباء وعلاقتها بمجالات إنتاج الأسلحة النووية وكذلك نظرا للأخطار المتضاعفة التي تنجم عن توالد الموارد المشعة عندما يحدث انفجار في قلب المفاعل بسبب العمليات الحربية
(قصف جوي، عمليات تخريب.. إلخ) ومن أوضح الأمثلة على ذلك قيام إسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي (إوزيراك) في يونيو 1981، كما كانت الأهداف ذات الصبغة النووية في العراق هي أول الأهداف التي هوجمت أثناء الغارات الجوية التي قامت بها قوات التحالف في يناير 1991، لكن الأخطر من ذلك كله ما قام به العراقيون في أواخر فترة احتلالهم القصيرة للكويت عندما تعمدوا تدمير البنية الأساسية للمجمعات الصناعية الكويتية لإنتاج البترول. وكذلك أدى اعتقاد العراقيين بأن البترول هو الهدف الأول للحرب الأنجلو – أمريكية على العراق إلى قيامهم بإشعال النار في أنابيب النفط العراقية التي تحاول قوات الاحتلال السيطرة عليها لاستخدامها في تصدير النفط العراقي إلى الخارج.
ومما يزيد من الأثر المدمر للحروب في البيئة الخليجية هو نوعية الأسلحة المدمرة المستخدمة في حربي الخليج الثانية والثالثة، فخلال هاتين الحربين تم استخدام كمية من اليورانيوم المنضب تفوق 2000 طن متري، والتي تحتاج إلى أكثر من 150 مليار دولار لتنظيف البيئة منها، وهذه التكلفة الاقتصادية الهائلة جاءت على أساس اعتبار تنظيف منطقة ملوثة بحوالي 70 طناً في الولايات المتحدة قدرت تكلفتها بأربعة مليارات دولار. ومن ناحية أخرى أكد المتخصصون في مجال البيئة أن النفايات النووية ومنها اليورانيوم المستنفذ (المنضب) الذي تركته الحربان الأخيرتان وراءهما سيبقى تأثيرها البيئي والصحي في الخليج لسنوات طويلة. وفي هذا كله تأكيد ودليل واضح على أن الحروب باتت من أهم مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي.
2ـ تلوث مياه الخليج:
تعتبر مياه الخليج ذات أهمية كبيرة بالنسبة للدول المطلة عليه، ليس فقط لاحتوائها على الثروات الطبيعية التي تتضمن الثروة السمكية واللؤلؤ والكائنات الحية التي تتميز بها هذه المنطقة، ولكن لأنها مصدر أساسي لمياه الشرب، لذلك شكل تلوث الخليج العربي بملايين البراميل من النفط الخام تهديداً مباشراً لمحطات التحلية المطلة على شاطئ الخليج، كما أن إحراق آبار النفط أدى إلى تلوث الهواء مما كون مطراً حمضياً، أدى بدوره إلى زيادة جسيمات الكبريت الساقطة سواء على المياه أو التربة، ولم تصبح المياه الجوفية نادرة فحسب، وإنما أيضاً ذات نوعية مختلفة في صفاتها الطبيعية. الجدير بالذكر هنا أن بعض الدراسات أشارت إلى أن الخليج العربي هو أكثر المجاري المائية تلوثاً بالنفط على مستوى العالم، وتقدر كمية النفط التي تلوث مياه الخليج العربي بما يقرب من 144 ألف طن سنوياً، وفي تقدير آخر ورد أن الفترة الممتدة من عام 1979 وحتى عام 1989, تلوثت المنطقة بحوالي 150 ألف طن من النفط، ووفقاً لهذه التقديرات فإن التلوث بالنفط في تلك المنطقة يمثل 3.1 في المائة من مجموع التلوث العالمي بالنفط، أي بمقدار 47 مرة عن متوسط كمية البيئة البحرية في أي مساحة مماثلة.
فمنذ الستينات من القرن العشرين وحتى عام 1996، حدثت 62 بقعة نفط أساسية – يقصد ببقعة النفط الأساسية تلك البقعة التي تضم أكثر من 10 ملايين جالون من النفط (الجالون = 3.78 متراً)- ولقد كانت بقعة النفط التي حدثت في فبراير 1991 خلال حرب الخليج الثانية أكبر بقعة نفط تحدث على مدى التاريخ، حيث أغرق الخليج العربي بنحو 240 مليون برميل من النفط الخام، مما أثر فيه سلباً، وأثر بالتالي في ثروته السمكية.
3ـ التلوث الإشعاعي والنووي:
على الرغم من أن الإنسان لم يستخدم الطاقة النووية كسلاح منذ عام 1945، إلا أن مصادر التلوث الإشعاعي متعددة، وتأتي في مقدمتها اختبارات وتجارب الأسلحة النووية والهيدروجينية والتي تنتج عنها كميات ضخمة من الطاقة من المواد المشعة التي تسبب دماراً شاملاً لمظاهر الحياة على سطح الأرض، واستخدام المفاعلات النووية وتوليد الطاقة الكهربائية وعمليات نقل وتداول المواد والعناصر المشعة، وحوادث المنشآت والمفاعلات النووية والتي قد تنجم عن بعضها آثار بالغة الخطورة خاصة عندما يحدث انصهار في قلب المفاعل، ومن أشهر تلك الحوادث، ذلك الحادث الذي وقع في الوحدة الرابعة في محطة (تشرنوبيل) لإنتاج الكهرباء في 26 إبريل عام 1986. ويضاف إلى ذلك عمليات التداول غير المشروع للمواد والعناصر المشعة، حيث أدى تزايد استخدام العناصر المشعة في الأغراض الطبية والبحوث العلمية والأغراض الصناعية والزراعية إلى زيادة الطلب على هذه العناصر، وكثيراً ما تتعرض هذه العناصر لحوادث الفقد والسرقة والإهمال وكلها أمور قد تؤدي إلى حدوث تلوث إشعاعي.
ويتأكد تهديد التلوث الإشعاعي والنووي في ظل وجود البرنامج النووي الإيراني الذي تعود جذوره إلى أوائل السبعينات عندما جرى العمل في بناء مفاعل (بوشهر) على الخليج بدعوى حاجة هذا المفاعل لمصدر ماء متوافر، ويتعذر الحصول عليه داخل إيران، ولكن ذلك كان له مغزى سياسي واستراتيجي، وجاء في ظل هدف الشاه محمد رضا بهلوي بشأن القيام بدور شرطي الخليج. وقد ظهرت في النصف الثاني من عام 2003 عدة دلائل ووقائع تشير في مجملها إلى تطوير البرنامج النووي الإيراني، حيث قامت إيران بإطلاق برنامج لتطوير تكنولوجيا تصنيع الماء الثقيل، ولديها منشأة تقوم بذلك في مدينة (آراك)، كذلك تقوم إيران باستغلال ترسيبات لليورانيوم الطبيعي الموجود في أراضيها بالقرب من (يازد) كمصدر محلي للمواد المشعة، وحاولت الحصول – حسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ووثيقة فرنسية – على معدات نووية خاصة بإعادة معالجة الوقود النووي عام 2000، وكذلك سعت إلى الاستعانة بخبراء وعلماء أجانب من باكستان وكوريا الشمالية ودول غربية أخرى لتطوير برامجها النووية، بل وجدت في موقع (ناتانز) النووي عينات من مستويين من اليورانيوم.
ويتعاظم خطر التلوث الإشعاعي والنووي على الأمن البيئي الخليجي في ظل ما أعلنته إسرائيل التي ليست بعيدة جغرافياً عن دول الخليج في مارس عام 1996 عن إمكانية التسرب من حاويات النفايات النووية في صحراء النقب حيث يوجد مفاعل ديمونة، فأي إشعاع يتسرب يبقى لمدة زمنية طويلة، ويظل بقاؤه خطراً موقوتاً ينذر بانتشار الإشعاع في حالة هطول أمطار تسبب سيولا أو انتقال رياح قوية أو غيرها من العوامل الطبيعية التي تنقل الإشعاع المتسرب إلى أماكن أخرى.
ومن هنا يتضح أن الحوادث النووية قد تحدث في لحظات، ولكنها تعرض الحياه البشرية للخطر لسنوات، وبذلك يصبح مفاعل (ديمونة) والنفايات النووية المدفونة في صحراء النقب قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت مؤدية إلى ضرر لا يمكن أن يحمد عقباه.
كيفية تفعيل وسائل تحقيق الأمن البيئي الخليجي
إن تحقيق الاستقرار والأمن لبيئة الخليج العربي يتطلب أن تضع دوله – وعلى وجه السرعة – المعاهدات الدولية المتعلقة بالبيئة موضع التنفيذ، وبصفة خاصة ينبغي استعراض وتعزيز اتفاقية (لاهاي) الثانية لعام 1899، والرابعة لعام 1907، وبروتوكول جنيف الأول لعام 1925 بشأن الحرب الكيميائية والبكترولوجية، واتفاقية حماية التراث العالمي والثقافي والطبيعي لعام 1972، وكذلك بروتوكول (برن) الأول لعام 1917، يضاف إلى ذلك ضرورة استمرار دول الخليج العربي في تأييد ودعم كل المبادرات الخاصة بإخلاء الشرق الأوسط وآسيا من أسلحة الدمار الشامل، وكذلك يجب تفعيل المبادئ الخاصة بالقانون الدولي للبيئة باعتباره أحد فروع القانون الدولي. ومن أهم تلك المبادئ ما ورد في إعلان استوكهولم عام 1972، ومنها حق الدول في السيادة الكاملة على ثرواتها واستخراجها طبقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ووفقاً لسياستها الخاصة في مجال حماية البيئة، وفي هذا المجال تتحمل الدول المسؤولية الكاملة في ألا تؤدي نشاطاتها داخل حدود سيادتها الإقليمية أو في الأقاليم التي تخضع لرقابتها إلى الإضرار بالبيئة التي تقع في الدول الأخرى أو الأقاليم التي تقع خارج سيادتها الإقليمية.
لقد آن الأوان أن تدرك دول الخليج العربية أن حجم الموارد الطبيعية وقدرات النظم البيئية أصبح محدوداً، الأمر الذي يحتم عليها اتباع أو وضع خطط تنموية لا تقود إلى المزيد من الصراعات حول الموارد، ولكن يجب أيضاً أن تدفع بجهود التنمية المتواصلة في دول الخليج، إلا أن التنمية المتواصلة لا يمكن أن تتحقق من دون أن يحدث تغيير جذري في طرق وضع وتنفيذ خطط التنمية بحيث يأخذ البعد البيئي في الاعتبار، ولا يتعامل مع هذا البعد على أنه أمر مسلم به. فالتنمية المتواصلة لن تتحقق من دون استخدام رشيد للموارد المتاحة، كما أنها لن تتحقق إذا لم نجعل الأمن البيئي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي والإقليمي والعالمي.
من ناحية أخرى، ينبغي التأكيد على دور جمعيات النفع العام الخليجية في حل المشكلات البيئية في منطقة الخليج العربي، حيث تعتبر المشاركة الأهلية في ما يتعلق بالبيئة من العوامل المهمة المساعدة في عملية التنمية المتواصلة، فالمجتمع المحلي هو الأكثر دراية بالبيئة المحلية المحيطة به، بل إن المنظمات الدولية تعتمد على دور المنظمات الأهلية في حل وإدارة المشكلات والمعضلات البيئية، وذلك لعلم تلك المحافل الدولية بأن السكان المحليين هم الأقدر على تشخيص المشكلة ووضع البدائل والحلول المناسبة لظروفهم، فخطط التنمية ذات البعد البيئي لن تتحقق من دون مشاركة شعبية وإحساس المواطن بالمسؤولية الفردية.
والخلاصة أن اتساع مفهوم الأمن ليشمل الجوانب البيئية جنباً إلى جنب مع الجوانب العسكرية والاقتصادية يحتم على دول الخليج العربية أن تبحث عن تحول جوهري في الأسلوب الذي يمكنها من تحقيق درجة حقيقية من الأمن، فلا يعد يجوز لقادة تلك الدول أن يكتفوا برد الفعل في سياساتهم الأمنية، خاصة في شقها البيئي، بل يجب أن يتخذوا أيضاً إجراءات وقائية. لذلك أصبحت صياغة استراتيجية طاقة بيئية متكاملة تعتمد على مبدأ (المشاركة) من الأولويات الأساسية لدول مجلس التعاون الخليجي التي أصبحت بحاجة إلى توحيد الجهود لتحديد أولويات قضايا الطاقة والبيئة، فضلاً عن تحديد الإمكانات المادية البشرية المتوافرة مما يتيح الفرصة لرسم خطط عمل قابلة للتحقيق لمواجهة مصادر تهديد الأمن البيئي الخليجي. لذلك فالمطلوب هو تفعيل وثيقة (العمل البيئي في الوطن العربي) وإعلان (أبوظبي للتنمية المستدامة) اللذين يمثلان خطوة مهمة وأساسية في الطريق نحو صياغة هذه الاستراتيجية، وكذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى عقد المزيد من اتفاقيات التفاهم بين دول الخليج العربية من أجل تعزيز التعاون المشترك في مجال الأمن البيئي.

::/fulltext::
::cck::3202::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *