تحقيق التجانس بين أنظمة المعايير المصرفية الإسلامية
::cck::3229::/cck::
::introtext::
منذ إنشاء البنوك الإسلامية في سبعينات القرن العشرين يدور جدال حول ما إذا كان من الواجب تنظيم آليات عمل هذه البنوك، بحيث تعمل بأسلوب موحد كالمصارف التقليدية، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى وجود أنظمة مختلفة، وذلك بسبب الخصائص التي تتفرد بها هذه البنوك. وكان هناك جدال أيضاً حول ما إذا كانت البنوك المركزية الراهنة مؤهلة للقيام بدور الجهة التنظيمية للبنوك الإسلامية، وما إذا كان من الضروري إيجاد قوانين خاصة تحكم عمل البنوك الإسلامية انسجاماً مع حاجتها إلى الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية.
::/introtext::
::fulltext::
منذ إنشاء البنوك الإسلامية في سبعينات القرن العشرين يدور جدال حول ما إذا كان من الواجب تنظيم آليات عمل هذه البنوك، بحيث تعمل بأسلوب موحد كالمصارف التقليدية، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى وجود أنظمة مختلفة، وذلك بسبب الخصائص التي تتفرد بها هذه البنوك. وكان هناك جدال أيضاً حول ما إذا كانت البنوك المركزية الراهنة مؤهلة للقيام بدور الجهة التنظيمية للبنوك الإسلامية، وما إذا كان من الضروري إيجاد قوانين خاصة تحكم عمل البنوك الإسلامية انسجاماً مع حاجتها إلى الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية.
وقد أُدخلت إلى معظم أنظمة القوانين المدنية، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، أنظمة خاصة بذلك، كما أن سلطة البنك المركزي في بعض الدول، ومنها الكويت، لا تُطبـَّـق على المؤسسات المالية الإسلامية. ولذلك فإن (بيت التمويل الكويتي) لم يخضع منذ إنشائه في عام 1977 للأنظمة التي تـُـطبـَّـق على البنوك التجارية الأخرى. وقد نظمت وكالة النقد في مملكة البحرين عمل البنوك الإسلامية، بما في ذلك المؤسسات المالية المنشأة بموجب القوانين المنظمة للمصارف التي تعمل خارج حدود الدولة، غير أنه يتم تطبيق معايير مختلفة بشأنها. وكانت السلطات أكثر طموحاً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن تشجيع الصيرفة الإسلامية، حيث طلب قانون التخلص من الربا (الفائدة)، الذي تمت إجازته في عام 1983، من جميع البنوك الالتزام بالشريعة الإسلامية، وهو تشريع لا يزال مُطبـَّـقـاً حتى الآن.
وشهدت المملكة العربية السعودية تردداً أولياً بشأن منح رخصة مصرفية لمؤسسة الراجحي، لأن منح ذلك الترخيص سوف يعني أن البنوك الأخرى ليست إسلامية، وهي مسألة حساسة جداً في المملكة. غير أن مؤسسة الراجحي كانت قد أصبحت مؤسسة إيداعية مهمة في عقد الثمانينات من القرن الماضي، فبرزت مخاوف من تعرض النظام البنكي السعودي كله لخطر منهجي، ما لم يتم تنظيم عمل مؤسسة الراجحي. وبدوافع براغماتية، تم منح (الراجحي) رخصة بنكية كاملة، ووضعت تحت سلطة مؤسسة النقد السعودية، لكنها خلافاً للبنوك الأخرى، لم تكن مُطالـَـبـة بقبول سندات وصكوك حكومية، لأنه يجري تحصيل فوائد عن هذه الأدوات المالية.
توسيع المظلة التنظيمية
يبدو أن نظام البنوك الإسلامية السعودي يكتسب أرضية ميدانية، حيث إنه على الرغم من السماح باستثناءات للمؤسسات المالية الإسلامية، فإن هذا النظام يوجد ميداناً للمرونة، حيث يستطيع العملاء الاختيار بين الأدوات المالية الإسلامية والتقليدية، وهو ما يخلق مناخاً أكثر تنافساً في السوق. وقد تم السماح للبنوك التقليدية، أو تم تشجيعها، على عرض منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، من خلال ما يُسمى النوافذ الإسلامية، أو عبر شبكة من الفروع الملتزمة بأحكام الشريعة. وقد اختارت جميع البنوك تقديم مثل هذه الخدمات استجابة لطلب السوق، كما أن أنشطة بنوك رئيسية، مثل البنك التجاري الوطني، أصبحت الآن متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
واتبعت دول مثل الكويت، النموذج السعودي، حيث أُلغيت في عام 2003 الأنظمة الخاصة بالقانون الذي يحكم عمليات (بيت التمويل الكويتي)، وصدر مرسوم جديد يتيح للبنك المركزي إصدار أنظمة لعمل بيت التمويل. وسمح القانون الجديد في الوقت ذاته لمؤسسات كويتية أخرى بالتقدم بطلبات للحصول على تراخيص للقيام بعمليات متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وقد استفاد كل من البنك العقاري وهيئة الاستثمار الكويتية من هذا الوضع، كما أن البنك التجاري الكويتي أخذ يقدم منتجات متوافقة مع الشريعة، منهياً بذلك احتكار بيت التمويل الكويتي لميدان هذه السوق.
المسائل التنظيمية
لا تختلف معظم الاهتمامات التنظيمية المتعلقة بالبنوك الإسلامية عن تلك الخاصة بالبنوك التقليدية في ما يتعلق بالأنظمة الاحترازية. فالأخطار التشغيلية يجب أن يجري تقييمها في البنوك الإسلامية بالأسلوب ذاته المتبع في البنوك التقليدية، وكذلك القضايا التي تتناول موضوعات مثل الكفاءة الإدارية، وفاعلية أنظمة التحكم المالي الداخلية، والإجراءات الاحترازية ضد الاحتيال والغش. ومن المعروف أن البنوك المركزية تطلب معلومات عن مؤهلات وخبرات إدارة البنك، وتقيّم عادة متانة أنظمة التحكم الداخلية وفق نماذج محددة.
وتختلف الأخطار الائتمانية والإقراضية في البنوك الإسلامية، حيث إنها تركز على التمويلات التجارية من خلال عقود المرابحة وفق قواعد سوقية ثابتة، بدلاً من منح تسهيلات السحب على المكشوف، وإعطاء القروض بمعدلات فائدة متفاوتة. وبما أن عمليات البنوك الإسلامية تستند إلى الأصول والموجودات، حيث يقوم البنك الإسلامي بدور التاجر، فإن نوعية الأصول تكون أعلى وأقوى بصورة قابلة للدفاع عنها في البنوك الإسلامية، حيث يمكن بيع السلع الـمـُـتـاجـَـر بها إلى طرف آخر، إذا ما عجز العميل عن الوفاء بالتزاماته. وينطبق هذا أيضاً على عقود (الإجارة) الإيجارية، على الرغم من أن سعر إعادة بيع الأصول المؤجرة يمكن أن يكون أقل كثيراً من الدخل الآتي من التأجير على مدى فترة الإجارة، والقيمة النهائية لتلك الأصول. ويمكن أن تكون الأخطار الائتمانية أعلى في حالة عمليات تمويل المشروعات (الاستصناع)، وبخاصة إذا تأخر تنفيذ المشروع وبدأ تحصيل الدخل في فترة متأخرة عن الموعد المتوقع. وفي حالة التمويل المتوافق مع الشريعة للأملاك السكنية والتجارية، توجد أخطار سوقية تتمثل في احتمال هبوط أسعار البيع والتأجير.
وعلى الرغم من أن كثيراً من الفقهاء وعلماء الدين المسلمين يعتبرون اقتسام التمويل (المرابحة)، والتشارك في التمويل (المشاركة) أدوات تمويل مفضلة، فإن الأخطار التي تتضمنها هذه الأساليب كبيرة. فالعملاء تتوفر لديهم معلومات أفضل كثيراً مما يتوفر للممولين بشأن المشروعات المطروحة للتعامل فيها، وهو الأمر الذي قد يثير مشكلة عدم تماثل المعلومات، وقد يجري التقليل من قيمة الأرباح المتوقعة، بهدف تحقيق مصالح للعميل على حساب البنك، فتنشأ بذلك تجاوزات غير أخلاقية. ويعتقد كثير من السلطات التنظيمية أن عمليات التمويل بالمرابحة والمشاركة يمكن أن تدرج ضمن إطار الشركات الاستثمارية والإسلامية أكثر مما تقع ضمن عمل البنوك. وهناك من يرى أن على البنوك ألاّ تتعامل في تمويل الأسهم بسبب الأخطار الكامنة فيها.
حماية العميل
يجب أن تـُـعامـَـل مسؤوليات والتزامات البنوك الإسلامية بأسلوب مختلف أيضاً عن التزامات الودائع في البنوك التقليدية. ويُذكـَـر أن الحسابات الجارية تكون مضمونة عادة في كل من البنوك الإسلامية والتقليدية، ويعني ذلك أنه إما أن يقوم البنك المركزي بدور مقرض المرجع الأخير، في حالة انهيار البنك، أو أن تتدخل جهة الاختصاص، حيث يجري تطبيق إجراءات الحماية الإلزامية للودائع، وتُقام مطالبات ضد الجهة التأمينية للبنك. ولا يمكن بموجب قوانين الشريعة ضمان الودائع التي يتم تقاضي أرباح عنها مثل ودائع (المضاربة) الاستثمارية، حيث يشارك العميل في أرباح البنك، والمنطق الذي يقوم عليه هذا المنع هو أن من واجب المودع أن يشارك في الأخطار التي يتعرض لها البنك من أجل تبرير حصوله على عائدات. ومن الجدير بالذكر أن من واجب البنوك كلها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وسنغافورة والعديد من الدول ذات الأسواق المتطورة جداً أن تقوم بالتأمين على ودائعها. ويمثل هذا الشرط مشكلة محتملة أمام البنوك الإسلامية التي تقبل ودائع (المضاربة) الاستثمارية. وقد سمحت الجهة التنظيمية في المملكة المتحدة، وهي سلطة الخدمات المالية بإعطاء عملاء بنك بريطانيا الإسلامي حق التنازل الطوعي، بحيث يمكنهم اختيار الخروج من نظام حماية الودائع التي يجب على البنك تقديمها بموجب القانون. ومن المتوقع أن يجري تبني هذا الحل من جانب السلطات التنظيمية في سنغافورة وهونغ كونغ وأستراليا وهيئات أخرى تطبق نظام الحماية التأمينية الإلزامية للودائع. والمسألة المهمة الأخرى هي أنه يجب على البنوك التي تصنف نفسها كبنوك إسلامية أن تطبق آليات عمل لضمان التزامها بالشريعة. ويدور في إيران جدل يرى أصحابه أن على جميع البنوك الالتزام بقانون إلغاء الربا الذي أجازته السلطات الدينية العليا، ولذلك فإن كل بنك لا يحتاج إلى أن تكون لديه لجنة شرعية خاصة به. أما في الأماكن الأخرى التي لا تتصف التشريعات البنكية الإسلامية فيها بالدرجة ذاتها من التشدد، أو التي لا توجد لديها قوانين بنكية إسلامية محددة، فإن قبول أحكام الشريعة يجري تحديده بالمستوى الذي يريده كل بنك. أما في حالة البنوك الإسلامية المدرجة في أسواق الأسهم، فإن هذا يعني التقيد بأحكام الشريعة في القطاع الخاص، كما أنه يجري تحويل المؤسسات المالية إلى مزودين آخرين، عندما لا تكون لدى تلك المؤسسات لجان شرعية خاصة بها.
ويتعين على الوكالات التنظيمية، كما يقول البعض، أن تضمن وجود آليات نشطة ومطبقة، ملتزمة بأحكام الشريعة. وفي الظروف العادية، يُتـَـوقـَّـع من البنوك التي تقدم منتجات إسلامية أن توضح في تقاريرها السنوية والمواد الإعلامية المعلنة أسماء المتخصصين الشرعيين الذين تتعامل معهم، وأن تقدم تفاصيل عن مؤهلاتهم وخبراتهم. وتوجد لدى بنك ماليزيا المركزي (بنك نيغارا) لائحة بأسماء فقهاء ومختصين بالشريعة يجب على البنوك أن تختار من بينهم مستشارين لها. ويُسمَح للمتخصصين بالشريعة في ماليزيا العمل لدى مجلس إدارة مؤسسة واحدة، وليس في أكثر من مجلس، كما هي الحال في منطقة الخليج.
التجانس بين المعايير التنظيمية
يكشف التباين بين الإجراءات التنظيمية التي تحكم عمليات التمويل الإسلامية عن اختلافات كبيرة في البيئات التشريعية وأنظمة الإدارة الاقتصادية والمالية. ومن شأن الدور المتنامي لبنك التسويات الدولي، كمنبر عالمي للمناقشات المتعلقة بالمسائل التنظيمية، والعودة إلى معايير مؤتمر بازل الأول، وتطبيق معايير مؤتمر بازل الثاني في عام 2007، أن يسبب المزيد من التباينات في المعايير التنظيمية لدى كل من البنوك الإسلامية والتقليدية.
وكان لإنشاء مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) أهمية كبيرة، في ما يتعلق بالحالة الأخيرة، لأنه قام بدراسة مفصلة للكيفية التي يجب أن يتم بموجبها تطبيق معايير مؤتمر بازل الأول ومؤتمر بازل الثاني على البنوك الإسلامية. والهدف من إنشاء هذا المجلس الذي يوجد مقره في كوالالمبور هو خدمة البنوك الإسلامية في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وتقديم الإرشادات بشأن أساليب تنظيم عمل المؤسسات الإسلامية. وقد وضع هذا المجلس معاييره الخاصة بكفاءة رأس المال بما يتفق مع معايير مؤتمر بازل الأول ومؤتمر بازل الثاني ووضع وثائق استشارية تقدم مبادئ إرشادية حول إدارة الأخطار، ومبادئ إرشادية حول التحكم بالشركات، بما في ذلك التأمين المتوافق مع الشريعة.
وقد تم نشر حصيلة التجربة الثرية لمجلس الخدمات المالية الإسلامية مع نماذج من ممارساتها الناجحة على شبكة الإنترنت ومن خلال المطبوعات المختلفة، بالإضافة إلى المؤتمرات والحلقات الدراسية والمنتديات التي تقوم على رعاية الأعمال المصرفية الإسلامية. ويكتسب التمويل الإسلامي المزيد من الاحتراف والتخصص، عدا عن تعزيز مصداقية وسمعة هذه الصناعة الجديدة، والتي يعود الفضل فيها بدرجة كبيرة إلى الأنظمة والإجراءات الأكثر فاعلية التي يجري إدخالها إليه في الوقت الحاضر. وتسهل هذه التطورات من عملية عولمة التمويل الإسلامي مع ازدياد تدفقات رؤوس الأموال المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وبخاصة بين أسواق منطقتي الخليج وجنوب شرق آسيا، وما يتعلق منها بالخدمات المالية الإسلامية. ويبشر هذا كله بمستقبل واعد للقطاع المصرفي الإسلامي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3229::/cck::
::introtext::
منذ إنشاء البنوك الإسلامية في سبعينات القرن العشرين يدور جدال حول ما إذا كان من الواجب تنظيم آليات عمل هذه البنوك، بحيث تعمل بأسلوب موحد كالمصارف التقليدية، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى وجود أنظمة مختلفة، وذلك بسبب الخصائص التي تتفرد بها هذه البنوك. وكان هناك جدال أيضاً حول ما إذا كانت البنوك المركزية الراهنة مؤهلة للقيام بدور الجهة التنظيمية للبنوك الإسلامية، وما إذا كان من الضروري إيجاد قوانين خاصة تحكم عمل البنوك الإسلامية انسجاماً مع حاجتها إلى الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية.
::/introtext::
::fulltext::
منذ إنشاء البنوك الإسلامية في سبعينات القرن العشرين يدور جدال حول ما إذا كان من الواجب تنظيم آليات عمل هذه البنوك، بحيث تعمل بأسلوب موحد كالمصارف التقليدية، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى وجود أنظمة مختلفة، وذلك بسبب الخصائص التي تتفرد بها هذه البنوك. وكان هناك جدال أيضاً حول ما إذا كانت البنوك المركزية الراهنة مؤهلة للقيام بدور الجهة التنظيمية للبنوك الإسلامية، وما إذا كان من الضروري إيجاد قوانين خاصة تحكم عمل البنوك الإسلامية انسجاماً مع حاجتها إلى الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية.
وقد أُدخلت إلى معظم أنظمة القوانين المدنية، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، أنظمة خاصة بذلك، كما أن سلطة البنك المركزي في بعض الدول، ومنها الكويت، لا تُطبـَّـق على المؤسسات المالية الإسلامية. ولذلك فإن (بيت التمويل الكويتي) لم يخضع منذ إنشائه في عام 1977 للأنظمة التي تـُـطبـَّـق على البنوك التجارية الأخرى. وقد نظمت وكالة النقد في مملكة البحرين عمل البنوك الإسلامية، بما في ذلك المؤسسات المالية المنشأة بموجب القوانين المنظمة للمصارف التي تعمل خارج حدود الدولة، غير أنه يتم تطبيق معايير مختلفة بشأنها. وكانت السلطات أكثر طموحاً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن تشجيع الصيرفة الإسلامية، حيث طلب قانون التخلص من الربا (الفائدة)، الذي تمت إجازته في عام 1983، من جميع البنوك الالتزام بالشريعة الإسلامية، وهو تشريع لا يزال مُطبـَّـقـاً حتى الآن.
وشهدت المملكة العربية السعودية تردداً أولياً بشأن منح رخصة مصرفية لمؤسسة الراجحي، لأن منح ذلك الترخيص سوف يعني أن البنوك الأخرى ليست إسلامية، وهي مسألة حساسة جداً في المملكة. غير أن مؤسسة الراجحي كانت قد أصبحت مؤسسة إيداعية مهمة في عقد الثمانينات من القرن الماضي، فبرزت مخاوف من تعرض النظام البنكي السعودي كله لخطر منهجي، ما لم يتم تنظيم عمل مؤسسة الراجحي. وبدوافع براغماتية، تم منح (الراجحي) رخصة بنكية كاملة، ووضعت تحت سلطة مؤسسة النقد السعودية، لكنها خلافاً للبنوك الأخرى، لم تكن مُطالـَـبـة بقبول سندات وصكوك حكومية، لأنه يجري تحصيل فوائد عن هذه الأدوات المالية.
توسيع المظلة التنظيمية
يبدو أن نظام البنوك الإسلامية السعودي يكتسب أرضية ميدانية، حيث إنه على الرغم من السماح باستثناءات للمؤسسات المالية الإسلامية، فإن هذا النظام يوجد ميداناً للمرونة، حيث يستطيع العملاء الاختيار بين الأدوات المالية الإسلامية والتقليدية، وهو ما يخلق مناخاً أكثر تنافساً في السوق. وقد تم السماح للبنوك التقليدية، أو تم تشجيعها، على عرض منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، من خلال ما يُسمى النوافذ الإسلامية، أو عبر شبكة من الفروع الملتزمة بأحكام الشريعة. وقد اختارت جميع البنوك تقديم مثل هذه الخدمات استجابة لطلب السوق، كما أن أنشطة بنوك رئيسية، مثل البنك التجاري الوطني، أصبحت الآن متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
واتبعت دول مثل الكويت، النموذج السعودي، حيث أُلغيت في عام 2003 الأنظمة الخاصة بالقانون الذي يحكم عمليات (بيت التمويل الكويتي)، وصدر مرسوم جديد يتيح للبنك المركزي إصدار أنظمة لعمل بيت التمويل. وسمح القانون الجديد في الوقت ذاته لمؤسسات كويتية أخرى بالتقدم بطلبات للحصول على تراخيص للقيام بعمليات متوافقة مع الشريعة الإسلامية. وقد استفاد كل من البنك العقاري وهيئة الاستثمار الكويتية من هذا الوضع، كما أن البنك التجاري الكويتي أخذ يقدم منتجات متوافقة مع الشريعة، منهياً بذلك احتكار بيت التمويل الكويتي لميدان هذه السوق.
المسائل التنظيمية
لا تختلف معظم الاهتمامات التنظيمية المتعلقة بالبنوك الإسلامية عن تلك الخاصة بالبنوك التقليدية في ما يتعلق بالأنظمة الاحترازية. فالأخطار التشغيلية يجب أن يجري تقييمها في البنوك الإسلامية بالأسلوب ذاته المتبع في البنوك التقليدية، وكذلك القضايا التي تتناول موضوعات مثل الكفاءة الإدارية، وفاعلية أنظمة التحكم المالي الداخلية، والإجراءات الاحترازية ضد الاحتيال والغش. ومن المعروف أن البنوك المركزية تطلب معلومات عن مؤهلات وخبرات إدارة البنك، وتقيّم عادة متانة أنظمة التحكم الداخلية وفق نماذج محددة.
وتختلف الأخطار الائتمانية والإقراضية في البنوك الإسلامية، حيث إنها تركز على التمويلات التجارية من خلال عقود المرابحة وفق قواعد سوقية ثابتة، بدلاً من منح تسهيلات السحب على المكشوف، وإعطاء القروض بمعدلات فائدة متفاوتة. وبما أن عمليات البنوك الإسلامية تستند إلى الأصول والموجودات، حيث يقوم البنك الإسلامي بدور التاجر، فإن نوعية الأصول تكون أعلى وأقوى بصورة قابلة للدفاع عنها في البنوك الإسلامية، حيث يمكن بيع السلع الـمـُـتـاجـَـر بها إلى طرف آخر، إذا ما عجز العميل عن الوفاء بالتزاماته. وينطبق هذا أيضاً على عقود (الإجارة) الإيجارية، على الرغم من أن سعر إعادة بيع الأصول المؤجرة يمكن أن يكون أقل كثيراً من الدخل الآتي من التأجير على مدى فترة الإجارة، والقيمة النهائية لتلك الأصول. ويمكن أن تكون الأخطار الائتمانية أعلى في حالة عمليات تمويل المشروعات (الاستصناع)، وبخاصة إذا تأخر تنفيذ المشروع وبدأ تحصيل الدخل في فترة متأخرة عن الموعد المتوقع. وفي حالة التمويل المتوافق مع الشريعة للأملاك السكنية والتجارية، توجد أخطار سوقية تتمثل في احتمال هبوط أسعار البيع والتأجير.
وعلى الرغم من أن كثيراً من الفقهاء وعلماء الدين المسلمين يعتبرون اقتسام التمويل (المرابحة)، والتشارك في التمويل (المشاركة) أدوات تمويل مفضلة، فإن الأخطار التي تتضمنها هذه الأساليب كبيرة. فالعملاء تتوفر لديهم معلومات أفضل كثيراً مما يتوفر للممولين بشأن المشروعات المطروحة للتعامل فيها، وهو الأمر الذي قد يثير مشكلة عدم تماثل المعلومات، وقد يجري التقليل من قيمة الأرباح المتوقعة، بهدف تحقيق مصالح للعميل على حساب البنك، فتنشأ بذلك تجاوزات غير أخلاقية. ويعتقد كثير من السلطات التنظيمية أن عمليات التمويل بالمرابحة والمشاركة يمكن أن تدرج ضمن إطار الشركات الاستثمارية والإسلامية أكثر مما تقع ضمن عمل البنوك. وهناك من يرى أن على البنوك ألاّ تتعامل في تمويل الأسهم بسبب الأخطار الكامنة فيها.
حماية العميل
يجب أن تـُـعامـَـل مسؤوليات والتزامات البنوك الإسلامية بأسلوب مختلف أيضاً عن التزامات الودائع في البنوك التقليدية. ويُذكـَـر أن الحسابات الجارية تكون مضمونة عادة في كل من البنوك الإسلامية والتقليدية، ويعني ذلك أنه إما أن يقوم البنك المركزي بدور مقرض المرجع الأخير، في حالة انهيار البنك، أو أن تتدخل جهة الاختصاص، حيث يجري تطبيق إجراءات الحماية الإلزامية للودائع، وتُقام مطالبات ضد الجهة التأمينية للبنك. ولا يمكن بموجب قوانين الشريعة ضمان الودائع التي يتم تقاضي أرباح عنها مثل ودائع (المضاربة) الاستثمارية، حيث يشارك العميل في أرباح البنك، والمنطق الذي يقوم عليه هذا المنع هو أن من واجب المودع أن يشارك في الأخطار التي يتعرض لها البنك من أجل تبرير حصوله على عائدات. ومن الجدير بالذكر أن من واجب البنوك كلها في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وسنغافورة والعديد من الدول ذات الأسواق المتطورة جداً أن تقوم بالتأمين على ودائعها. ويمثل هذا الشرط مشكلة محتملة أمام البنوك الإسلامية التي تقبل ودائع (المضاربة) الاستثمارية. وقد سمحت الجهة التنظيمية في المملكة المتحدة، وهي سلطة الخدمات المالية بإعطاء عملاء بنك بريطانيا الإسلامي حق التنازل الطوعي، بحيث يمكنهم اختيار الخروج من نظام حماية الودائع التي يجب على البنك تقديمها بموجب القانون. ومن المتوقع أن يجري تبني هذا الحل من جانب السلطات التنظيمية في سنغافورة وهونغ كونغ وأستراليا وهيئات أخرى تطبق نظام الحماية التأمينية الإلزامية للودائع. والمسألة المهمة الأخرى هي أنه يجب على البنوك التي تصنف نفسها كبنوك إسلامية أن تطبق آليات عمل لضمان التزامها بالشريعة. ويدور في إيران جدل يرى أصحابه أن على جميع البنوك الالتزام بقانون إلغاء الربا الذي أجازته السلطات الدينية العليا، ولذلك فإن كل بنك لا يحتاج إلى أن تكون لديه لجنة شرعية خاصة به. أما في الأماكن الأخرى التي لا تتصف التشريعات البنكية الإسلامية فيها بالدرجة ذاتها من التشدد، أو التي لا توجد لديها قوانين بنكية إسلامية محددة، فإن قبول أحكام الشريعة يجري تحديده بالمستوى الذي يريده كل بنك. أما في حالة البنوك الإسلامية المدرجة في أسواق الأسهم، فإن هذا يعني التقيد بأحكام الشريعة في القطاع الخاص، كما أنه يجري تحويل المؤسسات المالية إلى مزودين آخرين، عندما لا تكون لدى تلك المؤسسات لجان شرعية خاصة بها.
ويتعين على الوكالات التنظيمية، كما يقول البعض، أن تضمن وجود آليات نشطة ومطبقة، ملتزمة بأحكام الشريعة. وفي الظروف العادية، يُتـَـوقـَّـع من البنوك التي تقدم منتجات إسلامية أن توضح في تقاريرها السنوية والمواد الإعلامية المعلنة أسماء المتخصصين الشرعيين الذين تتعامل معهم، وأن تقدم تفاصيل عن مؤهلاتهم وخبراتهم. وتوجد لدى بنك ماليزيا المركزي (بنك نيغارا) لائحة بأسماء فقهاء ومختصين بالشريعة يجب على البنوك أن تختار من بينهم مستشارين لها. ويُسمَح للمتخصصين بالشريعة في ماليزيا العمل لدى مجلس إدارة مؤسسة واحدة، وليس في أكثر من مجلس، كما هي الحال في منطقة الخليج.
التجانس بين المعايير التنظيمية
يكشف التباين بين الإجراءات التنظيمية التي تحكم عمليات التمويل الإسلامية عن اختلافات كبيرة في البيئات التشريعية وأنظمة الإدارة الاقتصادية والمالية. ومن شأن الدور المتنامي لبنك التسويات الدولي، كمنبر عالمي للمناقشات المتعلقة بالمسائل التنظيمية، والعودة إلى معايير مؤتمر بازل الأول، وتطبيق معايير مؤتمر بازل الثاني في عام 2007، أن يسبب المزيد من التباينات في المعايير التنظيمية لدى كل من البنوك الإسلامية والتقليدية.
وكان لإنشاء مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) أهمية كبيرة، في ما يتعلق بالحالة الأخيرة، لأنه قام بدراسة مفصلة للكيفية التي يجب أن يتم بموجبها تطبيق معايير مؤتمر بازل الأول ومؤتمر بازل الثاني على البنوك الإسلامية. والهدف من إنشاء هذا المجلس الذي يوجد مقره في كوالالمبور هو خدمة البنوك الإسلامية في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وتقديم الإرشادات بشأن أساليب تنظيم عمل المؤسسات الإسلامية. وقد وضع هذا المجلس معاييره الخاصة بكفاءة رأس المال بما يتفق مع معايير مؤتمر بازل الأول ومؤتمر بازل الثاني ووضع وثائق استشارية تقدم مبادئ إرشادية حول إدارة الأخطار، ومبادئ إرشادية حول التحكم بالشركات، بما في ذلك التأمين المتوافق مع الشريعة.
وقد تم نشر حصيلة التجربة الثرية لمجلس الخدمات المالية الإسلامية مع نماذج من ممارساتها الناجحة على شبكة الإنترنت ومن خلال المطبوعات المختلفة، بالإضافة إلى المؤتمرات والحلقات الدراسية والمنتديات التي تقوم على رعاية الأعمال المصرفية الإسلامية. ويكتسب التمويل الإسلامي المزيد من الاحتراف والتخصص، عدا عن تعزيز مصداقية وسمعة هذه الصناعة الجديدة، والتي يعود الفضل فيها بدرجة كبيرة إلى الأنظمة والإجراءات الأكثر فاعلية التي يجري إدخالها إليه في الوقت الحاضر. وتسهل هذه التطورات من عملية عولمة التمويل الإسلامي مع ازدياد تدفقات رؤوس الأموال المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وبخاصة بين أسواق منطقتي الخليج وجنوب شرق آسيا، وما يتعلق منها بالخدمات المالية الإسلامية. ويبشر هذا كله بمستقبل واعد للقطاع المصرفي الإسلامي.
::/fulltext::
::cck::3229::/cck::
