الديمقراطية و”الديمكتاتورية”
::cck::3113::/cck::
::introtext::
لا يوجد مفهوم أسيء فهمه في العالم العربي بعامة أكثر من اصطلاح الديمقراطية.
::/introtext::
::fulltext::
لا يوجد مفهوم أسيء فهمه في العالم العربي بعامة أكثر من اصطلاح الديمقراطية. وربما يعود ذلك إلى جهل بالمعنى العام والحقيقي لهذا المفهوم، واعتماد تعار يف خاطئة (ومغرضة) لهذا المصطلح، وكراهية بعض الجماعات لما يمكن أن يتمخض عن الأخذ به. فعندما تعرف الديمقراطية بما يفيد بأن فيها ما يخالف الشريعة الإسلامية، أو القيم النبيلة فلا شك أنها ترفض من قبل كل من يهمهم أمر الالتزام بهذه الشريعة وتلك القيم. وعندما تعرف بما يفيد بأنها تضر البعض، فإن المتضرر – وهذا أمر طبيعي – يرفضها، ويقاومها ما وسعته المقاومة.
إن أصل هذه الإشكالية يعود إلى أن الغالبية العربية لا تعرف أن هناك الآن نوعين رئيسيين فقط للحكومات (الديكتاتورية)، وبديلها (الوحيد) وهو الديمقراطية التي عمل مفكرون سياسيون عالميون على استحداثها وتطويرها تلافياً لما ينتج عن الديكتاتورية من أضرار. فالناس الآن أصبحوا بين خيارين: إما الديكتاتورية، أو معكوسها ونقيضها (الديمقراطية).
ولاشك أن التعريف العام، المتفق عليه عالمياً، هو الأساس الذي يجب أن تبنى عليه مواقف وآراء العقلاء، تجاه هذا المفهوم. ولعل أكثر تعريفات الديمقراطية قبولاً واعتماداً، في الوسط الأكاديمي العالمي، هو التعريف التالي، الذي ورد في أحد قواميس علم السياسة الأمريكية: الديمقراطية هي: حكم الشعب بالشعب وللشعب، وتتضمن: تأصيل (السلطة) و(السيادة) بيد الشعب دون سواه، وقيام الأخيرة – ممثلا في هيئته الناخبة بانتخاب سلطة تشريعية بعدد مناسب وفق شروط محددة لـ (تنوب) عنه في حكم وإدارة البلاد، وفق (الدستور) الذي ترتضيه غالبية الشعب المعني. وتنبثق (السلطة التنفيذية) (مجلس الوزراء) من (السلطة التشريعية) بموجب قواعد محددة أو يتم انتخاب رئيس للبلاد، تفوض إليه سلطة (التنفيذ) فقط. هذا مع بقاء (السلطة القضائية) مستقلة عن السلطتين الأخريين، وقيامها بالرقابة العليا، وتولى تفسير الدستور، وضمان التزام الجميع (حكاماً ومحكومين) به. وهي (آلية) للحكم استحدثت كبديل لـ (الديكتاتورية). وهذه الآلية يمكن أن (تؤدلج) بالعقيدة التي تعتنقها وتريدها غالبية الشعب المعني.
ومن ذلك التعريف، يتضح أن الديمقراطية هي مجرد آلية للحكم استحدثت لتلافي الديكتاتورية. وهي آلية يمكن أن (تؤدلج) بالفكرة أو المبادئ التي ترغبها غالبية الشعب المعني عبر: تأكيد ذلك في الدستور، الذي بموجبه تتم إدارة الدولة – أية دولة. ويقول بعض الشارحين: إن هذه الآلية يمكن أن يطلق عليها أي مسمى إن كانت لفظة (ديمقراطية) تثير لغطاً وحيرة أو حساسية غير مرغوب فيها!
والمنطقي أن يتم الحكم على الديمقراطية بناء على تعريفها العام والأكثر قبولاً في الوسط العلمي السياسي، وليس بناء على ما يروج عنها من قبل الجاهلين بها. فبناء على التعريف شبه الجامع المذكور أعلاه ربما يستحسن على من يريد إبداء رأي فيها أن يقول رأيه ويسجل موقفه بناء على نص التعريف المذكور.
وهذا الرأي لن يخرج عن أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:
1- أن يرفضها (وبالتالي يدعو إلى معكوسها أو نقيضها).
2- أن يقبلها بتحفظ يعينه.
3- أن يقبلها كما ينص عليه تعريفها المشار إليه.
ويبدو – والله أعلم – أنه لو سئلت (عينة) من عامة العرب في بحث علمي عن رأيها في الديمقراطية (بمعناها الشائع لديهم) فلربما كان الرفض – بصفة عامة – هو الجواب الأكثر تردداً. ولكن ماذا لو سئلت العينة نفسها عن رأيها في الديمقراطية، كما ينص تعريفها المذكور هنا؟ ربما تختلف الإجابة، وربما لا تختلف. نتيجة البحث العلمي المعني ستحسم الإجابة، على أي حال.
وبالطبع، يجب أن يحكم الإنسان الموضوعي على المبدأ، أو المفهوم – أي مفهوم – على أساس حسن تطبيقه. وسوء التطبيق (متى حصل) لا يعني – بالضرورة – سوء المفهوم. لذلك، فإن تطبيقات الديمقراطية السيئة – وفي مقدمتها: (تزييف) الانتخابات، وما إلى ذلك – يجب ألا تعني – بالضرورة – أن المبدأ سيئ.
ويرى البعض أن أغلب بلاد العالم العربي الحالية لا تلائمها الديمقراطية الكاملة، وتلك التي يتم تبنيها دفعة واحدة، ومن دون تدرج. وذلك لأسباب ذاتية – وخارجية – معروفة. وتلك ملاحظة يجب اعتبارها صحيحة، حتى يثبت البحث العلمي الرصين العكس. لذلك يبدو أن من الأنسب لهذه البلاد – ولو مرحلياً – أن تتبنى شيئاً من الديمقراطية، مع ما هو قائم بها. ليصبح لديها نظام، يمكن أن نسميه بـ (الديمكتاتورية). وهذا يدفع، في الواقع، للإشادة بما قامت به بعض الدول العربية، في السنوات الأخيرة، من عمليات (دمقرطة) مدروسة ينم معظمها عن: وعي مستنير، وعقلانية حكيمة، وحرص محمود على تفادي الفوضى والاضطراب. وعن هذه الديمكتاتورية قد نتحدث في مقال قادم.
هامش:
سمعت كلمة (ديمكتاتورية)، لأول مرة، من ابني (أيمن) الذي قال لي ذات يوم (في عام 1426هـ)، مداعبا، ومعلقا على قرار عائلي لي، هذه (ديمكتاتورية)؟! وعلقت هذه اللفظة في ذهني منذئذ. وأعطيت براءة اختراعها (أو اشتقاقها) لابني المذكور، كوني أسمعها، لأول مرة، منه.
ولكن، سرعان ما تذكرت أن معنى هذا المصطلح قديم قدم الفكر السياسي الإغريقي في عصر أثينا الذهبي. فالمفكر السياسي العبقري أفلاطون (427- 347 ق. م) نادي بهذه الفكرة، في كتابه (القوانين)، كبديل أمثل لـ (الجمهورية المثالية) الأفلاطونية. وتبعه تلميذه أرسطو (384 – 322 ق. م) الذي تفوق على أستاذه عندما رأى أن (النظام الدستوري)، بالمضمون الذي قدمه في كتابه (السياسة)، هو النظام الأمثل. وكل من هذين النظامين، المقترحين من أفلاطون وأرسطو، يمزج الديمقراطية بقليل من الديكتاتورية، وان لم يطلق على هذا المزيج (ديمكتاتورية).
ومنذ ذلك الحين، وجدت هذه الفكرة بعض المؤيدين لها من المفكرين السياسيين العالميين، وإن اشترطت غالبيتهم أن يكون تطبيقها مؤقتاً – أو مرحلياً – لفترة محددة يتم بعدها التحول.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3113::/cck::
::introtext::
لا يوجد مفهوم أسيء فهمه في العالم العربي بعامة أكثر من اصطلاح الديمقراطية.
::/introtext::
::fulltext::
لا يوجد مفهوم أسيء فهمه في العالم العربي بعامة أكثر من اصطلاح الديمقراطية. وربما يعود ذلك إلى جهل بالمعنى العام والحقيقي لهذا المفهوم، واعتماد تعار يف خاطئة (ومغرضة) لهذا المصطلح، وكراهية بعض الجماعات لما يمكن أن يتمخض عن الأخذ به. فعندما تعرف الديمقراطية بما يفيد بأن فيها ما يخالف الشريعة الإسلامية، أو القيم النبيلة فلا شك أنها ترفض من قبل كل من يهمهم أمر الالتزام بهذه الشريعة وتلك القيم. وعندما تعرف بما يفيد بأنها تضر البعض، فإن المتضرر – وهذا أمر طبيعي – يرفضها، ويقاومها ما وسعته المقاومة.
إن أصل هذه الإشكالية يعود إلى أن الغالبية العربية لا تعرف أن هناك الآن نوعين رئيسيين فقط للحكومات (الديكتاتورية)، وبديلها (الوحيد) وهو الديمقراطية التي عمل مفكرون سياسيون عالميون على استحداثها وتطويرها تلافياً لما ينتج عن الديكتاتورية من أضرار. فالناس الآن أصبحوا بين خيارين: إما الديكتاتورية، أو معكوسها ونقيضها (الديمقراطية).
ولاشك أن التعريف العام، المتفق عليه عالمياً، هو الأساس الذي يجب أن تبنى عليه مواقف وآراء العقلاء، تجاه هذا المفهوم. ولعل أكثر تعريفات الديمقراطية قبولاً واعتماداً، في الوسط الأكاديمي العالمي، هو التعريف التالي، الذي ورد في أحد قواميس علم السياسة الأمريكية: الديمقراطية هي: حكم الشعب بالشعب وللشعب، وتتضمن: تأصيل (السلطة) و(السيادة) بيد الشعب دون سواه، وقيام الأخيرة – ممثلا في هيئته الناخبة بانتخاب سلطة تشريعية بعدد مناسب وفق شروط محددة لـ (تنوب) عنه في حكم وإدارة البلاد، وفق (الدستور) الذي ترتضيه غالبية الشعب المعني. وتنبثق (السلطة التنفيذية) (مجلس الوزراء) من (السلطة التشريعية) بموجب قواعد محددة أو يتم انتخاب رئيس للبلاد، تفوض إليه سلطة (التنفيذ) فقط. هذا مع بقاء (السلطة القضائية) مستقلة عن السلطتين الأخريين، وقيامها بالرقابة العليا، وتولى تفسير الدستور، وضمان التزام الجميع (حكاماً ومحكومين) به. وهي (آلية) للحكم استحدثت كبديل لـ (الديكتاتورية). وهذه الآلية يمكن أن (تؤدلج) بالعقيدة التي تعتنقها وتريدها غالبية الشعب المعني.
ومن ذلك التعريف، يتضح أن الديمقراطية هي مجرد آلية للحكم استحدثت لتلافي الديكتاتورية. وهي آلية يمكن أن (تؤدلج) بالفكرة أو المبادئ التي ترغبها غالبية الشعب المعني عبر: تأكيد ذلك في الدستور، الذي بموجبه تتم إدارة الدولة – أية دولة. ويقول بعض الشارحين: إن هذه الآلية يمكن أن يطلق عليها أي مسمى إن كانت لفظة (ديمقراطية) تثير لغطاً وحيرة أو حساسية غير مرغوب فيها!
والمنطقي أن يتم الحكم على الديمقراطية بناء على تعريفها العام والأكثر قبولاً في الوسط العلمي السياسي، وليس بناء على ما يروج عنها من قبل الجاهلين بها. فبناء على التعريف شبه الجامع المذكور أعلاه ربما يستحسن على من يريد إبداء رأي فيها أن يقول رأيه ويسجل موقفه بناء على نص التعريف المذكور.
وهذا الرأي لن يخرج عن أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:
1- أن يرفضها (وبالتالي يدعو إلى معكوسها أو نقيضها).
2- أن يقبلها بتحفظ يعينه.
3- أن يقبلها كما ينص عليه تعريفها المشار إليه.
ويبدو – والله أعلم – أنه لو سئلت (عينة) من عامة العرب في بحث علمي عن رأيها في الديمقراطية (بمعناها الشائع لديهم) فلربما كان الرفض – بصفة عامة – هو الجواب الأكثر تردداً. ولكن ماذا لو سئلت العينة نفسها عن رأيها في الديمقراطية، كما ينص تعريفها المذكور هنا؟ ربما تختلف الإجابة، وربما لا تختلف. نتيجة البحث العلمي المعني ستحسم الإجابة، على أي حال.
وبالطبع، يجب أن يحكم الإنسان الموضوعي على المبدأ، أو المفهوم – أي مفهوم – على أساس حسن تطبيقه. وسوء التطبيق (متى حصل) لا يعني – بالضرورة – سوء المفهوم. لذلك، فإن تطبيقات الديمقراطية السيئة – وفي مقدمتها: (تزييف) الانتخابات، وما إلى ذلك – يجب ألا تعني – بالضرورة – أن المبدأ سيئ.
ويرى البعض أن أغلب بلاد العالم العربي الحالية لا تلائمها الديمقراطية الكاملة، وتلك التي يتم تبنيها دفعة واحدة، ومن دون تدرج. وذلك لأسباب ذاتية – وخارجية – معروفة. وتلك ملاحظة يجب اعتبارها صحيحة، حتى يثبت البحث العلمي الرصين العكس. لذلك يبدو أن من الأنسب لهذه البلاد – ولو مرحلياً – أن تتبنى شيئاً من الديمقراطية، مع ما هو قائم بها. ليصبح لديها نظام، يمكن أن نسميه بـ (الديمكتاتورية). وهذا يدفع، في الواقع، للإشادة بما قامت به بعض الدول العربية، في السنوات الأخيرة، من عمليات (دمقرطة) مدروسة ينم معظمها عن: وعي مستنير، وعقلانية حكيمة، وحرص محمود على تفادي الفوضى والاضطراب. وعن هذه الديمكتاتورية قد نتحدث في مقال قادم.
هامش:
سمعت كلمة (ديمكتاتورية)، لأول مرة، من ابني (أيمن) الذي قال لي ذات يوم (في عام 1426هـ)، مداعبا، ومعلقا على قرار عائلي لي، هذه (ديمكتاتورية)؟! وعلقت هذه اللفظة في ذهني منذئذ. وأعطيت براءة اختراعها (أو اشتقاقها) لابني المذكور، كوني أسمعها، لأول مرة، منه.
ولكن، سرعان ما تذكرت أن معنى هذا المصطلح قديم قدم الفكر السياسي الإغريقي في عصر أثينا الذهبي. فالمفكر السياسي العبقري أفلاطون (427- 347 ق. م) نادي بهذه الفكرة، في كتابه (القوانين)، كبديل أمثل لـ (الجمهورية المثالية) الأفلاطونية. وتبعه تلميذه أرسطو (384 – 322 ق. م) الذي تفوق على أستاذه عندما رأى أن (النظام الدستوري)، بالمضمون الذي قدمه في كتابه (السياسة)، هو النظام الأمثل. وكل من هذين النظامين، المقترحين من أفلاطون وأرسطو، يمزج الديمقراطية بقليل من الديكتاتورية، وان لم يطلق على هذا المزيج (ديمكتاتورية).
ومنذ ذلك الحين، وجدت هذه الفكرة بعض المؤيدين لها من المفكرين السياسيين العالميين، وإن اشترطت غالبيتهم أن يكون تطبيقها مؤقتاً – أو مرحلياً – لفترة محددة يتم بعدها التحول.
::/fulltext::
::cck::3113::/cck::
