الاختلاف و”الخلاف” بين الحضارات
::cck::3185::/cck::
::introtext::
ربما يستحسن أن نرجع إلى جوهر العلاقات الدولية (أو العلاقات بين الدول) عند الحديث في موضوع صراع الحضارات وصدام الأمم، الذي يثار كثيراً في هذه الأيام في العالمين العربي والإسلامي من جهة، وفي العالم الغربي من جهة أخرى، لعلنا نتفهم الواقع الذي نعيشه، في مواجهة الغرب الحالي وبشكل أفضل. ولن يتحقق ذلك إلا بالنقاش الموضوعي والتحليل العلمي الذي يسعى إلى كشف الحقائق وتوضيحها بعيداً عن طروحات وشعارات المتطرفين والمتحذلقين، التي تتغذى على الشحن العاطفي لعموم الناس المحبطين، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي.
::/introtext::
::fulltext::
ربما يستحسن أن نرجع إلى جوهر العلاقات الدولية (أو العلاقات بين الدول) عند الحديث في موضوع صراع الحضارات وصدام الأمم، الذي يثار كثيراً في هذه الأيام في العالمين العربي والإسلامي من جهة، وفي العالم الغربي من جهة أخرى، لعلنا نتفهم الواقع الذي نعيشه، في مواجهة الغرب الحالي وبشكل أفضل. ولن يتحقق ذلك إلا بالنقاش الموضوعي والتحليل العلمي الذي يسعى إلى كشف الحقائق وتوضيحها بعيداً عن طروحات وشعارات المتطرفين والمتحذلقين، التي تتغذى على الشحن العاطفي لعموم الناس المحبطين، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي.
يمكن في الواقع ضبط العلاقات السياسية الدولية (أي العلاقات الأهم بين الدول المختلفة) في ظاهرتين (متناقضتين) رئيسيتين فقط، هما: التعـاون (السلام) والصراع (الحرب)، وما بينهما. وهناك بالطبع مستويات متعددة مختلفة للتعاون، فهو يبدأ من التصريحات والاتصالات الودية بين المسؤولين الحكوميين في البلدين المعنيين، ويتصاعد ليصل إلى درجة الاتحاد والتضامن الوثيق بين الأطراف المعنية. وكذلك الصراع، فقد يبدأ من تبادل العبارات غير الودية ليصل إلى درجة التصادم والنـزاع والحروب.
ويمكن القول إن علاقة أية دولة (أو حضارة) بأخرى في أي وقت، ومهما كان مقدار التوافق القيمي والمصلحي بينهما، تحتوي على عناصر من الظاهرتين.. التعاون والصراع. وقد يغلب التعاون على العلاقات، وقد يغلب الصراع. وبالطبع يكون التعاون غالباً على حساب الصراع، والعكس صحيح أيضاً.
والواقع أيضاً أن العلاقات الدولية متغيرة أبداً، وتتميز بسيادة مصالح أطرافها، وتقديم تلك المصالح على كل ما عداها. ويقول السياسي البريطاني الشهير ونستون تشرشل: ليس هناك صداقة دائمة.. أو عداء دائم.. هناك مصالح دائمة.. واصفاً، إلى حد ما، حقيقة السياسة الدولية الحديثة.
بمعنى أن وجود درجة معينة من التعاون بين طرفين من أطراف العلاقات الدولية، في وقت ما معين، لا يعني بالضرورة دوام تلك الدرجة إلى الأبد. والشيء نفسه يقال عن الصراع والعداء والتصادم. فأعداء الأمس قد يكونون أصدقاء اليوم.. والأصدقاء اليوم ربما يصبحون أعداء لبعضهم غداً.. وهكذا. ولكن يظل للتوافق القيمي دور حاسم في تحديد مدى التعاون / الصراع بين الطرفين المعنيين على المدى الطويل.
وحقيقة، يمكن القول إن علاقة أي شخصين متعارفين (مهما كانت روابطهما) في أي وقت أو مكان، هي (في الغالب): مزيج من التعاون (الود) والصراع (الكراهية). أي إن ما قيل عن العلاقة بين الدول يمكن أن ينطبق وإلى حد كبير على البشر أيضاً أفراداً أو جماعات.
وما قيل عن جوهر العلاقة بين الدول يجوز سحبه أيضاً على الأمم (الحضارات) المختلفة.. فالعلاقة بين الأمم المختلفة هي في جوهرها ومضمونها الأساسي عبارة عن علاقة مزيج من التعاون والصراع.
وتعرف الأمة (Nation) بأنها مجموعة كبيرة من الناس ترتبط فيما بينها بروابط: اللغة الواحدة، والدين المشترك، والأصل العرقي الواحد، والثقافة المشتركة، والإقليم والتاريخ المشتركين، إضافة إلى وحدة الهدف والمصير، والتهديد الأجنبي المشترك فإذا توفرت هذه العوامل في مجموعة كبيرة من البشر، فإنها تصبح قومية (أمة) واحدة مكتملة. غير أن معظم أمم العالم الحالية لا تتوفر فيها كل هذه العوامل الثمانية مجتمعة، ومع ذلك تحسب أمماً قائمة وفعالة. فليس من الضروري توفر كل هذه العوامل (العناصر) جميعها حتى نكون بصدد أمة (أو قومية) واحدة، إنما يكفي وجود بعض تلك العوامل وبخاصة عوامل: اللغة والدين والثقافة المشتركة لنشوء الأمة.
إن العلاقة بالتالي بين الأمم (الحضارات) المختلفة هي أيضاً مزيج من التعاون والصراع.. ولن ينتفي الصراع (أو الصدام) إلا إذا أضحى العالم كله عبارة عن أمة واحدة، وهذا يعد من المستحيلات. إن أهم عوامل التعاون هي التشابه في القيم والمعتقدات، ووجود مصالح مشتركة مؤكدة. وأهم عوامل الصراع هي التناقض في القيم والأيديولوجيات، وإن وجدت مصالح مشتركة فربما تخفف فقط من حدة الصراع، حيث إن المصالح المتناقضة تزيد من حدة الصراع. وكلما كان التناقض القيمي قوياً احتد الصراع، وتوارى التعاون أو قل، والعكس صحيح.
وقد أمر الخالق البشر بأن ينبذوا الصراع رغم اختلافهم، ويؤكدوا على التعاون فيما بينهم. لذلك يعتبر الإصرار على النزاع معصية شائعة. قال سبحانه وتعالى: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)) (الآية 13 – سورة الحجرات). وقال تعالى: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحـدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكـم)) (الآيـة 48 – سورة المائـدة). وكل ذلك لا يعني على الإطلاق حرمان أحد من حق الدفاع عن نفسه ضد أي عدوان مؤكد. وحتى هذا الحق مشروط بضوابط معروفة.
إن الاختلاف بين الناس هو أحد سنن الكون الثابتة، فالبشر كلهم بشر، تجمع بينهم خصائص مشتركة عامة. ولكن كل منهم مختلف عن الآخر بعض الشيء، وله خصوصية معينة أو يمكن تعيينها. وكذلك الجماعات والدول والأمم (الحضارات). إن من أهم نتائج هذا الاختلاف هي تنوع الحضارات واختلافها عن بعضها. فكلها حضارات إنسانية، ولكن كل منها مختلف عن الآخر بعض الشيء، وله خصوصيته، فالخصوصية ليست حكراً على بشر دون سواهم.
ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك الاختلاف خلاف (أو صدام) بين الأفراد والجماعات والدول والأمم. ولكن وجود إمكانية التعاون ووجوبه في معظم الحالات يحتم على عقلاء البشر في أي صورة ظهروا أو تجسدوا أن يتحاشوا وصول الصراع إلى المستويات الساخنة، التي قد يسفر الوصول إليها عن إلحاق أضرار فادحة بكل ـ أو معظم ـ أطراف العلاقة المعنيين، وأن يلجأوا للتعاون قدر ما استطاعوا.
ومن الطبيعي أيضاً أن تسود الأمم الأقوى، ولكن حتى هذه السيادة قد تكون شكلية أو عابرة أو ضعيفة، ويجب ألا تلغي الأمم الأخرى، التي تملك مقومات الأمة. أما الأمم والكيانات المصطنعة فمن المنطقي أن تنهار عند النـزال الحقيقي، وتتحول إلى أمم شتى أصغر أو ينصهر بعضها في الأمم الغالبة ـ (كما قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة).
إن ديننا الإسلامي الحنيف يحث على التعاون، ويمنع العدوان، ويقيد الصراع بقيود وضوابط كثيرة. فأساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم يجب أن يكون في رأي غالبية فقهاء الإسلام الصحيح: التعاون لا الصراع.
ومن هذا المنطلق، يجب أن نفهم العلاقات بين الأفراد والجماعات والدول والأمم (الحضارات). ومن هذا المنطلق أيضاً وبناء عليه، ينبغي أن نقرأ ما عرف مؤخراً بـ (صدام أو صراع الحضارات). هذه الأطروحة التي أضحت شائعة منذ أن أصدر عالم السياسة الأمريكي صاموئيل هنتنغتون مقاله الشهير عن صدام الحضارات، والذي تحول إلى كتاب فيما بعد.
وملخص رأي الرجل لا يخرج في عمومياته عما ذكرناه في هذا المقال. فهو يوضح حتمية صراع الحضارات المختلفة، ولكنه لا ينكر وجود إمكانية التعاون فيما بينها. وقال: إن الحضارة الغربية مرشحة للتصادم مع عدة حضارات بعد انهيار الـكتلة السوفييتية، وفي مقدمتهـا الحضـارة الإسلامية، لأن الأخيرة هي أكثر الحضارات اختلافاً وتنافراً مع الغرب، ولأن عنصر التطرف الحاد موجود في بعض أبناء هذه الحضارة مع اعترافه بأنهم ـ أي المتطرفون ـ قلة قليلة، ولكنه لم يشر للمتطرفين الغربيين (المؤدلجين) أيضاً.
ومع ذلك، يمكن تلافي الصراع والصدام واستبداله بالتعاون، إذا تم التأكيد على ظاهرة التعايش، وساد التفاهم بين الجانبين، وتم إبعاد المتطرفين من الجانبين عن إدارة العلاقات بين الغرب والمسلمين. وهذا في الواقع صحيح والأخذ به، بعد تصفية الخلافات الجذرية بينهما، يبدو في صالح الطرفين (الأمة العربية والإسلامية والغرب) بل وصالح السلام والأمن الدوليين.
ولا ندري لِمَ قامت الدنيا في العالم العربي ولم تقعد عندما قال هنتنغتون ما قال. ولماذا لم يتم الرد عليه بكتاب مماثل بدل هذا الهياج ؟ وفي النهاية من حق هنتنغتون وغيره أن يقول ما يريد، ومن حق أية جهة أن يكون لها رأيها من دون ضجيج مفتعل وصراخ لا معنى له. فالمنطق السليم هو الذي يسود في النهاية، شاء من شاء وأبى من أبى.
إن ما قاله فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) هو الذي يمكن أن يبرر بعض الانزعاج، ويثير نخوة الدفاع الأدبي عن الإسلام والعروبة، والحضارة الإسلامية بصفة عامة، ولكن بأسلوب موضوعي رغم أن فوكوياما لم يتحدث بأي تفصيل يذكر عن الإسلام والمسلمين، ولكن الظرف الدولي جعل لمقولاته بعض الأهمية. وموجز أطروحة فوكوياما هو اعتقاده بأن التطور البشري قد وصل إلى نهايته وذروته بانتصار الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية على كل ما عداهما وخاصة الشيوعية، حيث أصبح لزاماً على من يريد التقدم الأخذ بهما، ونبذ ما سواهما من أيديولوجيات وعقائد.. كلها يجب أن تذهب في ذمة التاريخ أو في أرشيفه بعد أن فشلت وهزمت!
ورد على أطروحة فوكوياما الكثير من المفكرين الغربيين وغيرهم. ويمثل الانتقاد الذي شنه فوكوياما – في آخر كتبه صدورا – على ما يسمى المحافظين الجدد استنكارا لأساليب السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة، والتي نتجت عنها كراهية عالمية متنامية ضد أمريكا، بل حتى ضد ما تطرحه من مبادىء بما فيها الليبرالية.
وعلى أية حال، إن الحوار البناء بين الغرب والمسلمين يجب أن يتم على أسس موضوعية، وبعيداً عن التشنج، والمواقف المسبقة، حتى يصبح ذا جدوى وفائدة. والغريب أن البعض يؤاخذ الغرب كله على أطروحة (سلبية) ضد الإسلام والعروبة قالها هذا الكاتب أو ذاك، أو حتى هذا المراسل الصحفي أو ذاك، ثم يتغاضون عن الإساءات الكبرى الغربية، المرئية وغير المرئية، كما يتجاهلون في الوقت نفسه ما يكيله بعض العرب والمسلمين للغرب من سباب واتهامات. وكلها أمور تؤثر بالسلب في علاقة العرب والمسلمين بالغرب وغيره، وتبقي هذه العلاقة في دائرة التوتر والنزاع.
والعرب في الواقع ما زالوا أحوج ما يكونون لمحاورة أنفسهم، قبل أن يحاوروا الآخرين، وخاصة في ما يتعلق ببعض الأوضاع المأساوية الخطيرة القائمة في ديار معظمهم.. ومنها مسائل: (التعنصر) البيني والتطرف، ومعاداة معظم المتطرفين أيضاً لغير المتطرفين (المعتدلين) والتي تصل في أحيان كثيرة إلى درجة إباحة الدماء! وما إلى ذلك من مآس وعيوب معروفة.
ويشن الغرب الآن (ممثلاً هذه المرة بأمريكا وحلفائها) هجمة شرسة، على ما يسميه (الإرهاب)، الذي يقوم به متطرفون من العرب والمسلمين. ويتمخض عن هذه الهجمة – كما هو معروف – مقتل آلاف الأبرياء وتدمير بيوتهم ووسائل عيشهم وخاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها.
وهي في الواقع حملة على الإسلام المتشدد، الذي يقولون إن محاربته (يسمونها محاربة الإرهاب) أصبحت مثل خوضهم للحرب الباردة السابقة. ولاشك أن هذه الهجمة – التي أعقبت أحداث سبتمبر أوصلت العلاقة الشعبية بين الجانبين إلى ذروة التوتر.
وأكد ذلك من جديد أن أكثر حضارتين متناقضتين (قيماً وثوابت ومصالح) في العالم في العصر الحاضر، هما: الحضارتان العربية (الإسلامية) والغربية. وصحيح أن التناقض موجود بين كل حضارات العالم ودوله، بل وحتى بين الأفراد ونظرائهم، كما سبق وقلنا. ولكن حدة هذا التناقض (الصراع) بين هاتين الحضارتين ربما تكون الأعلى في الواقع الكوني الراهن.
ومن السهل القول إن السبب الأساسي لهذه الدرجة المرتفعة من الحدة هو وجود متطرفين في الجانبين وليس في الجانب الإسلامي فقط يبتغون اقتلاع الآخر، ويسفهون مبادئه، ويراهنون على ضرورة اندحاره وتراجعه، فإما أن يقبل ملتهم، ويعتنق قيمهم، أو يخضع لهم، وإما القتال والحرب فهو العدو الذي يستحق الموت.
إن الحوار المنهجي الجاد بين الطرفين أو ممثليهم الحقيقيين يمكن أن يزيل هذه المعضلة، ويؤدي بالتالي إلى التفاهم، ومن ثم تعايش الطرفين في أمن وسلام باعتبار أن الغالبية في كل طرف تميل للوسطية والاعتدال والمسالمة. ولكن لابد أن تثور في خضم هذا التشخيص المبسط بل والبدائي عدة تساؤلات حتمية ومهمة نذكر منها:
1 – كيف لحوار منهجي جاد أن ينشأ بين الجانبين، في ظل هذا الاختلال في توازن القوى بينهما، أي: في ظل كون الغرب (الاتحاد الاوروبي، أمريكا، كندا وروسيا تحديدا) هو الأقوى بمراحل من الجانب العربي والإسلامي، بل هو المهيمن على معظم العالم.
2 – من يمثل بالفعل العرب والمسلمين؟ ولاشك أن مسألة التمثيل ربما تكون أهم عنصر في الحوار الحق، وهي محسومة في الغرب. أما في معظم العالمين العربي والإسلامي فهي غير محسومة كما هو معروف.
3 – كيف لمثل هذا الحوار أن يتم ويثمر إيجاباً وبعض جماعات المصالح في هذا الغرب لا يهمها تجاه العرب والمسلمين سوى سحق واستغلال بلادهم، والعمل على بقاء واستمرار حالة التوتر الراهنة، لأن التوتر يعكر صفو الماء، وهي قوى لا تتقن الاصطياد (بمهارة) إلا في الماء العكر؟!
إن هذه القوى (الغربية) هي التي تستميت في محاربة العرب والمسلمين بأداتي الاستعمار الجديد والصهيونية، وهاتان الأداتان هما أهم أسباب الغضب العربي المتأصل والعميق تجاه الغرب.
ونترك الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من التساؤلات الكبرى لمن يهمهم قيام حوار مثمر وجاد بين هذين الطرفين من العقلاء والحكماء والخيرين في الجانبين وهم كثر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3185::/cck::
::introtext::
ربما يستحسن أن نرجع إلى جوهر العلاقات الدولية (أو العلاقات بين الدول) عند الحديث في موضوع صراع الحضارات وصدام الأمم، الذي يثار كثيراً في هذه الأيام في العالمين العربي والإسلامي من جهة، وفي العالم الغربي من جهة أخرى، لعلنا نتفهم الواقع الذي نعيشه، في مواجهة الغرب الحالي وبشكل أفضل. ولن يتحقق ذلك إلا بالنقاش الموضوعي والتحليل العلمي الذي يسعى إلى كشف الحقائق وتوضيحها بعيداً عن طروحات وشعارات المتطرفين والمتحذلقين، التي تتغذى على الشحن العاطفي لعموم الناس المحبطين، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي.
::/introtext::
::fulltext::
ربما يستحسن أن نرجع إلى جوهر العلاقات الدولية (أو العلاقات بين الدول) عند الحديث في موضوع صراع الحضارات وصدام الأمم، الذي يثار كثيراً في هذه الأيام في العالمين العربي والإسلامي من جهة، وفي العالم الغربي من جهة أخرى، لعلنا نتفهم الواقع الذي نعيشه، في مواجهة الغرب الحالي وبشكل أفضل. ولن يتحقق ذلك إلا بالنقاش الموضوعي والتحليل العلمي الذي يسعى إلى كشف الحقائق وتوضيحها بعيداً عن طروحات وشعارات المتطرفين والمتحذلقين، التي تتغذى على الشحن العاطفي لعموم الناس المحبطين، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي.
يمكن في الواقع ضبط العلاقات السياسية الدولية (أي العلاقات الأهم بين الدول المختلفة) في ظاهرتين (متناقضتين) رئيسيتين فقط، هما: التعـاون (السلام) والصراع (الحرب)، وما بينهما. وهناك بالطبع مستويات متعددة مختلفة للتعاون، فهو يبدأ من التصريحات والاتصالات الودية بين المسؤولين الحكوميين في البلدين المعنيين، ويتصاعد ليصل إلى درجة الاتحاد والتضامن الوثيق بين الأطراف المعنية. وكذلك الصراع، فقد يبدأ من تبادل العبارات غير الودية ليصل إلى درجة التصادم والنـزاع والحروب.
ويمكن القول إن علاقة أية دولة (أو حضارة) بأخرى في أي وقت، ومهما كان مقدار التوافق القيمي والمصلحي بينهما، تحتوي على عناصر من الظاهرتين.. التعاون والصراع. وقد يغلب التعاون على العلاقات، وقد يغلب الصراع. وبالطبع يكون التعاون غالباً على حساب الصراع، والعكس صحيح أيضاً.
والواقع أيضاً أن العلاقات الدولية متغيرة أبداً، وتتميز بسيادة مصالح أطرافها، وتقديم تلك المصالح على كل ما عداها. ويقول السياسي البريطاني الشهير ونستون تشرشل: ليس هناك صداقة دائمة.. أو عداء دائم.. هناك مصالح دائمة.. واصفاً، إلى حد ما، حقيقة السياسة الدولية الحديثة.
بمعنى أن وجود درجة معينة من التعاون بين طرفين من أطراف العلاقات الدولية، في وقت ما معين، لا يعني بالضرورة دوام تلك الدرجة إلى الأبد. والشيء نفسه يقال عن الصراع والعداء والتصادم. فأعداء الأمس قد يكونون أصدقاء اليوم.. والأصدقاء اليوم ربما يصبحون أعداء لبعضهم غداً.. وهكذا. ولكن يظل للتوافق القيمي دور حاسم في تحديد مدى التعاون / الصراع بين الطرفين المعنيين على المدى الطويل.
وحقيقة، يمكن القول إن علاقة أي شخصين متعارفين (مهما كانت روابطهما) في أي وقت أو مكان، هي (في الغالب): مزيج من التعاون (الود) والصراع (الكراهية). أي إن ما قيل عن العلاقة بين الدول يمكن أن ينطبق وإلى حد كبير على البشر أيضاً أفراداً أو جماعات.
وما قيل عن جوهر العلاقة بين الدول يجوز سحبه أيضاً على الأمم (الحضارات) المختلفة.. فالعلاقة بين الأمم المختلفة هي في جوهرها ومضمونها الأساسي عبارة عن علاقة مزيج من التعاون والصراع.
وتعرف الأمة (Nation) بأنها مجموعة كبيرة من الناس ترتبط فيما بينها بروابط: اللغة الواحدة، والدين المشترك، والأصل العرقي الواحد، والثقافة المشتركة، والإقليم والتاريخ المشتركين، إضافة إلى وحدة الهدف والمصير، والتهديد الأجنبي المشترك فإذا توفرت هذه العوامل في مجموعة كبيرة من البشر، فإنها تصبح قومية (أمة) واحدة مكتملة. غير أن معظم أمم العالم الحالية لا تتوفر فيها كل هذه العوامل الثمانية مجتمعة، ومع ذلك تحسب أمماً قائمة وفعالة. فليس من الضروري توفر كل هذه العوامل (العناصر) جميعها حتى نكون بصدد أمة (أو قومية) واحدة، إنما يكفي وجود بعض تلك العوامل وبخاصة عوامل: اللغة والدين والثقافة المشتركة لنشوء الأمة.
إن العلاقة بالتالي بين الأمم (الحضارات) المختلفة هي أيضاً مزيج من التعاون والصراع.. ولن ينتفي الصراع (أو الصدام) إلا إذا أضحى العالم كله عبارة عن أمة واحدة، وهذا يعد من المستحيلات. إن أهم عوامل التعاون هي التشابه في القيم والمعتقدات، ووجود مصالح مشتركة مؤكدة. وأهم عوامل الصراع هي التناقض في القيم والأيديولوجيات، وإن وجدت مصالح مشتركة فربما تخفف فقط من حدة الصراع، حيث إن المصالح المتناقضة تزيد من حدة الصراع. وكلما كان التناقض القيمي قوياً احتد الصراع، وتوارى التعاون أو قل، والعكس صحيح.
وقد أمر الخالق البشر بأن ينبذوا الصراع رغم اختلافهم، ويؤكدوا على التعاون فيما بينهم. لذلك يعتبر الإصرار على النزاع معصية شائعة. قال سبحانه وتعالى: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)) (الآية 13 – سورة الحجرات). وقال تعالى: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحـدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكـم)) (الآيـة 48 – سورة المائـدة). وكل ذلك لا يعني على الإطلاق حرمان أحد من حق الدفاع عن نفسه ضد أي عدوان مؤكد. وحتى هذا الحق مشروط بضوابط معروفة.
إن الاختلاف بين الناس هو أحد سنن الكون الثابتة، فالبشر كلهم بشر، تجمع بينهم خصائص مشتركة عامة. ولكن كل منهم مختلف عن الآخر بعض الشيء، وله خصوصية معينة أو يمكن تعيينها. وكذلك الجماعات والدول والأمم (الحضارات). إن من أهم نتائج هذا الاختلاف هي تنوع الحضارات واختلافها عن بعضها. فكلها حضارات إنسانية، ولكن كل منها مختلف عن الآخر بعض الشيء، وله خصوصيته، فالخصوصية ليست حكراً على بشر دون سواهم.
ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك الاختلاف خلاف (أو صدام) بين الأفراد والجماعات والدول والأمم. ولكن وجود إمكانية التعاون ووجوبه في معظم الحالات يحتم على عقلاء البشر في أي صورة ظهروا أو تجسدوا أن يتحاشوا وصول الصراع إلى المستويات الساخنة، التي قد يسفر الوصول إليها عن إلحاق أضرار فادحة بكل ـ أو معظم ـ أطراف العلاقة المعنيين، وأن يلجأوا للتعاون قدر ما استطاعوا.
ومن الطبيعي أيضاً أن تسود الأمم الأقوى، ولكن حتى هذه السيادة قد تكون شكلية أو عابرة أو ضعيفة، ويجب ألا تلغي الأمم الأخرى، التي تملك مقومات الأمة. أما الأمم والكيانات المصطنعة فمن المنطقي أن تنهار عند النـزال الحقيقي، وتتحول إلى أمم شتى أصغر أو ينصهر بعضها في الأمم الغالبة ـ (كما قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة).
إن ديننا الإسلامي الحنيف يحث على التعاون، ويمنع العدوان، ويقيد الصراع بقيود وضوابط كثيرة. فأساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم يجب أن يكون في رأي غالبية فقهاء الإسلام الصحيح: التعاون لا الصراع.
ومن هذا المنطلق، يجب أن نفهم العلاقات بين الأفراد والجماعات والدول والأمم (الحضارات). ومن هذا المنطلق أيضاً وبناء عليه، ينبغي أن نقرأ ما عرف مؤخراً بـ (صدام أو صراع الحضارات). هذه الأطروحة التي أضحت شائعة منذ أن أصدر عالم السياسة الأمريكي صاموئيل هنتنغتون مقاله الشهير عن صدام الحضارات، والذي تحول إلى كتاب فيما بعد.
وملخص رأي الرجل لا يخرج في عمومياته عما ذكرناه في هذا المقال. فهو يوضح حتمية صراع الحضارات المختلفة، ولكنه لا ينكر وجود إمكانية التعاون فيما بينها. وقال: إن الحضارة الغربية مرشحة للتصادم مع عدة حضارات بعد انهيار الـكتلة السوفييتية، وفي مقدمتهـا الحضـارة الإسلامية، لأن الأخيرة هي أكثر الحضارات اختلافاً وتنافراً مع الغرب، ولأن عنصر التطرف الحاد موجود في بعض أبناء هذه الحضارة مع اعترافه بأنهم ـ أي المتطرفون ـ قلة قليلة، ولكنه لم يشر للمتطرفين الغربيين (المؤدلجين) أيضاً.
ومع ذلك، يمكن تلافي الصراع والصدام واستبداله بالتعاون، إذا تم التأكيد على ظاهرة التعايش، وساد التفاهم بين الجانبين، وتم إبعاد المتطرفين من الجانبين عن إدارة العلاقات بين الغرب والمسلمين. وهذا في الواقع صحيح والأخذ به، بعد تصفية الخلافات الجذرية بينهما، يبدو في صالح الطرفين (الأمة العربية والإسلامية والغرب) بل وصالح السلام والأمن الدوليين.
ولا ندري لِمَ قامت الدنيا في العالم العربي ولم تقعد عندما قال هنتنغتون ما قال. ولماذا لم يتم الرد عليه بكتاب مماثل بدل هذا الهياج ؟ وفي النهاية من حق هنتنغتون وغيره أن يقول ما يريد، ومن حق أية جهة أن يكون لها رأيها من دون ضجيج مفتعل وصراخ لا معنى له. فالمنطق السليم هو الذي يسود في النهاية، شاء من شاء وأبى من أبى.
إن ما قاله فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) هو الذي يمكن أن يبرر بعض الانزعاج، ويثير نخوة الدفاع الأدبي عن الإسلام والعروبة، والحضارة الإسلامية بصفة عامة، ولكن بأسلوب موضوعي رغم أن فوكوياما لم يتحدث بأي تفصيل يذكر عن الإسلام والمسلمين، ولكن الظرف الدولي جعل لمقولاته بعض الأهمية. وموجز أطروحة فوكوياما هو اعتقاده بأن التطور البشري قد وصل إلى نهايته وذروته بانتصار الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية على كل ما عداهما وخاصة الشيوعية، حيث أصبح لزاماً على من يريد التقدم الأخذ بهما، ونبذ ما سواهما من أيديولوجيات وعقائد.. كلها يجب أن تذهب في ذمة التاريخ أو في أرشيفه بعد أن فشلت وهزمت!
ورد على أطروحة فوكوياما الكثير من المفكرين الغربيين وغيرهم. ويمثل الانتقاد الذي شنه فوكوياما – في آخر كتبه صدورا – على ما يسمى المحافظين الجدد استنكارا لأساليب السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة، والتي نتجت عنها كراهية عالمية متنامية ضد أمريكا، بل حتى ضد ما تطرحه من مبادىء بما فيها الليبرالية.
وعلى أية حال، إن الحوار البناء بين الغرب والمسلمين يجب أن يتم على أسس موضوعية، وبعيداً عن التشنج، والمواقف المسبقة، حتى يصبح ذا جدوى وفائدة. والغريب أن البعض يؤاخذ الغرب كله على أطروحة (سلبية) ضد الإسلام والعروبة قالها هذا الكاتب أو ذاك، أو حتى هذا المراسل الصحفي أو ذاك، ثم يتغاضون عن الإساءات الكبرى الغربية، المرئية وغير المرئية، كما يتجاهلون في الوقت نفسه ما يكيله بعض العرب والمسلمين للغرب من سباب واتهامات. وكلها أمور تؤثر بالسلب في علاقة العرب والمسلمين بالغرب وغيره، وتبقي هذه العلاقة في دائرة التوتر والنزاع.
والعرب في الواقع ما زالوا أحوج ما يكونون لمحاورة أنفسهم، قبل أن يحاوروا الآخرين، وخاصة في ما يتعلق ببعض الأوضاع المأساوية الخطيرة القائمة في ديار معظمهم.. ومنها مسائل: (التعنصر) البيني والتطرف، ومعاداة معظم المتطرفين أيضاً لغير المتطرفين (المعتدلين) والتي تصل في أحيان كثيرة إلى درجة إباحة الدماء! وما إلى ذلك من مآس وعيوب معروفة.
ويشن الغرب الآن (ممثلاً هذه المرة بأمريكا وحلفائها) هجمة شرسة، على ما يسميه (الإرهاب)، الذي يقوم به متطرفون من العرب والمسلمين. ويتمخض عن هذه الهجمة – كما هو معروف – مقتل آلاف الأبرياء وتدمير بيوتهم ووسائل عيشهم وخاصة في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها.
وهي في الواقع حملة على الإسلام المتشدد، الذي يقولون إن محاربته (يسمونها محاربة الإرهاب) أصبحت مثل خوضهم للحرب الباردة السابقة. ولاشك أن هذه الهجمة – التي أعقبت أحداث سبتمبر أوصلت العلاقة الشعبية بين الجانبين إلى ذروة التوتر.
وأكد ذلك من جديد أن أكثر حضارتين متناقضتين (قيماً وثوابت ومصالح) في العالم في العصر الحاضر، هما: الحضارتان العربية (الإسلامية) والغربية. وصحيح أن التناقض موجود بين كل حضارات العالم ودوله، بل وحتى بين الأفراد ونظرائهم، كما سبق وقلنا. ولكن حدة هذا التناقض (الصراع) بين هاتين الحضارتين ربما تكون الأعلى في الواقع الكوني الراهن.
ومن السهل القول إن السبب الأساسي لهذه الدرجة المرتفعة من الحدة هو وجود متطرفين في الجانبين وليس في الجانب الإسلامي فقط يبتغون اقتلاع الآخر، ويسفهون مبادئه، ويراهنون على ضرورة اندحاره وتراجعه، فإما أن يقبل ملتهم، ويعتنق قيمهم، أو يخضع لهم، وإما القتال والحرب فهو العدو الذي يستحق الموت.
إن الحوار المنهجي الجاد بين الطرفين أو ممثليهم الحقيقيين يمكن أن يزيل هذه المعضلة، ويؤدي بالتالي إلى التفاهم، ومن ثم تعايش الطرفين في أمن وسلام باعتبار أن الغالبية في كل طرف تميل للوسطية والاعتدال والمسالمة. ولكن لابد أن تثور في خضم هذا التشخيص المبسط بل والبدائي عدة تساؤلات حتمية ومهمة نذكر منها:
1 – كيف لحوار منهجي جاد أن ينشأ بين الجانبين، في ظل هذا الاختلال في توازن القوى بينهما، أي: في ظل كون الغرب (الاتحاد الاوروبي، أمريكا، كندا وروسيا تحديدا) هو الأقوى بمراحل من الجانب العربي والإسلامي، بل هو المهيمن على معظم العالم.
2 – من يمثل بالفعل العرب والمسلمين؟ ولاشك أن مسألة التمثيل ربما تكون أهم عنصر في الحوار الحق، وهي محسومة في الغرب. أما في معظم العالمين العربي والإسلامي فهي غير محسومة كما هو معروف.
3 – كيف لمثل هذا الحوار أن يتم ويثمر إيجاباً وبعض جماعات المصالح في هذا الغرب لا يهمها تجاه العرب والمسلمين سوى سحق واستغلال بلادهم، والعمل على بقاء واستمرار حالة التوتر الراهنة، لأن التوتر يعكر صفو الماء، وهي قوى لا تتقن الاصطياد (بمهارة) إلا في الماء العكر؟!
إن هذه القوى (الغربية) هي التي تستميت في محاربة العرب والمسلمين بأداتي الاستعمار الجديد والصهيونية، وهاتان الأداتان هما أهم أسباب الغضب العربي المتأصل والعميق تجاه الغرب.
ونترك الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من التساؤلات الكبرى لمن يهمهم قيام حوار مثمر وجاد بين هذين الطرفين من العقلاء والحكماء والخيرين في الجانبين وهم كثر.
::/fulltext::
::cck::3185::/cck::
