القمة الخليجية التشاورية الثامنة في الرياض .. قراءة في النتائج والدلالات
::cck::3210::/cck::
::introtext::
انعقدت القمة الخليجية التشاورية الثامنة لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض بداية شهر مايو 2006 في ظروف بالغة الدقة والحساسية سواء بالنظر إلى كم التطورات السياسية والاقتصادية الحادثة بالمنطقة وتسارع وتيرتها ، أو إلى التفاعلات المختلفة بين أطرافها ومع العالم الخارجي، أو نتيجة لسيطرة مناخ التصعيد وغلبة خطاب التحدي في أكثر من قضية حساسة تمس دول المنطقة، ومثلت في مجملها تحدياً لدول المجلس لدرجة بات معها أمنها يقترب من دائرة التهديد والخطر.
::/introtext::
::fulltext::
انعقدت القمة الخليجية التشاورية الثامنة لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض بداية شهر مايو 2006 في ظروف بالغة الدقة والحساسية سواء بالنظر إلى كم التطورات السياسية والاقتصادية الحادثة بالمنطقة وتسارع وتيرتها ، أو إلى التفاعلات المختلفة بين أطرافها ومع العالم الخارجي، أو نتيجة لسيطرة مناخ التصعيد وغلبة خطاب التحدي في أكثر من قضية حساسة تمس دول المنطقة، ومثلت في مجملها تحدياً لدول المجلس لدرجة بات معها أمنها يقترب من دائرة التهديد والخطر.
فقد تزامنت القمة التشاورية الثامنة مع تصاعد وتيرة التفاعلات الإقليمية، فالملف النووي الإيراني وصل إلى درجة من التعقيد على خلفية المواجهة المحتملة بين الغرب وطهران نتيجة لتشدد كل طرف بمواقفه، بل وتهديد واشنطن في أكثر من مناسبة بأنها لا تستبعد القيام بعمل عسكري منفرد ضد طهران. وكذلك الملف العراقي بتفاعلاته الكثيفة يشهد هو الآخر تطورات دراماتيكية نتيجة لانفلات الأوضاع الأمنية فيه بدرجة غير مسبوقة، قد تتطور إلى حرب أهلية قد تطال تأثيراتها دول المجلس، والملف الفلسطيني هو الآخر يشهد تطورات خطيرة في ظل الحصار المالي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني بعد قطع المساعدات والمعونات من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا من ناحية وفي ظل المأزق الذي يواجهه الداخل الفلسطيني على خلفية الصراع بين حركتي (حماس) و(فتح) من ناحية ثانية.
وعلى الصعيد الداخلي، انعقدت القمة التشاورية في وقت تتزايد فيه المخاوف من تعرض دول المجلس لاعتداءات إرهابية، وسط تصاعد الأشرطة الصادرة عن قادة القاعدة (ابن لادن والظواهري) التي تدعو إلى الاعتداء على المنشآت النفطية، كما حدث في نهاية شهر فبراير 2006 من الاعتداء على مصفاة (أبقيق) شرقي المملكة العربية السعودية، وقد تبنى تنظيم القاعدة مسؤوليته عن الهجوم، وحذر من تكرار عمليات مماثلة في المستقبل.
وبقدر ما مثلته هذه التحديات من خطورة على أمن دول المجلس، فقد ناقشتها القمة التشاورية الثامنة تفصيلياً وموضوعياً وذلك على النحو التالي:
بالنسبة لأزمة الملف النووي الإيراني والعلاقة مع طهران، فقد طالبت القمة بضرورة اعتماد مبدأ الحوار في معالجة هذه الأزمة، والتأكيد على اعتماد الدبلوماسية السلمية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتسوية الأزمة عوضاً عن استخدام القوة، وطالبت في الوقت ذاته بمعالجة الملف في إطار الآلية والمرجعية الخاصة به، وذلك بتركه في عهدة وكالة الطاقة وإبعاده عن مجلس الأمن والفصل السابع الإلزامي من ميثاق الأمم المتحدة. ويعكس ذلك إدراك القمة بأن إخراج هذه القضية من يد وكالة الطاقة ليس سوى خطوة أولى لتأجيج المشكلة ووضعها على طريق المواجهة العسكرية اللاحقة، التي لن يكون أحد في المنطقة بمأمن من شظاياها.
وكانت دول المجلس حريصة في الوقت ذاته على تأكيد موقفها السابق الداعي إلى ضرورة جعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها منطقة الخليج، خالية من أسلحة الدمار الشامل، وضرورة انضمام إسرائيل أسوة ببقية دول المنطقة إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
وتحسباً لأي سيناريوهات مفاجئة بالنسبة لهذا الملف، ناقشت القمة خطة عمل مشتركة للتعامل مع كافة الاحتمالات المترتبة على التصعيد الراهن بين إيران والولايات المتحدة، تشمل التدابير الوقائية المترتبة على استخدام القوة في الاتجاهات المختلفة لتأمين المنطقة من أي أخطار أمنية أو بيئية أو بشرية أو اقتصادية.
وبالنسبة للملف العراقي، اهتمت القمة التشاورية بالوضع في العراق من منطلق الحرص على العراق ووحدة أراضيه وضرورة أن ينعم بالأمن والاستقرار، وأعربت عن أملها في أن يكون اختيار القيادات السياسية في العراق ممثلاً لجميع أطياف الشعب العراقي، فضلاً عن تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كافة أطياف الشعب العراقي وقادرة على إيقاف دوامة العنف وبناء مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار.
وينسجم هذا الموقف مع ثوابت الموقف الخليجي إزاء العراق الجديد، والتي تنطلق من مبادئ أساسية هي الحفاظ على عروبة العراق ووحدة أراضيه وسيادته والإسهام في إعادة البناء والإعمار وبما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار هناك.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية، أكدت القمة التشاورية مواقفها الثابتة، حيث شددت على ألا يعاقب الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، وكانت دول المجلس أكدت في وقت سابق أنها ستواصل تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني ، كما استقبلت وفداً من قادة حماس وتشاورت معه حول العديد من القضايا.
ويأتي الاهتمام الملحوظ من قبل قادة دول المجلس بالقضية الفلسطينية ليكشف عن عمق الانتماء العربي لها وعن فهم خليجي موضوعي للمصالح العربية العليا في نطاق التفاعلات الإقليمية والدولية، حيث تحملت دول الخليج العربية دائماً مسؤولياتها القومية تجاه القضية الفلسطينية بصورة خاصة، وإزاء الصراع العربي – الإسرائيلي بصورة عامة، وكانت سباقة إلى تقديم الدعم للشعب الفلسطيني، سواء على المستوى السياسي في المحافل الدولية كافة أو على المستوى المادي من خلال تقديم المساعدات العينية أو من خلال تمويلها لمشاريع الإسكان لتعويض الفلسطينيين عن منازلهم التي هدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. ومن ثم جاءت قمة الرياض التشاورية لتؤكد على هذا البعد، حيث أكد القادة الخليجيون مساندتهم للشعب الفلسطيني.
وبالنسبة لملف التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، بحثت القمة موضوع الإرهاب باعتباره من الموضوعات التي تؤثر بشكل مباشر في المنطقة وأمنها واستقرارها، ودعت إلى إنشاء مركز لمكافحة الإرهاب، وقد رحبت مملكة البحرين باستضافته . وترجع فكرة إنشاء هذا المركز إلى دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال مؤتمر مكافحة الإرهاب الذي عقد في الرياض العام الماضي 2005، وتم تكليف وزراء الداخلية بدول المجلس بتفعيل هذا الاقتراح.
القمة الخليجية التشاورية الثامنة .. رؤية تقييمية:
اكتسبت القمة التشاورية الثامنة في الرياض أهمية خاصة في ضوء تزامنها مع الذكرى الخامسة والعشرين لإنشاء مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو عام 1981، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول مسيرة العمل الخليجي المشترك ومستقبل التكامل والاندماج.
كما أن القمة التشاورية الثامنة تقع في منتصف الطريق بين القمتين السابقة التي انعقدت في أبو ظبي (قمة الملك فهد) في ديسمبر 2005 والقمة المقبلة بالمنامة في ديسمبر 2006، مما يعني أن قمة الرياض التشاورية كانت بمثابة فرصة لتقييم ما تم اتخاذه من قرارات في القمة السابقة من ناحية، ولتبادل الآراء ووجهات النظر حول المواقف من القضايا المختلفة والتنسيق حولها حتى تكون جاهزة للمناقشة في القمة المقبلة في المنامة.
والجدير بالذكر أن فكرة عقد اللقاء التشاوري السنوي جاء بناء على اقتراح تقدم به أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، وصدر بشأنه قرار في قمة مجلس التعاون في دورته التاسعة عشرة التي عقدت في الإمارات في ديسمبر 1998، يقضي بعقد لقاء تشاوري نصف سنوي لقادة دول المجلس من أجل الوقوف على ومتابعة كافة الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية والخليجية وصولاً إلى بلورة رؤية مشتركة بشأنها من دون الالتزام بجدول أعمال أو إصدار بيان ختامي.
وتتبدى أهم الغايات التي يستهدفها الاجتماع التشاوري أو التنسيقي في الآتي:
– الإطلاع على مجريات الأمور والأحداث التي تستجد بعد انعقاد الدورة الاعتيادية للمجلس الأعلى لدول الخليج، مما يقتضي التشاور المستمر بشأنها من أجل الوقوف على تأثيراتها وانعكاساتها المختلفة.
– التأكيد على الثوابت التي تقوم عليها سياسات دول الخليج في التعاون والتنسيق والتفاهم المشترك.
– التعاطي مع التلاحق السريع للأحداث والتطورات، سواء على المستوى الخليجي أو العربي أو الدولي.
– توسيع قاعدة الحوار والنقاش حول القضايا المشتركة على المستويين الإقليمي والدولي.
وبالرغم من أن البعض قلل من أهمية آلية القمة التشاورية عند إنشائها في قمة أبوظبي عام 1998 على أساس أنها تعقد من دون جدول أعمال ولا يصدر عنها بيان ختامي ، فإن النظرة الشاملة للأمور تقتضي الإشارة إلى :
أ- إنها التجربة الأولى على المستويين الخليجي والعربي، التي تعقد فيها اجتماعات قمة بهذا المستوى دون عناء وأعباء روتينية المظاهر البروتوكولية والرسمية، إضافة إلى أجواء الضغط الإعلامي. وفي هذا الصدد يساعد عدم وجود جدول أعمال للقمة على طرح العديد من القضايا التي تهم دول المجلس وتخدم مسيرة العمل المشترك من دون الالتزام بموضوعات يتم تحديدها مسبقاً من جانب اللجان المختصة، ولعل ما يؤكد أهمية آلية القمة التشاورية الخليجية هو دعوة الرئيس المصري محمد حسني مبارك خلال جولته الخليجية في شهر فبراير 2006 إلى عقد قمم تشاورية مماثلة على الصعيد العربي لبحث تطورات الأوضاع العربية ومستجداتها.
ب-آلية القمة التشاورية ملائمة لطبيعة دول المجلس وتتسق مع تركيبتها ، لما توفره من خصوصية اللقاء وحرية النقاش في أجواء حميمية ومناخ مفتوح عبر حوارات ثنائية وجماعية لتبادل وجهات النظر حول القضايا العالقة، والإطلاع على مجريات الأمور والأحداث التي تستجد على الساحة الخليجية والعربية والدولية، ومحاولة الوصول إلى موقف خليجي واحد إزاءها ، بدلاً من تركها دون اتخاذ قرارات لمدة عام كامل، أي حتى انعقاد القمة الخليجية السنوية المقبلة في ديسمبر 2006 .
جـ – تسمح القمة النصف سنوية بمتابعة ما تم اتخاذه من قرارات المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي ، وتقييم ما تم إنجازه على كافة الصعد. ولا شك أن ترسيخ هذا التقليد والمحافظة عليه يعد خطوة مهمة على طريق التكامل الخليجي، ويسهم في تفعيل الحوار التشاوري بين دول المجلس على مستوى القمة ويزيل أي عوائق أو مشكلات أو تباين في وجهات نظر دول المجلس إزاء أي مسألة.
د – إن القمة التشاورية هي خطوة لصالح العمل العربي المشترك بشكل عام والخليجي بشكل خاص، نظلمها إذا قارناها بالنظام في الاتحاد الأوروبي الذي يعقد اجتماعين رسميين في السنة ، ونحبطها إذا قللنا من أهميتها بدعوى أنها لا تعلن مواقف محددة.
ولدى تقييم القمة الخليجية التشاورية الثامنة في الرياض – مع الأخذ في الاعتبار التطورات السابقة- يمكن القول إنها ناقشت العديد من القضايا التي تهم المواطن الخليجي من ناحية، وأكدت على عدة مبادئ في التعامل مع القضايا التي تمس أمنها واستقرارها من ناحية ثانية.
فبالنسبة للشق الأول: ناقشت القمة عدداً من القضايا المتعلقة بتحقيق فكرة التكامل الخليجي ، من بينها العملة الخليجية الموحدة، اتفاقيات التجارة الحرة مع العالم الخارجي ، الاتحاد الجمركي ، وغيرها من القضايا ، وهذه القضايا تمس حياة المواطن اليومية، وتصب في صالح تعزيز المواطنة الخليجية.
كما أن الهدف من مناقشة هذه القضايا هو تقييم ما تم اتخاذه من قرارات في قمة أبو ظبي السادسة والعشرين في ديسمبر 2005 تتعلق بالمواطنة الخليجية، وفي مقدمتها: السماح لمواطني المجلس بالعمل في دوله، وممارسة أنشطة جديدة مثل مكاتب التوظيف الأهلية وتأجير السيارات والأنشطة الثقافية، وإعفاء مجموعة من السلع من الجمرك الخليجي، للوقوف على ما تحقق منها والتعامل مع التحديات التي تواجه تطبيقها على أرض الواقع، لأنه من الأهمية بمكان الاستمرار في تفعيل مجالات العمل الاقتصادي والاتفاقيات المشتركة للمجلس على أرض الواقع وبما ينسجم ومتطلبات كل مرحلة من مراحل المسيرة الخليجية.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم ما تحقق من منجزات للمجلس وتشخيص التحديات وسبل التعاطي معها سوف يساعد على دفع تلك المسيرة إلى الأمام وتحقيق أهدافها المرجوة في التكامل المنشود، وهو ما حاولت القمة التشاورية الثامنة مناقشته والبحث في سبل تفعيل مسيرة التكامل الخليجي على كافة المستويات.
وليس خافياً الأهمية الكبيرة التي يمكن أن يلعبها التكامل الاقتصادي الخليجي في تقوية الاقتصادات الخليجية ومساعدتها على مواجهة تحديات العولمة المالية والاقتصادية والمنافسة الشرسة في الأسواق العالمية، خاصة أن دول المجلس تمتلك كل مؤهلات إقامة تكتل اقتصادي موحد ناجح نظراً لما يربط بين شعوبها من وشائج وروابط عميقة في الماضي والحاضر وهو ما يمتد الى المستقبل أيضاً.
وبالنسبة للشق الثاني: أكدت القمة التشاورية الثامنة على ضرورة تبني مبدأ الحوار لفض الصراعات الدائرة في المنطقة، سواء بالنسبة لأزمة الملف النووي الإيراني أو الأوضاع في العراق وفلسطين، وهذا يعكس الدور الإيجابي السليم الذي تسعى دول المجلس للاضطلاع به في هذه المرحلة الدقيقة، وهو دور يصب في مجرى المواقف الدولية التي تدعو إلى الابتعاد عن الخيارات العسكرية في منطقة الخليج.
ولهذا كان لافتاً حرص القمة التشاورية، ليس فقط على التحذير من العواقب لو بقيت الأمور الخلافية والصراعات على خط سيرها الراهن، بل أيضاً حرصت على تسليط الأضواء وبإلحاح على الخيارات الأخرى الكفيلة بتجنيب الجميع الوقوع تحت عبء فواتير لا يقوى أحد على تسديدها.
وربما كان هذا هو الهدف الذي سعت القمة التشاورية إلى ترسيخه، فالانفتاح على الآخر والحوار ونبذ العنف والتهديد أو التلويح باستخدام لغة القوة يجب أن يكون القاعدة لحل النزاعات وجميع القضايا العالقة في المنطقة، ومن هنا كانت الدعوة إلى تغليب خيار الحوار ومعالجة النزاعات المحتدمة في المنطقة ضمن الآليات السلمية المتاحة تجنباً للمواجهات العسكرية وتوفيراً لمناخات التعاون والتنمية التي تحتاجها شعوب المنطقة.
إن هذا المبدأ يتفق مع ثوابت الموقف الخليجي العام، فقد أثبتت خبرة ربع القرن الذي مضى منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية بما لا يدع مجالاً للشك وتحت كل الظروف أن دول مجلس التعاون جميعها لا تدخر وسعاً وتعمل بكل صدق وتفان للابتعاد بالمنطقة عن دائرة الصراع والصدام فيها أو من حولها من أجل أن تتهيأ لكل دولها وشعوبها أفضل الظروف لبناء حاضرها ومستقبلها وفقاً لخياراتها ومصالحها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3210::/cck::
::introtext::
انعقدت القمة الخليجية التشاورية الثامنة لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض بداية شهر مايو 2006 في ظروف بالغة الدقة والحساسية سواء بالنظر إلى كم التطورات السياسية والاقتصادية الحادثة بالمنطقة وتسارع وتيرتها ، أو إلى التفاعلات المختلفة بين أطرافها ومع العالم الخارجي، أو نتيجة لسيطرة مناخ التصعيد وغلبة خطاب التحدي في أكثر من قضية حساسة تمس دول المنطقة، ومثلت في مجملها تحدياً لدول المجلس لدرجة بات معها أمنها يقترب من دائرة التهديد والخطر.
::/introtext::
::fulltext::
انعقدت القمة الخليجية التشاورية الثامنة لدول مجلس التعاون الخليجي في الرياض بداية شهر مايو 2006 في ظروف بالغة الدقة والحساسية سواء بالنظر إلى كم التطورات السياسية والاقتصادية الحادثة بالمنطقة وتسارع وتيرتها ، أو إلى التفاعلات المختلفة بين أطرافها ومع العالم الخارجي، أو نتيجة لسيطرة مناخ التصعيد وغلبة خطاب التحدي في أكثر من قضية حساسة تمس دول المنطقة، ومثلت في مجملها تحدياً لدول المجلس لدرجة بات معها أمنها يقترب من دائرة التهديد والخطر.
فقد تزامنت القمة التشاورية الثامنة مع تصاعد وتيرة التفاعلات الإقليمية، فالملف النووي الإيراني وصل إلى درجة من التعقيد على خلفية المواجهة المحتملة بين الغرب وطهران نتيجة لتشدد كل طرف بمواقفه، بل وتهديد واشنطن في أكثر من مناسبة بأنها لا تستبعد القيام بعمل عسكري منفرد ضد طهران. وكذلك الملف العراقي بتفاعلاته الكثيفة يشهد هو الآخر تطورات دراماتيكية نتيجة لانفلات الأوضاع الأمنية فيه بدرجة غير مسبوقة، قد تتطور إلى حرب أهلية قد تطال تأثيراتها دول المجلس، والملف الفلسطيني هو الآخر يشهد تطورات خطيرة في ظل الحصار المالي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني بعد قطع المساعدات والمعونات من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا من ناحية وفي ظل المأزق الذي يواجهه الداخل الفلسطيني على خلفية الصراع بين حركتي (حماس) و(فتح) من ناحية ثانية.
وعلى الصعيد الداخلي، انعقدت القمة التشاورية في وقت تتزايد فيه المخاوف من تعرض دول المجلس لاعتداءات إرهابية، وسط تصاعد الأشرطة الصادرة عن قادة القاعدة (ابن لادن والظواهري) التي تدعو إلى الاعتداء على المنشآت النفطية، كما حدث في نهاية شهر فبراير 2006 من الاعتداء على مصفاة (أبقيق) شرقي المملكة العربية السعودية، وقد تبنى تنظيم القاعدة مسؤوليته عن الهجوم، وحذر من تكرار عمليات مماثلة في المستقبل.
وبقدر ما مثلته هذه التحديات من خطورة على أمن دول المجلس، فقد ناقشتها القمة التشاورية الثامنة تفصيلياً وموضوعياً وذلك على النحو التالي:
بالنسبة لأزمة الملف النووي الإيراني والعلاقة مع طهران، فقد طالبت القمة بضرورة اعتماد مبدأ الحوار في معالجة هذه الأزمة، والتأكيد على اعتماد الدبلوماسية السلمية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتسوية الأزمة عوضاً عن استخدام القوة، وطالبت في الوقت ذاته بمعالجة الملف في إطار الآلية والمرجعية الخاصة به، وذلك بتركه في عهدة وكالة الطاقة وإبعاده عن مجلس الأمن والفصل السابع الإلزامي من ميثاق الأمم المتحدة. ويعكس ذلك إدراك القمة بأن إخراج هذه القضية من يد وكالة الطاقة ليس سوى خطوة أولى لتأجيج المشكلة ووضعها على طريق المواجهة العسكرية اللاحقة، التي لن يكون أحد في المنطقة بمأمن من شظاياها.
وكانت دول المجلس حريصة في الوقت ذاته على تأكيد موقفها السابق الداعي إلى ضرورة جعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها منطقة الخليج، خالية من أسلحة الدمار الشامل، وضرورة انضمام إسرائيل أسوة ببقية دول المنطقة إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
وتحسباً لأي سيناريوهات مفاجئة بالنسبة لهذا الملف، ناقشت القمة خطة عمل مشتركة للتعامل مع كافة الاحتمالات المترتبة على التصعيد الراهن بين إيران والولايات المتحدة، تشمل التدابير الوقائية المترتبة على استخدام القوة في الاتجاهات المختلفة لتأمين المنطقة من أي أخطار أمنية أو بيئية أو بشرية أو اقتصادية.
وبالنسبة للملف العراقي، اهتمت القمة التشاورية بالوضع في العراق من منطلق الحرص على العراق ووحدة أراضيه وضرورة أن ينعم بالأمن والاستقرار، وأعربت عن أملها في أن يكون اختيار القيادات السياسية في العراق ممثلاً لجميع أطياف الشعب العراقي، فضلاً عن تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كافة أطياف الشعب العراقي وقادرة على إيقاف دوامة العنف وبناء مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار.
وينسجم هذا الموقف مع ثوابت الموقف الخليجي إزاء العراق الجديد، والتي تنطلق من مبادئ أساسية هي الحفاظ على عروبة العراق ووحدة أراضيه وسيادته والإسهام في إعادة البناء والإعمار وبما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار هناك.
وبالنسبة للقضية الفلسطينية، أكدت القمة التشاورية مواقفها الثابتة، حيث شددت على ألا يعاقب الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، وكانت دول المجلس أكدت في وقت سابق أنها ستواصل تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني ، كما استقبلت وفداً من قادة حماس وتشاورت معه حول العديد من القضايا.
ويأتي الاهتمام الملحوظ من قبل قادة دول المجلس بالقضية الفلسطينية ليكشف عن عمق الانتماء العربي لها وعن فهم خليجي موضوعي للمصالح العربية العليا في نطاق التفاعلات الإقليمية والدولية، حيث تحملت دول الخليج العربية دائماً مسؤولياتها القومية تجاه القضية الفلسطينية بصورة خاصة، وإزاء الصراع العربي – الإسرائيلي بصورة عامة، وكانت سباقة إلى تقديم الدعم للشعب الفلسطيني، سواء على المستوى السياسي في المحافل الدولية كافة أو على المستوى المادي من خلال تقديم المساعدات العينية أو من خلال تمويلها لمشاريع الإسكان لتعويض الفلسطينيين عن منازلهم التي هدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. ومن ثم جاءت قمة الرياض التشاورية لتؤكد على هذا البعد، حيث أكد القادة الخليجيون مساندتهم للشعب الفلسطيني.
وبالنسبة لملف التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، بحثت القمة موضوع الإرهاب باعتباره من الموضوعات التي تؤثر بشكل مباشر في المنطقة وأمنها واستقرارها، ودعت إلى إنشاء مركز لمكافحة الإرهاب، وقد رحبت مملكة البحرين باستضافته . وترجع فكرة إنشاء هذا المركز إلى دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال مؤتمر مكافحة الإرهاب الذي عقد في الرياض العام الماضي 2005، وتم تكليف وزراء الداخلية بدول المجلس بتفعيل هذا الاقتراح.
القمة الخليجية التشاورية الثامنة .. رؤية تقييمية:
اكتسبت القمة التشاورية الثامنة في الرياض أهمية خاصة في ضوء تزامنها مع الذكرى الخامسة والعشرين لإنشاء مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو عام 1981، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول مسيرة العمل الخليجي المشترك ومستقبل التكامل والاندماج.
كما أن القمة التشاورية الثامنة تقع في منتصف الطريق بين القمتين السابقة التي انعقدت في أبو ظبي (قمة الملك فهد) في ديسمبر 2005 والقمة المقبلة بالمنامة في ديسمبر 2006، مما يعني أن قمة الرياض التشاورية كانت بمثابة فرصة لتقييم ما تم اتخاذه من قرارات في القمة السابقة من ناحية، ولتبادل الآراء ووجهات النظر حول المواقف من القضايا المختلفة والتنسيق حولها حتى تكون جاهزة للمناقشة في القمة المقبلة في المنامة.
والجدير بالذكر أن فكرة عقد اللقاء التشاوري السنوي جاء بناء على اقتراح تقدم به أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، وصدر بشأنه قرار في قمة مجلس التعاون في دورته التاسعة عشرة التي عقدت في الإمارات في ديسمبر 1998، يقضي بعقد لقاء تشاوري نصف سنوي لقادة دول المجلس من أجل الوقوف على ومتابعة كافة الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية والخليجية وصولاً إلى بلورة رؤية مشتركة بشأنها من دون الالتزام بجدول أعمال أو إصدار بيان ختامي.
وتتبدى أهم الغايات التي يستهدفها الاجتماع التشاوري أو التنسيقي في الآتي:
– الإطلاع على مجريات الأمور والأحداث التي تستجد بعد انعقاد الدورة الاعتيادية للمجلس الأعلى لدول الخليج، مما يقتضي التشاور المستمر بشأنها من أجل الوقوف على تأثيراتها وانعكاساتها المختلفة.
– التأكيد على الثوابت التي تقوم عليها سياسات دول الخليج في التعاون والتنسيق والتفاهم المشترك.
– التعاطي مع التلاحق السريع للأحداث والتطورات، سواء على المستوى الخليجي أو العربي أو الدولي.
– توسيع قاعدة الحوار والنقاش حول القضايا المشتركة على المستويين الإقليمي والدولي.
وبالرغم من أن البعض قلل من أهمية آلية القمة التشاورية عند إنشائها في قمة أبوظبي عام 1998 على أساس أنها تعقد من دون جدول أعمال ولا يصدر عنها بيان ختامي ، فإن النظرة الشاملة للأمور تقتضي الإشارة إلى :
أ- إنها التجربة الأولى على المستويين الخليجي والعربي، التي تعقد فيها اجتماعات قمة بهذا المستوى دون عناء وأعباء روتينية المظاهر البروتوكولية والرسمية، إضافة إلى أجواء الضغط الإعلامي. وفي هذا الصدد يساعد عدم وجود جدول أعمال للقمة على طرح العديد من القضايا التي تهم دول المجلس وتخدم مسيرة العمل المشترك من دون الالتزام بموضوعات يتم تحديدها مسبقاً من جانب اللجان المختصة، ولعل ما يؤكد أهمية آلية القمة التشاورية الخليجية هو دعوة الرئيس المصري محمد حسني مبارك خلال جولته الخليجية في شهر فبراير 2006 إلى عقد قمم تشاورية مماثلة على الصعيد العربي لبحث تطورات الأوضاع العربية ومستجداتها.
ب-آلية القمة التشاورية ملائمة لطبيعة دول المجلس وتتسق مع تركيبتها ، لما توفره من خصوصية اللقاء وحرية النقاش في أجواء حميمية ومناخ مفتوح عبر حوارات ثنائية وجماعية لتبادل وجهات النظر حول القضايا العالقة، والإطلاع على مجريات الأمور والأحداث التي تستجد على الساحة الخليجية والعربية والدولية، ومحاولة الوصول إلى موقف خليجي واحد إزاءها ، بدلاً من تركها دون اتخاذ قرارات لمدة عام كامل، أي حتى انعقاد القمة الخليجية السنوية المقبلة في ديسمبر 2006 .
جـ – تسمح القمة النصف سنوية بمتابعة ما تم اتخاذه من قرارات المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي ، وتقييم ما تم إنجازه على كافة الصعد. ولا شك أن ترسيخ هذا التقليد والمحافظة عليه يعد خطوة مهمة على طريق التكامل الخليجي، ويسهم في تفعيل الحوار التشاوري بين دول المجلس على مستوى القمة ويزيل أي عوائق أو مشكلات أو تباين في وجهات نظر دول المجلس إزاء أي مسألة.
د – إن القمة التشاورية هي خطوة لصالح العمل العربي المشترك بشكل عام والخليجي بشكل خاص، نظلمها إذا قارناها بالنظام في الاتحاد الأوروبي الذي يعقد اجتماعين رسميين في السنة ، ونحبطها إذا قللنا من أهميتها بدعوى أنها لا تعلن مواقف محددة.
ولدى تقييم القمة الخليجية التشاورية الثامنة في الرياض – مع الأخذ في الاعتبار التطورات السابقة- يمكن القول إنها ناقشت العديد من القضايا التي تهم المواطن الخليجي من ناحية، وأكدت على عدة مبادئ في التعامل مع القضايا التي تمس أمنها واستقرارها من ناحية ثانية.
فبالنسبة للشق الأول: ناقشت القمة عدداً من القضايا المتعلقة بتحقيق فكرة التكامل الخليجي ، من بينها العملة الخليجية الموحدة، اتفاقيات التجارة الحرة مع العالم الخارجي ، الاتحاد الجمركي ، وغيرها من القضايا ، وهذه القضايا تمس حياة المواطن اليومية، وتصب في صالح تعزيز المواطنة الخليجية.
كما أن الهدف من مناقشة هذه القضايا هو تقييم ما تم اتخاذه من قرارات في قمة أبو ظبي السادسة والعشرين في ديسمبر 2005 تتعلق بالمواطنة الخليجية، وفي مقدمتها: السماح لمواطني المجلس بالعمل في دوله، وممارسة أنشطة جديدة مثل مكاتب التوظيف الأهلية وتأجير السيارات والأنشطة الثقافية، وإعفاء مجموعة من السلع من الجمرك الخليجي، للوقوف على ما تحقق منها والتعامل مع التحديات التي تواجه تطبيقها على أرض الواقع، لأنه من الأهمية بمكان الاستمرار في تفعيل مجالات العمل الاقتصادي والاتفاقيات المشتركة للمجلس على أرض الواقع وبما ينسجم ومتطلبات كل مرحلة من مراحل المسيرة الخليجية.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم ما تحقق من منجزات للمجلس وتشخيص التحديات وسبل التعاطي معها سوف يساعد على دفع تلك المسيرة إلى الأمام وتحقيق أهدافها المرجوة في التكامل المنشود، وهو ما حاولت القمة التشاورية الثامنة مناقشته والبحث في سبل تفعيل مسيرة التكامل الخليجي على كافة المستويات.
وليس خافياً الأهمية الكبيرة التي يمكن أن يلعبها التكامل الاقتصادي الخليجي في تقوية الاقتصادات الخليجية ومساعدتها على مواجهة تحديات العولمة المالية والاقتصادية والمنافسة الشرسة في الأسواق العالمية، خاصة أن دول المجلس تمتلك كل مؤهلات إقامة تكتل اقتصادي موحد ناجح نظراً لما يربط بين شعوبها من وشائج وروابط عميقة في الماضي والحاضر وهو ما يمتد الى المستقبل أيضاً.
وبالنسبة للشق الثاني: أكدت القمة التشاورية الثامنة على ضرورة تبني مبدأ الحوار لفض الصراعات الدائرة في المنطقة، سواء بالنسبة لأزمة الملف النووي الإيراني أو الأوضاع في العراق وفلسطين، وهذا يعكس الدور الإيجابي السليم الذي تسعى دول المجلس للاضطلاع به في هذه المرحلة الدقيقة، وهو دور يصب في مجرى المواقف الدولية التي تدعو إلى الابتعاد عن الخيارات العسكرية في منطقة الخليج.
ولهذا كان لافتاً حرص القمة التشاورية، ليس فقط على التحذير من العواقب لو بقيت الأمور الخلافية والصراعات على خط سيرها الراهن، بل أيضاً حرصت على تسليط الأضواء وبإلحاح على الخيارات الأخرى الكفيلة بتجنيب الجميع الوقوع تحت عبء فواتير لا يقوى أحد على تسديدها.
وربما كان هذا هو الهدف الذي سعت القمة التشاورية إلى ترسيخه، فالانفتاح على الآخر والحوار ونبذ العنف والتهديد أو التلويح باستخدام لغة القوة يجب أن يكون القاعدة لحل النزاعات وجميع القضايا العالقة في المنطقة، ومن هنا كانت الدعوة إلى تغليب خيار الحوار ومعالجة النزاعات المحتدمة في المنطقة ضمن الآليات السلمية المتاحة تجنباً للمواجهات العسكرية وتوفيراً لمناخات التعاون والتنمية التي تحتاجها شعوب المنطقة.
إن هذا المبدأ يتفق مع ثوابت الموقف الخليجي العام، فقد أثبتت خبرة ربع القرن الذي مضى منذ إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية بما لا يدع مجالاً للشك وتحت كل الظروف أن دول مجلس التعاون جميعها لا تدخر وسعاً وتعمل بكل صدق وتفان للابتعاد بالمنطقة عن دائرة الصراع والصدام فيها أو من حولها من أجل أن تتهيأ لكل دولها وشعوبها أفضل الظروف لبناء حاضرها ومستقبلها وفقاً لخياراتها ومصالحها.
::/fulltext::
::cck::3210::/cck::
