ظاهرة أسواق الأسهم.. الرؤية الشمولية مدخل للحل

::cck::3223::/cck::
::introtext::

(إذا كانت الأداة الوحيدة لديك هي المطرقة، فإن من الطبيعي أن تنظر إلى كل مشكلة على أنها مسمار يحتاج إلى طَرق!) هذه مقولة سائدة في علم الاجتماع لابد من التفكير في دلالاتها الحساسة عند معالجة ظواهر واقعنا العربي بشكل عام والخليجي على وجه الخصوص.

::/introtext::
::fulltext::

(إذا كانت الأداة الوحيدة لديك هي المطرقة، فإن من الطبيعي أن تنظر إلى كل مشكلة على أنها مسمار يحتاج إلى طَرق!) هذه مقولة سائدة في علم الاجتماع لابد من التفكير في دلالاتها الحساسة عند معالجة ظواهر واقعنا العربي بشكل عام والخليجي على وجه الخصوص.
ومكمن التشبيه بالمطرقة هنا هو مقاربة مشكلة أسواق الأسهم من حيث أسبابها وطبيعتها ونتائجها من مدخل واحد هو مدخل التحليل الاقتصادي، في معزل عن دراسة الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية والإعلامية التي ساهمت وتساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في جعل سوق الأسهم (ظاهرة) محيرة، كما هي عليه الآن.
لقد كان من المعبّر على سبيل المثال قراءة تحليل عن سوق الأسهم في الملحق الاقتصادي في جريدة (البيان) الإماراتية يوحي بالحيرة والعجز في تفسير الظاهرة كما يلي: (أبدى بعض المحللين أمس عجزهم عن التفسير أو الحديث عن طبيعة الوضع الحاصل رغم جاذبية الأسعار ومتانة اقتصاد الدولة، مشددين على عدم قدرتهم على توضيح الأسباب وإعطاء تفسير منطقي واحد حول ما يمكن الأخذ به بعد ذلك. فكل التفسيرات السابقة برأيهم باءت بالفشل. وأشار التحليل إلى أن البحث جار الآن عن كلمة جديدة لوصف التراجع بعد بلوغها مرحلة أشبه باللانهاية وخروج الأسعار أو نسب خفض المؤشرات من دائرة التصحيح إلى شيء أعمق بكثير).
إضافة إلى هذا، ورد في تقرير لأحد المواقع الإلكترونية المشهورة على الإنترنت ما يلي: (لم تقف الأخبار الطيبة التي أطلقت على مدى اليومين الماضيين خلال ندوة بناء المستقبل حائلاً دون انحدار مؤشر السوق السعودي الى ما دون حاجز الـ 10000، وخرقت الأسهم السعودية مستوى الدعم الرئيسي بهبوطها إلى أدنى مستوى متوقّع أنه سيكون نقطة الدعم القادمة في حدود الـ 9200 نقطة وذلك كما توقعت العديد من التقارير. فلا الإعلان عن مركز الملك عبدالله المالي، ولا الإعلان عن تخصيص قسم من هيئة سوق المال وغيرها من الأنباء المطمئنة أفلحت بتهدئة المتعاملين بالسوق الذين لم يستطيعوا فهم غموض وضع السوق الحالي وغياب الحلول الفعالة لايقاف الانحدار المتواصل، علماً أن انخفاض المؤشر لهذا المستوى لا يعد منطقياً إذا تم قياسه مع ما أعلن أن العام الجاري يُعد مثالياً بالنسبة للاقتصاد السعودي نظراً لما حققه من نمو اقتصادي كبير جداً، مع ملاحظة ارتفاع الفائض في الميزانية وميزان المدفوعات، وعدم وجود تضخم، فضلاً عن البرنامج الطموح للاستثمار في السعودية في الشركات العقارية والبنوك والشركات الصناعية وخلافها، (كما جاء في موقع جريدة إيلاف الإلكترونية).
عندما تصدر مثل هذه العبارات: (عدم قدرتهم على توضيح الأسباب وإعطاء تفسير واحد) (غموض وضع السوق) من محللين ماليين واقتصاديين يُفترض في الناس أن تلجأ إليهم لفهم وتفسير ما يجري، فإن الأمر يدل على وجود مشكلة حقيقية تحتاج لبحث وتحليل، خاصة حين نرى أنها لا تنحصر في بلد خليجي واحد وإنما تكاد تصبح حالة عامة.
الواضح هنا إذن أننا إزاء حالة لم يعد ممكنا فيها استخدام (المطرقة) الوحيدة لدينا، أي (التحليل الاقتصادي)، لفهم المشكلة فضلا عن التعامل معها. فأنت تستطيع أن ترى بوضوح كيف يركز المعلقون في التحليلات السابقة على جملة من العناصر الاقتصادية التي تُعتبر تقليدياً عناصر استقرار السوق أو اهتزازها. من هنا، تبدو حيرتهم كبيرة في مواجهة التضارب بين المقدمات التي اعتادوا عليها والنتائج المتراكمة على أرض الواقع.
إن ورود مثل تلك العبارات من أشخاص يقيسون كلامهم دائماً بمقياس الذهب، ويحرصون عادة على تغليب التفاؤل وإيجاد التفسيرات الإيجابية، يؤكد أن قدرة بعض المتخصصين على تفسير ظواهر تدخل في إطار تخصصهم تصل أحياناً إلى مرحلة العجز. ولا نعتقد أن هناك سبباً آخر لمثل هذا الذي يجري سوى استبعاد الرؤية الشمولية لأسباب الظاهرة وطبيعتها.
بكلام واضح، فإنه ليس من مصلحة سوق الأسهم، ولا من مصلحة الاقتصاد الخليجي، ولا من مصلحة حاضر المجتمعات الخليجية ومستقبلها أن يكون الاقتصار على المدخل الاقتصادي هو تلك المطرقة التي نتحدث عنها عند بحث ظاهرة أسواق الأسهم.
وبدايةً، يجب التأكيد بأننا لا نشك لحظة في الأهمية الكبرى للتحليل الاقتصادي بمختلف عناصره كعاملٍ أو متغير (variable) يجب دراسته لتفسير ظواهر واقعنا المعاصر. ونحن لا نريد أن نوحي بضرورة الانتقال من النقيض للنقيض كما هو سائد ثقافياً، بحيث يفهم البعض من كلامنا السابق التقليل من أهمية التحليل الاقتصادي.
فبيان أهمية الاقتصاد لا يحتاج للإحالة إلى الساحة الأكاديمية في العالم، حيث بدأ تأثير الاقتصاد في الحياة يؤخذ في الاعتبار وبقوة في معظم العلوم الأخرى منذ زمن، بما فيها علم السياسة الذي يعتبره أهله (ربما بشيء من التحيز) أرقى العلوم الاجتماعية. إذ بات الاقتصاد السياسي (Political Economy) حقلاً مهماً من الحقول العلمية التي تفسر الظواهر السياسية وتجيب عن الأسئلة البحثية المطروحة فيه. هذا فضلاً عن إقرار الكثيرين بضرورة اعتبار العامل الاقتصادي في ميادين متعددة في علوم الاجتماع والتاريخ والاتصال والإدارة وحتى الطب والهندسة.
بل إن أهمية الاقتصاد واضحة من مجرد استطلاع الواقع المحلي والإقليمي والعالمي في جميع المجالات، حيث أصبح تأثيره ظاهراً للعيان وللعامة، ولا يحتاج إلى إثبات علمي أو تخصص أكاديمي.
رغم هذا. بل وربما بسبب من هذا، فإن علينا أن نكون في غاية الحذر عند محاولة تفسير الظواهر ذات الإشكالية في واقعنا، بحيث لا نقع تحت تأثير الرؤية الجزئية أو ضغط اللحظة الراهنة نفسياً وفكرياً. الأمر الذي يجعل فهمنا للظاهرة منقوصاً، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى أن تكون معالجتنا لها جزئيةً ومختزلة.
وبعيداً عن التعميم، فإننا نقصد من هذا الطرح الإشارة إلى ضرورة دراسة ظاهرة أسواق الأسهم من خلال أدوات البحث العلمي المتوافرة في حقول معرفية متعددة، وعن طريق مختصين في تلك الحقول، بحيث تشكّل مجمل البحوث التي يقدمها هؤلاء صورة أكثر تكاملاً للموضوع. وهو ما سيساعد أصحاب القرار على اتخاذ قرارات أكثر فاعلية على المدى الاستراتيجي.
إن من المبادىء الأساسية للبحث العلمي في جميع حقول المعرفة وفي مجالات العلوم الاجتماعية على وجه الخصوص، ضرورة البحث عن المتغيرات العديدة التي تساهم في تفسير أي ظاهرة (multiple variables). ونحن نعرف أن الشائع في ثقافتنا العربية هو التركيز على عنصر أو متغير واحد تُفهم الظاهرة من خلاله. وعلى نسق طويل من التفسيرات الأحادية يبدأ من (الحظ) ولا ينتهي عند (المؤامرة) تأتي رؤيتنا لكثير من قضايانا سطحية أو مختزلة أو أحادية الاتجاه. وتأتي الحلول المقترحة لها أبعد ما تكون عن تحقيق الأهداف المطلوبة.
لهذا قد تكون معالجة هذه المجلة الغراء لظاهرة أسواق الأسهم من خلال ملف متكامل مساهمة خلاّقة تصيب (عصفورين بحجر واحد) كما يقولون، فهي من ناحية تساهم في تفسير الظاهرة واقتراح الحلول لها. ومن ناحية أخرى تساهم في الدعوة إلى وجود العقلية البحثية العلمية الشمولية لظواهر واقعنا في الخليج خاصة وفي العالم العربي بشكل عام.
وحيث إن المقام لا يتسع لتفصيل الحديث في علاقة ظاهرة سوق الأسهم بفروع المعرفة الأخرى، فإننا سنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض الأمثلة، لأن هذا المقال يهدف إلى فتح الملف وطرح الأسئلة والإشكاليات أكثر من أي شيء آخر، لا سيما أن اقتراح الإجابات يحتاج إلى مساهمات متنوعة من قبل مختصين في حقول المعرفة المختلفة.
دور العامل الثقافي والتربوي
لقد عزا عالم الاقتصاد في جامعة هارفارد (جون واي كامبل) التقلب المتزايد في أسعار الأسهم التي يحوزها الأفراد في جزء منه إلى نشوء الملكية المؤسسية وميل المستثمرين الأفراد إلى الاعتماد على الأساليب ذاتها في اتخاذ قراراتهم، ثم ربَطَ القضية سببياً بمفهوم (التقليد). وعند الحديث عن دوافع التقليد عند البشر استفاض المؤلف في الحديث عن الدوافع التالية: (الأمان)، (الامتثال الجماعي)، (الاعتقاد بامتلاك الآخر معرفة أوسع)، وأخيرا (الطمع) (كما جاء في مجلة الثقافة العالمية العدد 135).
هنا نجد كيف بدأ عالم اقتصاد بالبحث عن تفسيرٍ لظاهرة معينة، لكن رؤيته الشمولية دفعته للخروج من الإطار الاقتصادي البحت للموضوع، لأنه أدرك ببساطة أن عليه البحث في السلوك البشري الذي يدخل في تشكيل الظاهرة التي يدرسها، ثم أكمل باحثون آخرون مختصون في حقول الاجتماع والنفس والإدراك والتربية البحث في هذا الموضوع من خلال معطيات حقولهم المعرفية، فتحدث بعضهم عن ظواهر مثل (تأثير عربة الموسيقيين) Bandwagon Effect الذي يعني في بعض القواميس (الالتحاق بالحشد من دون القيام بعملية تمحيص دقيقة لطبيعة الأمر الذي يحتشد الناس حوله)، أو مفهوم (القبول من خلال الإجماع) الذي يقول (if many believe so, it is so) أو (إذا اقتنع أو آمن مجموعة من الناس بأمر ما فإن هذا الأمر كائن أو صحيح أو موجود، فقط بسبب توافر الإجماع عليه، بغض النظر عن التقييم العلمي الصارم لحقيقة كينونته ووجوده).
وقبل هذا بسنوات طويلة، درس الصحفي الاسكتلندي تشارلز ماكاي من خلال نشاطه الصحفي آلية وقوع الفورات المتعاقبة عبر التاريخ بما فيها الفقاعات المالية، ونشر ما وصل إليه في كتاب (الأوهام الشائعة وجنون الحشود) الذي أصبح من الكتب الكلاسيكية، وكان من أهم نتائج دراسته قوله: (يفكر البشر كما قيل حقاً بعقلية القطيع، وسنرى أنهم يفقدون رشدهم جماعات ويستعيدونه ببطء فرادى واحدا إثر الآخر).
ونحن لا نريد لمجتمعاتنا أن تفقد رشدها جماعات، وأن تستعيده ببطء وبشكل فردي. لهذا يصبح مطلوباً أن نتصدى لدراسة الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية على وجه الخصوص، حيث أصبحت الوفرة الاقتصادية دافعاً لتشكيل ثقافة (الربح السريع) بين جميع شرائح المجتمع. وأدى هذا إلى غياب الإحساس بأي قيمة لمعاني الجهد والتخطيط والصبر والبناء المتدرج، وإلى تغليب ثقافة الاستعجال في النجاح وفي (الوصول) بغض النظر عن تعريف (الوصول) ومعناه. وبغض النظر عن طريقة الوصول وملابساتها.
وكما هو واضح، فإن التعامل مع ظاهرة سوق الأسهم من هذا المدخل (الثقافي) يقتضي عملاً وتخطيطاً جاداً يصحح الثقافة السائدة في مجالات الثقافة والتربية والتعليم والإعلام. فطريقة حياة وتفكير الأفراد في أي مجتمع هي نتاج تأثير تلك المجالات مجتمعة. وحين نتحدث عن مجتمعات خليجية زاخرة بوسائل إعلام لا حصر لها يجري أغلبها وراء الربح بأي طريقة، ونتحدث أيضاً عن مجتمعات خليجية مفتوحة لتعليم خاص أصبح تحصيل المال الهمَّ الأكبر لغالبية القائمين عليه، ونتحدث عن مجتمعات خليجية منفتحة على العولمة بكل مظاهرها، يصبح ممكناً إدراك حجم التحدي الذي تنبغي مواجهته لصياغة ثقافة قادرة على التعامل بتوازن مع هذا العالم، ويصبح واضحاً أيضاً أن للعامل الثقافي وللمثقفين والتربويين دوراً لا يُغفل في التعامل مع ظاهرة أسواق الأسهم، وإن لم يكن هذا الدور واضحاً بشكلٍ آني ومباشر.
إضافة إلى ما سبق، قد تكون مشكلة أسواق الأسهم دليلاً على سيادة تلك العقلية التي لا تدرك سنن قيام الدول وبناء الحضارات، فهذا البناء ليس ممكناً في غياب الالتزام بعالم الأسباب ومن دون اتباع قوانين الاجتماع البشري على هذه الأرض. إذ لا يمكن إنكار ذلك الاعتقاد الذي بات سائداً في المجتمعات الخليجية خاصة في السنوات القليلة الماضية بأن مجرد القفز إلى أسواق الأسهم بشيء من رأس المال كفيل بصناعة المستقبل ليس فقط على الصعيد الفردي، وإنما حتى على الصعيد الجماعي كما يعتقد البعض. والواضح أن محاولة بناء حاضر ومستقبل على مثل هذه المقولات تضع مصير الأفراد والشعوب في مهب الرياح العاتية.
دور التخطيط والإدارة ومفهوم التنمية المستدامة
وهذا ينقلنا مباشرة إلى مجال التخطيط السياسي والإداري، فقد تكون ظاهرة أسواق الأسهم دافعاً لإعادة النظر في الهيكلة والسياسات الاقتصادية لدول الخليج على الصعيدين الرسمي والشعبي، وقد تدفع أصحاب الشأن مثلاً إلى إعادة التفكير في الخيارات الاستراتيجية التي تقود عملية التنمية الاقتصادية وإعادة ربطها بالعناصر التي تحقق التنمية البشرية الحقيقية لإنسان هذه الأرض، بحيث يحدث التوازن على سبيل المثال بين التركيز على بعض القطاعات الاقتصادية (الترفيه، السياحة، البناء) وقطاعات أخرى قد تكون أكثر إنتاجية ودخلاً على المدى البعيد، إضافة إلى كونها أقدر على تحقيق وحفظ الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، وتجنيب مجتمعات الخليج أي هزات قد تنتج عن التركيز غير المتوازن على بعض القطاعات الاقتصادية.
لقد أصبح مفهوم التنمية المستدامة من أكثر المفاهيم التي تستقطب الدراسة والبحث في الغرب. لأن كثيرا من علمائه في مختلف التخصصات أدركوا الإشكاليات الكبرى التي تنتج عن الالتزام بنمطٍ معين من التنمية هو النمط السائد عالمياً. والذي يبحث قليلاً في أدبيات ذلك المفهوم ويتجاوز السطح والعناوين يجد ملامح وبدايات ثورة حقيقية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يجب أن نمرّ عليها مرور الكرام.
دور التوجيه الديني
بل إن التوجيه الإسلامي والديني يمكن أن يكون مدخلاً من مداخل التعامل مع ظاهرة أسواق الأسهم، فبدلاً من حصر التركيز في هذا الباب على الشعائر التعبدية على أهميتها وعلى بعض مظاهر التدين الخارجية، يمكن إحياء قيم العمل والسعي والتفكر على أنها من قيم الدين الأساسية التي تُحقق كمال الإنسان المتدين، بدلاً من شيوع روح الكسل والتراخي والاستسهال التي ترتبط بعقلية الربح السريع. كما يجب إعادة الاعتبار لدور العلم والعقل في حياة الأشخاص والجماعات البشرية، ولدور المنهج النقدي الذي يجب أن يميز حركة الإنسان على هذه الأرض، فلا يقوم باتخاذ قرارات تمس حياته وحياة أسرته بعيداً عن التفكير العقلي والعلمي ومشوباً بروح التقليد للآخرين، بل يكون منهجه في الحياة مقترناً دوماً بالسؤال والدراسة والبحث والتمحيص والتدقيق فيما يقوله ويفعله أولئك الآخرون قبل تقليد أفعالهم وقراراتهم. فضلاً عن ذلك، فإن من الضرورة بمكان إعادة الاعتبار لرؤية الدين الأصيلة لدور المال في الحياة الإنسانية. فالدين يشجع على تداول المال وتشغيله في مشاريع تنفع الناس في معاشهم وحوائجهم على المستوى الشخصي، وتحقق في الوقت نفسه عمران الأرض الذي يعني بلغة العصر عمليات التنمية على مستوى الأوطان والشعوب. وذلك بدلاً من كنزه أو تدويره في حلقات مغلقة لا تنتج، إذا حالفها الحظ، سوى مزيد من المال.
ضرورة القراءة الشمولية
في تعليق معبر على التحليل المنشور في الموقع الإلكتروني المذكور أعلاه، سمى أحد المعلقين نفسه (حسبي الله ونعم الوكيل) وعلّق بجملة واحدة كان واضحاً أنها جاءت زفرةً من قلبه الكسير قائلاً: (الله يدمّر من دمّر السوق السعودي). والذي يعرف بشكل تفصيلي الآثار الاجتماعية والصحية والاقتصادية التي نتجت عن هزات أسواق الأسهم الأخيرة في بعض المجتمعات الخليجية يشعر بدرجة المسؤولية التي يجب أن يرتقي إليها كل من يريد معالجة هذه الظاهرة.
لكل هذا، يبدو جلياً أننا بحاجة في الخليج لقراءة ظاهرة أسواق الأسهم بشكل شمولي من حيث أسبابها الثقافية والإدارية والسياسية، إضافة إلى الأسباب الاقتصادية، كما أننا بحاجة إلى استقراء النتائج المعقّدة والحساسة التي نتجت وستنتج عن استمرار الظاهرة بغض النظر عن أي تقلبات مستقبلية إيجابية كانت أم سلبية.
فهل تكون أزمة سوق الأسهم (الضارة) النافعة خليجياً؟
إن دراسة عميقة وشاملة لظاهرة أسواق الأسهم الخليجية وما ترتب عليها من أزمات في الآونة الأخيرة ستنفعنا بالتأكيد في الوصول إلى إجابة صحيحة لهذا السؤال.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3223::/cck::
::introtext::

(إذا كانت الأداة الوحيدة لديك هي المطرقة، فإن من الطبيعي أن تنظر إلى كل مشكلة على أنها مسمار يحتاج إلى طَرق!) هذه مقولة سائدة في علم الاجتماع لابد من التفكير في دلالاتها الحساسة عند معالجة ظواهر واقعنا العربي بشكل عام والخليجي على وجه الخصوص.

::/introtext::
::fulltext::

(إذا كانت الأداة الوحيدة لديك هي المطرقة، فإن من الطبيعي أن تنظر إلى كل مشكلة على أنها مسمار يحتاج إلى طَرق!) هذه مقولة سائدة في علم الاجتماع لابد من التفكير في دلالاتها الحساسة عند معالجة ظواهر واقعنا العربي بشكل عام والخليجي على وجه الخصوص.
ومكمن التشبيه بالمطرقة هنا هو مقاربة مشكلة أسواق الأسهم من حيث أسبابها وطبيعتها ونتائجها من مدخل واحد هو مدخل التحليل الاقتصادي، في معزل عن دراسة الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية والإعلامية التي ساهمت وتساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في جعل سوق الأسهم (ظاهرة) محيرة، كما هي عليه الآن.
لقد كان من المعبّر على سبيل المثال قراءة تحليل عن سوق الأسهم في الملحق الاقتصادي في جريدة (البيان) الإماراتية يوحي بالحيرة والعجز في تفسير الظاهرة كما يلي: (أبدى بعض المحللين أمس عجزهم عن التفسير أو الحديث عن طبيعة الوضع الحاصل رغم جاذبية الأسعار ومتانة اقتصاد الدولة، مشددين على عدم قدرتهم على توضيح الأسباب وإعطاء تفسير منطقي واحد حول ما يمكن الأخذ به بعد ذلك. فكل التفسيرات السابقة برأيهم باءت بالفشل. وأشار التحليل إلى أن البحث جار الآن عن كلمة جديدة لوصف التراجع بعد بلوغها مرحلة أشبه باللانهاية وخروج الأسعار أو نسب خفض المؤشرات من دائرة التصحيح إلى شيء أعمق بكثير).
إضافة إلى هذا، ورد في تقرير لأحد المواقع الإلكترونية المشهورة على الإنترنت ما يلي: (لم تقف الأخبار الطيبة التي أطلقت على مدى اليومين الماضيين خلال ندوة بناء المستقبل حائلاً دون انحدار مؤشر السوق السعودي الى ما دون حاجز الـ 10000، وخرقت الأسهم السعودية مستوى الدعم الرئيسي بهبوطها إلى أدنى مستوى متوقّع أنه سيكون نقطة الدعم القادمة في حدود الـ 9200 نقطة وذلك كما توقعت العديد من التقارير. فلا الإعلان عن مركز الملك عبدالله المالي، ولا الإعلان عن تخصيص قسم من هيئة سوق المال وغيرها من الأنباء المطمئنة أفلحت بتهدئة المتعاملين بالسوق الذين لم يستطيعوا فهم غموض وضع السوق الحالي وغياب الحلول الفعالة لايقاف الانحدار المتواصل، علماً أن انخفاض المؤشر لهذا المستوى لا يعد منطقياً إذا تم قياسه مع ما أعلن أن العام الجاري يُعد مثالياً بالنسبة للاقتصاد السعودي نظراً لما حققه من نمو اقتصادي كبير جداً، مع ملاحظة ارتفاع الفائض في الميزانية وميزان المدفوعات، وعدم وجود تضخم، فضلاً عن البرنامج الطموح للاستثمار في السعودية في الشركات العقارية والبنوك والشركات الصناعية وخلافها، (كما جاء في موقع جريدة إيلاف الإلكترونية).
عندما تصدر مثل هذه العبارات: (عدم قدرتهم على توضيح الأسباب وإعطاء تفسير واحد) (غموض وضع السوق) من محللين ماليين واقتصاديين يُفترض في الناس أن تلجأ إليهم لفهم وتفسير ما يجري، فإن الأمر يدل على وجود مشكلة حقيقية تحتاج لبحث وتحليل، خاصة حين نرى أنها لا تنحصر في بلد خليجي واحد وإنما تكاد تصبح حالة عامة.
الواضح هنا إذن أننا إزاء حالة لم يعد ممكنا فيها استخدام (المطرقة) الوحيدة لدينا، أي (التحليل الاقتصادي)، لفهم المشكلة فضلا عن التعامل معها. فأنت تستطيع أن ترى بوضوح كيف يركز المعلقون في التحليلات السابقة على جملة من العناصر الاقتصادية التي تُعتبر تقليدياً عناصر استقرار السوق أو اهتزازها. من هنا، تبدو حيرتهم كبيرة في مواجهة التضارب بين المقدمات التي اعتادوا عليها والنتائج المتراكمة على أرض الواقع.
إن ورود مثل تلك العبارات من أشخاص يقيسون كلامهم دائماً بمقياس الذهب، ويحرصون عادة على تغليب التفاؤل وإيجاد التفسيرات الإيجابية، يؤكد أن قدرة بعض المتخصصين على تفسير ظواهر تدخل في إطار تخصصهم تصل أحياناً إلى مرحلة العجز. ولا نعتقد أن هناك سبباً آخر لمثل هذا الذي يجري سوى استبعاد الرؤية الشمولية لأسباب الظاهرة وطبيعتها.
بكلام واضح، فإنه ليس من مصلحة سوق الأسهم، ولا من مصلحة الاقتصاد الخليجي، ولا من مصلحة حاضر المجتمعات الخليجية ومستقبلها أن يكون الاقتصار على المدخل الاقتصادي هو تلك المطرقة التي نتحدث عنها عند بحث ظاهرة أسواق الأسهم.
وبدايةً، يجب التأكيد بأننا لا نشك لحظة في الأهمية الكبرى للتحليل الاقتصادي بمختلف عناصره كعاملٍ أو متغير (variable) يجب دراسته لتفسير ظواهر واقعنا المعاصر. ونحن لا نريد أن نوحي بضرورة الانتقال من النقيض للنقيض كما هو سائد ثقافياً، بحيث يفهم البعض من كلامنا السابق التقليل من أهمية التحليل الاقتصادي.
فبيان أهمية الاقتصاد لا يحتاج للإحالة إلى الساحة الأكاديمية في العالم، حيث بدأ تأثير الاقتصاد في الحياة يؤخذ في الاعتبار وبقوة في معظم العلوم الأخرى منذ زمن، بما فيها علم السياسة الذي يعتبره أهله (ربما بشيء من التحيز) أرقى العلوم الاجتماعية. إذ بات الاقتصاد السياسي (Political Economy) حقلاً مهماً من الحقول العلمية التي تفسر الظواهر السياسية وتجيب عن الأسئلة البحثية المطروحة فيه. هذا فضلاً عن إقرار الكثيرين بضرورة اعتبار العامل الاقتصادي في ميادين متعددة في علوم الاجتماع والتاريخ والاتصال والإدارة وحتى الطب والهندسة.
بل إن أهمية الاقتصاد واضحة من مجرد استطلاع الواقع المحلي والإقليمي والعالمي في جميع المجالات، حيث أصبح تأثيره ظاهراً للعيان وللعامة، ولا يحتاج إلى إثبات علمي أو تخصص أكاديمي.
رغم هذا. بل وربما بسبب من هذا، فإن علينا أن نكون في غاية الحذر عند محاولة تفسير الظواهر ذات الإشكالية في واقعنا، بحيث لا نقع تحت تأثير الرؤية الجزئية أو ضغط اللحظة الراهنة نفسياً وفكرياً. الأمر الذي يجعل فهمنا للظاهرة منقوصاً، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى أن تكون معالجتنا لها جزئيةً ومختزلة.
وبعيداً عن التعميم، فإننا نقصد من هذا الطرح الإشارة إلى ضرورة دراسة ظاهرة أسواق الأسهم من خلال أدوات البحث العلمي المتوافرة في حقول معرفية متعددة، وعن طريق مختصين في تلك الحقول، بحيث تشكّل مجمل البحوث التي يقدمها هؤلاء صورة أكثر تكاملاً للموضوع. وهو ما سيساعد أصحاب القرار على اتخاذ قرارات أكثر فاعلية على المدى الاستراتيجي.
إن من المبادىء الأساسية للبحث العلمي في جميع حقول المعرفة وفي مجالات العلوم الاجتماعية على وجه الخصوص، ضرورة البحث عن المتغيرات العديدة التي تساهم في تفسير أي ظاهرة (multiple variables). ونحن نعرف أن الشائع في ثقافتنا العربية هو التركيز على عنصر أو متغير واحد تُفهم الظاهرة من خلاله. وعلى نسق طويل من التفسيرات الأحادية يبدأ من (الحظ) ولا ينتهي عند (المؤامرة) تأتي رؤيتنا لكثير من قضايانا سطحية أو مختزلة أو أحادية الاتجاه. وتأتي الحلول المقترحة لها أبعد ما تكون عن تحقيق الأهداف المطلوبة.
لهذا قد تكون معالجة هذه المجلة الغراء لظاهرة أسواق الأسهم من خلال ملف متكامل مساهمة خلاّقة تصيب (عصفورين بحجر واحد) كما يقولون، فهي من ناحية تساهم في تفسير الظاهرة واقتراح الحلول لها. ومن ناحية أخرى تساهم في الدعوة إلى وجود العقلية البحثية العلمية الشمولية لظواهر واقعنا في الخليج خاصة وفي العالم العربي بشكل عام.
وحيث إن المقام لا يتسع لتفصيل الحديث في علاقة ظاهرة سوق الأسهم بفروع المعرفة الأخرى، فإننا سنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض الأمثلة، لأن هذا المقال يهدف إلى فتح الملف وطرح الأسئلة والإشكاليات أكثر من أي شيء آخر، لا سيما أن اقتراح الإجابات يحتاج إلى مساهمات متنوعة من قبل مختصين في حقول المعرفة المختلفة.
دور العامل الثقافي والتربوي
لقد عزا عالم الاقتصاد في جامعة هارفارد (جون واي كامبل) التقلب المتزايد في أسعار الأسهم التي يحوزها الأفراد في جزء منه إلى نشوء الملكية المؤسسية وميل المستثمرين الأفراد إلى الاعتماد على الأساليب ذاتها في اتخاذ قراراتهم، ثم ربَطَ القضية سببياً بمفهوم (التقليد). وعند الحديث عن دوافع التقليد عند البشر استفاض المؤلف في الحديث عن الدوافع التالية: (الأمان)، (الامتثال الجماعي)، (الاعتقاد بامتلاك الآخر معرفة أوسع)، وأخيرا (الطمع) (كما جاء في مجلة الثقافة العالمية العدد 135).
هنا نجد كيف بدأ عالم اقتصاد بالبحث عن تفسيرٍ لظاهرة معينة، لكن رؤيته الشمولية دفعته للخروج من الإطار الاقتصادي البحت للموضوع، لأنه أدرك ببساطة أن عليه البحث في السلوك البشري الذي يدخل في تشكيل الظاهرة التي يدرسها، ثم أكمل باحثون آخرون مختصون في حقول الاجتماع والنفس والإدراك والتربية البحث في هذا الموضوع من خلال معطيات حقولهم المعرفية، فتحدث بعضهم عن ظواهر مثل (تأثير عربة الموسيقيين) Bandwagon Effect الذي يعني في بعض القواميس (الالتحاق بالحشد من دون القيام بعملية تمحيص دقيقة لطبيعة الأمر الذي يحتشد الناس حوله)، أو مفهوم (القبول من خلال الإجماع) الذي يقول (if many believe so, it is so) أو (إذا اقتنع أو آمن مجموعة من الناس بأمر ما فإن هذا الأمر كائن أو صحيح أو موجود، فقط بسبب توافر الإجماع عليه، بغض النظر عن التقييم العلمي الصارم لحقيقة كينونته ووجوده).
وقبل هذا بسنوات طويلة، درس الصحفي الاسكتلندي تشارلز ماكاي من خلال نشاطه الصحفي آلية وقوع الفورات المتعاقبة عبر التاريخ بما فيها الفقاعات المالية، ونشر ما وصل إليه في كتاب (الأوهام الشائعة وجنون الحشود) الذي أصبح من الكتب الكلاسيكية، وكان من أهم نتائج دراسته قوله: (يفكر البشر كما قيل حقاً بعقلية القطيع، وسنرى أنهم يفقدون رشدهم جماعات ويستعيدونه ببطء فرادى واحدا إثر الآخر).
ونحن لا نريد لمجتمعاتنا أن تفقد رشدها جماعات، وأن تستعيده ببطء وبشكل فردي. لهذا يصبح مطلوباً أن نتصدى لدراسة الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية على وجه الخصوص، حيث أصبحت الوفرة الاقتصادية دافعاً لتشكيل ثقافة (الربح السريع) بين جميع شرائح المجتمع. وأدى هذا إلى غياب الإحساس بأي قيمة لمعاني الجهد والتخطيط والصبر والبناء المتدرج، وإلى تغليب ثقافة الاستعجال في النجاح وفي (الوصول) بغض النظر عن تعريف (الوصول) ومعناه. وبغض النظر عن طريقة الوصول وملابساتها.
وكما هو واضح، فإن التعامل مع ظاهرة سوق الأسهم من هذا المدخل (الثقافي) يقتضي عملاً وتخطيطاً جاداً يصحح الثقافة السائدة في مجالات الثقافة والتربية والتعليم والإعلام. فطريقة حياة وتفكير الأفراد في أي مجتمع هي نتاج تأثير تلك المجالات مجتمعة. وحين نتحدث عن مجتمعات خليجية زاخرة بوسائل إعلام لا حصر لها يجري أغلبها وراء الربح بأي طريقة، ونتحدث أيضاً عن مجتمعات خليجية مفتوحة لتعليم خاص أصبح تحصيل المال الهمَّ الأكبر لغالبية القائمين عليه، ونتحدث عن مجتمعات خليجية منفتحة على العولمة بكل مظاهرها، يصبح ممكناً إدراك حجم التحدي الذي تنبغي مواجهته لصياغة ثقافة قادرة على التعامل بتوازن مع هذا العالم، ويصبح واضحاً أيضاً أن للعامل الثقافي وللمثقفين والتربويين دوراً لا يُغفل في التعامل مع ظاهرة أسواق الأسهم، وإن لم يكن هذا الدور واضحاً بشكلٍ آني ومباشر.
إضافة إلى ما سبق، قد تكون مشكلة أسواق الأسهم دليلاً على سيادة تلك العقلية التي لا تدرك سنن قيام الدول وبناء الحضارات، فهذا البناء ليس ممكناً في غياب الالتزام بعالم الأسباب ومن دون اتباع قوانين الاجتماع البشري على هذه الأرض. إذ لا يمكن إنكار ذلك الاعتقاد الذي بات سائداً في المجتمعات الخليجية خاصة في السنوات القليلة الماضية بأن مجرد القفز إلى أسواق الأسهم بشيء من رأس المال كفيل بصناعة المستقبل ليس فقط على الصعيد الفردي، وإنما حتى على الصعيد الجماعي كما يعتقد البعض. والواضح أن محاولة بناء حاضر ومستقبل على مثل هذه المقولات تضع مصير الأفراد والشعوب في مهب الرياح العاتية.
دور التخطيط والإدارة ومفهوم التنمية المستدامة
وهذا ينقلنا مباشرة إلى مجال التخطيط السياسي والإداري، فقد تكون ظاهرة أسواق الأسهم دافعاً لإعادة النظر في الهيكلة والسياسات الاقتصادية لدول الخليج على الصعيدين الرسمي والشعبي، وقد تدفع أصحاب الشأن مثلاً إلى إعادة التفكير في الخيارات الاستراتيجية التي تقود عملية التنمية الاقتصادية وإعادة ربطها بالعناصر التي تحقق التنمية البشرية الحقيقية لإنسان هذه الأرض، بحيث يحدث التوازن على سبيل المثال بين التركيز على بعض القطاعات الاقتصادية (الترفيه، السياحة، البناء) وقطاعات أخرى قد تكون أكثر إنتاجية ودخلاً على المدى البعيد، إضافة إلى كونها أقدر على تحقيق وحفظ الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، وتجنيب مجتمعات الخليج أي هزات قد تنتج عن التركيز غير المتوازن على بعض القطاعات الاقتصادية.
لقد أصبح مفهوم التنمية المستدامة من أكثر المفاهيم التي تستقطب الدراسة والبحث في الغرب. لأن كثيرا من علمائه في مختلف التخصصات أدركوا الإشكاليات الكبرى التي تنتج عن الالتزام بنمطٍ معين من التنمية هو النمط السائد عالمياً. والذي يبحث قليلاً في أدبيات ذلك المفهوم ويتجاوز السطح والعناوين يجد ملامح وبدايات ثورة حقيقية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا يجب أن نمرّ عليها مرور الكرام.
دور التوجيه الديني
بل إن التوجيه الإسلامي والديني يمكن أن يكون مدخلاً من مداخل التعامل مع ظاهرة أسواق الأسهم، فبدلاً من حصر التركيز في هذا الباب على الشعائر التعبدية على أهميتها وعلى بعض مظاهر التدين الخارجية، يمكن إحياء قيم العمل والسعي والتفكر على أنها من قيم الدين الأساسية التي تُحقق كمال الإنسان المتدين، بدلاً من شيوع روح الكسل والتراخي والاستسهال التي ترتبط بعقلية الربح السريع. كما يجب إعادة الاعتبار لدور العلم والعقل في حياة الأشخاص والجماعات البشرية، ولدور المنهج النقدي الذي يجب أن يميز حركة الإنسان على هذه الأرض، فلا يقوم باتخاذ قرارات تمس حياته وحياة أسرته بعيداً عن التفكير العقلي والعلمي ومشوباً بروح التقليد للآخرين، بل يكون منهجه في الحياة مقترناً دوماً بالسؤال والدراسة والبحث والتمحيص والتدقيق فيما يقوله ويفعله أولئك الآخرون قبل تقليد أفعالهم وقراراتهم. فضلاً عن ذلك، فإن من الضرورة بمكان إعادة الاعتبار لرؤية الدين الأصيلة لدور المال في الحياة الإنسانية. فالدين يشجع على تداول المال وتشغيله في مشاريع تنفع الناس في معاشهم وحوائجهم على المستوى الشخصي، وتحقق في الوقت نفسه عمران الأرض الذي يعني بلغة العصر عمليات التنمية على مستوى الأوطان والشعوب. وذلك بدلاً من كنزه أو تدويره في حلقات مغلقة لا تنتج، إذا حالفها الحظ، سوى مزيد من المال.
ضرورة القراءة الشمولية
في تعليق معبر على التحليل المنشور في الموقع الإلكتروني المذكور أعلاه، سمى أحد المعلقين نفسه (حسبي الله ونعم الوكيل) وعلّق بجملة واحدة كان واضحاً أنها جاءت زفرةً من قلبه الكسير قائلاً: (الله يدمّر من دمّر السوق السعودي). والذي يعرف بشكل تفصيلي الآثار الاجتماعية والصحية والاقتصادية التي نتجت عن هزات أسواق الأسهم الأخيرة في بعض المجتمعات الخليجية يشعر بدرجة المسؤولية التي يجب أن يرتقي إليها كل من يريد معالجة هذه الظاهرة.
لكل هذا، يبدو جلياً أننا بحاجة في الخليج لقراءة ظاهرة أسواق الأسهم بشكل شمولي من حيث أسبابها الثقافية والإدارية والسياسية، إضافة إلى الأسباب الاقتصادية، كما أننا بحاجة إلى استقراء النتائج المعقّدة والحساسة التي نتجت وستنتج عن استمرار الظاهرة بغض النظر عن أي تقلبات مستقبلية إيجابية كانت أم سلبية.
فهل تكون أزمة سوق الأسهم (الضارة) النافعة خليجياً؟
إن دراسة عميقة وشاملة لظاهرة أسواق الأسهم الخليجية وما ترتب عليها من أزمات في الآونة الأخيرة ستنفعنا بالتأكيد في الوصول إلى إجابة صحيحة لهذا السؤال.

::/fulltext::
::cck::3223::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *