تقاطع أثير الفضائيات العراقية

::cck::2897::/cck::
::introtext::

بعد طوفان مارس 2003 الذي تمخض عن ولادة النظام الجديد دخل العراقيون مرحلة الاندماج الشامل والعشوائي مع المجتمع الدولي من خلال تكريس قيم الاتصال بالآخر عبر الأثير، حيث أنشئت العديد من الفضائيات العراقية التي بلغ عددها حتى الآن أكثر من 30 فضائية أغلبها تبث على قمري (النايل سات) و(الهوت بيرد). لتشكل حزمة جديدة من الإعلام الفضائي الذي يحاكي متطلبات ما بعد عوالم ما بعد التاسع من إبريل 2003.

::/introtext::
::fulltext::

بعد طوفان مارس 2003 الذي تمخض عن ولادة النظام الجديد دخل العراقيون مرحلة الاندماج الشامل والعشوائي مع المجتمع الدولي من خلال تكريس قيم الاتصال بالآخر عبر الأثير، حيث أنشئت العديد من الفضائيات العراقية التي بلغ عددها حتى الآن أكثر من 30 فضائية أغلبها تبث على قمري (النايل سات) و(الهوت بيرد). لتشكل حزمة جديدة من الإعلام الفضائي الذي يحاكي متطلبات ما بعد عوالم ما بعد التاسع من إبريل 2003.
في قراءة متأنية لطبيعة وماهية وخطاب تلك الفضائيات وسبل تمويلها، يتلمس المراقب حقائق جوهريه عنها تتمثل بالاختلاف الحاد في مناحي توجهاتها ومشارب أفكارها والقيم التي تشكل مضامينها، هذه الفضائيات التي وضعت بعجالة على خطوط الأثير الدولية لم تكن مهيأة مسبقاً إلى الانطلاق نحو خطاب إعلامي عراقي يحاكي العالم أو يطرح قضايا العراق بطريقة مسؤولة أو في إطار الشكل الجديد للإعلام المرئي الفضائي الدولي، إلا في حدود ضيقة لبعض الفضائيات التي يديرها ويملكها متخصصون، حيث تتلخص دافعية انتشار تلك القنوات في توجهها سياسياً أو دينياً أو معتقداً معيناً، ولا توجد قوانين ضابطة لها ولا مواصفات مسبقة للقيمّين عليها، فهي استفادت من حرية وجدوى الفضاء المفتوح أمامها لتلقي بأخبارها وتقاريرها وبرامجها للمتلقين.
لقد خرجت تلك الفضائيات إلى الوجود تحت دافعية إيصال الخطاب السياسي للأحزاب والكيانات السياسية والتجارية التي أنشأتها، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الاحتلال شجع قبل ذلك إنشاء بعض القنوات الموالية لوجوده والمروجة لأفكاره والتبشير بثالوث مجتمع ( ديمقراطي، تعددي، فيدرالي) وفي حقيقته محاوله لقبول مجتمعي يقع تحت يافطة الدولة العراقية الجديدة التي تناقض الدولة العراقية التي أنشئت منذ عام 1921 حتى 9 إبريل 2003، وقد يعتقد البعض أن في ذلك مبالغة، لكن الذين يجلسون على سدة العراق الجديد لا يتوانون في الحديث عن هذا الموضوع بل عملوا على الاتفاق عليه منذ مؤتمرات لندن وصلاح الدين في المعارضة العراقية التي تحكم اليوم، وتدير دفة الأمور في البلاد، وتقاتل النظام القديم الذي اخرج من جنة الحكم 2003. وفي بعد آخر فإن إنشاء الكثير من تلك الفضائيات جاء تحت تأثير رغبة التبشير بعهد جديد لدى البعض ومحاولة سريعة للدخول في نادي الفضاء المفتوح.
وإذا أردنا أن نصف أثير الفضائيات العراقية الحالية فإنها تتوزع على النحو التالي:
1- الفضائيات الرسمية، أي التابعة إلى الحكومة المركزية متمثلة في قناة العراقية التي درب كادرها من قبل شركة أمريكية متخصصة نالت العقد بشراكة مع قناة (LBC) اللبنانية، حيث أدخل كادر هذه المحطة في دورات في بغداد ولبنان ودبي وأمريكا ولندن وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، وأنفق عليها مبالغ ضخمة تتجاوز 200 مليون دولار لتقف على أنقاض القناة العراقية الرسمية السابقة- مؤسسة الإذاعة والتلفزيون – في الصالحية التي تعد أول تلفزيون عربي أنشئ في المنطقة العربية عام 1957، وهذه القناة أي (العراقية) تتأرجح بين خطاب الحكومة العام وخطاب الأحزاب التي تتكون منها الحكومة ولديها محاولات لفتح قنوات متخصصة وبلغات عدة وهي القناة الأكثر مشاهدة أو التي تقف بين قنوات الصف الأول في العراق مدعومة كلياً من الحكومة بميزانية تصل إلى ما يقرب من مائة مليون دولار سنوياً.
2- فضائيات الأحزاب والكيانات السياسية التي تتوزع على مناطق بغداد، المنطقة الوسطى، إقليم كردستان وفضائيات الجنوب وهي تمثل النوع الأكبر بين الفضائيات ويبلغ عددها (20) قناة، وهذه الفضائيات تمثل لسان حال القوى السياسية الممول لها والتي تعبر عن خطابها الأيديولوجي والإثني والمتمثلة في الفضائيات ( بغداد، الفيحاء، الزوراء، صلاح الدين، بلادي، عشتار، الرافدين، آشور، آفاق، المسار، كوردستان، كردستان، الوطن، تركمان، السلام، الفرات، الكوفة، بابل وخاك).
3- الفضائيات المستقلة وهي في الغالب تتلقى دعماً خارجياً عربياً ودولياً ولها الحضوة في كسب الجمهور في الداخل من خلال تشغيل كفاءات عراقية كانت قد تدربت في الحقبة السابقة ولها تاريخ في العمل التلفزيوني والإعلامي العراقي ممتزجة مع خبرات عراقية وفدت من الخارج، وتتلخص دوافع إنشائها بأنها مشاريع تجارية ربحية، لكنها بالتأكيد لها أهداف وتوجهات فكرية تحاكي ثقافة مالكيها تتمثل في (الشرقية، البغدادية، السومرية، الديار )4- فضائيات التسلية التي تهتم بالموسيقا والغناء والتي تحاكي الفضائيات العربية النظيرة وهي في الغالب توزع مساحة بثها على الفنون الغنائية والرقص والموسيقا لاجتذاب جمهور يرسل المسجات عبر (سبتايتل) وهي بمثابة حصالة دراهم من أجل الربح السريع.
5- الفضائيات الثقافية وهي رغم قلتها يحاول القيمون عليها أن يقدموا ثقافة المجتمع العراقي إلى العالم والمجتمع الدولي بطريقة رصينة تعتمد الإرث العراقي كما تفعل (الحرية).
6- الفضائيات الدينية وهي ناطقة باسم الطوائف المختلفة في العراق وهي إسلامية ومسيحية وأديان أخرى وجدت في حرية الفضاء المفتوح متنفساً لها لإيصال خطابها الديني إلى الجمهور المستهدف.
إن الطفرة التي أوجدت تلك القنوات مرتبطة من دون أدنى شك بمتغير عدم وجود قوانين محددة للعمل الإعلامي وإلغاء وزارة الإعلام العراقية، التي كانت تمارس دور تنظيم العملية الإعلامية والإشراف والرقابة الصارمة على الأجهزة الإعلامية حتى الرسمية والتي ألغت كلياً فكرة وجود قنوات خاصة أو إعلام حر، لكن على ما يبدو أن هذا الأمر لن يستمر حتى بعد الفوضى الإعلامية والفضاء الحر، حيث طالب البرلمان الحالي ورئاسة الوزراء بتقنين حرية الإعلام وفرض عقوبات رادعة تصل إلى حد إغلاق بعض القنوات العاملة في العراق التي تتعارض مع الحكومات المتعاقبة مثل حكومة إياد علاوي التي أغلقت مكتب قناة الجزيرة ومنعتها كلياً من العمل في العراق وحكومة المالكي الحالية التي أغلقت مكتب قناة العربية تحت دوافع سياسية بحتة ومن ثم تصل الأمور إلى القنوات العراقية كإغلاق قناتي الشرقية والزوراء وتضييق خناق الحرية الإعلامية التي حصلت عليها في السابق حتى إنها باتت تمثل ظاهرة قنوات جديدة بحجر قديم، أي بمعنى أنها اعتمدت على الكادر العراقي الذي عمل في الفترة السابقة.
أما قنوات الأحزاب فهي برغم أهميتها تشهر العداء لخصومها السياسيين، وتصعّد من نبرتها الطائفية التي تتماهى مع ما يحدث من صراع بين الكيانات السياسية المتصارعة حتى الاقتتال وتشن حرباً يومية على منافساتها مع التدني في كثير من الأحيان في خطابها إلى مستوى الشتائم والتشهير دونما احترام للحرية الممنوحة إليها من قبل الدولة.
ويبدو أن هذه الفورة الفضائية لن تستمر بعد تأسيس قوانين الأحزاب وقوانين تنظيم العمل الإعلامي في العراق مما يؤشر إلى حاجة باتت ملحة إلى مثل تلك المحددات لكي يتحقق نمط من المسؤولية الاجتماعية والفكرية والسياسية لتك القنوات في خطابها إلى الجمهور وكذا الحال بالنسبة للصحافة المكتوبة، غير أن الكثير من تلك الفضائيات باتت تفكر في الخروج من الرقعة الجغرافية العراقية إلى الفضاء الدولي الأرحب لتستقر في عواصم عربية وأوروبية لتوصل خطابها من دون رقيب محلي، وتستفيد من حرية الإعلام الدولي التي وفرتها مدن الإعلام الحرة في العالم والتقنية الجديدة؛ فقد سجلت مدينة دبي للإعلام عشرات الطلبات لممولين عراقيين لفتح قنوات فضائية، أما قضية التمويل فهي متشابكة بين دعم مالي حكومي داخلي وخارجي ودعم تجاري (تبييض أموال) ودعم مالي سياسي ودعم مالي طائفي من دول الإقليم، وهذا الدعم يشكل أكبر تحد لمصداقية تلك القنوات والقيمين عليها ومالكيها وإداراتها إذا ما شرع قانون تنظيم حرية الإعلام في العراق الذي من المحتمل أن يحيل مالكي تلك القنوات إلى لجان النزاهة في البرلمان الجديد الذي يعمل على محاسبة الأجهزة الحكومية، وهناك حديث عن ضرورة توسيع مهمة هذا الجهاز الرقابي لتشمل الفعاليات الأخرى في المجتمع.

وفي متغير مضامين تلك الفضائيات فإنها تمثل حالة فريدة في عالمنا العربي تصل إلى حد التناقض التام فيما تبثه بينها وبين نظيراتها المنافسة لها، لكنها بشكل أو آخر تنجر للصراع السياسي الملتهب في العراق لتجد نفسها أخيراً داخلة في خصومات سياسية عديدة، فالأفراد الذين يعملون في تلك الفضائيات ينتمون إلى طوائف وإثنيات ويحملون أفكاراً ومثلاً وقيماً متباينة لابد أن تنعكس على محتوى تلك الفضائيات لتشكل ارتدادات أو موجات متداخلة أو متصادمة مع غيرها من الفضائيات مما يجعل عمل كادر تلك الفضائيات في حالة قلق وتوجس دائم من وجود خصوم قد يطلقون النار عليهم داخل المؤسسة أو خارجها، فمقتل أكثر من 150 صحفياً وإعلامياً وعاملاً في تلك الفضائيات والتصفية الشاملة لكادر قناة (الشعبية) أثناء بثها التجريبي يعطيان مؤشراً خطيراً لفداحة الخسائر والفوضى التي يعكسها وجود تلك الفضائيات.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2897::/cck::
::introtext::

بعد طوفان مارس 2003 الذي تمخض عن ولادة النظام الجديد دخل العراقيون مرحلة الاندماج الشامل والعشوائي مع المجتمع الدولي من خلال تكريس قيم الاتصال بالآخر عبر الأثير، حيث أنشئت العديد من الفضائيات العراقية التي بلغ عددها حتى الآن أكثر من 30 فضائية أغلبها تبث على قمري (النايل سات) و(الهوت بيرد). لتشكل حزمة جديدة من الإعلام الفضائي الذي يحاكي متطلبات ما بعد عوالم ما بعد التاسع من إبريل 2003.

::/introtext::
::fulltext::

بعد طوفان مارس 2003 الذي تمخض عن ولادة النظام الجديد دخل العراقيون مرحلة الاندماج الشامل والعشوائي مع المجتمع الدولي من خلال تكريس قيم الاتصال بالآخر عبر الأثير، حيث أنشئت العديد من الفضائيات العراقية التي بلغ عددها حتى الآن أكثر من 30 فضائية أغلبها تبث على قمري (النايل سات) و(الهوت بيرد). لتشكل حزمة جديدة من الإعلام الفضائي الذي يحاكي متطلبات ما بعد عوالم ما بعد التاسع من إبريل 2003.
في قراءة متأنية لطبيعة وماهية وخطاب تلك الفضائيات وسبل تمويلها، يتلمس المراقب حقائق جوهريه عنها تتمثل بالاختلاف الحاد في مناحي توجهاتها ومشارب أفكارها والقيم التي تشكل مضامينها، هذه الفضائيات التي وضعت بعجالة على خطوط الأثير الدولية لم تكن مهيأة مسبقاً إلى الانطلاق نحو خطاب إعلامي عراقي يحاكي العالم أو يطرح قضايا العراق بطريقة مسؤولة أو في إطار الشكل الجديد للإعلام المرئي الفضائي الدولي، إلا في حدود ضيقة لبعض الفضائيات التي يديرها ويملكها متخصصون، حيث تتلخص دافعية انتشار تلك القنوات في توجهها سياسياً أو دينياً أو معتقداً معيناً، ولا توجد قوانين ضابطة لها ولا مواصفات مسبقة للقيمّين عليها، فهي استفادت من حرية وجدوى الفضاء المفتوح أمامها لتلقي بأخبارها وتقاريرها وبرامجها للمتلقين.
لقد خرجت تلك الفضائيات إلى الوجود تحت دافعية إيصال الخطاب السياسي للأحزاب والكيانات السياسية والتجارية التي أنشأتها، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الاحتلال شجع قبل ذلك إنشاء بعض القنوات الموالية لوجوده والمروجة لأفكاره والتبشير بثالوث مجتمع ( ديمقراطي، تعددي، فيدرالي) وفي حقيقته محاوله لقبول مجتمعي يقع تحت يافطة الدولة العراقية الجديدة التي تناقض الدولة العراقية التي أنشئت منذ عام 1921 حتى 9 إبريل 2003، وقد يعتقد البعض أن في ذلك مبالغة، لكن الذين يجلسون على سدة العراق الجديد لا يتوانون في الحديث عن هذا الموضوع بل عملوا على الاتفاق عليه منذ مؤتمرات لندن وصلاح الدين في المعارضة العراقية التي تحكم اليوم، وتدير دفة الأمور في البلاد، وتقاتل النظام القديم الذي اخرج من جنة الحكم 2003. وفي بعد آخر فإن إنشاء الكثير من تلك الفضائيات جاء تحت تأثير رغبة التبشير بعهد جديد لدى البعض ومحاولة سريعة للدخول في نادي الفضاء المفتوح.
وإذا أردنا أن نصف أثير الفضائيات العراقية الحالية فإنها تتوزع على النحو التالي:
1- الفضائيات الرسمية، أي التابعة إلى الحكومة المركزية متمثلة في قناة العراقية التي درب كادرها من قبل شركة أمريكية متخصصة نالت العقد بشراكة مع قناة (LBC) اللبنانية، حيث أدخل كادر هذه المحطة في دورات في بغداد ولبنان ودبي وأمريكا ولندن وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، وأنفق عليها مبالغ ضخمة تتجاوز 200 مليون دولار لتقف على أنقاض القناة العراقية الرسمية السابقة- مؤسسة الإذاعة والتلفزيون – في الصالحية التي تعد أول تلفزيون عربي أنشئ في المنطقة العربية عام 1957، وهذه القناة أي (العراقية) تتأرجح بين خطاب الحكومة العام وخطاب الأحزاب التي تتكون منها الحكومة ولديها محاولات لفتح قنوات متخصصة وبلغات عدة وهي القناة الأكثر مشاهدة أو التي تقف بين قنوات الصف الأول في العراق مدعومة كلياً من الحكومة بميزانية تصل إلى ما يقرب من مائة مليون دولار سنوياً.
2- فضائيات الأحزاب والكيانات السياسية التي تتوزع على مناطق بغداد، المنطقة الوسطى، إقليم كردستان وفضائيات الجنوب وهي تمثل النوع الأكبر بين الفضائيات ويبلغ عددها (20) قناة، وهذه الفضائيات تمثل لسان حال القوى السياسية الممول لها والتي تعبر عن خطابها الأيديولوجي والإثني والمتمثلة في الفضائيات ( بغداد، الفيحاء، الزوراء، صلاح الدين، بلادي، عشتار، الرافدين، آشور، آفاق، المسار، كوردستان، كردستان، الوطن، تركمان، السلام، الفرات، الكوفة، بابل وخاك).
3- الفضائيات المستقلة وهي في الغالب تتلقى دعماً خارجياً عربياً ودولياً ولها الحضوة في كسب الجمهور في الداخل من خلال تشغيل كفاءات عراقية كانت قد تدربت في الحقبة السابقة ولها تاريخ في العمل التلفزيوني والإعلامي العراقي ممتزجة مع خبرات عراقية وفدت من الخارج، وتتلخص دوافع إنشائها بأنها مشاريع تجارية ربحية، لكنها بالتأكيد لها أهداف وتوجهات فكرية تحاكي ثقافة مالكيها تتمثل في (الشرقية، البغدادية، السومرية، الديار )4- فضائيات التسلية التي تهتم بالموسيقا والغناء والتي تحاكي الفضائيات العربية النظيرة وهي في الغالب توزع مساحة بثها على الفنون الغنائية والرقص والموسيقا لاجتذاب جمهور يرسل المسجات عبر (سبتايتل) وهي بمثابة حصالة دراهم من أجل الربح السريع.
5- الفضائيات الثقافية وهي رغم قلتها يحاول القيمون عليها أن يقدموا ثقافة المجتمع العراقي إلى العالم والمجتمع الدولي بطريقة رصينة تعتمد الإرث العراقي كما تفعل (الحرية).
6- الفضائيات الدينية وهي ناطقة باسم الطوائف المختلفة في العراق وهي إسلامية ومسيحية وأديان أخرى وجدت في حرية الفضاء المفتوح متنفساً لها لإيصال خطابها الديني إلى الجمهور المستهدف.
إن الطفرة التي أوجدت تلك القنوات مرتبطة من دون أدنى شك بمتغير عدم وجود قوانين محددة للعمل الإعلامي وإلغاء وزارة الإعلام العراقية، التي كانت تمارس دور تنظيم العملية الإعلامية والإشراف والرقابة الصارمة على الأجهزة الإعلامية حتى الرسمية والتي ألغت كلياً فكرة وجود قنوات خاصة أو إعلام حر، لكن على ما يبدو أن هذا الأمر لن يستمر حتى بعد الفوضى الإعلامية والفضاء الحر، حيث طالب البرلمان الحالي ورئاسة الوزراء بتقنين حرية الإعلام وفرض عقوبات رادعة تصل إلى حد إغلاق بعض القنوات العاملة في العراق التي تتعارض مع الحكومات المتعاقبة مثل حكومة إياد علاوي التي أغلقت مكتب قناة الجزيرة ومنعتها كلياً من العمل في العراق وحكومة المالكي الحالية التي أغلقت مكتب قناة العربية تحت دوافع سياسية بحتة ومن ثم تصل الأمور إلى القنوات العراقية كإغلاق قناتي الشرقية والزوراء وتضييق خناق الحرية الإعلامية التي حصلت عليها في السابق حتى إنها باتت تمثل ظاهرة قنوات جديدة بحجر قديم، أي بمعنى أنها اعتمدت على الكادر العراقي الذي عمل في الفترة السابقة.
أما قنوات الأحزاب فهي برغم أهميتها تشهر العداء لخصومها السياسيين، وتصعّد من نبرتها الطائفية التي تتماهى مع ما يحدث من صراع بين الكيانات السياسية المتصارعة حتى الاقتتال وتشن حرباً يومية على منافساتها مع التدني في كثير من الأحيان في خطابها إلى مستوى الشتائم والتشهير دونما احترام للحرية الممنوحة إليها من قبل الدولة.
ويبدو أن هذه الفورة الفضائية لن تستمر بعد تأسيس قوانين الأحزاب وقوانين تنظيم العمل الإعلامي في العراق مما يؤشر إلى حاجة باتت ملحة إلى مثل تلك المحددات لكي يتحقق نمط من المسؤولية الاجتماعية والفكرية والسياسية لتك القنوات في خطابها إلى الجمهور وكذا الحال بالنسبة للصحافة المكتوبة، غير أن الكثير من تلك الفضائيات باتت تفكر في الخروج من الرقعة الجغرافية العراقية إلى الفضاء الدولي الأرحب لتستقر في عواصم عربية وأوروبية لتوصل خطابها من دون رقيب محلي، وتستفيد من حرية الإعلام الدولي التي وفرتها مدن الإعلام الحرة في العالم والتقنية الجديدة؛ فقد سجلت مدينة دبي للإعلام عشرات الطلبات لممولين عراقيين لفتح قنوات فضائية، أما قضية التمويل فهي متشابكة بين دعم مالي حكومي داخلي وخارجي ودعم تجاري (تبييض أموال) ودعم مالي سياسي ودعم مالي طائفي من دول الإقليم، وهذا الدعم يشكل أكبر تحد لمصداقية تلك القنوات والقيمين عليها ومالكيها وإداراتها إذا ما شرع قانون تنظيم حرية الإعلام في العراق الذي من المحتمل أن يحيل مالكي تلك القنوات إلى لجان النزاهة في البرلمان الجديد الذي يعمل على محاسبة الأجهزة الحكومية، وهناك حديث عن ضرورة توسيع مهمة هذا الجهاز الرقابي لتشمل الفعاليات الأخرى في المجتمع.

وفي متغير مضامين تلك الفضائيات فإنها تمثل حالة فريدة في عالمنا العربي تصل إلى حد التناقض التام فيما تبثه بينها وبين نظيراتها المنافسة لها، لكنها بشكل أو آخر تنجر للصراع السياسي الملتهب في العراق لتجد نفسها أخيراً داخلة في خصومات سياسية عديدة، فالأفراد الذين يعملون في تلك الفضائيات ينتمون إلى طوائف وإثنيات ويحملون أفكاراً ومثلاً وقيماً متباينة لابد أن تنعكس على محتوى تلك الفضائيات لتشكل ارتدادات أو موجات متداخلة أو متصادمة مع غيرها من الفضائيات مما يجعل عمل كادر تلك الفضائيات في حالة قلق وتوجس دائم من وجود خصوم قد يطلقون النار عليهم داخل المؤسسة أو خارجها، فمقتل أكثر من 150 صحفياً وإعلامياً وعاملاً في تلك الفضائيات والتصفية الشاملة لكادر قناة (الشعبية) أثناء بثها التجريبي يعطيان مؤشراً خطيراً لفداحة الخسائر والفوضى التي يعكسها وجود تلك الفضائيات.

::/fulltext::
::cck::2897::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *