تنمية وتشغيل الشباب في اليمن.. الواقع والتحديات

::cck::2989::/cck::
::introtext::

تبرز قضية تشغيل وتنمية الشباب كقضية وطنية لابد أن تحتل موقع الصدارة في سلم أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد نظراً للأهمية التي يمثلها قطاع الشباب في المجتمعات، حيث يمثل الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، وأثبتت التجارب التاريخية أن الشباب هم أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة التي لا تنضب، وهم رأس المال المنتج للشعوب والأداة والوسيلة والهدف لكل عمليات التغيير والتطوير والنمو الذي صاحب حياة الشعوب المختلفة.

::/introtext::
::fulltext::

تبرز قضية تشغيل وتنمية الشباب كقضية وطنية لابد أن تحتل موقع الصدارة في سلم أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد نظراً للأهمية التي يمثلها قطاع الشباب في المجتمعات، حيث يمثل الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، وأثبتت التجارب التاريخية أن الشباب هم أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة التي لا تنضب، وهم رأس المال المنتج للشعوب والأداة والوسيلة والهدف لكل عمليات التغيير والتطوير والنمو الذي صاحب حياة الشعوب المختلفة.
ومن أجل النهوض بالشباب وتنميتهم اقتصادياً لا بد من تبني أهداف شاملة ومتوازنة تغطي جميع الجوانب التي لها علاقة بتنمية وتطوير قدراتهم وإبداعاتهم المختلفة، كما نحب أن ننوه بأهمية إشراك الشباب في تقرير مصيرهم كونهم أصحاب الشأن والمطلعين على حجم التحديات والمعوقات التي تعترض طريقهم وهم أصحاب المصلحة من التغيير والتطوير والنمو والازدهار.
ومن أجل إبراز جزء من المشكلات والتحديات التي تواجه الشباب في اليمن وفي معظم الأقطار العربية على حد سواء سيتناول هذا المقال واقع تشغيل وتنمية الشباب في اليمن وأهم التحديات التنموية التي تواجههم والحلول اللازمة للحد منها وذلك في النقاط التالية:
1- الشباب وسوق العمل
بناء على اتجاهات معدلات النمو السكاني والذي يصل إلى 3.02 في المائة سنوياً وبالتالي نمو القوى البشرية في اليمن خلال السنوات الماضية يلاحظ أن شريحة الشباب يمكن حصرها من الناحية الاقتصادية في الفئة العمرية (15- 30) سنة، حيث أصبحت اليوم هذه الفئة تمثل رقماً كبيراً من إجمالي القوى البشرية في اليمن، ويقصد بالقوى البشرية )السكان في سن العمل أي الفئة العمرية التي تقع بين )15-65 سنة(، حيث يوضح الجدول رقم (1) أن إجمالي النشيطين اقتصادياً وفقاً لبيانات مسح القوى العاملة 1999، وصل إلى حوالي 4.1 مليون فرد مثل الشباب منهم حوالي 1.8 مليون، فيما بلغ الكبار (30 سنة فما فوق) حوالي 2.27 مليون، وبهذا فإن نسبة الشباب إلى إجمالي النشيطين اقتصادياً وصلت إلى حوالي 44.3 في المائة مقابل 55.7 في المائة من إجمالي النشيطين للفئات العمرية (30 سنة وما فوق)، وهذا في حد ذاته مؤشر مهم إلى أهمية شريحة الشباب بالنسبة للمجتمع اليمني ودورها المستقبلي خلال السنوات المقبلة، فضلاً عن الاحتياجات اللازمة لتنميتهم وتأهيلهم واستيعابهم في سوق العمل، كما يلاحظ أن نسبة الفتيات تفوق نسبة الشباب بالنسبة للنشيطين اقتصادياً، حيث بلغت نسبة الإناث في فئة الشباب حوالي 47.9 في المائة من إجمالي النشيطات اقتصاديا مقابل 43.1 في المائة للذكور.
من ناحية ثانية يشير الجدول رقم (2) إلى أن عدد المشتغلين في الاقتصاد بلغ 3.6 مليون، وصل عدد الشباب المشتغلين منهم إلى حوالي 1.5 مليون منهم 1.1 مليون شاب وحوالي 400 ألف فتاة مقابل 2.1 مليون مشتغل من فئة الكبار، كما بلغ عدد المتعطلين في الاقتصاد حوالي 470 ألف عاطل منهم 310 آلاف عاطل من الشباب وحوالي 160 ألف عاطل من الكبار ويمكن توضيح ذلك بصورة أفضل من خلال ترجمة أعداد المشتغلين والعاطلين كنسبة مئوية والتي يوضحها الجدول وذلك كالتالي:
1- تبلغ نسبة المشتغلين من الشباب في الاقتصاد حوالي 83.1 في المائة من إجمالي النشيطين اقتصادياً من الشباب مقابل 92.9 في المائة لفئة الكبار، الأمر الذي يشير إلى ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب لتصل إلى حوالي 16.3 في المائة مقارنة بحوالي 7.1 في المائة لفئة الكبار وحوالي 11.5 في المائة في الاقتصاد، بمعنى أن الشباب يعانون من البطالة بصورة أكبر من الفئات العمرية الأكبر، ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب منها:
* إن نسبة كبيرة من المتعطلين الشباب هم من الداخلين الجدد إلى سوق العمل الذين يتميزون بتدني مستوى مهاراتهم وكفاءتهم الإنتاجية.
* عدم المواءمة بين تخصصاتهم واحتياجات سوق العمل.
* الشباب هم أول المسرحين من الأعمال في حالات الكساد والانكماش للمنشآت.
* انخفاض معرفة الشباب بسوق العمل ووسائل وطرق الحصول على عمل.
* تراجع دور الدولة في توظيف مخرجات التعليم ومحدودية احتياجات القطاع الخاص.
2- يلاحظ أن معدلات البطالة في صفوف الإناث أقل من مثيلاتها في صفوف الذكور، حيث بلغت نسبة المشتغلات من الإناث في فئة الشباب حوالي 87.1 في المائة مقابل 81.7 في المائة للذكور وبالتالي فإن معدل البطالة بين الإناث قد بلغ 12.9 في المائة مقارنة بـ 18.3 في المائة في صفوف الذكور الشباب، فيما وصلت نسبة المشتغلات الإناث في الفئات العمرية الأخرى إلى حوالي 96.9 في المائة مقابل 91.9 في المائة للذكور، وعليه كانت نسبة البطالة في هذه الفئة بالنسبة للإناث قليلة حيث بلغت حوالي 8.2 في المائة فقط مقابل 12.5 في المائة للذكور.
ويمكن إرجاع تدني معدلات البطالة في صفوف الإناث مقارنة بالذكور سواء في فئة الشباب أو الكبار إلى أن نسبة كبيرة من الإناث تدخل ضمن فئة غير النشيطين اقتصاديا في المجتمع أي ضمن الفئة التي لا تعمل بأجر ولا تبحث عن عمل بأجر، ومعظم هؤلاء النساء هن ربات بيوت.
2- قطاعات تشغيل الشباب
من المؤكد أنه خلال السنوات الماضية من عمر الوحدة اليمنية حدثت تغيرات اقتصادية كبيرة في ما يخص أداء ومساهمة القطاعات الاقتصادية نظراً لتغير الأدوار الاقتصادية لكل من الدولة والقطاع الخاص وهو الأمر الذي انعكس وبلا شك في دور ومساهمة تلك القطاعات في توفير فرص العمل داخل الاقتصاد، حيث يلاحظ من الجدول رقم (3) أن القطاع الخاص يستوعب النسبة العظمى من الشباب المشتغلين والذين بلغ عددهم حوالي 1211711 عاملاً وبنسبة 80.6 في المائة من إجمالي الشباب المشتغلين، يليه القطاع الحكومي حيث بلغ عدد الشباب الذين يشغلهم حوالي 262989 عامل وبنسبة 17.5 في المائة، بمعنى أن كل من القطاع الخاص والقطاع الحكومي يشغلان حوالي 98 في المائة من إجمالي الشباب في الوقت الذي لم تتعد فيه حصة كل من القطاع العام والمختلط والتعاوني 2 في المائة من إجمالي المشتغلين، ويمكن تفسير استحواذ القطاع الخاص على غالبية فرص العمل بالأسباب التالية:
1- يعكس تزايد المشتغلين من الشباب في القطاع الخاص التغيرات الاقتصادية والتحولات المتمثلة في التوجه الاقتصادي نحو القطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
2- إن نسبة كبيرة من المشتغلين في القطاع الخاص هم من العاملين في قطاع الزراعة المملوك بالكامل للقطاع الخاص.
3- إن تجربة القطاع المختلط باتت منذ الوحدة غير مجدية وغير مشجعة في ظل اقتصاد السوق، فضلا عن محدودية القطاع التعاوني.
من ناحية ثانية وعند النظر إلى نوعية المهن التي يمتهنها الشباب والتي يوضحها الجدول رقم (4) نلاحظ أن العمال في مجال الزراعة والصيد يمثلون قرابة نصف المشتغلين من الشباب حيث تصل نسبتهم إلى حوالي 48 في المائة من إجمالي الشباب المشتغلين، ولا غرابة في ذلك حيث إن التركيبة السكانية لليمن لا تزال ريفية بطبيعة الحال، إذ لا يزال الريف اليمني يحتوي على حوالي 72 في المائة من السكان، وبالطبع فإن الزراعة هي النشاط السائد في الريف، بل إن قطاع الزراعة هو القطاع الأول على مستوى الاقتصاد في تشغيل الأيدي العاملة حيث تصل نسبة المشتغلين فيه إلى حوالي 53 في المائة من إجمالي القوى العاملة في اليمن، كما جاءت المهن البسيطة في المرتبة الثانية بعد الزراعة والصيد من حيث تشغيل الشباب وبنسبة إجمالية تصل إلى 13 في المائة من إجمالي المشتغلين تليها أعمال الخدمات والبيع في المتاجر بنسبة 10.5 في المائة ثم الفنيون المهنيون بنسبة 7.3 في المائة، والحرفيون 6.3 في المائة، فيما كانت مهن المشرعين وكبار المسؤولين والمديرين هي أقل المهن التي يمتهنها الشباب حيث لم تتجاوز نسبتهم 0.33 في المائة.
ومن خلال ما سبق يمكن القول إن النسبة العظمى من الشباب يشتغلون في مهن لا تتطلب مهارات أو خبرات واختصاصات نوعية، ويصلون إلى حوالي 80 في المائة من إجمالي الشباب المشتغلين مقابل 20 في المائة هم من الاختصاصيين والحرفيين والفنيين أصحاب الخبرة ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب أبرزها:
1- إن غالبية المشتغلين هم من ذوي التعليم المحدود، حيث أشارت بيانات مسح الطلب للقوى العاملة 2003 إلى أن حوالي 57 في المائة من إجمالي العاملين هم من حملة شهادة التعليم الأساسي وما دون، بمعنى أنهم لا يملكون أي تخصصات أو مهارات، في الوقت الذي لم تصل فيه نسبة خريجي مراكز التدريب المهني والثانويات الفنية والمهنية إلى 4.6 في المائة وحملة الشهادات الجامعية فأعلى 10.2 في المائة.
2- تدني مستوى التعليم بمراحله المختلفة وعدم مواكبته للتغيرات الحاصلة في سوق العمل، بمعنى أن مخرجات الجهاز التعليمي لا تتواكب مع احتياجات سوق العمل.
3- التحديات التي تواجه تنمية وتشغيل الشباب
على الرغم من مضي أكثر من ثلاثة عقود على المسيرة التنموية في اليمن، إلا أنها لا تزال من الناحية الاقتصادية تصنف من ضمن الدول النامية والفقيرة، الأمر الذي يعني أن الاقتصاد اليمني بقطاعاته المختلفة وشرائحه وفئاته لا تزال تواجهه العديد من التحديات والصعوبات التي تحتاج إلى بذل المزيد من الجهود لمواجهتها والحد منها بالشكل الذي ينمي القدرات والإمكانيات للموارد المتاحة في الاقتصاد سواء البشرية أو الطبيعية.
وبما أن الشباب هم جزء من المجتمع اليمني يؤثرون ويتأثرون بما يحدث فيه فإن الاهتمام بالمشكلات والتحديات التي تواجه تنميتهم وتعترض طريق تشغيلهم لابد أن تحظى بالأولوية ليس من قبل الجهات الحكومية فحسب بل لا بد أن تتكاتف الجهود الحكومية والخاصة مع جهود منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، فضلاً عن ضرورة إشراك الشباب في إيجاد الحلول لمشكلاتهم.
وعلى الرغم من تعدد وتنوع التحديات والمشكلات الاقتصادية التي يواجهها الشباب في اليمن إلا أن أهمها يتمثل في التالي:
1- البطالة وتأثيراتها السلبية في تنمية الشباب
من المؤكد أن البطالة أحد أهم التحديات الاقتصادية في عالم اليوم، كما تمثل مؤشرات ونسب البطالة أحد معايير تقييم الأداء بالنسبة للاقتصاديات المختلفة وبالأخص في البلدان المتقدمة، بل إنها أصبحت إحدى أوراق العملية الانتخابية في الدول الديمقراطية، وفي اليمن أصبحت مشكلة البطالة وبالتزامن مع مشكلة الفقر أحد أهم التحديات التنموية التي تهدد مستقبل اليمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نظراً لآثارها السلبية الخطيرة كونها تعمل على إخراج جزء من طاقة المجتمع من مسارها الإنتاجي خاصة أن نسبة كبيرة منها هي طاقات شابة قادرة على العطاء والتميز والإبداع.
والجدير ذكره أن مشكلة البطالة في اليمن تتجه نحو التزايد، حيث تشير بعض الإحصائيات والتقارير إلى أن معدلات نمو البطالة السنوية تصل إلى 5.6 في المائة وهي نسبة مرتفعة جدا على المستوى العالمي، وتفوق معدل نمو عرض قوة العمل (3.5 في المائة) فضلا عن أنها تتركز وبصورة كبيرة بين الشباب (كما يبينها الجدول رقم 2).
2- الهجرة وإفرازاتها المختلفة
مثلت الهجرة سواء الداخلية أو الخارجية أحد المحددات والسمات المميزة للمجتمع اليمني منذ آلاف السنين، حيث يذكر لنا التاريخ خروج اليمنيين من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها وغربها، وكذلك الهجرات المتتالية لدول جنوب شرق آسيا ودول شرق إفريقيا، فضلا عن الهجرات الحديثة إلى منطقة الخليج العربي، كما أن هناك هجرة أخرى على المستوى المحلي تتمثل في نزوح السكان وانتقالهم من مكان إلى آخر داخل الوطن وبالذات الاتجاه نحو الحضر.
والجدير ذكره أن الهجرة المرتبطة باليمنيين تعود إلى مجموعة من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الهجرات الحديثة سواء الداخلية أو الخارجية قد ارتبطت بالأسباب الاقتصادية بصورة أكبر من الأسباب الأخرى، ويمكن تناول موضوع الهجرة في الجوانب التالية:
أ-الهجرة الداخلية
تعد الهجرة الداخلية أحد العوامل المؤثرة في النمو السكاني وفي معدلات توزيع السكان، ولعبت عوامل الطرد والجذب دوراً كبيراً في نمط الهجرة وتوزيعها، إلا أن العوامل الاقتصادية والمتمثلة في الحصول على فرصة عمل في المدن ومستوى التنمية الاقتصادية في المناطق المختلفة كان لها الدور الريادي في تزايد معدلات الهجرة الداخلية.
وتشير البيانات والإحصاءات إلى استمرار تدفق المهاجرين من الريف إلى الحضر وبالأخص نحو المدن الرئيسية وبالذات العاصمة صنعاء، ويمكن تفسير زيادة معدلات الهجرة بدور العوامل الاقتصادية وأهمها:
– توفر فرص العمل المختلفة بصورة أكبر في المدن مقارنة بالأرياف والمدن الثانوية.
– ارتفاع مستوى المعيشة في المدن الرئيسية مقارنة بالريف نتيجة لاستحواذ المدن الكبرى على مخصصات تنموية أكبر.
– وجود الجامعات ومراكز التعليم المختلفة، الأمر الذي يدفع بالشباب إلى الهجرة.
– وجود خدمات البنية التحتية بصورة أفضل في المدينة مما ينعكس في ارتفاع مستوى المعيشة مقارنة بالريف.
ب- الهجرة الخارجية
كما هو الحال للهجرة الداخلية التي تعود في الغالب للأسباب الاقتصادية يمكن إدراك هذا السبب بصورة أوضح في الهجرة الخارجية والمتركزة أصلا في مجموعة الدول الخليجية نتيجة لقربها من اليمن وتوفر فرص العمل فيها بصورة أفضل من غيرها، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود أكثر من مليون مهاجر يمني يتوزعون على دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 74 في المائة ودول القرن الإفريقي وجنوب شرق آسيا بنسبة 15.2 في المائة. ثم في الدول الغربية بنسبة 9.8 في المائة. والجدير بالذكر أن أغلب المهاجرين اليمنيين موجودون في المملكة العربية السعودية، حيث تشير تقديرات وزارة المغتربين إلى وجود أكثر من 700 ألف مغترب في السعودية معظمهم من القوى العاملة ومن الشباب بالذات.
المعالجات اللازمة لتنمية وتشغيل الشباب
مما لاشك فيه أن الحل الأمثل للمشكلات والتحديات التي تواجه الشباب يبدأ من إتاحة الفرصة للشباب للمشاركة والاندماج في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وبالشكل الذي يتيح للشباب التعبير عما في نفوسهم من طاقات وإبداعات يمكن للمجتمع الاستفادة منها، وبالتالي فإن الحاجة ماسة لمساعدة الشباب على إخراج إبداعاتهم ومهاراتهم وابتكاراتهم إلى حيز الوجود، وهذا لن يتحقق ما لم تكن هناك الأطر والهياكل والمؤسسات التي يمكن للشباب التعامل من خلالها، فضلا عن وجود استراتيجية واضحة وجهود حكومية مبذولة لتنسيق الجهود وترتيبها حتى يستفيد المجتمع من طاقات وإبداعات الشباب، كما يجب ألا يغيب عن البال دور الجهاز التعليمي والتربوي في إخراج الشباب الذي يفيد وطنه ومجتمعه وأمته بعيداً عن السلبيات والإخفاقات التي تحققت في السنوات السابقة.
ويمكن رؤية أهم المعالجات اللازمة لتنمية الشباب من الناحية الاقتصادية وتوفير فرص العمل لهم في الجوانب التالية:
1- تشجيع إنشاء وقيام المؤسسات والمنشآت الصغيرة
تكمن أهمية المنشآت والصناعات الصغيرة في كونها أحد أهم مرتكزات النمو والتنمية في الكثير من الدول وبالأخص الدول النامية، نظرا لما تقوم به من توفير آلاف فرص عمل، بل إن البعض يعدها منجما لا ينضب لتوليد العمالة والقيمة المضافة في الاقتصاد، وتعمل على رفع مستويات الدخول للشباب، وعلى الرغم من أهمية هذا الفرع من المنشآت والصناعات إلا أننا لا نعني تجاهل أو إهمال الصناعات والمؤسسات الكبيرة كونها في الأساس هي عماد التقدم والنهوض الذي تنشده المجتمعات والدول المختلفة.
وفي هذا السياق، فإن تشجيع وإنشاء المؤسسات والمنشآت الصغيرة يمثل أحد الخيارات الأساسية اللازمة لتنمية وتشغيل الشباب في اليمن وبما يحقق لهم مستقبلاً اقتصادياً لائقاً بهم، كما أن نجاح هذا النوع من المنشآت بحاجة إلى بذل الجهود الكبيرة والمتواصلة سواء من قبل الدولة أو منظمات المجتمع اليمني أو حتى من قبل القطاع الخاص كونه أحد المستفيدين من تنمية وتطوير الشباب، ويمكن حصر أهم أنواع الدعم لهذه المنشآت في نوعين اثنين هما:
1- الدعم المالي المتمثل في توفير التسهيلات والقروض الصغيرة سواء من قبل الحكومة أو الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني أو الجهاز المصرفي للشباب حتى يتمكنوا من إقامة هذه المنشآت وتسويق منتجاتها.
2- الدعم الإرشادي المتمثل في التدريب والتوعية ورفع المهارات والخبرات.
ويمكن توضيح أدوار كل من الدولة ومنظمات المجتمع المدني في النقاط التالية:
دور الدولة في تشجيع وتنمية الصناعات الصغيرة
• إيجاد الظروف المشجعة والبيئة الاستثمارية المحفزة على الاستثمار في الصناعات الصغيرة.
• تحسين خدمات البنية التحتية وبالأخص الكهرباء والطرقات والنقل.
• تطوير خدمات القطاع المالي وتشجيع البنوك والمؤسسات التمويلية وبالذات المملوكة للدولة على زيادة إقراض الشباب من أجل تمويل مشاريعهم الصغيرة الخاصة.
• توفير الاستقرار الاقتصادي والحد من معدلات التضخم.
• التوعية بأهمية ودور الصناعات الصغيرة والاعتماد على الذات من خلال المناهج التعليمية في المدارس الثانوية والجامعات وغيرها من الوسائل.
• إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية للمشاريع والفرص الاستثمارية التي تتناسب مع قدرات وإمكانيات الشباب.
• إصلاح النظام التعليمي والتركيز على النوع قبل الكم وبما يعمل على تخريج أجيال قادرة على تحمل مسؤولياتها.
دور منظمات المجتمع المدني:
– توفير الفرص التدريبية ورفع مهارات الشباب وبالذات للمبتدئين في الأعمال.
– التوعية والإرشاد بأهمية المشاريع الصغيرة.
– التدريب على إتقان المهارات الإدارية والتسويقية.
– الإرشاد حول كيفية الوصول إلى المعلومات والخدمات اللازمة.
– التمويل الصغير والتركيز على تمويل المشاريع ذات المستقبل الواعد.
– تقديم الاستشارات الاقتصادية والمالية والتجارية وغيرها.
2- تشجيع العمل للحساب الخاص (العمل الذاتي)
مع الأخذ في الاعتبار الإجراءات اللازمة لتشجيع وتنمية إنشاء وقيام المؤسسات والمنشآت الصغيرة في المجتمع، فإن إجراءات تشجيع العمل الخاص بين الشباب وخاصة خريجي الجامعات ومعاهد ومراكز التدريب المهني والتقني لا بد أن تكون موازية للإجراءات السابقة نظرا للأهمية الاقتصادية التي يحظى بها العمل الخاص المعتمد على المبادرة الذاتية وتنمية الشخصية المستقلة للشباب كون هذا النوع من الأعمال يوفر الكثير من فرص العمل للشباب وبالتالي فإنه يمثل إحدى القنوات المهمة للتشغيل في المجتمع والحد من البطالة، كما يعمل على تكوين جيل جديد من رجال الأعمال المعتمدين على أنفسهم وهذا في حد ذاته مكسب كبير للمجتمع وللاقتصاد في المستقبل القريب، ويمكن تشجيع هذا النوع من الأعمال من خلال:
أ- توفير المعلومات التجارية والاقتصادية والفرص الاستثمارية الصغيرة المتاحة.
ب- التدريب والتعليم للشباب حول اكتشاف الفرص التجارية والاستثمارية والمهارات الفنية المختلفة اللازمة لعمل المشاريع الصغيرة وقد سبق الإشارة إلى هذا الجانب.
ج- تسهيل التراخيص والمعاملات اللازمة لإقامة المشاريع الشبابية وتسهيل إجراءات الحصول على الخدمات المختلفة.
من ناحية أخرى ومن أجل تيسير إنشاء وقيام الأعمال الشبابية الخاصة وبما يتيح للشباب الاستفادة من إمكانياتهم وطاقاتهم الإبداعية فإن على الجهات الحكومية المختصة السماح لأكبر شريحة من الشباب بممارسة أعمالهم الخاصة من داخل مساكنهم من دون الحاجة إلى تأسيس مكاتب وعدم تحميلهم أي أعباء سواء كانت ضرائب أو رسوماً أخرى وخصوصاً خلال السنوات الأولى من التأسيس كون هذه الأعباء تتجاوز إمكانيات وقدرات الشباب المتواضعة لاسيما في الجوانب المالية.
3- توسيع نشاط الصناديق الوطنية اللازمة لتنمية وتشجيع مشروعات الشباب
نظراً للآثار السلبية التي أحدثتها حزمة السياسات والإجراءات الانكماشية المطبقة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم تطبيقه في اليمن منذ عام 1995 وحتى اليوم، كان هناك مكون اجتماعي في البرنامج تمثل في شبكة الأمان الاجتماعي والتي تمثلت في مجموعة البرامج والسياسات الاجتماعية الرامية إلى التخفيف من الآثار الاجتماعية السلبية وعلى رأسها الفقر والبطالة داخل المجتمع، حيث كان إنشاء مجموعة من الصناديق الخاصة أحد أبرز مكونات شبكة الأمان الاجتماعي، ومن هذه الصناديق (صندوق التنمية الاجتماعية، صندوق الرعاية الاجتماعية، وحدة تنمية الصناعات الصغيرة، مشروع الأسر المنتجة، مشروع الأشغال العامة) والتي قامت على أساس مساعدة الفئات الفقيرة بالمجتمع في الحصول على فرص عمل سواء فرص التشغيل الذاتي عن طريق إنشاء مشاريع خاصة تمول من قبل هذه الصناديق أو من قبل المشاريع الكبيرة التنموية التي تنفذها.
واليوم وفي ظل تزايد معدلات البطالة والفقر في المجتمع تبرز أهمية توسيع نشاط الصناديق والبرامج القائمة وإنشاء صناديق أخرى، نظراً لأهمية دورها في تنمية الشباب من الناحية الاقتصادية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2989::/cck::
::introtext::

تبرز قضية تشغيل وتنمية الشباب كقضية وطنية لابد أن تحتل موقع الصدارة في سلم أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد نظراً للأهمية التي يمثلها قطاع الشباب في المجتمعات، حيث يمثل الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، وأثبتت التجارب التاريخية أن الشباب هم أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة التي لا تنضب، وهم رأس المال المنتج للشعوب والأداة والوسيلة والهدف لكل عمليات التغيير والتطوير والنمو الذي صاحب حياة الشعوب المختلفة.

::/introtext::
::fulltext::

تبرز قضية تشغيل وتنمية الشباب كقضية وطنية لابد أن تحتل موقع الصدارة في سلم أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أي بلد نظراً للأهمية التي يمثلها قطاع الشباب في المجتمعات، حيث يمثل الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، وأثبتت التجارب التاريخية أن الشباب هم أحد أهم مصادر الطاقة المتجددة التي لا تنضب، وهم رأس المال المنتج للشعوب والأداة والوسيلة والهدف لكل عمليات التغيير والتطوير والنمو الذي صاحب حياة الشعوب المختلفة.
ومن أجل النهوض بالشباب وتنميتهم اقتصادياً لا بد من تبني أهداف شاملة ومتوازنة تغطي جميع الجوانب التي لها علاقة بتنمية وتطوير قدراتهم وإبداعاتهم المختلفة، كما نحب أن ننوه بأهمية إشراك الشباب في تقرير مصيرهم كونهم أصحاب الشأن والمطلعين على حجم التحديات والمعوقات التي تعترض طريقهم وهم أصحاب المصلحة من التغيير والتطوير والنمو والازدهار.
ومن أجل إبراز جزء من المشكلات والتحديات التي تواجه الشباب في اليمن وفي معظم الأقطار العربية على حد سواء سيتناول هذا المقال واقع تشغيل وتنمية الشباب في اليمن وأهم التحديات التنموية التي تواجههم والحلول اللازمة للحد منها وذلك في النقاط التالية:
1- الشباب وسوق العمل
بناء على اتجاهات معدلات النمو السكاني والذي يصل إلى 3.02 في المائة سنوياً وبالتالي نمو القوى البشرية في اليمن خلال السنوات الماضية يلاحظ أن شريحة الشباب يمكن حصرها من الناحية الاقتصادية في الفئة العمرية (15- 30) سنة، حيث أصبحت اليوم هذه الفئة تمثل رقماً كبيراً من إجمالي القوى البشرية في اليمن، ويقصد بالقوى البشرية )السكان في سن العمل أي الفئة العمرية التي تقع بين )15-65 سنة(، حيث يوضح الجدول رقم (1) أن إجمالي النشيطين اقتصادياً وفقاً لبيانات مسح القوى العاملة 1999، وصل إلى حوالي 4.1 مليون فرد مثل الشباب منهم حوالي 1.8 مليون، فيما بلغ الكبار (30 سنة فما فوق) حوالي 2.27 مليون، وبهذا فإن نسبة الشباب إلى إجمالي النشيطين اقتصادياً وصلت إلى حوالي 44.3 في المائة مقابل 55.7 في المائة من إجمالي النشيطين للفئات العمرية (30 سنة وما فوق)، وهذا في حد ذاته مؤشر مهم إلى أهمية شريحة الشباب بالنسبة للمجتمع اليمني ودورها المستقبلي خلال السنوات المقبلة، فضلاً عن الاحتياجات اللازمة لتنميتهم وتأهيلهم واستيعابهم في سوق العمل، كما يلاحظ أن نسبة الفتيات تفوق نسبة الشباب بالنسبة للنشيطين اقتصادياً، حيث بلغت نسبة الإناث في فئة الشباب حوالي 47.9 في المائة من إجمالي النشيطات اقتصاديا مقابل 43.1 في المائة للذكور.
من ناحية ثانية يشير الجدول رقم (2) إلى أن عدد المشتغلين في الاقتصاد بلغ 3.6 مليون، وصل عدد الشباب المشتغلين منهم إلى حوالي 1.5 مليون منهم 1.1 مليون شاب وحوالي 400 ألف فتاة مقابل 2.1 مليون مشتغل من فئة الكبار، كما بلغ عدد المتعطلين في الاقتصاد حوالي 470 ألف عاطل منهم 310 آلاف عاطل من الشباب وحوالي 160 ألف عاطل من الكبار ويمكن توضيح ذلك بصورة أفضل من خلال ترجمة أعداد المشتغلين والعاطلين كنسبة مئوية والتي يوضحها الجدول وذلك كالتالي:
1- تبلغ نسبة المشتغلين من الشباب في الاقتصاد حوالي 83.1 في المائة من إجمالي النشيطين اقتصادياً من الشباب مقابل 92.9 في المائة لفئة الكبار، الأمر الذي يشير إلى ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب لتصل إلى حوالي 16.3 في المائة مقارنة بحوالي 7.1 في المائة لفئة الكبار وحوالي 11.5 في المائة في الاقتصاد، بمعنى أن الشباب يعانون من البطالة بصورة أكبر من الفئات العمرية الأكبر، ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب منها:
* إن نسبة كبيرة من المتعطلين الشباب هم من الداخلين الجدد إلى سوق العمل الذين يتميزون بتدني مستوى مهاراتهم وكفاءتهم الإنتاجية.
* عدم المواءمة بين تخصصاتهم واحتياجات سوق العمل.
* الشباب هم أول المسرحين من الأعمال في حالات الكساد والانكماش للمنشآت.
* انخفاض معرفة الشباب بسوق العمل ووسائل وطرق الحصول على عمل.
* تراجع دور الدولة في توظيف مخرجات التعليم ومحدودية احتياجات القطاع الخاص.
2- يلاحظ أن معدلات البطالة في صفوف الإناث أقل من مثيلاتها في صفوف الذكور، حيث بلغت نسبة المشتغلات من الإناث في فئة الشباب حوالي 87.1 في المائة مقابل 81.7 في المائة للذكور وبالتالي فإن معدل البطالة بين الإناث قد بلغ 12.9 في المائة مقارنة بـ 18.3 في المائة في صفوف الذكور الشباب، فيما وصلت نسبة المشتغلات الإناث في الفئات العمرية الأخرى إلى حوالي 96.9 في المائة مقابل 91.9 في المائة للذكور، وعليه كانت نسبة البطالة في هذه الفئة بالنسبة للإناث قليلة حيث بلغت حوالي 8.2 في المائة فقط مقابل 12.5 في المائة للذكور.
ويمكن إرجاع تدني معدلات البطالة في صفوف الإناث مقارنة بالذكور سواء في فئة الشباب أو الكبار إلى أن نسبة كبيرة من الإناث تدخل ضمن فئة غير النشيطين اقتصاديا في المجتمع أي ضمن الفئة التي لا تعمل بأجر ولا تبحث عن عمل بأجر، ومعظم هؤلاء النساء هن ربات بيوت.
2- قطاعات تشغيل الشباب
من المؤكد أنه خلال السنوات الماضية من عمر الوحدة اليمنية حدثت تغيرات اقتصادية كبيرة في ما يخص أداء ومساهمة القطاعات الاقتصادية نظراً لتغير الأدوار الاقتصادية لكل من الدولة والقطاع الخاص وهو الأمر الذي انعكس وبلا شك في دور ومساهمة تلك القطاعات في توفير فرص العمل داخل الاقتصاد، حيث يلاحظ من الجدول رقم (3) أن القطاع الخاص يستوعب النسبة العظمى من الشباب المشتغلين والذين بلغ عددهم حوالي 1211711 عاملاً وبنسبة 80.6 في المائة من إجمالي الشباب المشتغلين، يليه القطاع الحكومي حيث بلغ عدد الشباب الذين يشغلهم حوالي 262989 عامل وبنسبة 17.5 في المائة، بمعنى أن كل من القطاع الخاص والقطاع الحكومي يشغلان حوالي 98 في المائة من إجمالي الشباب في الوقت الذي لم تتعد فيه حصة كل من القطاع العام والمختلط والتعاوني 2 في المائة من إجمالي المشتغلين، ويمكن تفسير استحواذ القطاع الخاص على غالبية فرص العمل بالأسباب التالية:
1- يعكس تزايد المشتغلين من الشباب في القطاع الخاص التغيرات الاقتصادية والتحولات المتمثلة في التوجه الاقتصادي نحو القطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.
2- إن نسبة كبيرة من المشتغلين في القطاع الخاص هم من العاملين في قطاع الزراعة المملوك بالكامل للقطاع الخاص.
3- إن تجربة القطاع المختلط باتت منذ الوحدة غير مجدية وغير مشجعة في ظل اقتصاد السوق، فضلا عن محدودية القطاع التعاوني.
من ناحية ثانية وعند النظر إلى نوعية المهن التي يمتهنها الشباب والتي يوضحها الجدول رقم (4) نلاحظ أن العمال في مجال الزراعة والصيد يمثلون قرابة نصف المشتغلين من الشباب حيث تصل نسبتهم إلى حوالي 48 في المائة من إجمالي الشباب المشتغلين، ولا غرابة في ذلك حيث إن التركيبة السكانية لليمن لا تزال ريفية بطبيعة الحال، إذ لا يزال الريف اليمني يحتوي على حوالي 72 في المائة من السكان، وبالطبع فإن الزراعة هي النشاط السائد في الريف، بل إن قطاع الزراعة هو القطاع الأول على مستوى الاقتصاد في تشغيل الأيدي العاملة حيث تصل نسبة المشتغلين فيه إلى حوالي 53 في المائة من إجمالي القوى العاملة في اليمن، كما جاءت المهن البسيطة في المرتبة الثانية بعد الزراعة والصيد من حيث تشغيل الشباب وبنسبة إجمالية تصل إلى 13 في المائة من إجمالي المشتغلين تليها أعمال الخدمات والبيع في المتاجر بنسبة 10.5 في المائة ثم الفنيون المهنيون بنسبة 7.3 في المائة، والحرفيون 6.3 في المائة، فيما كانت مهن المشرعين وكبار المسؤولين والمديرين هي أقل المهن التي يمتهنها الشباب حيث لم تتجاوز نسبتهم 0.33 في المائة.
ومن خلال ما سبق يمكن القول إن النسبة العظمى من الشباب يشتغلون في مهن لا تتطلب مهارات أو خبرات واختصاصات نوعية، ويصلون إلى حوالي 80 في المائة من إجمالي الشباب المشتغلين مقابل 20 في المائة هم من الاختصاصيين والحرفيين والفنيين أصحاب الخبرة ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب أبرزها:
1- إن غالبية المشتغلين هم من ذوي التعليم المحدود، حيث أشارت بيانات مسح الطلب للقوى العاملة 2003 إلى أن حوالي 57 في المائة من إجمالي العاملين هم من حملة شهادة التعليم الأساسي وما دون، بمعنى أنهم لا يملكون أي تخصصات أو مهارات، في الوقت الذي لم تصل فيه نسبة خريجي مراكز التدريب المهني والثانويات الفنية والمهنية إلى 4.6 في المائة وحملة الشهادات الجامعية فأعلى 10.2 في المائة.
2- تدني مستوى التعليم بمراحله المختلفة وعدم مواكبته للتغيرات الحاصلة في سوق العمل، بمعنى أن مخرجات الجهاز التعليمي لا تتواكب مع احتياجات سوق العمل.
3- التحديات التي تواجه تنمية وتشغيل الشباب
على الرغم من مضي أكثر من ثلاثة عقود على المسيرة التنموية في اليمن، إلا أنها لا تزال من الناحية الاقتصادية تصنف من ضمن الدول النامية والفقيرة، الأمر الذي يعني أن الاقتصاد اليمني بقطاعاته المختلفة وشرائحه وفئاته لا تزال تواجهه العديد من التحديات والصعوبات التي تحتاج إلى بذل المزيد من الجهود لمواجهتها والحد منها بالشكل الذي ينمي القدرات والإمكانيات للموارد المتاحة في الاقتصاد سواء البشرية أو الطبيعية.
وبما أن الشباب هم جزء من المجتمع اليمني يؤثرون ويتأثرون بما يحدث فيه فإن الاهتمام بالمشكلات والتحديات التي تواجه تنميتهم وتعترض طريق تشغيلهم لابد أن تحظى بالأولوية ليس من قبل الجهات الحكومية فحسب بل لا بد أن تتكاتف الجهود الحكومية والخاصة مع جهود منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية، فضلاً عن ضرورة إشراك الشباب في إيجاد الحلول لمشكلاتهم.
وعلى الرغم من تعدد وتنوع التحديات والمشكلات الاقتصادية التي يواجهها الشباب في اليمن إلا أن أهمها يتمثل في التالي:
1- البطالة وتأثيراتها السلبية في تنمية الشباب
من المؤكد أن البطالة أحد أهم التحديات الاقتصادية في عالم اليوم، كما تمثل مؤشرات ونسب البطالة أحد معايير تقييم الأداء بالنسبة للاقتصاديات المختلفة وبالأخص في البلدان المتقدمة، بل إنها أصبحت إحدى أوراق العملية الانتخابية في الدول الديمقراطية، وفي اليمن أصبحت مشكلة البطالة وبالتزامن مع مشكلة الفقر أحد أهم التحديات التنموية التي تهدد مستقبل اليمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نظراً لآثارها السلبية الخطيرة كونها تعمل على إخراج جزء من طاقة المجتمع من مسارها الإنتاجي خاصة أن نسبة كبيرة منها هي طاقات شابة قادرة على العطاء والتميز والإبداع.
والجدير ذكره أن مشكلة البطالة في اليمن تتجه نحو التزايد، حيث تشير بعض الإحصائيات والتقارير إلى أن معدلات نمو البطالة السنوية تصل إلى 5.6 في المائة وهي نسبة مرتفعة جدا على المستوى العالمي، وتفوق معدل نمو عرض قوة العمل (3.5 في المائة) فضلا عن أنها تتركز وبصورة كبيرة بين الشباب (كما يبينها الجدول رقم 2).
2- الهجرة وإفرازاتها المختلفة
مثلت الهجرة سواء الداخلية أو الخارجية أحد المحددات والسمات المميزة للمجتمع اليمني منذ آلاف السنين، حيث يذكر لنا التاريخ خروج اليمنيين من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها وغربها، وكذلك الهجرات المتتالية لدول جنوب شرق آسيا ودول شرق إفريقيا، فضلا عن الهجرات الحديثة إلى منطقة الخليج العربي، كما أن هناك هجرة أخرى على المستوى المحلي تتمثل في نزوح السكان وانتقالهم من مكان إلى آخر داخل الوطن وبالذات الاتجاه نحو الحضر.
والجدير ذكره أن الهجرة المرتبطة باليمنيين تعود إلى مجموعة من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الهجرات الحديثة سواء الداخلية أو الخارجية قد ارتبطت بالأسباب الاقتصادية بصورة أكبر من الأسباب الأخرى، ويمكن تناول موضوع الهجرة في الجوانب التالية:
أ-الهجرة الداخلية
تعد الهجرة الداخلية أحد العوامل المؤثرة في النمو السكاني وفي معدلات توزيع السكان، ولعبت عوامل الطرد والجذب دوراً كبيراً في نمط الهجرة وتوزيعها، إلا أن العوامل الاقتصادية والمتمثلة في الحصول على فرصة عمل في المدن ومستوى التنمية الاقتصادية في المناطق المختلفة كان لها الدور الريادي في تزايد معدلات الهجرة الداخلية.
وتشير البيانات والإحصاءات إلى استمرار تدفق المهاجرين من الريف إلى الحضر وبالأخص نحو المدن الرئيسية وبالذات العاصمة صنعاء، ويمكن تفسير زيادة معدلات الهجرة بدور العوامل الاقتصادية وأهمها:
– توفر فرص العمل المختلفة بصورة أكبر في المدن مقارنة بالأرياف والمدن الثانوية.
– ارتفاع مستوى المعيشة في المدن الرئيسية مقارنة بالريف نتيجة لاستحواذ المدن الكبرى على مخصصات تنموية أكبر.
– وجود الجامعات ومراكز التعليم المختلفة، الأمر الذي يدفع بالشباب إلى الهجرة.
– وجود خدمات البنية التحتية بصورة أفضل في المدينة مما ينعكس في ارتفاع مستوى المعيشة مقارنة بالريف.
ب- الهجرة الخارجية
كما هو الحال للهجرة الداخلية التي تعود في الغالب للأسباب الاقتصادية يمكن إدراك هذا السبب بصورة أوضح في الهجرة الخارجية والمتركزة أصلا في مجموعة الدول الخليجية نتيجة لقربها من اليمن وتوفر فرص العمل فيها بصورة أفضل من غيرها، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود أكثر من مليون مهاجر يمني يتوزعون على دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 74 في المائة ودول القرن الإفريقي وجنوب شرق آسيا بنسبة 15.2 في المائة. ثم في الدول الغربية بنسبة 9.8 في المائة. والجدير بالذكر أن أغلب المهاجرين اليمنيين موجودون في المملكة العربية السعودية، حيث تشير تقديرات وزارة المغتربين إلى وجود أكثر من 700 ألف مغترب في السعودية معظمهم من القوى العاملة ومن الشباب بالذات.
المعالجات اللازمة لتنمية وتشغيل الشباب
مما لاشك فيه أن الحل الأمثل للمشكلات والتحديات التي تواجه الشباب يبدأ من إتاحة الفرصة للشباب للمشاركة والاندماج في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وبالشكل الذي يتيح للشباب التعبير عما في نفوسهم من طاقات وإبداعات يمكن للمجتمع الاستفادة منها، وبالتالي فإن الحاجة ماسة لمساعدة الشباب على إخراج إبداعاتهم ومهاراتهم وابتكاراتهم إلى حيز الوجود، وهذا لن يتحقق ما لم تكن هناك الأطر والهياكل والمؤسسات التي يمكن للشباب التعامل من خلالها، فضلا عن وجود استراتيجية واضحة وجهود حكومية مبذولة لتنسيق الجهود وترتيبها حتى يستفيد المجتمع من طاقات وإبداعات الشباب، كما يجب ألا يغيب عن البال دور الجهاز التعليمي والتربوي في إخراج الشباب الذي يفيد وطنه ومجتمعه وأمته بعيداً عن السلبيات والإخفاقات التي تحققت في السنوات السابقة.
ويمكن رؤية أهم المعالجات اللازمة لتنمية الشباب من الناحية الاقتصادية وتوفير فرص العمل لهم في الجوانب التالية:
1- تشجيع إنشاء وقيام المؤسسات والمنشآت الصغيرة
تكمن أهمية المنشآت والصناعات الصغيرة في كونها أحد أهم مرتكزات النمو والتنمية في الكثير من الدول وبالأخص الدول النامية، نظرا لما تقوم به من توفير آلاف فرص عمل، بل إن البعض يعدها منجما لا ينضب لتوليد العمالة والقيمة المضافة في الاقتصاد، وتعمل على رفع مستويات الدخول للشباب، وعلى الرغم من أهمية هذا الفرع من المنشآت والصناعات إلا أننا لا نعني تجاهل أو إهمال الصناعات والمؤسسات الكبيرة كونها في الأساس هي عماد التقدم والنهوض الذي تنشده المجتمعات والدول المختلفة.
وفي هذا السياق، فإن تشجيع وإنشاء المؤسسات والمنشآت الصغيرة يمثل أحد الخيارات الأساسية اللازمة لتنمية وتشغيل الشباب في اليمن وبما يحقق لهم مستقبلاً اقتصادياً لائقاً بهم، كما أن نجاح هذا النوع من المنشآت بحاجة إلى بذل الجهود الكبيرة والمتواصلة سواء من قبل الدولة أو منظمات المجتمع اليمني أو حتى من قبل القطاع الخاص كونه أحد المستفيدين من تنمية وتطوير الشباب، ويمكن حصر أهم أنواع الدعم لهذه المنشآت في نوعين اثنين هما:
1- الدعم المالي المتمثل في توفير التسهيلات والقروض الصغيرة سواء من قبل الحكومة أو الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني أو الجهاز المصرفي للشباب حتى يتمكنوا من إقامة هذه المنشآت وتسويق منتجاتها.
2- الدعم الإرشادي المتمثل في التدريب والتوعية ورفع المهارات والخبرات.
ويمكن توضيح أدوار كل من الدولة ومنظمات المجتمع المدني في النقاط التالية:
دور الدولة في تشجيع وتنمية الصناعات الصغيرة
• إيجاد الظروف المشجعة والبيئة الاستثمارية المحفزة على الاستثمار في الصناعات الصغيرة.
• تحسين خدمات البنية التحتية وبالأخص الكهرباء والطرقات والنقل.
• تطوير خدمات القطاع المالي وتشجيع البنوك والمؤسسات التمويلية وبالذات المملوكة للدولة على زيادة إقراض الشباب من أجل تمويل مشاريعهم الصغيرة الخاصة.
• توفير الاستقرار الاقتصادي والحد من معدلات التضخم.
• التوعية بأهمية ودور الصناعات الصغيرة والاعتماد على الذات من خلال المناهج التعليمية في المدارس الثانوية والجامعات وغيرها من الوسائل.
• إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية الأولية للمشاريع والفرص الاستثمارية التي تتناسب مع قدرات وإمكانيات الشباب.
• إصلاح النظام التعليمي والتركيز على النوع قبل الكم وبما يعمل على تخريج أجيال قادرة على تحمل مسؤولياتها.
دور منظمات المجتمع المدني:
– توفير الفرص التدريبية ورفع مهارات الشباب وبالذات للمبتدئين في الأعمال.
– التوعية والإرشاد بأهمية المشاريع الصغيرة.
– التدريب على إتقان المهارات الإدارية والتسويقية.
– الإرشاد حول كيفية الوصول إلى المعلومات والخدمات اللازمة.
– التمويل الصغير والتركيز على تمويل المشاريع ذات المستقبل الواعد.
– تقديم الاستشارات الاقتصادية والمالية والتجارية وغيرها.
2- تشجيع العمل للحساب الخاص (العمل الذاتي)
مع الأخذ في الاعتبار الإجراءات اللازمة لتشجيع وتنمية إنشاء وقيام المؤسسات والمنشآت الصغيرة في المجتمع، فإن إجراءات تشجيع العمل الخاص بين الشباب وخاصة خريجي الجامعات ومعاهد ومراكز التدريب المهني والتقني لا بد أن تكون موازية للإجراءات السابقة نظرا للأهمية الاقتصادية التي يحظى بها العمل الخاص المعتمد على المبادرة الذاتية وتنمية الشخصية المستقلة للشباب كون هذا النوع من الأعمال يوفر الكثير من فرص العمل للشباب وبالتالي فإنه يمثل إحدى القنوات المهمة للتشغيل في المجتمع والحد من البطالة، كما يعمل على تكوين جيل جديد من رجال الأعمال المعتمدين على أنفسهم وهذا في حد ذاته مكسب كبير للمجتمع وللاقتصاد في المستقبل القريب، ويمكن تشجيع هذا النوع من الأعمال من خلال:
أ- توفير المعلومات التجارية والاقتصادية والفرص الاستثمارية الصغيرة المتاحة.
ب- التدريب والتعليم للشباب حول اكتشاف الفرص التجارية والاستثمارية والمهارات الفنية المختلفة اللازمة لعمل المشاريع الصغيرة وقد سبق الإشارة إلى هذا الجانب.
ج- تسهيل التراخيص والمعاملات اللازمة لإقامة المشاريع الشبابية وتسهيل إجراءات الحصول على الخدمات المختلفة.
من ناحية أخرى ومن أجل تيسير إنشاء وقيام الأعمال الشبابية الخاصة وبما يتيح للشباب الاستفادة من إمكانياتهم وطاقاتهم الإبداعية فإن على الجهات الحكومية المختصة السماح لأكبر شريحة من الشباب بممارسة أعمالهم الخاصة من داخل مساكنهم من دون الحاجة إلى تأسيس مكاتب وعدم تحميلهم أي أعباء سواء كانت ضرائب أو رسوماً أخرى وخصوصاً خلال السنوات الأولى من التأسيس كون هذه الأعباء تتجاوز إمكانيات وقدرات الشباب المتواضعة لاسيما في الجوانب المالية.
3- توسيع نشاط الصناديق الوطنية اللازمة لتنمية وتشجيع مشروعات الشباب
نظراً للآثار السلبية التي أحدثتها حزمة السياسات والإجراءات الانكماشية المطبقة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم تطبيقه في اليمن منذ عام 1995 وحتى اليوم، كان هناك مكون اجتماعي في البرنامج تمثل في شبكة الأمان الاجتماعي والتي تمثلت في مجموعة البرامج والسياسات الاجتماعية الرامية إلى التخفيف من الآثار الاجتماعية السلبية وعلى رأسها الفقر والبطالة داخل المجتمع، حيث كان إنشاء مجموعة من الصناديق الخاصة أحد أبرز مكونات شبكة الأمان الاجتماعي، ومن هذه الصناديق (صندوق التنمية الاجتماعية، صندوق الرعاية الاجتماعية، وحدة تنمية الصناعات الصغيرة، مشروع الأسر المنتجة، مشروع الأشغال العامة) والتي قامت على أساس مساعدة الفئات الفقيرة بالمجتمع في الحصول على فرص عمل سواء فرص التشغيل الذاتي عن طريق إنشاء مشاريع خاصة تمول من قبل هذه الصناديق أو من قبل المشاريع الكبيرة التنموية التي تنفذها.
واليوم وفي ظل تزايد معدلات البطالة والفقر في المجتمع تبرز أهمية توسيع نشاط الصناديق والبرامج القائمة وإنشاء صناديق أخرى، نظراً لأهمية دورها في تنمية الشباب من الناحية الاقتصادية.

::/fulltext::
::cck::2989::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *