المواطنة والواقع العراقي

::cck::2888::/cck::
::introtext::

من المؤكد أن هناك تعريفات مختلفة للمواطنة منها ما هو بسيط ومباشر ومنها ما هو مركب يحتاج إلى تفسير، فمن حيث اللغة (المواطنة) هي صفة بصيغة دالة على المطاوعة والمشاركة وهي مشتقة مباشرة من اسم الفاعل (مواطن) المشتق بدوره من الفعل (وطن) أي قطن وأمن في مكان على بقعة من الأرض أو البيت أو القرية أو المدينة، حيث كل منها وطن (وربما عدّ المال وطناً في الغربة). 

::/introtext::
::fulltext::

من المؤكد أن هناك تعريفات مختلفة للمواطنة منها ما هو بسيط ومباشر ومنها ما هو مركب يحتاج إلى تفسير، فمن حيث اللغة (المواطنة) هي صفة بصيغة دالة على المطاوعة والمشاركة وهي مشتقة مباشرة من اسم الفاعل (مواطن) المشتق بدوره من الفعل (وطن) أي قطن وأمن في مكان على بقعة من الأرض أو البيت أو القرية أو المدينة، حيث كل منها وطن (وربما عدّ المال وطناً في الغربة).
في المفهوم المعاصر المواطنة هي القواسم المشتركة بين شعب أو أمة تقطن رقعة جغرافية لها حدود سياسية تسمى دولة أو بلاداً وهي لا تخرج عن كونها (انتماء ينشأ من علاقة الفرد بالدولة في ضوء القانون الذي تحدده الدولة في ما يخص الحقوق والواجبات) وهي مظاهرها الأساسية، فمن حق العيش وحرية الدين والمعتقد إلى الاشتراك بالشؤون العامة إلى واجب الدفاع عن الوطن ودفع الضرائب احتاج تطبيق مبدأ المواطنة إلى عصور ومراحل عديدة تخللها العديد من التجاوزات والانضباط، إلا أن السعي الدؤوب للإنسان من أجـل الإنصاف والعدل والمساواة هو في الواقع فطرة إنسانية منذ القدم، أي منذ أول خلق حمل معه العدل الإلهي والمساواة، وليكون الجشع والقوة هما الأساس الذي اعتمده القوي في السيطرة علـى الضعيف وتحت أعذار وأسباب شتى هـي واهية في أساسها مما دفع الإنسان للمطالبة بحقوقه ليستمر الصراع عبر الزمن لغرض تحقيق هذا المبدأ الذي عنى عند تعريفه لدى البعض حق المشاركة بحرية للإفراد وبالتساوي في كل شيء من حقوق وواجبات، وحتى مجيء الإسلام كان تحقيق ذلك يحدث بصورة مجتزئة وغير معبرة عن واقع الحياة الطبيعي الذي خلقه الباري عز وجل، حيث عبّرت كل الأديان السماوية التي هي مصادر للقيم الروحية والأخلاقية التي تؤسس التسامح والإخوة والتعايش السلمي والعدل والمساواة الكاملة بين المواطنين عن حق المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، فما حمله الرسول صلى الله عليه وسلم هو في الواقع الطريق الذي يحقق مبدأ المساواة والعدل والإنصاف والمشاركة في كل ما خلقه الله والموارد العامة والحكم وغيرها من الأسباب التي تنازع حولها ومن أجلها الناس على مر الأعوام. لذلك ترى أن الدين الإسلامي الذي ختم به الله سبحانه وتعالى جميع الأديان موجه إلى الناس جميعاً وليس لقبيلة أو قوم أو حتى للمسلمين فقط، فالقرآن الكريم يخاطب البشر كلهم من دون استثناء، إذ هناك الكثير من الآيات تبدأ بنداء إلى الناس كافة (يا أيها الناس)، حيث ورد التعبير أكثر من (200) مرة في القرآن الكريم بهذا المعنى، كقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). فقد كانت السنوات التي تلت وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعادت للحياة البشرية الظلم الذي نجانا منه وخرج الجميع عن المسار الديمقراطي الذي رسمه الله سبحانه وتعالى للبشرية، وانتهت الديمقراطية الحقة للأبد، وبما أن الديمقراطية والمواطنة تربط بينهما علاقة قوية على أسس متينة لأن الديمقراطية في الواقع تكونت بعد مجموعة من التجارب المريرة، وكونها تعتمد على الاعتراف بحقوق الإنسان الطبيعية من حرية فكر وإرادة وحق الاختيار، مما يسهل عمل النصف الثاني أي المواطنة على أسس المشاركة واتخاذ وصنع القرار، وبهذه العلاقة الطردية الطبيعية تنهض الأمم أو الشعوب، وتحيا في ظل توافق تام على عكس الأمم أو الشعوب التي تحكمها علاقة السيد بالعبد، فمتى ما فقد المواطن حريته واختياراته وعاش دون إرادة في أي فعل وتحت سيطرة دكتاتور ظالم مسترسل في غيه كابت لحريته في التعبير والمشاركة الفاعلة التي تحتاجها الشعوب الديمقراطية التي تتمتع بحق المواطنة الفعالة في مجتمع كفء متساو، حيث المواطنة الديمقراطية هي الأساس في بناء مجتمع فعال ومنتج دون ركود وقيود تعبر عن قصر نظر في ركائز تكوين هذا المجتمع، الذي يجب أن يخطط له حسب ما يمتلك من مقومات بحيث تكون الرؤى والبرامج المتفهمة لبيئة المجتمع هي أساس العمل للنهوض والفاعلية الاجتماعية لأن المجتمع وكما هو معروف مجموعة من الأشخاص الذين تجمعهم بيئة واحدة ويعيشون في ظل مصالح مشتركة، وقيم ومفاهيم مشتركة إضافة لتقاليد موروثة حتى بالرغم من اختلافهم الديني أو المذهبي أو الرؤى الفكرية التي تحكم عقولهم، لذا فإن ارتباط هذا المجتمع بالمواطنة الديمقراطية وحجم الوعي بأهمية الحق والواجب ورفض أي انفراد في الرأي واستعباد الآخر سوف تؤسس كياناً ذا حرية منظمة ومقيدة بفهم إيجابي لتطبيق النظام الذي يؤسس بدوره فهم المشاركة والحرية والاختيار من دون أن يقود إلى مشروع استبدادي، لأن التطبيق الفاعل ناتج عن مجتمع ذي قدرة على الإدارة بحنكة تستمد من التفاعل الإنساني مع مكونات المجتمع والقدرة على صياغة نظام اجتماعي ديمقراطي قادر على استيعاب الجميع دون الإخلال بأي قيمة لأي فرد، حيث بإمكان الكل المشاركة في صياغة مفهوم واحد واضح المعالم والملامح وحيادي ويكون في المركز وليس ذا سلطة مركزية، بل هو على بعد ثابت ومتساو من الكل، أي أن الرابط بين حركة الفرد وحركة المجتمع يجب أن يكون محدداً وواضحاً، حيث دولة القانون والحقوق والواجبات والمعايير الأخلاقية، بمعنى المواطنة الديمقراطية الأخلاقية، لأن المواطنة ركيزة الديمقراطية فلا يوجد مجتمع ديمقراطي لا يعتمد في بنائه على المواطنين كافة، فالدول الديمقراطية المتحضرة أنشأت القواعد والمبادئ الكفيلة باحترام الحق في المواطنة، إذ يشعر المواطن فيها بالأمن والأمان، وفي الوقت نفسه يلتزم بأداء واجباته تجاه الدولة.
إن العمل على دعم شعور المواطن بالانتماء إلى الوطن لن يتحقق إلا بتوفير العدالة بين المواطنين لضمان حماية حقوقه، لذلك تقوم الدولة ببناء جسور الثقة بين المواطنين وبينها عن طريق تطبيق المساواة مع الآخرين والعدالة ومبدأ تكافؤ الفرص لكل أبناء الشعب بغض النظر عن الدين والعرق والجنس واللغة. وأعتقد أن أهم الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذا الواقع المفترض هو مكافحة الجهل والأمية، ولا أقصد هنا القراءة والكتابة فحسب بل الأمية والجهل بالحقوق والواجبات والمصلحة العامة ونكران الذات والتوقف عن محاولة السيطرة والاستحواذ وغيرها من الأمور التي تسلب من بعض أو كل أفراد المجتمع جزءاً من حريتهم أو اختيارهم أو إرادتهم، كل هذه الأمور تساهم في فرض الاستبداد، لذا كان التنوير ومحاربة هذا النوع من الأمية والجهل عاملين أساسيين في الصراع بين حق المواطنة والديمقراطية من جهة وبين الاستبداد والدكتاتورية من جهة ثانية. والاستبداد هنا لا يكون اجتماعياً فقط، بل هو ديني بصورة أكبر، ويكون أخطر لأنه يلامس القلوب قبل العقول، وهو ذو فعل ساحر لأن البعض لديه القدرة على الاستفادة من جهل العامة في تفسير الآيات لصالحه، ويضع الحق بين قدميه ليقود الأمة وهو أمر مر في التاريخ كثيراً سواء على المستوى العام أو الخاص، والسبب الآخر كما أراه هو السكوت عن الحق فإن توفر المناخ الديمقراطي يساعد المواطن على المطالبة بحقوقه ومسارعته بأداء واجبه، لكن حين يكون الاستبداد مع الجهل هما القاعدة، ويكون الفهم ومعرفة الحق الاستثناء يصبح هذا الفرد وحيداً، لذا يختار الصمت لشعوره بعجزه من دون أن يحاول أن يدافع ليس عن حق الغير فقط، بل حقه أولاً لأن هذا من صلب واجباته.
إن شعور الفرد بالانتساب والانتماء إلى الوطن لا يكفي لوصفه مواطناً صالحاً، فهناك صفات ينبغي أن يتحلى بها المواطن كي يحقق المواطنة الصالحة، وتعد هذه الصفات واجبات يقوم بها الفرد تجاه وطنه، فالمواطن الصالح هو الذي يحب وطنه وشعبه وتربطه علاقة وثيقة بهم لتحقيق الترابط الاجتماعي مع مساهمته في بناء وطنه وتقدمه والمحافظة على الثروات الوطنية لأنها ملك الجميع. ومن الأمثلة الحية والحديثة على ذلك هو الشعب العراقي الذي مرت عليه وتوالت الأيام العصيبة ليكون أفضل من نحاول تطبيق المواطنة الحقة عليه وبصورة خاصة من منطلق هل تمتع الإنسان العراقي بحقه في المواطنة والمشاركة وتحمل المسؤولية أم كان دائماً في موقع المظلوم والباحث عن حقه؟ فعلى الرغم من توفر تاريخ حضاري مجيد اقترن بتشريعات مهمة في حياة الفرد العراقي منذ عهد الممالك السومرية والآشورية والبابلية والرفاهية التي عاشتها تلك الحقب من حيث الاهتمام بالفرد كجزء أساسي في تكوين المجتمع وأنه العنصر القادر على أداء الواجبات الملقاة على عاتقه والتي كانت الحروب المستمرة وتوسيع المملكة أهمها إلا أن صورة الفرد ومدى تفاعله مع واقعه من حيث الرضا أو الرفض لم تصل إلينا بوضوح إلا من (رقم طينية) أوضحت أن هناك قوانين تم سنها لغرض الرقي والعيش الكريم ولكن هل توفر له ذلك بشكل دائم؟ علماً أن استمرار تعاقب صور وأساليب مختلفة من الحكومات والحكام وطرائق الحكم كون مخزوناً متراكماً في ذاكرة الإنسان العراقي جعله في أحيان كثيرة يؤمن بأن كونه لا يمتلك من الحقوق التي لدى الآخرين هو أمر حتمي وواقعي ومقدر بالنسبة له فكيف تم ذلك؟ ومن الذي أوصله إلى هذه المرحلة؟ ولنضرب مثلاً على ذلك، فعلى مر التاريخ نجد أن الفرد في وادي الرافدين كان مبدعاً وخلاقاً، ولكن توافد الاحتلال المستمر جعله يحاول أن يكون مبدعاً في التملص من ادعاء الواجب المكلف به حتى لو كان ضرورياً له لدرجة أصبح التهرب والكسل سمة ترافق الإنسان باستثناء بعض الحالات التي يستجمع فيها حسه وأمنياته وأحلامه لغرض تحقيق هدف معين، وهذا ما يجب أن يكون أمراً دائماً لا مؤقتاً، لكن العكس هو ما يجري فهل كان ذلك هو السبب الوحيد أم هناك أسباب أخرى ساهمت وتساهم في هذا الوضع الذي نجده في واقعنا الحالي؟ حيث نجد أن العامل والموظف والفلاح والمثقف لكلا الجنسين يحاول ألا يلتزم بالوقت الذي هو لدينا أمر ثانوي ولا يلتزم بالأداء الصحيح والصحي لإنجاز ما بيده، لأنه يعتقد أن ما يقدمه لن يجد له التقدير والإشادة، أي أنه يريد أو يبحث عن الثناء حتى قبل أن يحقق المطلوب منه في بعض الأحيان، فكيف نتوقع منه أن يحاول الإبداع واستباق الفعل الجيد التام إذا كان في داخله يحاول أن يبرر استمراره في أداء عمله؟ إن هذا الشعور بالتجاهل من الإنسان تجاه واجباته ومن الحكومة تجاه المواطن انعكس بصورة مؤثرة على التسيب وهو أمر مهم في انتشار واقع الفساد المالي والإداري الذي نعاني منه ليس حالياً فقط، بل هو واقع قديم قدم الوضع الاجتماعي، حيث أصبح أي موظف والذي هو في الواقع شخص مسؤول لأنه يؤدي واجباً يتعلق بالمجتمع يجد أن ما يفعله هو أكبر مما يحصل عليه في المقابل، لذا فإن على من يحتاج إليه أن يدفع كثيراً ليحصل على عمل منجز بصورة صحيحة، وأعتقد أنه أحد أسباب الرشوة البغيضة وهو الأمر الذي يجب أن نعالجه في واقع الأمر، لأن هذا المواطن إذا وجد أن أي عمل يقوم به هو أمانة مهمة أنجزها بصورة صحيحة وسريعة وشعور بالرضا الداخلي عن النفس، وأنه جزء من الكل، ويجد أن الآخرين يفعلون الشيء نفسه عندها يعلم أنه قد تساوى مع الجميع وأنه يمتلك من حق المواطنة – أي من الحقوق والواجبات – كما يمتلك الآخرون فإننا سنشاهد طفرة في الحياة العراقية فهي واقع يمكن تحقيقه وليس حلماً وردياً جميلاً مستحيلاً لأن الفهم الصحيح لكل تفصيل يمس حياة المواطن وماله وما عليه سيجعله يجد الطريق الواضح والصحيح في المشاركة لبناء عراقنا الجديد، فليست العقوبة وحدها هي السبيل لحل هذه المشكلة ولا ترك الحبل على الغارب وترك الموضوع لضمير المواطن، لأن المواطن نفسه بحاجة إلى مرشد وهو أمر تساعد عليه التنشئة البيئية الصحيحة والتوجيه الديني الراقي المستند إلى كتاب الله عز وجل والدعوة إلى المحبة ونبذ العنف في كل الخطابات الموجهة والدعوة إلى البناء والتعاضد، وأن الكلمة الطيبة صدقة فهي المساهمة الفعلية التي يجب أن نسعى لجعلها زادنا لمواجهة العنف والتطرف، لأن تمسك العراقي بمبدأ حب لأخيك ما تحب لنفسك سيجعل تحقيق المساواة والمواطنة الصحيحة أمراً ميسوراً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2888::/cck::
::introtext::

من المؤكد أن هناك تعريفات مختلفة للمواطنة منها ما هو بسيط ومباشر ومنها ما هو مركب يحتاج إلى تفسير، فمن حيث اللغة (المواطنة) هي صفة بصيغة دالة على المطاوعة والمشاركة وهي مشتقة مباشرة من اسم الفاعل (مواطن) المشتق بدوره من الفعل (وطن) أي قطن وأمن في مكان على بقعة من الأرض أو البيت أو القرية أو المدينة، حيث كل منها وطن (وربما عدّ المال وطناً في الغربة). 

::/introtext::
::fulltext::

من المؤكد أن هناك تعريفات مختلفة للمواطنة منها ما هو بسيط ومباشر ومنها ما هو مركب يحتاج إلى تفسير، فمن حيث اللغة (المواطنة) هي صفة بصيغة دالة على المطاوعة والمشاركة وهي مشتقة مباشرة من اسم الفاعل (مواطن) المشتق بدوره من الفعل (وطن) أي قطن وأمن في مكان على بقعة من الأرض أو البيت أو القرية أو المدينة، حيث كل منها وطن (وربما عدّ المال وطناً في الغربة).
في المفهوم المعاصر المواطنة هي القواسم المشتركة بين شعب أو أمة تقطن رقعة جغرافية لها حدود سياسية تسمى دولة أو بلاداً وهي لا تخرج عن كونها (انتماء ينشأ من علاقة الفرد بالدولة في ضوء القانون الذي تحدده الدولة في ما يخص الحقوق والواجبات) وهي مظاهرها الأساسية، فمن حق العيش وحرية الدين والمعتقد إلى الاشتراك بالشؤون العامة إلى واجب الدفاع عن الوطن ودفع الضرائب احتاج تطبيق مبدأ المواطنة إلى عصور ومراحل عديدة تخللها العديد من التجاوزات والانضباط، إلا أن السعي الدؤوب للإنسان من أجـل الإنصاف والعدل والمساواة هو في الواقع فطرة إنسانية منذ القدم، أي منذ أول خلق حمل معه العدل الإلهي والمساواة، وليكون الجشع والقوة هما الأساس الذي اعتمده القوي في السيطرة علـى الضعيف وتحت أعذار وأسباب شتى هـي واهية في أساسها مما دفع الإنسان للمطالبة بحقوقه ليستمر الصراع عبر الزمن لغرض تحقيق هذا المبدأ الذي عنى عند تعريفه لدى البعض حق المشاركة بحرية للإفراد وبالتساوي في كل شيء من حقوق وواجبات، وحتى مجيء الإسلام كان تحقيق ذلك يحدث بصورة مجتزئة وغير معبرة عن واقع الحياة الطبيعي الذي خلقه الباري عز وجل، حيث عبّرت كل الأديان السماوية التي هي مصادر للقيم الروحية والأخلاقية التي تؤسس التسامح والإخوة والتعايش السلمي والعدل والمساواة الكاملة بين المواطنين عن حق المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، فما حمله الرسول صلى الله عليه وسلم هو في الواقع الطريق الذي يحقق مبدأ المساواة والعدل والإنصاف والمشاركة في كل ما خلقه الله والموارد العامة والحكم وغيرها من الأسباب التي تنازع حولها ومن أجلها الناس على مر الأعوام. لذلك ترى أن الدين الإسلامي الذي ختم به الله سبحانه وتعالى جميع الأديان موجه إلى الناس جميعاً وليس لقبيلة أو قوم أو حتى للمسلمين فقط، فالقرآن الكريم يخاطب البشر كلهم من دون استثناء، إذ هناك الكثير من الآيات تبدأ بنداء إلى الناس كافة (يا أيها الناس)، حيث ورد التعبير أكثر من (200) مرة في القرآن الكريم بهذا المعنى، كقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). فقد كانت السنوات التي تلت وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعادت للحياة البشرية الظلم الذي نجانا منه وخرج الجميع عن المسار الديمقراطي الذي رسمه الله سبحانه وتعالى للبشرية، وانتهت الديمقراطية الحقة للأبد، وبما أن الديمقراطية والمواطنة تربط بينهما علاقة قوية على أسس متينة لأن الديمقراطية في الواقع تكونت بعد مجموعة من التجارب المريرة، وكونها تعتمد على الاعتراف بحقوق الإنسان الطبيعية من حرية فكر وإرادة وحق الاختيار، مما يسهل عمل النصف الثاني أي المواطنة على أسس المشاركة واتخاذ وصنع القرار، وبهذه العلاقة الطردية الطبيعية تنهض الأمم أو الشعوب، وتحيا في ظل توافق تام على عكس الأمم أو الشعوب التي تحكمها علاقة السيد بالعبد، فمتى ما فقد المواطن حريته واختياراته وعاش دون إرادة في أي فعل وتحت سيطرة دكتاتور ظالم مسترسل في غيه كابت لحريته في التعبير والمشاركة الفاعلة التي تحتاجها الشعوب الديمقراطية التي تتمتع بحق المواطنة الفعالة في مجتمع كفء متساو، حيث المواطنة الديمقراطية هي الأساس في بناء مجتمع فعال ومنتج دون ركود وقيود تعبر عن قصر نظر في ركائز تكوين هذا المجتمع، الذي يجب أن يخطط له حسب ما يمتلك من مقومات بحيث تكون الرؤى والبرامج المتفهمة لبيئة المجتمع هي أساس العمل للنهوض والفاعلية الاجتماعية لأن المجتمع وكما هو معروف مجموعة من الأشخاص الذين تجمعهم بيئة واحدة ويعيشون في ظل مصالح مشتركة، وقيم ومفاهيم مشتركة إضافة لتقاليد موروثة حتى بالرغم من اختلافهم الديني أو المذهبي أو الرؤى الفكرية التي تحكم عقولهم، لذا فإن ارتباط هذا المجتمع بالمواطنة الديمقراطية وحجم الوعي بأهمية الحق والواجب ورفض أي انفراد في الرأي واستعباد الآخر سوف تؤسس كياناً ذا حرية منظمة ومقيدة بفهم إيجابي لتطبيق النظام الذي يؤسس بدوره فهم المشاركة والحرية والاختيار من دون أن يقود إلى مشروع استبدادي، لأن التطبيق الفاعل ناتج عن مجتمع ذي قدرة على الإدارة بحنكة تستمد من التفاعل الإنساني مع مكونات المجتمع والقدرة على صياغة نظام اجتماعي ديمقراطي قادر على استيعاب الجميع دون الإخلال بأي قيمة لأي فرد، حيث بإمكان الكل المشاركة في صياغة مفهوم واحد واضح المعالم والملامح وحيادي ويكون في المركز وليس ذا سلطة مركزية، بل هو على بعد ثابت ومتساو من الكل، أي أن الرابط بين حركة الفرد وحركة المجتمع يجب أن يكون محدداً وواضحاً، حيث دولة القانون والحقوق والواجبات والمعايير الأخلاقية، بمعنى المواطنة الديمقراطية الأخلاقية، لأن المواطنة ركيزة الديمقراطية فلا يوجد مجتمع ديمقراطي لا يعتمد في بنائه على المواطنين كافة، فالدول الديمقراطية المتحضرة أنشأت القواعد والمبادئ الكفيلة باحترام الحق في المواطنة، إذ يشعر المواطن فيها بالأمن والأمان، وفي الوقت نفسه يلتزم بأداء واجباته تجاه الدولة.
إن العمل على دعم شعور المواطن بالانتماء إلى الوطن لن يتحقق إلا بتوفير العدالة بين المواطنين لضمان حماية حقوقه، لذلك تقوم الدولة ببناء جسور الثقة بين المواطنين وبينها عن طريق تطبيق المساواة مع الآخرين والعدالة ومبدأ تكافؤ الفرص لكل أبناء الشعب بغض النظر عن الدين والعرق والجنس واللغة. وأعتقد أن أهم الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذا الواقع المفترض هو مكافحة الجهل والأمية، ولا أقصد هنا القراءة والكتابة فحسب بل الأمية والجهل بالحقوق والواجبات والمصلحة العامة ونكران الذات والتوقف عن محاولة السيطرة والاستحواذ وغيرها من الأمور التي تسلب من بعض أو كل أفراد المجتمع جزءاً من حريتهم أو اختيارهم أو إرادتهم، كل هذه الأمور تساهم في فرض الاستبداد، لذا كان التنوير ومحاربة هذا النوع من الأمية والجهل عاملين أساسيين في الصراع بين حق المواطنة والديمقراطية من جهة وبين الاستبداد والدكتاتورية من جهة ثانية. والاستبداد هنا لا يكون اجتماعياً فقط، بل هو ديني بصورة أكبر، ويكون أخطر لأنه يلامس القلوب قبل العقول، وهو ذو فعل ساحر لأن البعض لديه القدرة على الاستفادة من جهل العامة في تفسير الآيات لصالحه، ويضع الحق بين قدميه ليقود الأمة وهو أمر مر في التاريخ كثيراً سواء على المستوى العام أو الخاص، والسبب الآخر كما أراه هو السكوت عن الحق فإن توفر المناخ الديمقراطي يساعد المواطن على المطالبة بحقوقه ومسارعته بأداء واجبه، لكن حين يكون الاستبداد مع الجهل هما القاعدة، ويكون الفهم ومعرفة الحق الاستثناء يصبح هذا الفرد وحيداً، لذا يختار الصمت لشعوره بعجزه من دون أن يحاول أن يدافع ليس عن حق الغير فقط، بل حقه أولاً لأن هذا من صلب واجباته.
إن شعور الفرد بالانتساب والانتماء إلى الوطن لا يكفي لوصفه مواطناً صالحاً، فهناك صفات ينبغي أن يتحلى بها المواطن كي يحقق المواطنة الصالحة، وتعد هذه الصفات واجبات يقوم بها الفرد تجاه وطنه، فالمواطن الصالح هو الذي يحب وطنه وشعبه وتربطه علاقة وثيقة بهم لتحقيق الترابط الاجتماعي مع مساهمته في بناء وطنه وتقدمه والمحافظة على الثروات الوطنية لأنها ملك الجميع. ومن الأمثلة الحية والحديثة على ذلك هو الشعب العراقي الذي مرت عليه وتوالت الأيام العصيبة ليكون أفضل من نحاول تطبيق المواطنة الحقة عليه وبصورة خاصة من منطلق هل تمتع الإنسان العراقي بحقه في المواطنة والمشاركة وتحمل المسؤولية أم كان دائماً في موقع المظلوم والباحث عن حقه؟ فعلى الرغم من توفر تاريخ حضاري مجيد اقترن بتشريعات مهمة في حياة الفرد العراقي منذ عهد الممالك السومرية والآشورية والبابلية والرفاهية التي عاشتها تلك الحقب من حيث الاهتمام بالفرد كجزء أساسي في تكوين المجتمع وأنه العنصر القادر على أداء الواجبات الملقاة على عاتقه والتي كانت الحروب المستمرة وتوسيع المملكة أهمها إلا أن صورة الفرد ومدى تفاعله مع واقعه من حيث الرضا أو الرفض لم تصل إلينا بوضوح إلا من (رقم طينية) أوضحت أن هناك قوانين تم سنها لغرض الرقي والعيش الكريم ولكن هل توفر له ذلك بشكل دائم؟ علماً أن استمرار تعاقب صور وأساليب مختلفة من الحكومات والحكام وطرائق الحكم كون مخزوناً متراكماً في ذاكرة الإنسان العراقي جعله في أحيان كثيرة يؤمن بأن كونه لا يمتلك من الحقوق التي لدى الآخرين هو أمر حتمي وواقعي ومقدر بالنسبة له فكيف تم ذلك؟ ومن الذي أوصله إلى هذه المرحلة؟ ولنضرب مثلاً على ذلك، فعلى مر التاريخ نجد أن الفرد في وادي الرافدين كان مبدعاً وخلاقاً، ولكن توافد الاحتلال المستمر جعله يحاول أن يكون مبدعاً في التملص من ادعاء الواجب المكلف به حتى لو كان ضرورياً له لدرجة أصبح التهرب والكسل سمة ترافق الإنسان باستثناء بعض الحالات التي يستجمع فيها حسه وأمنياته وأحلامه لغرض تحقيق هدف معين، وهذا ما يجب أن يكون أمراً دائماً لا مؤقتاً، لكن العكس هو ما يجري فهل كان ذلك هو السبب الوحيد أم هناك أسباب أخرى ساهمت وتساهم في هذا الوضع الذي نجده في واقعنا الحالي؟ حيث نجد أن العامل والموظف والفلاح والمثقف لكلا الجنسين يحاول ألا يلتزم بالوقت الذي هو لدينا أمر ثانوي ولا يلتزم بالأداء الصحيح والصحي لإنجاز ما بيده، لأنه يعتقد أن ما يقدمه لن يجد له التقدير والإشادة، أي أنه يريد أو يبحث عن الثناء حتى قبل أن يحقق المطلوب منه في بعض الأحيان، فكيف نتوقع منه أن يحاول الإبداع واستباق الفعل الجيد التام إذا كان في داخله يحاول أن يبرر استمراره في أداء عمله؟ إن هذا الشعور بالتجاهل من الإنسان تجاه واجباته ومن الحكومة تجاه المواطن انعكس بصورة مؤثرة على التسيب وهو أمر مهم في انتشار واقع الفساد المالي والإداري الذي نعاني منه ليس حالياً فقط، بل هو واقع قديم قدم الوضع الاجتماعي، حيث أصبح أي موظف والذي هو في الواقع شخص مسؤول لأنه يؤدي واجباً يتعلق بالمجتمع يجد أن ما يفعله هو أكبر مما يحصل عليه في المقابل، لذا فإن على من يحتاج إليه أن يدفع كثيراً ليحصل على عمل منجز بصورة صحيحة، وأعتقد أنه أحد أسباب الرشوة البغيضة وهو الأمر الذي يجب أن نعالجه في واقع الأمر، لأن هذا المواطن إذا وجد أن أي عمل يقوم به هو أمانة مهمة أنجزها بصورة صحيحة وسريعة وشعور بالرضا الداخلي عن النفس، وأنه جزء من الكل، ويجد أن الآخرين يفعلون الشيء نفسه عندها يعلم أنه قد تساوى مع الجميع وأنه يمتلك من حق المواطنة – أي من الحقوق والواجبات – كما يمتلك الآخرون فإننا سنشاهد طفرة في الحياة العراقية فهي واقع يمكن تحقيقه وليس حلماً وردياً جميلاً مستحيلاً لأن الفهم الصحيح لكل تفصيل يمس حياة المواطن وماله وما عليه سيجعله يجد الطريق الواضح والصحيح في المشاركة لبناء عراقنا الجديد، فليست العقوبة وحدها هي السبيل لحل هذه المشكلة ولا ترك الحبل على الغارب وترك الموضوع لضمير المواطن، لأن المواطن نفسه بحاجة إلى مرشد وهو أمر تساعد عليه التنشئة البيئية الصحيحة والتوجيه الديني الراقي المستند إلى كتاب الله عز وجل والدعوة إلى المحبة ونبذ العنف في كل الخطابات الموجهة والدعوة إلى البناء والتعاضد، وأن الكلمة الطيبة صدقة فهي المساهمة الفعلية التي يجب أن نسعى لجعلها زادنا لمواجهة العنف والتطرف، لأن تمسك العراقي بمبدأ حب لأخيك ما تحب لنفسك سيجعل تحقيق المساواة والمواطنة الصحيحة أمراً ميسوراً.

::/fulltext::
::cck::2888::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *