حالة الانفلات الأمني في العراق إلى أين؟

::cck::2881::/cck::
::introtext::

جاء في تقرير أعدته جامعة هوبكنز بالتعاون مع جامعة عراقية أن أكثر من 655 ألف شخص في العراق منذ بداية الغزو الأمريكي، لكن بوش يشكك في هذا الرقم، ويعتبر أن العدد الصحيح هو 130 ألف قتيل. ولهذا بدأ العالم تعتريه صحوة متأخرة، فهذا قائد القوات البريطانية في العراق يقول (إن قوات بلاده يجب أن ترحل عن العراق بأسرع ما يكون لأن وجودها أصبح عامل تأزيم وتأجيج وتعقيد للوضع في العراق).

::/introtext::
::fulltext::

جاء في تقرير أعدته جامعة هوبكنز بالتعاون مع جامعة عراقية أن أكثر من 655 ألف شخص في العراق منذ بداية الغزو الأمريكي، لكن بوش يشكك في هذا الرقم، ويعتبر أن العدد الصحيح هو 130 ألف قتيل. ولهذا بدأ العالم تعتريه صحوة متأخرة، فهذا قائد القوات البريطانية في العراق يقول (إن قوات بلاده يجب أن ترحل عن العراق بأسرع ما يكون لأن وجودها أصبح عامل تأزيم وتأجيج وتعقيد للوضع في العراق).
يقول المفكر الأمريكي زبغنيو بريجنسكي في كتاب استراتيجي وثائقي تحليلي له يحمل عنوان (الانفلات) أو (فوضى عالمية في مطلع القرن الحادي والعشرين) وفيه فصل عن المذابح في القرن العشرين: (إن الأبعاد غير المسبوقة لسفك الدماء في القرن العشرين) نجمت عن صراعات وجودية مركزية هيمنت على هذا القرن، ونتج عن هذه الصراعات أكبر انتهاكين أخلاقيين خطيرين جعلا القرن العشرين يتحول من زمن بشري إلى جنون منظم: الانتهاك الأخلاقي الأول هو الحربان العالميتان الأولى والثانية، أما الانتهاك الثاني فهو المحاولات الشمولية لإيجاد ما يمكن أن يوصف بأنه مجتمع فاضل جبري وهي مجتمعات أصبحت على أساس التصفية الجسدية لمن يدعي عليهم بأنهم غير صالحين اجتماعياً.
وهناك كتاب آخر يحمل عنوان (حالة الإنكار) لبوب وودوارد لا يقل أهمية عن كتاب بريجنسكي، لكنه يختلف عنه بحكم أنه صحفي يصف الخلل الوظيفي والانقسامات حول العراق داخل البيت الأبيض وكيف أن كبار مستشاري الرئيس بوش كانوا مختلفين فيما بينهم، وفي بعض الأحيان لا يتحدثون مع بعضهم البعض. ويشتمل الكتاب على اقتباسات حرفية مطولة من أحاديث، ويصف الطريقة التي يفكر بها كبار المسؤولين في أوقات متعددة، ويذكر الكتاب أن تينت مدير الاستخبارات الأمريكية السابق ذكَّر بوش ذات مرة بأن وجود أسلحة دمار شامل في العراق أمر يصعب تصديقه، وفي كتاب (حالة الإنكار) لبوب الذي يتبع خطاً مختلفاً تماماً لإدارة تبدو أن لديها فكره مشوشة من أن النجاح العسكري الأول في العراق تحول إلى مقاومة للمحتل.
هذا الكتاب يتحدث عن حالة تقف ضد مصالح الولايات المتحدة، ولكن ما هي آثار الغزو الأمريكي في العراق وفي المنطقة برمتها؟
لقد أصبح العراق يعيش حالة من الانفلات الأمني، ففرق الموت التي تسمى رسمياً القوات الخاصة، وتضم عناصر من المؤتمر الوطني العراقي وبالتحديد من قوات تحرير العراق التي تلقت تدريبها في بولندا والمجر والولايات المتحدة دخلت العراق بعد سقوط النظام السابق.
وفرق الموت هذه تهدف إلى جر العرب الشيعة والسنة إلى اقتتال طائفي يستمر لعشرات السنين تمهيداً لتقسيم العراق وضمان نفوذ وهيمنة بعض دول الجوار على الأجزاء المقسمة. وفي الظاهر تزعم أمريكا مطاردة فرق الموت بينما ما يحدث هو العكس نظراً لوجود مقرات لتلك الفرق في مطار بغداد الدولي الخاضع لسيطرة القوات الأمريكية. وتستخدم فرق الموت المدعومة أمريكياً مركبات الأجهزة الأمنية وأزياء رجال الجيش والشرطة وتقوم بعمليات خطف واغتيالات.
إذاً هناك ثمة بون شاسع بين الفتنة الطائفية الاجتماعية والفتنة الطائفية السياسية من أجل أن يتحقق المشروع (الفتنوي) القائم في العراق حالياً وأهدافه الآنية والمستقبلية.
إن الهدف من هذا المشروع تعبئة البيئة الاجتماعية لما تبغي الوصول إليه الأطراف والجهات العاملة، لأن الانجرار إلى الفتنة الطائفية هو انجرار إلى حرب أهلية لا يعلم أحد نتائجها.
ومع ذلك فإن العراق هو غير ما تحاول ترسيخه وسائل الإعلام الأمريكية بأنه مقسم إلى ثلاث رقع جغرافية (سنية) و(شيعية) و(أكراد)، بينما تشهد الخريطة الجغرافية العراقية انتشاراً للطوائف والأعراق في جميع المدن العراقية، وهذه هي القوة الوحيدة التي يمكن لرجال العراق تفويت الفرصة على أمريكا وعلى المنتفعين من المحاصصة والتقسيم. إن التداخل في المكمن الحياتي العراقي قوة تقف في وجه محاولات إثارة الفتنة الطائفية لأنه لا توجد حدود جغرافية فاصلة بين طائفة وأخرى، بل إن جميع أبناء العشائر يتوزعون بين الطائفتين الشيعية والسنية وهذا تداخل آخر يزيد من قوة تماسك المجتمع العراقي، كما أن الانتماء الطائفي لم يقف عائقاً أمام الانتماء القبلي والعشائري وهذه سمة من سمات تركيب وتشكيل المجتمع العراقي.
ما يحدث الآن في العراق هو توظيف الجانب الطائفي لخدمة مصالح أطراف سياسية محددة خاصة بعد تشكيل مجلس الحكم (منتصف يوليو 2003م أتى على أساس عرقي وطائفي ليؤسس أولى لبنات الطائفية السياسية تلتها الانتخابات اللاحقة التي جرت في 30/1/2005 والثانية في 15/12/2005 لتثبيت مرتكزات الطائفية السياسية في العراق من خلال تثقيف طائفي من قبل الطرفين الشيعة والسنة، التي قدمت الولاء قبل الكفاءة والانتماء للوطن، وأوجدت طروحات وجدلاً سياسياً تزامن مع تناحر واختلاف على المناصب التي تحولت إلى مغانم يستأثر بها طرف دون آخر. كما تثار بين الفينة والأخرى قضية الولاء، الانتماء الوطني للشيعة العرب طبقاً لحسابات إقليمية ودولية، ويبنون مراهناتهم على وحدة الانتماء المذهبي بين الشيعة العرب وإيران لكن التاريخ يدحض تلك المراهنات، فحينما دخلت الجيوش الإنجليزية إلى العراق لاحتلاله عام 1914 م وكان العراق يرزح تحت السيطرة العثمانية التي هي نفسها مارست سياسة عنصرية وطائفية ضد الشيعة فإن مراجع الشيعة في العراق أعلنوا الجهاد ضد القوات الغازية جنباً إلى جنب مع الدولة التركية السنية التي اضطهدتهم طيلة قرون، معلنين الحس الوطني والديني على الانتماء الطائفي.
والشيء نفسه حصل في الثورة العراقية 1920م التي أشعلت فتاوى المراجع الشيعية للجهاد ضد المحتل، وأفشلت المخططات البريطانية بحكم العراق عسكرياً، كما هو الحال في الهند والاستجابة لمطالب العراقيين بتعيين حاكم عربي مسلم دون السؤال عن مذهبه.
وهناك برهان آخر هو إبان ظهور الحركة الناصرية في الخمسينات حينما حدث العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م كان النجف أول المنتفضين ضد العدوان، ودعمت المرجعيات الدينية الشيعية موقف مصر مخالفة بذلك موقف الحكومتين العراقية والإيرانية الخاضعتين لحلف بغداد المعادي للسياسية المصرية.
إن إثارة الفتنة الطائفية لم تتضح إلا بعد الثورة الإيرانية لأهداف سياسية امتد أثرها إلى تيارات أخرى في العالمين العربي والإسلامي وهما تيار الصحوة الإسلامية وحركات ما يسمى الإسلام السياسي.
كما أن التصريحات التي تتردد على لسان مسؤولين عرب حول حقيقة وجود حرب أهلية في العراق وما وراءها من آفاق التقسيم خلخلت نطاقاً استراتيجياً واسعاً ممتداً لكل المنطقة العربية شاملاً دول مجلس التعاون الخليجي كلها رغم ما ذكرناه من تماسك المجتمع العراقي إلا أنه تلوح في الأفق تعبيرات عن عملية استقطاب جارية، وتحالفات تولد في العلن بعد أن عاشت في الأرحام فترة من الزمن.
وببساطة شديدة فإن ما نشهده من ردود فعل متتالية هو استجابة لحالة خلل استراتيجي وخلخلة أوجدتها الولايات المتحدة في المنطقة كلها. فالمنطقة دخلت في مرحلة جديدة من الموقف الجديد الناجم عن الحقائق الإيرانية الجديدة من جانب والانهيار على الجبهة العراقية من جانب آخر.
وتحت مظلة المؤتمر الإسلامي بقيادة السعودية تجرى اتصالات مع القيادات الدينية الإسلامية في العراق من أجل الاتفاق على وثيقة تحرم الاقتتال بين المسلمين السنة والشيعة في العراق في 29 رمضان في مكة المكرمة 1427هـ درءاً لنشوب حرب أهلية في العراق ومن أجل وقف أعمال القتل والتفجير بتأييد من المرجع الديني آية الله علي السيستاني.
كما أن الحكومة العراقية تسعى من خلال مبادرة المصالحة الوطنية إلى تفعيل دور العشائر العراقية والعمل معها على احتواء العنف من أجل ألا يظل العراق ساحة لتصفية الحسابات بحسب تصريح نوري المالكي.
التبعات الآن لم تعد تلقى على المحتل فقط بل يشترك فيها الجميع
إن العنف يعود للجماعات الرافضة للعملية السياسية والساعية إلى تقويض الدولة وبناها ومؤسساتها، فإبقاء الوضع هشاً بانتظار استيعاب المحتل لكي تكون تلك الجماعات هي الأقوى والأقدر على الانقضاض على السلطة يضع العراق في دوامة بغير نهاية. فالإشكالية التي تعاني منها الدولة العراقية هي أنها تتنازعها سلطات وميليشيات محسوبة على تيارات سياسية من الحكومة نفسها.لقد بات العراق بين سيناريوهات عدة ما بين ثلاث دويلات: عراق كونفدرالي إلى دولة اتحادية تضم فيدراليات تتوزعها مكوناته الثلاثة مع مركز بسلطات محدودة.
ومن جانبها أنقرة تعمل على إضعاف الأكراد وتقوية السنة التركمان والعرب وإقامة منطقة فاصلة مع الشيعة لإضعاف التحالف بين الأكراد والشيعة، كما أن الفيدرالية تسبب حساسية وحرجاً لتركيا لأنها لا تريد رؤية إقليم كردي مستقل وقوي كي لا يصبح لاحقاً دولة كردية قادرة على الاعتماد على نفط كركوك مما يدفع بالأكراد في تركيا إلى التحرك وزعزعة وحدة الأراضي التركية مما يعني توقع حدوث تحالف بين الأتراك والعشائر السنية وقد تتفق معها إيران لوجود أكراد على أراضيها طالما يسيطر الشيعة على الجنوب يمكن لإيران التعايش مع النفوذ التركي.
وإذا كان لتركيا دور ولإيران دور آخر في العراق فأين الدور العربي الذي يحافظ على وحدة العراق وإيقاف الانفلات الذي أحدثه الاحتلال؟ ماذا ينتظر العرب؟ هل من أجل إغراق أمريكا في المستنقع العراقي بترك العراق يسير نحو التفكك؟
فالعراق يعاني انحلال دولة وانهيار وطن وزعزعة كيانات وتكوّن جماعات وعصابات وأحزاب تنظيمية وانشقاقات وحركات تمرد داخل الحزب الواحد تدعي أنها أكثر ثورية من الحرب الأصلية وتثبت نفسها بالذهاب إلى العنف لغة ومنهجاً وسلوكاً حتى أصبحت تسخر من المصالحة الوطنية وتهزأ من دعاة السلم الوطني وإلغاء أدوار العقلاء.
إن العدو الأكبر هو الحروب الوطنية الأكثر شراسة من الحروب بين الدول، فالقضية الآن ليست في انسحاب أمريكا أو بريطانيا من العراق بل هو كيفية معالجة الانفلات الذي يقود إلى تلك الحروب الوطنية داخل الوطن تتحكم به همجية القتل وإذلال المواطن الأعزل وهدر كرامته وتهجيره القسري، وإذا استمر هذا الحال فنتوقع ظهور المزيد من الفرق والجماعات وازدياد الهجرات الجماعية الذي يعكس أثر ذلك الانفلات، ويمتد إلى دول المنطقة المحيطة بالعراق ومنها المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2881::/cck::
::introtext::

جاء في تقرير أعدته جامعة هوبكنز بالتعاون مع جامعة عراقية أن أكثر من 655 ألف شخص في العراق منذ بداية الغزو الأمريكي، لكن بوش يشكك في هذا الرقم، ويعتبر أن العدد الصحيح هو 130 ألف قتيل. ولهذا بدأ العالم تعتريه صحوة متأخرة، فهذا قائد القوات البريطانية في العراق يقول (إن قوات بلاده يجب أن ترحل عن العراق بأسرع ما يكون لأن وجودها أصبح عامل تأزيم وتأجيج وتعقيد للوضع في العراق).

::/introtext::
::fulltext::

جاء في تقرير أعدته جامعة هوبكنز بالتعاون مع جامعة عراقية أن أكثر من 655 ألف شخص في العراق منذ بداية الغزو الأمريكي، لكن بوش يشكك في هذا الرقم، ويعتبر أن العدد الصحيح هو 130 ألف قتيل. ولهذا بدأ العالم تعتريه صحوة متأخرة، فهذا قائد القوات البريطانية في العراق يقول (إن قوات بلاده يجب أن ترحل عن العراق بأسرع ما يكون لأن وجودها أصبح عامل تأزيم وتأجيج وتعقيد للوضع في العراق).
يقول المفكر الأمريكي زبغنيو بريجنسكي في كتاب استراتيجي وثائقي تحليلي له يحمل عنوان (الانفلات) أو (فوضى عالمية في مطلع القرن الحادي والعشرين) وفيه فصل عن المذابح في القرن العشرين: (إن الأبعاد غير المسبوقة لسفك الدماء في القرن العشرين) نجمت عن صراعات وجودية مركزية هيمنت على هذا القرن، ونتج عن هذه الصراعات أكبر انتهاكين أخلاقيين خطيرين جعلا القرن العشرين يتحول من زمن بشري إلى جنون منظم: الانتهاك الأخلاقي الأول هو الحربان العالميتان الأولى والثانية، أما الانتهاك الثاني فهو المحاولات الشمولية لإيجاد ما يمكن أن يوصف بأنه مجتمع فاضل جبري وهي مجتمعات أصبحت على أساس التصفية الجسدية لمن يدعي عليهم بأنهم غير صالحين اجتماعياً.
وهناك كتاب آخر يحمل عنوان (حالة الإنكار) لبوب وودوارد لا يقل أهمية عن كتاب بريجنسكي، لكنه يختلف عنه بحكم أنه صحفي يصف الخلل الوظيفي والانقسامات حول العراق داخل البيت الأبيض وكيف أن كبار مستشاري الرئيس بوش كانوا مختلفين فيما بينهم، وفي بعض الأحيان لا يتحدثون مع بعضهم البعض. ويشتمل الكتاب على اقتباسات حرفية مطولة من أحاديث، ويصف الطريقة التي يفكر بها كبار المسؤولين في أوقات متعددة، ويذكر الكتاب أن تينت مدير الاستخبارات الأمريكية السابق ذكَّر بوش ذات مرة بأن وجود أسلحة دمار شامل في العراق أمر يصعب تصديقه، وفي كتاب (حالة الإنكار) لبوب الذي يتبع خطاً مختلفاً تماماً لإدارة تبدو أن لديها فكره مشوشة من أن النجاح العسكري الأول في العراق تحول إلى مقاومة للمحتل.
هذا الكتاب يتحدث عن حالة تقف ضد مصالح الولايات المتحدة، ولكن ما هي آثار الغزو الأمريكي في العراق وفي المنطقة برمتها؟
لقد أصبح العراق يعيش حالة من الانفلات الأمني، ففرق الموت التي تسمى رسمياً القوات الخاصة، وتضم عناصر من المؤتمر الوطني العراقي وبالتحديد من قوات تحرير العراق التي تلقت تدريبها في بولندا والمجر والولايات المتحدة دخلت العراق بعد سقوط النظام السابق.
وفرق الموت هذه تهدف إلى جر العرب الشيعة والسنة إلى اقتتال طائفي يستمر لعشرات السنين تمهيداً لتقسيم العراق وضمان نفوذ وهيمنة بعض دول الجوار على الأجزاء المقسمة. وفي الظاهر تزعم أمريكا مطاردة فرق الموت بينما ما يحدث هو العكس نظراً لوجود مقرات لتلك الفرق في مطار بغداد الدولي الخاضع لسيطرة القوات الأمريكية. وتستخدم فرق الموت المدعومة أمريكياً مركبات الأجهزة الأمنية وأزياء رجال الجيش والشرطة وتقوم بعمليات خطف واغتيالات.
إذاً هناك ثمة بون شاسع بين الفتنة الطائفية الاجتماعية والفتنة الطائفية السياسية من أجل أن يتحقق المشروع (الفتنوي) القائم في العراق حالياً وأهدافه الآنية والمستقبلية.
إن الهدف من هذا المشروع تعبئة البيئة الاجتماعية لما تبغي الوصول إليه الأطراف والجهات العاملة، لأن الانجرار إلى الفتنة الطائفية هو انجرار إلى حرب أهلية لا يعلم أحد نتائجها.
ومع ذلك فإن العراق هو غير ما تحاول ترسيخه وسائل الإعلام الأمريكية بأنه مقسم إلى ثلاث رقع جغرافية (سنية) و(شيعية) و(أكراد)، بينما تشهد الخريطة الجغرافية العراقية انتشاراً للطوائف والأعراق في جميع المدن العراقية، وهذه هي القوة الوحيدة التي يمكن لرجال العراق تفويت الفرصة على أمريكا وعلى المنتفعين من المحاصصة والتقسيم. إن التداخل في المكمن الحياتي العراقي قوة تقف في وجه محاولات إثارة الفتنة الطائفية لأنه لا توجد حدود جغرافية فاصلة بين طائفة وأخرى، بل إن جميع أبناء العشائر يتوزعون بين الطائفتين الشيعية والسنية وهذا تداخل آخر يزيد من قوة تماسك المجتمع العراقي، كما أن الانتماء الطائفي لم يقف عائقاً أمام الانتماء القبلي والعشائري وهذه سمة من سمات تركيب وتشكيل المجتمع العراقي.
ما يحدث الآن في العراق هو توظيف الجانب الطائفي لخدمة مصالح أطراف سياسية محددة خاصة بعد تشكيل مجلس الحكم (منتصف يوليو 2003م أتى على أساس عرقي وطائفي ليؤسس أولى لبنات الطائفية السياسية تلتها الانتخابات اللاحقة التي جرت في 30/1/2005 والثانية في 15/12/2005 لتثبيت مرتكزات الطائفية السياسية في العراق من خلال تثقيف طائفي من قبل الطرفين الشيعة والسنة، التي قدمت الولاء قبل الكفاءة والانتماء للوطن، وأوجدت طروحات وجدلاً سياسياً تزامن مع تناحر واختلاف على المناصب التي تحولت إلى مغانم يستأثر بها طرف دون آخر. كما تثار بين الفينة والأخرى قضية الولاء، الانتماء الوطني للشيعة العرب طبقاً لحسابات إقليمية ودولية، ويبنون مراهناتهم على وحدة الانتماء المذهبي بين الشيعة العرب وإيران لكن التاريخ يدحض تلك المراهنات، فحينما دخلت الجيوش الإنجليزية إلى العراق لاحتلاله عام 1914 م وكان العراق يرزح تحت السيطرة العثمانية التي هي نفسها مارست سياسة عنصرية وطائفية ضد الشيعة فإن مراجع الشيعة في العراق أعلنوا الجهاد ضد القوات الغازية جنباً إلى جنب مع الدولة التركية السنية التي اضطهدتهم طيلة قرون، معلنين الحس الوطني والديني على الانتماء الطائفي.
والشيء نفسه حصل في الثورة العراقية 1920م التي أشعلت فتاوى المراجع الشيعية للجهاد ضد المحتل، وأفشلت المخططات البريطانية بحكم العراق عسكرياً، كما هو الحال في الهند والاستجابة لمطالب العراقيين بتعيين حاكم عربي مسلم دون السؤال عن مذهبه.
وهناك برهان آخر هو إبان ظهور الحركة الناصرية في الخمسينات حينما حدث العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م كان النجف أول المنتفضين ضد العدوان، ودعمت المرجعيات الدينية الشيعية موقف مصر مخالفة بذلك موقف الحكومتين العراقية والإيرانية الخاضعتين لحلف بغداد المعادي للسياسية المصرية.
إن إثارة الفتنة الطائفية لم تتضح إلا بعد الثورة الإيرانية لأهداف سياسية امتد أثرها إلى تيارات أخرى في العالمين العربي والإسلامي وهما تيار الصحوة الإسلامية وحركات ما يسمى الإسلام السياسي.
كما أن التصريحات التي تتردد على لسان مسؤولين عرب حول حقيقة وجود حرب أهلية في العراق وما وراءها من آفاق التقسيم خلخلت نطاقاً استراتيجياً واسعاً ممتداً لكل المنطقة العربية شاملاً دول مجلس التعاون الخليجي كلها رغم ما ذكرناه من تماسك المجتمع العراقي إلا أنه تلوح في الأفق تعبيرات عن عملية استقطاب جارية، وتحالفات تولد في العلن بعد أن عاشت في الأرحام فترة من الزمن.
وببساطة شديدة فإن ما نشهده من ردود فعل متتالية هو استجابة لحالة خلل استراتيجي وخلخلة أوجدتها الولايات المتحدة في المنطقة كلها. فالمنطقة دخلت في مرحلة جديدة من الموقف الجديد الناجم عن الحقائق الإيرانية الجديدة من جانب والانهيار على الجبهة العراقية من جانب آخر.
وتحت مظلة المؤتمر الإسلامي بقيادة السعودية تجرى اتصالات مع القيادات الدينية الإسلامية في العراق من أجل الاتفاق على وثيقة تحرم الاقتتال بين المسلمين السنة والشيعة في العراق في 29 رمضان في مكة المكرمة 1427هـ درءاً لنشوب حرب أهلية في العراق ومن أجل وقف أعمال القتل والتفجير بتأييد من المرجع الديني آية الله علي السيستاني.
كما أن الحكومة العراقية تسعى من خلال مبادرة المصالحة الوطنية إلى تفعيل دور العشائر العراقية والعمل معها على احتواء العنف من أجل ألا يظل العراق ساحة لتصفية الحسابات بحسب تصريح نوري المالكي.
التبعات الآن لم تعد تلقى على المحتل فقط بل يشترك فيها الجميع
إن العنف يعود للجماعات الرافضة للعملية السياسية والساعية إلى تقويض الدولة وبناها ومؤسساتها، فإبقاء الوضع هشاً بانتظار استيعاب المحتل لكي تكون تلك الجماعات هي الأقوى والأقدر على الانقضاض على السلطة يضع العراق في دوامة بغير نهاية. فالإشكالية التي تعاني منها الدولة العراقية هي أنها تتنازعها سلطات وميليشيات محسوبة على تيارات سياسية من الحكومة نفسها.لقد بات العراق بين سيناريوهات عدة ما بين ثلاث دويلات: عراق كونفدرالي إلى دولة اتحادية تضم فيدراليات تتوزعها مكوناته الثلاثة مع مركز بسلطات محدودة.
ومن جانبها أنقرة تعمل على إضعاف الأكراد وتقوية السنة التركمان والعرب وإقامة منطقة فاصلة مع الشيعة لإضعاف التحالف بين الأكراد والشيعة، كما أن الفيدرالية تسبب حساسية وحرجاً لتركيا لأنها لا تريد رؤية إقليم كردي مستقل وقوي كي لا يصبح لاحقاً دولة كردية قادرة على الاعتماد على نفط كركوك مما يدفع بالأكراد في تركيا إلى التحرك وزعزعة وحدة الأراضي التركية مما يعني توقع حدوث تحالف بين الأتراك والعشائر السنية وقد تتفق معها إيران لوجود أكراد على أراضيها طالما يسيطر الشيعة على الجنوب يمكن لإيران التعايش مع النفوذ التركي.
وإذا كان لتركيا دور ولإيران دور آخر في العراق فأين الدور العربي الذي يحافظ على وحدة العراق وإيقاف الانفلات الذي أحدثه الاحتلال؟ ماذا ينتظر العرب؟ هل من أجل إغراق أمريكا في المستنقع العراقي بترك العراق يسير نحو التفكك؟
فالعراق يعاني انحلال دولة وانهيار وطن وزعزعة كيانات وتكوّن جماعات وعصابات وأحزاب تنظيمية وانشقاقات وحركات تمرد داخل الحزب الواحد تدعي أنها أكثر ثورية من الحرب الأصلية وتثبت نفسها بالذهاب إلى العنف لغة ومنهجاً وسلوكاً حتى أصبحت تسخر من المصالحة الوطنية وتهزأ من دعاة السلم الوطني وإلغاء أدوار العقلاء.
إن العدو الأكبر هو الحروب الوطنية الأكثر شراسة من الحروب بين الدول، فالقضية الآن ليست في انسحاب أمريكا أو بريطانيا من العراق بل هو كيفية معالجة الانفلات الذي يقود إلى تلك الحروب الوطنية داخل الوطن تتحكم به همجية القتل وإذلال المواطن الأعزل وهدر كرامته وتهجيره القسري، وإذا استمر هذا الحال فنتوقع ظهور المزيد من الفرق والجماعات وازدياد الهجرات الجماعية الذي يعكس أثر ذلك الانفلات، ويمتد إلى دول المنطقة المحيطة بالعراق ومنها المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربية.

::/fulltext::
::cck::2881::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *