خيارات الملف النووي الإيراني

::cck::2935::/cck::
::introtext::

خلال الشهرين الأخيرين عمّقت إيران أزمتها مع المجتمع الدولي بشكل كبير وسافر، وبروح تحد غير مسبوقة في العلاقات الدولية. فعبر ممثلها في لبنان (حزب الله) زجّت تلك البلاد المستقرة في هلاك ودمار، وتجاوزت حدود العلاقات الدولية حينما سلحته بالصواريخ والمعدات والتدريب والإسناد الميداني والاستخباراتي، وساندته ورفعت رايته وألقت بثقلها السياسي وراء مغامراته. وحتى الملايين التي وعد حزب الله المتضررين بها وفرتها إيران من قوت فقراء شعبها، فاحتلت إيران مكاناً بارزاً في النزاع العربي-الإسرائيلي.

::/introtext::
::fulltext::

خلال الشهرين الأخيرين عمّقت إيران أزمتها مع المجتمع الدولي بشكل كبير وسافر، وبروح تحد غير مسبوقة في العلاقات الدولية. فعبر ممثلها في لبنان (حزب الله) زجّت تلك البلاد المستقرة في هلاك ودمار، وتجاوزت حدود العلاقات الدولية حينما سلحته بالصواريخ والمعدات والتدريب والإسناد الميداني والاستخباراتي، وساندته ورفعت رايته وألقت بثقلها السياسي وراء مغامراته. وحتى الملايين التي وعد حزب الله المتضررين بها وفرتها إيران من قوت فقراء شعبها، فاحتلت إيران مكاناً بارزاً في النزاع العربي-الإسرائيلي.
بعد إرسال ردها الملغوم على طلب مجلس الأمن وقف تخصيب الوقود النووي، أعلنت إيران عن افتتاح مصنع الماء الثقيل. أي قبل أيام فقط من مهلة مجلس الأمن بخصوص فرض عقوبات على إيران إن هي لم تتجاوب مع طلبه في مسألة التخصيب. ويعد إنتاج الماء الثقيل إيذاناً بسعيها لتوفير الوقود النووي لمفاعلاتها المرتقبة للسنوات المقبلة والمقدر عددها بعشرين مفاعلاً وبتكلفة حوالي 25 مليار دولار (بالأسعار الجارية)، أولها سيتم تدشينه العام المقبل بالقرب من ميناء (بوشهر) بمعونة روسية، كما أن إنتاج الماء الثقيل من الناحية الفنية والاستراتيجية طريق واضح كذلك لإنتاج البلوتونيوم من اليورانيوم لأغراض القنبلة النووية، مختصرة بذلك مسألة تخصيب اليورانيوم أو كبابٍ آخر له.
وصاحب هذه الفترة، بأحداثها الساخنة، خطاب سياسي وأنشطة موازية عمقت من نسيج الأزمة مع المجتمع الدولي لا مجال لبيان أوجهها المختلفة. يا ترى ما هي أغراض إيران النووية؟ ولماذا يتوحد المجتمع الدولي على الحد من نشاطها النووي؟ وما سر لهجة التأزيم التي تستدعيها إيران لنفسها؟
بداية لا بد من الإقرار بأنه من حق إيران امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية، وخاصة توليد الطاقة. والمجتمع الدولي والقانون الدولي كذلك يعترفان لها بهذا الحق. فرغم أن إيران ثاني منتج للنفط في المنطقة بعد السعودية والرابع عالمياً إلا أنها تدعي أن مخزونها سينضب خلال 40 سنة مقبلة، وهو ادعاء غير متفق عليه بين الخبراء. إلا أن استهلاك الطاقة في إيران يزداد بشكل تبذيري لم يعد بوسع النظام الحاكم الحد منه، فسعر البنزين في إيران يقل عن نصف نظيره السائد في دول الخليج، وكذلك أسعار الكهرباء. وهي لذلك تستورد تقريباً نصف احتياجاتها من البنزين. وفي أزمتها مع التبذير المحلي للطاقة لا تختلف عن مثيلاتها في دول الخليج، إلا أن الفارق هو حجم السكان الكبير ومعدلات نموه. وأي محاولة لترشيد الاستهلاك برفع الأسعار سيقود إلى ثورة شعبية لن يقوى نظام الملالي عليها إلا بالعنف المميت، ثم هناك الإنفاق الكبير على التسلح ودعم المنظمات الموالية مثل حزب الله في لبنان ومثيلاته في العراق وفلسطين وغيرهما.
ولا تغيب هذه الاعتبارات عن الخبراء الاستراتيجيين الدوليين، فحاجة إيران إلى الطاقة البديلة معترف بها. ومجموعة (الخمسة زائد واحد) التي تفاوض إيران تحاول مساعدتها على الإيفاء باحتياجات الطاقة المشروعة لكن وفق ترتيبات تضمن عدم الانزلاق إلى التسلح النووي، إلا أن المبالغة في هذه الاحتياجات تعود إلى طبيعة النظام الحاكم الذي يبذر الموارد سعياً لحماية كيانه داخلياً وتعزيز نفوذه الإقليمي.
والنظام الإيراني ينكر أن اقتناء السلاح النووي من ضمن نواياه، لكن مصداقيته في الحضيض، وهو لا يبدو مكترثاً لتحسينها. فإن لم يتوان النظام عن تسليح حزب الله في لبنان بالصواريخ المختلفة، فكيف للمجتمع الدولي أن يطمئن إلى عدم تسرب التقنية النووية (بل والسلاح ذاته) إلى منظمات مماثلة لأغراض الابتزاز السياسي أو غيره؟ وخاصة مع تعدد مراكز القوى في إيران وتنوعها، الذي يشكو منه الإيرانيون ذاتهم. فأول مبادئ امتلاك السلاح النووي هو موضوع ضبط السيطرة والتحكم ومركزية القرار بشأنه، وهو ما يفتقد إليه النظام الإيراني الحالي كما بينت الأحداث المختلفة.
ويعزز هذا التخوف صعود نجم الرئيس أحمدي نجاد كزعيم ثوري يسعى إلى تجديد فكر الخميني وإعادة المتانة العقائدية إلى الثورة الإسلامية والسيطرة على مظاهر انفلات الشباب من قبضة حراس الثورة، وخاصة بعد سنوات من التراخي (كما يتصور المحافظون) إبان رئاسة خاتمي، فهؤلاء يجدون في المسألة النووية فرصة لإذكاء روح الحماسة الوطنية وتجييرها لصالح النظام.
لكن الغرض الاستراتيجي لتيار الرئيس أحمدي نجاد والمحافظين من اقتناء التقنية النووية هو تحقيق اعتراف دولي بدور إقليمي لجمهورية إيران الإسلامية (في الخليج والشرق الأوسط) مصحوباً بضمانات محكمة لحماية أمن واستقلال النظام وفق منظور الخميني. وليس التفاوض القادم حول اقتناء السلاح النووي إلا أبرز تجليات هذه الضمانات التي يطمح إليها النظام، كما أن استخدام موضوع إسرائيل (وحزب الله في لبنان وميليشيات العراق) من قبل النظام الإيراني ليس إلا ورقة تفاوض لهذا الغرض، فالنظام في طهران يعي أكثر من سواه الخطوط الحمراء التي تحيط بإسرائيل، إلا أنه وجد ضالته في فوضى سفينة النزاع العربي-الإسرائيلي، فامتطى النظام الورقة الإسلامية لمسك أطرافها، أسوة بمن سبقوه في عواصم عربية أخرى، وهو مستعد (لتسييلها) في أقرب فرصة مواتية ومجزية، بل إنه على أتم الاستعداد لتقديم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وميليشيات العنف في العراق وغيرها قرابين لواشنطن وتل أبيب على طاولة المفاوضات لتحقيق المكاسب له.
ولا يخفى هذا التحليل على القريبين والمطلعين على طبيعة النظام السياسي في طهران ونواياه، فلا يوجد ثوريون في طهران ولا متهورون، ولا مكان للنقاء العقائدي الإسلامي في سياسات طهران مهما بلغت الشعارات؛ ما يعنيهم هو فقط ديمومة النظام الحاكم وأمنه ونطاق نفوذه. فنظام طهران الذي يسخر آلاف العلماء والموارد الضخمة لبناء قدراته النووية والعسكرية بشكل منهجي لن يفرط بمصالحه القومية من أجل حفنة من المغامرين سواء في جنوب لبنان أو غزة أو غيرهما، فإيران تلعب لعبة البوكر السياسي بكل احتراف.
فهل ستنجح إيران في لعبتها؟ نعم ستنجح ولكن بسقف محدود، وهي وحدها فقط تعرف سقفه وما ينطوي تحته، ولا تشارك أحداً في نواياها. وهذا السقف والتفاصيل يعتمدان بشكل أساسي على الكيفية التي سيتعامل بها اللاعبان الأساسيان (واشنطن وتل أبيب) مع هذه اللعبة.
أمام واشنطن وتل أبيب مجتمعتين ثلاثة خيارات في مواجهة المساعي النووية الإيرانية في ظل المعطيات الحالية. الخيار الأول هو ترك مسار الملف بكل تفاصيله ومحاذيره لمجلس الأمن (والمجموعة الأوروبية)، وهي محاذير كثيرة. ولا ترى كل من واشنطن وتل أبيب في هذا المسار الشائك والمعقد مخرجاً مقبولاً، فتجربة السنوات الماضية، وخاصة خلال الأزمة مع صدام، بينت أنه بإمكان إيران الإفلات من نظام العقوبات بعد اللعب على تناقضات المصالح القومية للدول الكبرى وخصوصاً الصين وروسيا، وكذلك مصالح الدول الصديقة للولايات المتحدة مثل اليابان وألمانيا، فاليابان المتعطشة للنفط الإيراني مثلاً أعلنت أنها لن تقبل بالعقوبات الاقتصادية على إيران، وتشاركها الهند والصين في هذا المنحى، ولا توجد الصلابة الكافية لدى المجموعة الأوروبية لإحكام أية عقوبات يقرها مجلس الأمن.
بل يمكن القول إن إيران ذاتها لا تجد مصلحة لها في التعامل مع مجلس الأمن، لأنها تعرف أن واشنطن فقط هي البوابة المضمونة لتحقيق أغراضها الاستراتيجية رغم كل ضجة إعلامها السياسي عن (الشيطان الأكبر) وشغبها في المنطقة. فالمنطق يقول إن تتعامل مع شيطان واحد ومهم، مهما عظم بأسه، أيسر كثيراً من التعامل مع عدة شياطين متنوعة تجرك إلى اتجاهات متناقضة ! وإيران تعرف أهمية واشنطن، مهما أسدت إليها من نعوت التكفير، وتعي تماماً أن إسرائيل تمسك بالمفاتيح لبوابات واشنطن.
أما الخيار الثاني لواشنطن وتل أبيب فهو الضربة العسكرية لمواقع المنشآت المتصلة ببرنامج إيران النووي، وهو خيار معقد نظراً لتوزع الأهداف وصعوبة بعضها، وهو أيضاً محفوف بمخاطر كثيرة أهمها تسرب الإشعاع وإيذاء المدنيين وتهييج الشارع الإيراني والتفافه حول النظام، فضلاً عن اضطراب خطوط إمداد نفط الخليج مما سيزج سوق النفط وأسعاره والاقتصاد العالمي في فوضى عارمة. والرئيس بوش، رغم حماسته، لم يعد يملك الدعم الداخلي الكافي لزج بلاده في عملية عسكرية كبيرة ستقود حتماً إلى حرب إقليمية أخرى لا تعرف أبعادها وستعقد الوضع في العراق وتغذي الإرهاب في المنطقة والعالم، خاصة أن حزبه سيواجه انتخابات رئاسية بعد عامين. وحتى لو انفردت إسرائيل بالعملية فستلصق التهم بواشنطن لا محالة، لأن أي عملية عسكرية إسرائيلية بهذا التعقيد ستحتاج إلى دعم أمريكي فني وعملياتي كبيرين، وبالتالي لن تعفى واشنطن من المسؤولية والتبعات، ولن يجد مثل هذا العمل أي تأييد حتى من أقرب حلفاء واشنطن.
إن النظام الإيراني يعي جيداً هذه الحدود والقيود، ويفهم مفردات المناخ الدولي والإقليمي المحيط بها. وهو ما يفسر جزءاً كبيراً من سلوكه السياسي وروح التحدي الذي يناطح به، وحمى التسارع الذي تشهده خطط برنامجه النووي والعسكري تعود إلى المحاولة الذكية منه لاستثمار هذه الظروف مجتمعة لتحقيق أكبر المكتسبات قبل أن تبدأ المفاوضات.
هذه الاعتبارات مجتمعة ستعطل هذا الخيار (الضربة العسكرية) لسنوات عدة، ستنجح إيران خلالها في تحقيق أهدافها النووية، لكن هل سيغنيها ذلك؟ وهل سيحقق النظام أهدافه الاستراتيجية كما وصفناها؟ فما القيمة الاستراتيجية للنظام من القدرة النووية (وخاصة العسكرية) بينما عزلته تتسع وخصومه يزدادون عدداً ومكانة وبينما هو يتعرض لعقوبات دولية ستتعاظم مع الوقت؟
إن هذه التساؤلات وغيرها تقود إلى الخيار الثالث المتاح لجميع الأطراف بما فيها إسرائيل، وهو خيار التسوية الشاملة للملف النووي الإيراني من خلال صفقة متعددة الجوانب والأطراف، تأخذ في الاعتبار مصالح إيران وإسرائيل والولايات المتحدة من خلال التفاوض السري والعلني وبضمانات المجموعة الأوروبية وغيرها، وهي صفقة طالما تاقت إليها طهران. وفي جعبتها الكثير للتفاوض بشأنه، وقد يمهد لهذه التسوية شيء من نظام عقوبات دولية ضد طهران كأداة ضغط وصولاً إلى طاولة المفاوضات كما حصل مع غيرها سابقاً.
لكن ما هي الخطوط العامة لمثل هذه التسوية؟ من الصعب التكهن بذلك، لكن أكثر الاحتمالات تشير إلى تسوية تتخلى فيها إيران عن الشق العسكري من برنامجها النووي (أي إنتاج القنبلة النووية) بينما يُفسح لها النطاق ببقية عناصر البرنامج السلمية، على أن تحصل على ضمانات كافية ومؤكدة بعدم التدخل في شأنها الداخلي أو الاعتداء عليها من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، وأن تعيد واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع طهران وتوفر لها المساعدات الفنية المختلفة، وترفع الحظر الاقتصادي القائم، وتعيد الأموال المجمدة منذ أيام الشاه، وتُؤهل واشنطن طهران تدريجياً للشراكة في الأمن الإقليمي (بما فيه الخليج) وترتيبات السلام في الشرق الأوسط واستعادة الاستقرار في العراق. في المقابل تنهي إيران علاقاتها مع المنظمات المتطرفة مثل حزب الله وحماس والميليشيات العراقية، وتسهم في دفع سوريا (وبالتبعية لبنان) إلى تسوية مع إسرائيل.
مثل هذه الصفقة المعقدة ستحقق الأهداف الاستراتيجية لإيران بشكل كبير، حيث ستضمن للنظام ديمومته دون صبغته الثورية ونزواته الخارجية، ويفتح له الباب للشراكة المستقرة مع الولايات المتحدة ودول المنطقة. في المقابل ستحيد إسرائيل إيران، وتتخلص من مخاطرها العسكرية والنووية وتقطع علاقاتها مع المنظمات المتطرفة، إضافة إلى دفع كل من دمشق وبيروت إلى عقد آخر حلقات معاهدات السلام معها، الأمر الذي سيمهد الطريق إلى التسوية مع الفلسطينيين أيضاً. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فالمزايا متعددة، أبرزها تقليص التوتر في المنطقة (وبالتالي وجودها العسكري المكلف) مع ضمان سلامة إمدادات النفط وأمن إسرائيل وحلفائها في دول الخليج.
إن هذا المسار في تسوية الملف الإيراني، وما سيتبعه من تسويات جانبية وترتيبات إقليمية، هو الأرجح، ومن المفارقة المؤلمة طبعاً أن تكون إيران هي بوابة السلام في الشرق الأوسط بعد كل شعارات الثورة الإسلامية الزائفة، وأن تحظى بالمكاسب الاستراتيجية المهمة بعد أن يكون قد دفع العرب على مر ستين عاماً فاتورة ضخمة من القتلى والمشردين والدمار وضياع الموارد وتعطيل التنمية، بل ضياع الأمل في عيون أجيال من الشباب.
هذه التوجهات نحو تسوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مجتمعين، وبضمانات أوروبية ودولية، تصب في مصلحة أمن دول الخليج بشكل كبير، خاصة أن أدى ذلك بصورة متسارعة إلى استقرار العراق وتسوية صراع الشرق الأوسط. وليس في أي من البديلين، سواء الأول (نظام العقوبات) أو الثاني (الضربة العسكرية)، من مصلحة لدول الخليج بل التأزم واستدامة التوتر وسباق التسلح، وما سيؤدي إليه ذلك من مخاطر أمنية وتعطيل لفرص التنمية، ولن يضير دول الخليج أن تقوى إيران ما دامت تتعامل وفق قواعد العلاقات الدولية، وتتحول إلى شريك اقتصادي وسياسي موثوق به.
إن الطريق أمام الخيار الثالث طويل وشاق، لكن البدائل الأخرى مقززة وغير مأمونة، ومن مصلحة جميع دول المنطقة الدفع به لصالح الأمن والاستقرار والتنمية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2935::/cck::
::introtext::

خلال الشهرين الأخيرين عمّقت إيران أزمتها مع المجتمع الدولي بشكل كبير وسافر، وبروح تحد غير مسبوقة في العلاقات الدولية. فعبر ممثلها في لبنان (حزب الله) زجّت تلك البلاد المستقرة في هلاك ودمار، وتجاوزت حدود العلاقات الدولية حينما سلحته بالصواريخ والمعدات والتدريب والإسناد الميداني والاستخباراتي، وساندته ورفعت رايته وألقت بثقلها السياسي وراء مغامراته. وحتى الملايين التي وعد حزب الله المتضررين بها وفرتها إيران من قوت فقراء شعبها، فاحتلت إيران مكاناً بارزاً في النزاع العربي-الإسرائيلي.

::/introtext::
::fulltext::

خلال الشهرين الأخيرين عمّقت إيران أزمتها مع المجتمع الدولي بشكل كبير وسافر، وبروح تحد غير مسبوقة في العلاقات الدولية. فعبر ممثلها في لبنان (حزب الله) زجّت تلك البلاد المستقرة في هلاك ودمار، وتجاوزت حدود العلاقات الدولية حينما سلحته بالصواريخ والمعدات والتدريب والإسناد الميداني والاستخباراتي، وساندته ورفعت رايته وألقت بثقلها السياسي وراء مغامراته. وحتى الملايين التي وعد حزب الله المتضررين بها وفرتها إيران من قوت فقراء شعبها، فاحتلت إيران مكاناً بارزاً في النزاع العربي-الإسرائيلي.
بعد إرسال ردها الملغوم على طلب مجلس الأمن وقف تخصيب الوقود النووي، أعلنت إيران عن افتتاح مصنع الماء الثقيل. أي قبل أيام فقط من مهلة مجلس الأمن بخصوص فرض عقوبات على إيران إن هي لم تتجاوب مع طلبه في مسألة التخصيب. ويعد إنتاج الماء الثقيل إيذاناً بسعيها لتوفير الوقود النووي لمفاعلاتها المرتقبة للسنوات المقبلة والمقدر عددها بعشرين مفاعلاً وبتكلفة حوالي 25 مليار دولار (بالأسعار الجارية)، أولها سيتم تدشينه العام المقبل بالقرب من ميناء (بوشهر) بمعونة روسية، كما أن إنتاج الماء الثقيل من الناحية الفنية والاستراتيجية طريق واضح كذلك لإنتاج البلوتونيوم من اليورانيوم لأغراض القنبلة النووية، مختصرة بذلك مسألة تخصيب اليورانيوم أو كبابٍ آخر له.
وصاحب هذه الفترة، بأحداثها الساخنة، خطاب سياسي وأنشطة موازية عمقت من نسيج الأزمة مع المجتمع الدولي لا مجال لبيان أوجهها المختلفة. يا ترى ما هي أغراض إيران النووية؟ ولماذا يتوحد المجتمع الدولي على الحد من نشاطها النووي؟ وما سر لهجة التأزيم التي تستدعيها إيران لنفسها؟
بداية لا بد من الإقرار بأنه من حق إيران امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية، وخاصة توليد الطاقة. والمجتمع الدولي والقانون الدولي كذلك يعترفان لها بهذا الحق. فرغم أن إيران ثاني منتج للنفط في المنطقة بعد السعودية والرابع عالمياً إلا أنها تدعي أن مخزونها سينضب خلال 40 سنة مقبلة، وهو ادعاء غير متفق عليه بين الخبراء. إلا أن استهلاك الطاقة في إيران يزداد بشكل تبذيري لم يعد بوسع النظام الحاكم الحد منه، فسعر البنزين في إيران يقل عن نصف نظيره السائد في دول الخليج، وكذلك أسعار الكهرباء. وهي لذلك تستورد تقريباً نصف احتياجاتها من البنزين. وفي أزمتها مع التبذير المحلي للطاقة لا تختلف عن مثيلاتها في دول الخليج، إلا أن الفارق هو حجم السكان الكبير ومعدلات نموه. وأي محاولة لترشيد الاستهلاك برفع الأسعار سيقود إلى ثورة شعبية لن يقوى نظام الملالي عليها إلا بالعنف المميت، ثم هناك الإنفاق الكبير على التسلح ودعم المنظمات الموالية مثل حزب الله في لبنان ومثيلاته في العراق وفلسطين وغيرهما.
ولا تغيب هذه الاعتبارات عن الخبراء الاستراتيجيين الدوليين، فحاجة إيران إلى الطاقة البديلة معترف بها. ومجموعة (الخمسة زائد واحد) التي تفاوض إيران تحاول مساعدتها على الإيفاء باحتياجات الطاقة المشروعة لكن وفق ترتيبات تضمن عدم الانزلاق إلى التسلح النووي، إلا أن المبالغة في هذه الاحتياجات تعود إلى طبيعة النظام الحاكم الذي يبذر الموارد سعياً لحماية كيانه داخلياً وتعزيز نفوذه الإقليمي.
والنظام الإيراني ينكر أن اقتناء السلاح النووي من ضمن نواياه، لكن مصداقيته في الحضيض، وهو لا يبدو مكترثاً لتحسينها. فإن لم يتوان النظام عن تسليح حزب الله في لبنان بالصواريخ المختلفة، فكيف للمجتمع الدولي أن يطمئن إلى عدم تسرب التقنية النووية (بل والسلاح ذاته) إلى منظمات مماثلة لأغراض الابتزاز السياسي أو غيره؟ وخاصة مع تعدد مراكز القوى في إيران وتنوعها، الذي يشكو منه الإيرانيون ذاتهم. فأول مبادئ امتلاك السلاح النووي هو موضوع ضبط السيطرة والتحكم ومركزية القرار بشأنه، وهو ما يفتقد إليه النظام الإيراني الحالي كما بينت الأحداث المختلفة.
ويعزز هذا التخوف صعود نجم الرئيس أحمدي نجاد كزعيم ثوري يسعى إلى تجديد فكر الخميني وإعادة المتانة العقائدية إلى الثورة الإسلامية والسيطرة على مظاهر انفلات الشباب من قبضة حراس الثورة، وخاصة بعد سنوات من التراخي (كما يتصور المحافظون) إبان رئاسة خاتمي، فهؤلاء يجدون في المسألة النووية فرصة لإذكاء روح الحماسة الوطنية وتجييرها لصالح النظام.
لكن الغرض الاستراتيجي لتيار الرئيس أحمدي نجاد والمحافظين من اقتناء التقنية النووية هو تحقيق اعتراف دولي بدور إقليمي لجمهورية إيران الإسلامية (في الخليج والشرق الأوسط) مصحوباً بضمانات محكمة لحماية أمن واستقلال النظام وفق منظور الخميني. وليس التفاوض القادم حول اقتناء السلاح النووي إلا أبرز تجليات هذه الضمانات التي يطمح إليها النظام، كما أن استخدام موضوع إسرائيل (وحزب الله في لبنان وميليشيات العراق) من قبل النظام الإيراني ليس إلا ورقة تفاوض لهذا الغرض، فالنظام في طهران يعي أكثر من سواه الخطوط الحمراء التي تحيط بإسرائيل، إلا أنه وجد ضالته في فوضى سفينة النزاع العربي-الإسرائيلي، فامتطى النظام الورقة الإسلامية لمسك أطرافها، أسوة بمن سبقوه في عواصم عربية أخرى، وهو مستعد (لتسييلها) في أقرب فرصة مواتية ومجزية، بل إنه على أتم الاستعداد لتقديم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وميليشيات العنف في العراق وغيرها قرابين لواشنطن وتل أبيب على طاولة المفاوضات لتحقيق المكاسب له.
ولا يخفى هذا التحليل على القريبين والمطلعين على طبيعة النظام السياسي في طهران ونواياه، فلا يوجد ثوريون في طهران ولا متهورون، ولا مكان للنقاء العقائدي الإسلامي في سياسات طهران مهما بلغت الشعارات؛ ما يعنيهم هو فقط ديمومة النظام الحاكم وأمنه ونطاق نفوذه. فنظام طهران الذي يسخر آلاف العلماء والموارد الضخمة لبناء قدراته النووية والعسكرية بشكل منهجي لن يفرط بمصالحه القومية من أجل حفنة من المغامرين سواء في جنوب لبنان أو غزة أو غيرهما، فإيران تلعب لعبة البوكر السياسي بكل احتراف.
فهل ستنجح إيران في لعبتها؟ نعم ستنجح ولكن بسقف محدود، وهي وحدها فقط تعرف سقفه وما ينطوي تحته، ولا تشارك أحداً في نواياها. وهذا السقف والتفاصيل يعتمدان بشكل أساسي على الكيفية التي سيتعامل بها اللاعبان الأساسيان (واشنطن وتل أبيب) مع هذه اللعبة.
أمام واشنطن وتل أبيب مجتمعتين ثلاثة خيارات في مواجهة المساعي النووية الإيرانية في ظل المعطيات الحالية. الخيار الأول هو ترك مسار الملف بكل تفاصيله ومحاذيره لمجلس الأمن (والمجموعة الأوروبية)، وهي محاذير كثيرة. ولا ترى كل من واشنطن وتل أبيب في هذا المسار الشائك والمعقد مخرجاً مقبولاً، فتجربة السنوات الماضية، وخاصة خلال الأزمة مع صدام، بينت أنه بإمكان إيران الإفلات من نظام العقوبات بعد اللعب على تناقضات المصالح القومية للدول الكبرى وخصوصاً الصين وروسيا، وكذلك مصالح الدول الصديقة للولايات المتحدة مثل اليابان وألمانيا، فاليابان المتعطشة للنفط الإيراني مثلاً أعلنت أنها لن تقبل بالعقوبات الاقتصادية على إيران، وتشاركها الهند والصين في هذا المنحى، ولا توجد الصلابة الكافية لدى المجموعة الأوروبية لإحكام أية عقوبات يقرها مجلس الأمن.
بل يمكن القول إن إيران ذاتها لا تجد مصلحة لها في التعامل مع مجلس الأمن، لأنها تعرف أن واشنطن فقط هي البوابة المضمونة لتحقيق أغراضها الاستراتيجية رغم كل ضجة إعلامها السياسي عن (الشيطان الأكبر) وشغبها في المنطقة. فالمنطق يقول إن تتعامل مع شيطان واحد ومهم، مهما عظم بأسه، أيسر كثيراً من التعامل مع عدة شياطين متنوعة تجرك إلى اتجاهات متناقضة ! وإيران تعرف أهمية واشنطن، مهما أسدت إليها من نعوت التكفير، وتعي تماماً أن إسرائيل تمسك بالمفاتيح لبوابات واشنطن.
أما الخيار الثاني لواشنطن وتل أبيب فهو الضربة العسكرية لمواقع المنشآت المتصلة ببرنامج إيران النووي، وهو خيار معقد نظراً لتوزع الأهداف وصعوبة بعضها، وهو أيضاً محفوف بمخاطر كثيرة أهمها تسرب الإشعاع وإيذاء المدنيين وتهييج الشارع الإيراني والتفافه حول النظام، فضلاً عن اضطراب خطوط إمداد نفط الخليج مما سيزج سوق النفط وأسعاره والاقتصاد العالمي في فوضى عارمة. والرئيس بوش، رغم حماسته، لم يعد يملك الدعم الداخلي الكافي لزج بلاده في عملية عسكرية كبيرة ستقود حتماً إلى حرب إقليمية أخرى لا تعرف أبعادها وستعقد الوضع في العراق وتغذي الإرهاب في المنطقة والعالم، خاصة أن حزبه سيواجه انتخابات رئاسية بعد عامين. وحتى لو انفردت إسرائيل بالعملية فستلصق التهم بواشنطن لا محالة، لأن أي عملية عسكرية إسرائيلية بهذا التعقيد ستحتاج إلى دعم أمريكي فني وعملياتي كبيرين، وبالتالي لن تعفى واشنطن من المسؤولية والتبعات، ولن يجد مثل هذا العمل أي تأييد حتى من أقرب حلفاء واشنطن.
إن النظام الإيراني يعي جيداً هذه الحدود والقيود، ويفهم مفردات المناخ الدولي والإقليمي المحيط بها. وهو ما يفسر جزءاً كبيراً من سلوكه السياسي وروح التحدي الذي يناطح به، وحمى التسارع الذي تشهده خطط برنامجه النووي والعسكري تعود إلى المحاولة الذكية منه لاستثمار هذه الظروف مجتمعة لتحقيق أكبر المكتسبات قبل أن تبدأ المفاوضات.
هذه الاعتبارات مجتمعة ستعطل هذا الخيار (الضربة العسكرية) لسنوات عدة، ستنجح إيران خلالها في تحقيق أهدافها النووية، لكن هل سيغنيها ذلك؟ وهل سيحقق النظام أهدافه الاستراتيجية كما وصفناها؟ فما القيمة الاستراتيجية للنظام من القدرة النووية (وخاصة العسكرية) بينما عزلته تتسع وخصومه يزدادون عدداً ومكانة وبينما هو يتعرض لعقوبات دولية ستتعاظم مع الوقت؟
إن هذه التساؤلات وغيرها تقود إلى الخيار الثالث المتاح لجميع الأطراف بما فيها إسرائيل، وهو خيار التسوية الشاملة للملف النووي الإيراني من خلال صفقة متعددة الجوانب والأطراف، تأخذ في الاعتبار مصالح إيران وإسرائيل والولايات المتحدة من خلال التفاوض السري والعلني وبضمانات المجموعة الأوروبية وغيرها، وهي صفقة طالما تاقت إليها طهران. وفي جعبتها الكثير للتفاوض بشأنه، وقد يمهد لهذه التسوية شيء من نظام عقوبات دولية ضد طهران كأداة ضغط وصولاً إلى طاولة المفاوضات كما حصل مع غيرها سابقاً.
لكن ما هي الخطوط العامة لمثل هذه التسوية؟ من الصعب التكهن بذلك، لكن أكثر الاحتمالات تشير إلى تسوية تتخلى فيها إيران عن الشق العسكري من برنامجها النووي (أي إنتاج القنبلة النووية) بينما يُفسح لها النطاق ببقية عناصر البرنامج السلمية، على أن تحصل على ضمانات كافية ومؤكدة بعدم التدخل في شأنها الداخلي أو الاعتداء عليها من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، وأن تعيد واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع طهران وتوفر لها المساعدات الفنية المختلفة، وترفع الحظر الاقتصادي القائم، وتعيد الأموال المجمدة منذ أيام الشاه، وتُؤهل واشنطن طهران تدريجياً للشراكة في الأمن الإقليمي (بما فيه الخليج) وترتيبات السلام في الشرق الأوسط واستعادة الاستقرار في العراق. في المقابل تنهي إيران علاقاتها مع المنظمات المتطرفة مثل حزب الله وحماس والميليشيات العراقية، وتسهم في دفع سوريا (وبالتبعية لبنان) إلى تسوية مع إسرائيل.
مثل هذه الصفقة المعقدة ستحقق الأهداف الاستراتيجية لإيران بشكل كبير، حيث ستضمن للنظام ديمومته دون صبغته الثورية ونزواته الخارجية، ويفتح له الباب للشراكة المستقرة مع الولايات المتحدة ودول المنطقة. في المقابل ستحيد إسرائيل إيران، وتتخلص من مخاطرها العسكرية والنووية وتقطع علاقاتها مع المنظمات المتطرفة، إضافة إلى دفع كل من دمشق وبيروت إلى عقد آخر حلقات معاهدات السلام معها، الأمر الذي سيمهد الطريق إلى التسوية مع الفلسطينيين أيضاً. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة فالمزايا متعددة، أبرزها تقليص التوتر في المنطقة (وبالتالي وجودها العسكري المكلف) مع ضمان سلامة إمدادات النفط وأمن إسرائيل وحلفائها في دول الخليج.
إن هذا المسار في تسوية الملف الإيراني، وما سيتبعه من تسويات جانبية وترتيبات إقليمية، هو الأرجح، ومن المفارقة المؤلمة طبعاً أن تكون إيران هي بوابة السلام في الشرق الأوسط بعد كل شعارات الثورة الإسلامية الزائفة، وأن تحظى بالمكاسب الاستراتيجية المهمة بعد أن يكون قد دفع العرب على مر ستين عاماً فاتورة ضخمة من القتلى والمشردين والدمار وضياع الموارد وتعطيل التنمية، بل ضياع الأمل في عيون أجيال من الشباب.
هذه التوجهات نحو تسوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مجتمعين، وبضمانات أوروبية ودولية، تصب في مصلحة أمن دول الخليج بشكل كبير، خاصة أن أدى ذلك بصورة متسارعة إلى استقرار العراق وتسوية صراع الشرق الأوسط. وليس في أي من البديلين، سواء الأول (نظام العقوبات) أو الثاني (الضربة العسكرية)، من مصلحة لدول الخليج بل التأزم واستدامة التوتر وسباق التسلح، وما سيؤدي إليه ذلك من مخاطر أمنية وتعطيل لفرص التنمية، ولن يضير دول الخليج أن تقوى إيران ما دامت تتعامل وفق قواعد العلاقات الدولية، وتتحول إلى شريك اقتصادي وسياسي موثوق به.
إن الطريق أمام الخيار الثالث طويل وشاق، لكن البدائل الأخرى مقززة وغير مأمونة، ومن مصلحة جميع دول المنطقة الدفع به لصالح الأمن والاستقرار والتنمية.

::/fulltext::
::cck::2935::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *