الحكومات الإلكترونية العربية بين اعتماد التقنيات وتغيير العقليات
::cck::3139::/cck::
::introtext::
الأسهل من استيعاب التكنولوجيا هو شراؤها، لكن التحدي الأكبر يظل في واد آخر: كيفية تغيير الموقف الشعبي تجاه التطورات التكنولوجية. وفي حال الحكومات الإلكترونية العربية يمكن أن يكون الدرس على النحو التالي: هنالك إمكانية فعلية لاجتياز المراحل الخمس المكونة لمشروع الحكومة الإلكترونية وصولاً إلى مرحلة التكامل على مستوى العمليات الداخلية والبينية، لكن ماذا بعد؟ كيف يمكن جعل الناس يهجرون الطوابير المعتادة أمام الدوائر الحكومية ليستخدموا الأدوات الإلكترونية المتاحة في بيوتهم ومكاتبهم للحصول على الخدمات الحكومية؟
::/introtext::
::fulltext::
الأسهل من استيعاب التكنولوجيا هو شراؤها، لكن التحدي الأكبر يظل في واد آخر: كيفية تغيير الموقف الشعبي تجاه التطورات التكنولوجية. وفي حال الحكومات الإلكترونية العربية يمكن أن يكون الدرس على النحو التالي: هنالك إمكانية فعلية لاجتياز المراحل الخمس المكونة لمشروع الحكومة الإلكترونية وصولاً إلى مرحلة التكامل على مستوى العمليات الداخلية والبينية، لكن ماذا بعد؟ كيف يمكن جعل الناس يهجرون الطوابير المعتادة أمام الدوائر الحكومية ليستخدموا الأدوات الإلكترونية المتاحة في بيوتهم ومكاتبهم للحصول على الخدمات الحكومية؟
ربما تكون حكومة دبي الإلكترونية هي المثال الناصع على هذه الحال، إذ دخلت بالفعل مرحلة التكامل البيني والعملياتي، وطورت نظاماً متقدماً للدفع الإلكتروني، وخلقت قنوات مبتكرة عديدة بين الجمهور والحكومة. غير أن مسؤوليها، وعلى رأسهم مديرها سالم الشاعر، أقروا بأن الآتي هو الأصعب. وهذا الآتي يتمثل في تغيير المواقف والعقليات مروراً بمشوار طويل من التوعية المطلوبة.
وتقدم دوائر حكومة دبي ما يقارب الألفي خدمة إلكترونية للجمهور، مدعومة بأنظمة محورية تضافرية مثل مركز الاتصال الموحد (AskDubai) والدفع الإلكتروني (ePay) وخدمة الرسائل النصية (mDubai) وغيرها. وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وضع هدفاً مرحلياً يتمثل في توفير 90 في المائة من الخدمات الحكومية بوسائل مبتكرة. لكنه، وفي استدراك ذكي ينم عن معرفة بمكمن التحدي، ربط هذا الهدف بآخر، حيث اشترط سموه أن يبلغ عدد المعاملات التي تتم فعلاً بوسائل إلكترونية من قبل الناس والأعمال خمسين في المائة على أقل تقدير.
الرسالة هنا واضحة: حتى لو بلغت نسبة الخدمات الإلكترونية المتاحة للجمهور مائة في المائة، فلن نكون قد حققنا شيئاً ذات قيمة، فالحكومة الإلكترونية في نهاية المطاف تمثل تحولاً اجتماعياً وليس تقنياً، وبعبارة أدق فإن التقنيات لا تشكل سوى عامل مساعد هنا للانتقال إلى الشكل العصري من الحكم الرشيد.
إن أبرز معالم الحكم الرشيد في ظل الحكومة الإلكترونية يتمثل في الشفافية. ومن المعلوم أن الخطوة الأولى على طريق التحول الإلكتروني لأي مؤسسة أو دائرة حكومية تكمن في تأكيد الحضور على الفضاء الشبكي. والحضور يعني توفير المعلومات للعامة، إذ بمقدور المرء مثلاً أن ينقر على لوحة المفاتيح ليصل إلى الهيكل التنظيمي لأي دائرة حكومية ويعرف اسم أي مسؤول عن أي قطاع ورقم هاتفه وبريده الإلكتروني جنباً إلى جنب مع المعلومات الأخرى عن سياسة الدائرة وخطة عملها وأخبارها ومشاريعها وأرقامها.. إلخ.
إن هذه الشفافية تؤسس لمرحلة أكثر تركيباً تتمثل في التفاعل المجتمعي، ويتجلى ذلك في القدرة على بث الشكوى وتقديم الملاحظات من الجمهور مباشرة ومن دون تجشم عناء الذهاب إلى مبنى الدائرة والانتظار ريثما تسنح الفرصة للقاء هذا المسؤول أو ذاك.
وشهدت دبي الكثير من الأمثلة في هذا السياق، منها أن ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي استجاب للكثير من الشكاوى عبر بريده الإلكتروني الموجود على موقع شرطة دبي، واتخذ إجراءات منصفة ما كان للمستفيدين منها أن يحققوها بتلك السهولة في ظل عدم وجود تلك القناة الشفافة للتواصل بين الحاكم والمحكوم. ومن الأمثلة الناصعة أيضاً قيام أحد المسؤولين في حكومة دبي بالإعلان عن طلب اقتراحات من الجمهور بالبريد الإلكتروني وتخصيص جائزة مالية ضخمة لمن يتقدم باقتراح تطويري ذي قيمة.
إن هذا التفاعل المجتمعي هو الأرضية الخصبة للانتقال من السلبية الجماهيرية إلى ثقافة المساءلة التي تفضي إلى الجودة.
وماذا بعد؟
ثمة أمر مهم بالنسبة لبلدان العالم الثالث التي تتحول بوتيرة متباينة نحو تغيير مناهج الحكم، هذا الأمر هو الديمقراطية التي تمثل العمود الفقري للحكم الرشيد، وكانت مملكة البحرين سباقة في تطوير برنامج إلكتروني للتصويت عبر الإنترنت. وربما يكون هذا البرنامج أولياً، لكنه بلا شك يجسد الاستعداد لمرحلة آتية لا ريب فيها، وقد أعلن صاحب السمو رئيس دولة الإمارات في خطابه بمناسبة عيد الاتحاد الرابع والثلاثين أن الإمارات سترى الانتخابات العامة في زمن ليس ببعيد. وعندما يأتي ذلك الاستحقاق ستكون مشاريع الحكومات الإلكترونية المحلية الناشئة محلياً واتحادياً قد بلغت مرحلة النضج التي تسمح لها بتوفير قناة للانتخاب عبر الإنترنت.
وإضافة للبعدين الاجتماعي والسياسي الكامنين في عملية التحول الإلكتروني هنالك البعد الاقتصادي الذي يقع في صلب عملية التنافس الأممي في زماننا الراهن. وقد تضمن الهدف الاستراتيجي الذي أقيمت على أساسه حكومة دبي الإلكترونية نصاً صريحاً في هذا الصدد (تسهيل حياة الأفراد والأعمال في علاقتهم مع الحكومة، وترسيخ مكانة دبي الرائدة في اقتصاد المعرفة الجديد).
كيف يمكن للحكومة الإلكترونية أن تعزز حيوية الاقتصاد؟
إن تسهيل حياة الناس يعني توفير الوقت المهدور في متابعة المعاملات الحكومية وفق الأسلوب الكلاسيكي التقليدي، لكي يتمكن الناس من التفرغ للإنتاج في مجالات أخرى. ولعل توفير الوقت يعني بالضرورة توفير المال، ولو تأملنا المثال البسيط التالي لأدركنا حجم التوفير في المال والجهد معاً: لكي يسدد المرء فاتورة الكهرباء كان يتعين عليه الاستئذان من عمله لساعات، وركوب سيارته أو سيارة أجرة للذهاب إلى الدائرة المعنية، والوقوف في طابور قد يضم عشرات الأشخاص لينهي عملية الدفع ويعود بالطريقة نفسها إلى عمله. فكم من الوقت تم هدره؟ وكم من المال تم إنفاقه نظير التغيب عن العمل واستخدام الطريق والسيارة واحتمالات الطوارئ.. إلخ؟ وكم استهلك هذا الشخص من الاستثمار في الموظف الحكومي والمبنى الحكومي والمنشآت.. إلخ؟
إن بمقدور هذا الشخص الآن أن يسدد فاتورة الكهرباء في أقل من ثلاث دقائق، وعبر التحويل المباشر من حسابه المصرفي باستخدام الإنترنت أو الهاتف.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي (الماكرو) يجمع المحللون والدارسون على أن الحكومة الإلكترونية ستعمل على (تزييت) عجلة السوق لتتحرك بأريحية وزخم وبأقل القليل من الاحتكاك بمعوقات الواقع مثل زحمة المرور والطقس ومحدودية ساعات دوام الدوائر الحكومية وأعباء الموارد البشرية الفائضة وغيرها.
وأخذاً لتلك الحقائق في الاعتبار، بينت دراسة جدوى أجرتها حكومة دبي الإلكترونية ونشرتها في مجلتها الرسمية (تقنية للجميع) أن العائد على الاستثمار من تطوير الحكومة الإلكترونية سيكون كبيراً، وكبيراً جداً، لكن ذلك كله مشروط بتلك الصيغة التي تضمنها هدف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، والمتمثلة في تبني الجمهور نفسه للمشروع وما يتضمنه ذلك من تغيير في السلوكيات والمواقف.
ولكن كيف يمكن إحداث هذا التغيير في السلوكيات والمواقف؟
لعل السبيل الأسهل في ذلك هو الاعتماد على شركات العلاقات العامة والترويج الإعلامي. نعم، إن هذا هو السبيل (الأسهل)، لكنه ليس الأمثل بأي حال. وقد وقعت في هذا الخطأ بلدان أكثر تقدماً من دبي. ففي بريطانيا أطلقت الحكومة في الربع الأول من هذا العام 2006 حملة ترويجية تحت شعار (تواصل مع حكومتك الإلكترونية) بميزانية مباشرة بلغت خمسة ملايين جنيه استرليني. وفي أقل من بضعة أشهر ظهرت النتيجة التي عبر عنها مانشيت عريض لمقال كتبه الصحافي جون لاند في صحيفة (24dash.com) الإلكترونية (حملة الحكومة للتواصل الجماهيري مجرد هدر للمال العام).
وفيما عبر عشرة في المائة ممن استطلعت آراؤهم عن أن الحملة الإعلامية الضخمة تستحق ما أنفق في سبيلها من أموال، فقد قال ثلث المشاركين إنهم لم يشاهدوا أياً من آثار تلك الحملة أصلاً، وقال واحد من كل سبعة إنه لم يسمع بالحملة إلا عندما تم سؤاله عن رأيه فيها.
والأهم من ذلك، بل الأخطر، هو ما حصدته المواقع الإلكترونية التي كانت هدفاً وغاية للحملة، فقد أكد القائمون على تلك المواقع أنهم لم يلحظوا زيادة معتبرة في مستوى الدخول إلى مواقعهم، هذا على الرغم من أن الحملة لا تزال طازجة، كما هو مفترض، في أذهان الناس، فما بالك بالنتيجة بعد أشهر أو يزيد؟
إن الاستناد إلى ذراع العلاقات العامة والترويج الإعلامي وحده لن يغير النتيجة، وستظل الفجوة قائمة بين التطور التقني الهائل في البنى التحتية والأنظمة والبرامج والحلول من جهة، وبين تبني الجمهور لأساليب عصرية في الحصول على الخدمات الحكومية.
إن إحدى الأدوات الفاعلة في تحقيق التواصل وصولاً إلى التوعية ومن ثم التغيير، تكمن في اعتماد استراتيجية استباقية تعتمد على النزول إلى الميدان ابتداء من الأطفال وغرف التعلم في المدارس والجامعات.
إن الواقعية تقتضي ربط الأجيال الصاعدة بمفهوم الحكومة الإلكترونية من أجل تحقيق الحكومة الإلكترونية الكاملة في مستقبل يقاس بأكثر من مجرد أشهر أو بضع سنوات، ولقد أدركت الحكومة الإلكترونية الأولى في العالم، وهي حكومة الولايات المتحدة الإلكترونية، هذه الحقيقة، واتخذت خطوات عديدة لتهيئة النشء ليكون جاهزاً للتعامل مع الحكومة الإلكترونية، ومن تلك الخطوات تدشين أول بوابة حكومة إلكترونية في العالم موجهة للأطفال (www.kids.gov)، وأنا أدعو جميع المهتمين بشأن الحكومات الإلكترونية العربية للاطلاع على تفاصيل هذه التجربة من خلال التجوال في الموقع المذكور لعل بالإمكان إقامة تجارب محلية تحاكي الفكرة من حيث الأساس وإن بتعديلات تتلاءم مع الواقع المحلي.
إن التوجه إلى الجيل اليافع يمثل واحدة فقط من الاستراتيجيات الناجعة، في نظري – للنهوض بمشاريع الحكومات الإلكترونية العربية في أفق زمني واقعي. لكن تجدر الإشارة هنا إلى محور آخر لا يقل أهمية. ففي زمن الحضور الإلكتروني الذي لا استغناء عنه، يتعين النظر بعين النقد والتحليل إلى الكيفية التي تظهر بها الدوائر والمؤسسات الحكومية على شبكة الإنترنت.
ومن المؤسف القول إن الكثير من تلك المواقع يندرج في باب (رفع العتب)، أو هو من قبيل المباهاة والموضة.
إن البوابة الإلكترونية تمثل الواجهة أو المدخل الطبيعي والضروري لوصول الناس إلى الخدمات الإلكترونية الموجودة أصلاً على مواقع الدوائر الحكومية الأخرى. وما يحدث في كثير من الأحيان هو أن تكون البوابة الإلكترونية قائمة ومصممة بشكل جيد ومدروس، لكن الطرق المؤدية إليها (المواقع الحكومية الأخرى) غير سالكة، أو أنها سالكة بصعوبة.
ويمكن رصد خمس حالات (مرضية) تعاني منها الكثير من مواقع الدوائر الحكومية التي تضم خدمات إلكترونية:
أولاً، موقع غير تفاعلي: في هذا الموقع يكون التواصل مع المتصفح أحادي الاتجاه، بحيث يبقى المتصفح هو المتلقي ويبقى الموقع هو صاحب الكلمة الوحيدة في العملية، وهيهات أن يتمكن المتصفح من إرسال مجرد إيميل للقائمين على الموقع أو الاتصال بهم بأي شكل من الأشكال.
ثانياً، موقع راكد: نادراً ما يتعرض هذا الموقع للتحديث، ومثل هذا الموقع الإلكتروني عادة ما يكون ضحية بيروقراطية غير إلكترونية، أو لنقل ضحية (البروزة). ولسان حال القائمين عليه يقول: (ها نحن قد أنشأنا موقعاً إلكترونياً وكفى الله المؤمنين القتال!)
ثالثاً، موقع مقلوب: يضم هذا الموقع محتوى جيداً، لكن ذلك المحتوى الجيد مدفون تحت (أطنان) من المعلومات غير المهمة وغير الواضحة وغير المرتبة ترتيباً منهجياً، ولعل من قاموا على إنشاء هذا الموقع أغفلوا أهمية الوقت بالنسبة للمتصفح، وافترضوا أنه يتمتع بالبال الطويل والنفس الأطول ليغوص باحثاً عن معلوماتهم الدفينة.
رابعاً، موقع استعراضي (cool): يضم الموقع تقنيات عالية التطور، حركة وفلاشات وصور وأوديو وفيديو إلى درجة تثير انبهار المستخدم، لكنها لا تشجعه على العودة ثانية.
خامساً، موقع بخيل: هنا قد يكون الشكل جيداً، (good look and feel) لكن الموقع لا يعطي للمستخدم شيئاً ذا قيمة، إنه يخرج منه صفر اليدين.
إن القاسم المشترك بين كل تلك التوصيفات هو الوعورة، والوعورة لا صلة لها بتسهيل حياة الناس، وأمام هذا الواقع الإلكتروني العربي لا غرابة في أن تجد الطوابير لا تزال ممتدة أمام مكاتب الدوائر الحكومية حتى في البلدان التي تتباهى بامتلاكها مشاريع حكومات إلكترونية متقدمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3139::/cck::
::introtext::
الأسهل من استيعاب التكنولوجيا هو شراؤها، لكن التحدي الأكبر يظل في واد آخر: كيفية تغيير الموقف الشعبي تجاه التطورات التكنولوجية. وفي حال الحكومات الإلكترونية العربية يمكن أن يكون الدرس على النحو التالي: هنالك إمكانية فعلية لاجتياز المراحل الخمس المكونة لمشروع الحكومة الإلكترونية وصولاً إلى مرحلة التكامل على مستوى العمليات الداخلية والبينية، لكن ماذا بعد؟ كيف يمكن جعل الناس يهجرون الطوابير المعتادة أمام الدوائر الحكومية ليستخدموا الأدوات الإلكترونية المتاحة في بيوتهم ومكاتبهم للحصول على الخدمات الحكومية؟
::/introtext::
::fulltext::
الأسهل من استيعاب التكنولوجيا هو شراؤها، لكن التحدي الأكبر يظل في واد آخر: كيفية تغيير الموقف الشعبي تجاه التطورات التكنولوجية. وفي حال الحكومات الإلكترونية العربية يمكن أن يكون الدرس على النحو التالي: هنالك إمكانية فعلية لاجتياز المراحل الخمس المكونة لمشروع الحكومة الإلكترونية وصولاً إلى مرحلة التكامل على مستوى العمليات الداخلية والبينية، لكن ماذا بعد؟ كيف يمكن جعل الناس يهجرون الطوابير المعتادة أمام الدوائر الحكومية ليستخدموا الأدوات الإلكترونية المتاحة في بيوتهم ومكاتبهم للحصول على الخدمات الحكومية؟
ربما تكون حكومة دبي الإلكترونية هي المثال الناصع على هذه الحال، إذ دخلت بالفعل مرحلة التكامل البيني والعملياتي، وطورت نظاماً متقدماً للدفع الإلكتروني، وخلقت قنوات مبتكرة عديدة بين الجمهور والحكومة. غير أن مسؤوليها، وعلى رأسهم مديرها سالم الشاعر، أقروا بأن الآتي هو الأصعب. وهذا الآتي يتمثل في تغيير المواقف والعقليات مروراً بمشوار طويل من التوعية المطلوبة.
وتقدم دوائر حكومة دبي ما يقارب الألفي خدمة إلكترونية للجمهور، مدعومة بأنظمة محورية تضافرية مثل مركز الاتصال الموحد (AskDubai) والدفع الإلكتروني (ePay) وخدمة الرسائل النصية (mDubai) وغيرها. وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وضع هدفاً مرحلياً يتمثل في توفير 90 في المائة من الخدمات الحكومية بوسائل مبتكرة. لكنه، وفي استدراك ذكي ينم عن معرفة بمكمن التحدي، ربط هذا الهدف بآخر، حيث اشترط سموه أن يبلغ عدد المعاملات التي تتم فعلاً بوسائل إلكترونية من قبل الناس والأعمال خمسين في المائة على أقل تقدير.
الرسالة هنا واضحة: حتى لو بلغت نسبة الخدمات الإلكترونية المتاحة للجمهور مائة في المائة، فلن نكون قد حققنا شيئاً ذات قيمة، فالحكومة الإلكترونية في نهاية المطاف تمثل تحولاً اجتماعياً وليس تقنياً، وبعبارة أدق فإن التقنيات لا تشكل سوى عامل مساعد هنا للانتقال إلى الشكل العصري من الحكم الرشيد.
إن أبرز معالم الحكم الرشيد في ظل الحكومة الإلكترونية يتمثل في الشفافية. ومن المعلوم أن الخطوة الأولى على طريق التحول الإلكتروني لأي مؤسسة أو دائرة حكومية تكمن في تأكيد الحضور على الفضاء الشبكي. والحضور يعني توفير المعلومات للعامة، إذ بمقدور المرء مثلاً أن ينقر على لوحة المفاتيح ليصل إلى الهيكل التنظيمي لأي دائرة حكومية ويعرف اسم أي مسؤول عن أي قطاع ورقم هاتفه وبريده الإلكتروني جنباً إلى جنب مع المعلومات الأخرى عن سياسة الدائرة وخطة عملها وأخبارها ومشاريعها وأرقامها.. إلخ.
إن هذه الشفافية تؤسس لمرحلة أكثر تركيباً تتمثل في التفاعل المجتمعي، ويتجلى ذلك في القدرة على بث الشكوى وتقديم الملاحظات من الجمهور مباشرة ومن دون تجشم عناء الذهاب إلى مبنى الدائرة والانتظار ريثما تسنح الفرصة للقاء هذا المسؤول أو ذاك.
وشهدت دبي الكثير من الأمثلة في هذا السياق، منها أن ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي استجاب للكثير من الشكاوى عبر بريده الإلكتروني الموجود على موقع شرطة دبي، واتخذ إجراءات منصفة ما كان للمستفيدين منها أن يحققوها بتلك السهولة في ظل عدم وجود تلك القناة الشفافة للتواصل بين الحاكم والمحكوم. ومن الأمثلة الناصعة أيضاً قيام أحد المسؤولين في حكومة دبي بالإعلان عن طلب اقتراحات من الجمهور بالبريد الإلكتروني وتخصيص جائزة مالية ضخمة لمن يتقدم باقتراح تطويري ذي قيمة.
إن هذا التفاعل المجتمعي هو الأرضية الخصبة للانتقال من السلبية الجماهيرية إلى ثقافة المساءلة التي تفضي إلى الجودة.
وماذا بعد؟
ثمة أمر مهم بالنسبة لبلدان العالم الثالث التي تتحول بوتيرة متباينة نحو تغيير مناهج الحكم، هذا الأمر هو الديمقراطية التي تمثل العمود الفقري للحكم الرشيد، وكانت مملكة البحرين سباقة في تطوير برنامج إلكتروني للتصويت عبر الإنترنت. وربما يكون هذا البرنامج أولياً، لكنه بلا شك يجسد الاستعداد لمرحلة آتية لا ريب فيها، وقد أعلن صاحب السمو رئيس دولة الإمارات في خطابه بمناسبة عيد الاتحاد الرابع والثلاثين أن الإمارات سترى الانتخابات العامة في زمن ليس ببعيد. وعندما يأتي ذلك الاستحقاق ستكون مشاريع الحكومات الإلكترونية المحلية الناشئة محلياً واتحادياً قد بلغت مرحلة النضج التي تسمح لها بتوفير قناة للانتخاب عبر الإنترنت.
وإضافة للبعدين الاجتماعي والسياسي الكامنين في عملية التحول الإلكتروني هنالك البعد الاقتصادي الذي يقع في صلب عملية التنافس الأممي في زماننا الراهن. وقد تضمن الهدف الاستراتيجي الذي أقيمت على أساسه حكومة دبي الإلكترونية نصاً صريحاً في هذا الصدد (تسهيل حياة الأفراد والأعمال في علاقتهم مع الحكومة، وترسيخ مكانة دبي الرائدة في اقتصاد المعرفة الجديد).
كيف يمكن للحكومة الإلكترونية أن تعزز حيوية الاقتصاد؟
إن تسهيل حياة الناس يعني توفير الوقت المهدور في متابعة المعاملات الحكومية وفق الأسلوب الكلاسيكي التقليدي، لكي يتمكن الناس من التفرغ للإنتاج في مجالات أخرى. ولعل توفير الوقت يعني بالضرورة توفير المال، ولو تأملنا المثال البسيط التالي لأدركنا حجم التوفير في المال والجهد معاً: لكي يسدد المرء فاتورة الكهرباء كان يتعين عليه الاستئذان من عمله لساعات، وركوب سيارته أو سيارة أجرة للذهاب إلى الدائرة المعنية، والوقوف في طابور قد يضم عشرات الأشخاص لينهي عملية الدفع ويعود بالطريقة نفسها إلى عمله. فكم من الوقت تم هدره؟ وكم من المال تم إنفاقه نظير التغيب عن العمل واستخدام الطريق والسيارة واحتمالات الطوارئ.. إلخ؟ وكم استهلك هذا الشخص من الاستثمار في الموظف الحكومي والمبنى الحكومي والمنشآت.. إلخ؟
إن بمقدور هذا الشخص الآن أن يسدد فاتورة الكهرباء في أقل من ثلاث دقائق، وعبر التحويل المباشر من حسابه المصرفي باستخدام الإنترنت أو الهاتف.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي (الماكرو) يجمع المحللون والدارسون على أن الحكومة الإلكترونية ستعمل على (تزييت) عجلة السوق لتتحرك بأريحية وزخم وبأقل القليل من الاحتكاك بمعوقات الواقع مثل زحمة المرور والطقس ومحدودية ساعات دوام الدوائر الحكومية وأعباء الموارد البشرية الفائضة وغيرها.
وأخذاً لتلك الحقائق في الاعتبار، بينت دراسة جدوى أجرتها حكومة دبي الإلكترونية ونشرتها في مجلتها الرسمية (تقنية للجميع) أن العائد على الاستثمار من تطوير الحكومة الإلكترونية سيكون كبيراً، وكبيراً جداً، لكن ذلك كله مشروط بتلك الصيغة التي تضمنها هدف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، والمتمثلة في تبني الجمهور نفسه للمشروع وما يتضمنه ذلك من تغيير في السلوكيات والمواقف.
ولكن كيف يمكن إحداث هذا التغيير في السلوكيات والمواقف؟
لعل السبيل الأسهل في ذلك هو الاعتماد على شركات العلاقات العامة والترويج الإعلامي. نعم، إن هذا هو السبيل (الأسهل)، لكنه ليس الأمثل بأي حال. وقد وقعت في هذا الخطأ بلدان أكثر تقدماً من دبي. ففي بريطانيا أطلقت الحكومة في الربع الأول من هذا العام 2006 حملة ترويجية تحت شعار (تواصل مع حكومتك الإلكترونية) بميزانية مباشرة بلغت خمسة ملايين جنيه استرليني. وفي أقل من بضعة أشهر ظهرت النتيجة التي عبر عنها مانشيت عريض لمقال كتبه الصحافي جون لاند في صحيفة (24dash.com) الإلكترونية (حملة الحكومة للتواصل الجماهيري مجرد هدر للمال العام).
وفيما عبر عشرة في المائة ممن استطلعت آراؤهم عن أن الحملة الإعلامية الضخمة تستحق ما أنفق في سبيلها من أموال، فقد قال ثلث المشاركين إنهم لم يشاهدوا أياً من آثار تلك الحملة أصلاً، وقال واحد من كل سبعة إنه لم يسمع بالحملة إلا عندما تم سؤاله عن رأيه فيها.
والأهم من ذلك، بل الأخطر، هو ما حصدته المواقع الإلكترونية التي كانت هدفاً وغاية للحملة، فقد أكد القائمون على تلك المواقع أنهم لم يلحظوا زيادة معتبرة في مستوى الدخول إلى مواقعهم، هذا على الرغم من أن الحملة لا تزال طازجة، كما هو مفترض، في أذهان الناس، فما بالك بالنتيجة بعد أشهر أو يزيد؟
إن الاستناد إلى ذراع العلاقات العامة والترويج الإعلامي وحده لن يغير النتيجة، وستظل الفجوة قائمة بين التطور التقني الهائل في البنى التحتية والأنظمة والبرامج والحلول من جهة، وبين تبني الجمهور لأساليب عصرية في الحصول على الخدمات الحكومية.
إن إحدى الأدوات الفاعلة في تحقيق التواصل وصولاً إلى التوعية ومن ثم التغيير، تكمن في اعتماد استراتيجية استباقية تعتمد على النزول إلى الميدان ابتداء من الأطفال وغرف التعلم في المدارس والجامعات.
إن الواقعية تقتضي ربط الأجيال الصاعدة بمفهوم الحكومة الإلكترونية من أجل تحقيق الحكومة الإلكترونية الكاملة في مستقبل يقاس بأكثر من مجرد أشهر أو بضع سنوات، ولقد أدركت الحكومة الإلكترونية الأولى في العالم، وهي حكومة الولايات المتحدة الإلكترونية، هذه الحقيقة، واتخذت خطوات عديدة لتهيئة النشء ليكون جاهزاً للتعامل مع الحكومة الإلكترونية، ومن تلك الخطوات تدشين أول بوابة حكومة إلكترونية في العالم موجهة للأطفال (www.kids.gov)، وأنا أدعو جميع المهتمين بشأن الحكومات الإلكترونية العربية للاطلاع على تفاصيل هذه التجربة من خلال التجوال في الموقع المذكور لعل بالإمكان إقامة تجارب محلية تحاكي الفكرة من حيث الأساس وإن بتعديلات تتلاءم مع الواقع المحلي.
إن التوجه إلى الجيل اليافع يمثل واحدة فقط من الاستراتيجيات الناجعة، في نظري – للنهوض بمشاريع الحكومات الإلكترونية العربية في أفق زمني واقعي. لكن تجدر الإشارة هنا إلى محور آخر لا يقل أهمية. ففي زمن الحضور الإلكتروني الذي لا استغناء عنه، يتعين النظر بعين النقد والتحليل إلى الكيفية التي تظهر بها الدوائر والمؤسسات الحكومية على شبكة الإنترنت.
ومن المؤسف القول إن الكثير من تلك المواقع يندرج في باب (رفع العتب)، أو هو من قبيل المباهاة والموضة.
إن البوابة الإلكترونية تمثل الواجهة أو المدخل الطبيعي والضروري لوصول الناس إلى الخدمات الإلكترونية الموجودة أصلاً على مواقع الدوائر الحكومية الأخرى. وما يحدث في كثير من الأحيان هو أن تكون البوابة الإلكترونية قائمة ومصممة بشكل جيد ومدروس، لكن الطرق المؤدية إليها (المواقع الحكومية الأخرى) غير سالكة، أو أنها سالكة بصعوبة.
ويمكن رصد خمس حالات (مرضية) تعاني منها الكثير من مواقع الدوائر الحكومية التي تضم خدمات إلكترونية:
أولاً، موقع غير تفاعلي: في هذا الموقع يكون التواصل مع المتصفح أحادي الاتجاه، بحيث يبقى المتصفح هو المتلقي ويبقى الموقع هو صاحب الكلمة الوحيدة في العملية، وهيهات أن يتمكن المتصفح من إرسال مجرد إيميل للقائمين على الموقع أو الاتصال بهم بأي شكل من الأشكال.
ثانياً، موقع راكد: نادراً ما يتعرض هذا الموقع للتحديث، ومثل هذا الموقع الإلكتروني عادة ما يكون ضحية بيروقراطية غير إلكترونية، أو لنقل ضحية (البروزة). ولسان حال القائمين عليه يقول: (ها نحن قد أنشأنا موقعاً إلكترونياً وكفى الله المؤمنين القتال!)
ثالثاً، موقع مقلوب: يضم هذا الموقع محتوى جيداً، لكن ذلك المحتوى الجيد مدفون تحت (أطنان) من المعلومات غير المهمة وغير الواضحة وغير المرتبة ترتيباً منهجياً، ولعل من قاموا على إنشاء هذا الموقع أغفلوا أهمية الوقت بالنسبة للمتصفح، وافترضوا أنه يتمتع بالبال الطويل والنفس الأطول ليغوص باحثاً عن معلوماتهم الدفينة.
رابعاً، موقع استعراضي (cool): يضم الموقع تقنيات عالية التطور، حركة وفلاشات وصور وأوديو وفيديو إلى درجة تثير انبهار المستخدم، لكنها لا تشجعه على العودة ثانية.
خامساً، موقع بخيل: هنا قد يكون الشكل جيداً، (good look and feel) لكن الموقع لا يعطي للمستخدم شيئاً ذا قيمة، إنه يخرج منه صفر اليدين.
إن القاسم المشترك بين كل تلك التوصيفات هو الوعورة، والوعورة لا صلة لها بتسهيل حياة الناس، وأمام هذا الواقع الإلكتروني العربي لا غرابة في أن تجد الطوابير لا تزال ممتدة أمام مكاتب الدوائر الحكومية حتى في البلدان التي تتباهى بامتلاكها مشاريع حكومات إلكترونية متقدمة.
::/fulltext::
::cck::3139::/cck::
