“التقانة” العسكرية سيف يقطع باتجاهين

::cck::2857::/cck::
::introtext::

قد تتشابه المعدات والمنظومات العسكرية بالمسمى والمظهر – الشكل، ولكنها غالباً ما تختلف بالجوهر من حيث الإمكانيات والمزايا التي زودت بها أو حرمت منها. وعليه فإن السيطرة والغلبة والتفوق في الميدان من نصيب الأمة التي تتمتع بهذا التقدم اقتناءً واستيعاباً، ولكي تتمكن الأمة من الاستفادة من التقانة العسكرية المتقدمة لابد أن تستثمر مواردها المختلفة بشكل متوازن ومدروس.

::/introtext::
::fulltext::

قد تتشابه المعدات والمنظومات العسكرية بالمسمى والمظهر – الشكل، ولكنها غالباً ما تختلف بالجوهر من حيث الإمكانيات والمزايا التي زودت بها أو حرمت منها. وعليه فإن السيطرة والغلبة والتفوق في الميدان من نصيب الأمة التي تتمتع بهذا التقدم اقتناءً واستيعاباً، ولكي تتمكن الأمة من الاستفادة من التقانة العسكرية المتقدمة لابد أن تستثمر مواردها المختلفة بشكل متوازن ومدروس.
ينبغي أن تقوم سياسة الأمة الدفاعية على منظومة متسلسلة تتكون حلقاتها المترابطة من التوازن الاجتماعي والتعليمي والصحي والاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، حيث إن قوة ترابط هذه السلسلة لا تتجاوز قوة أضعف حلقة فيها، لذلك من الواجب مراعاة توازن قوة هذه السلسلة فلا جدوى من الإفراط في الصرف على الحلقة العسكرية على حساب التفريط في قوة الحلقات الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى خلخلة كبيرة في توازن مقومات الأمة، كما أن أداء الأمم العسكري خلال الحرب يحدده ويقرره أداؤها في مختلف الجوانب والمحاور، فالاستقرار الاجتماعي والتقدم العلمي والقوة الاقتصادية والرعاية الصحية والتعليمية في زمن السلم تصبح مؤشراً استباقياً لما سيكون عليه أداؤها العسكري في زمن الحرب. ونتذكر في الربع الأخير من القرن المنصرم عندما استدرج – ما كان يسمى – الاتحاد السوفييتي إلى سباق التسلح مما أدى إلى ضعف شديد في جوانبه الأخرى، الأمر الذي نتج عنه الانهيار لدولة كانت الأولى بإرسال الإنسان إلى الفضاء، وتصنع الصواريخ العابرة للقارات والقنابل النووية، ولكنها تعجز عن دفع مرتبات موظفيها أو تحقيق الحد الأدنى من مسايرة التقدم في المسارات الأخرى الصحية والرعاية الاجتماعية. والمثال الآخر النظام العراقي البائد عندما استنزف موارد العراق في بناء قوة عسكرية كبيرة ولا أقول قوية على حساب المقومات التعليمية والصحية والاقتصادية للشعب العراقي، حيث لم تصمد هذه القوة عندما قررت الدول التي باعته السلاح الإطاحة به ونزع سلاحه بما في ذلك الطائرات التي دفنها تحت الأرض.
وكما يقول الاستراتيجي العسكري الألماني الشهير كلاوزفيتز (الحرب لا تدور فقط بين المتبارزين بالسيوف، وإنما بين الحدادين صانعي السيوف كذلك)، ويضيف إن (فن المبارزة (مثل فن الحرب) يتطلب مهارة وخبرة من جانب المتبارزين؛ لكن ذلك لا يجدي كثيراً إذا نفدت السيوف من أيدي المتبارزين). وسوف أتناول فيما بعد بعض ما يفرضه (تقدم التقانة العسكرية) من جوانب وعناصر أرى أنها جديرة بالاعتبار تفرض نفسها – وبشكل خاص – على الدول المستوردة للسلاح في كل من وقت السلم والحرب.
* التقانة العسكرية والتطبيقات المدنية: ساهمت التقانة العسكرية في المجتمع المدني من خلال التطبيقات المدنية للعلوم والمعدات العسكرية، أذكر منها على سبيل المثال: علم الإدارة، الناسخات الضوئية (Copy Machine)، الإنترنت، أجهزة تحديد الموقع GPS، وغيرها كثير من التطبيقات العلمية في مجالي البحوث الفيزيائية والكيميائية والنفسية وعلى وجه الخصوص الحرب الإعلامية (Propaganda) وباستمرار وتيرة التقدم بمختلف النواحي في المجتمع المدني واعتماده على التقنيات المتقدمة أصبح هذا التقدم وبشكل غير مباشر يؤثر في ترجيح التفوق العسكري عند السيطرة عليه أو تعطيله. أذكر من ذلك على سبيل المثل حرمان العدو من وسائل الاتصالات التي يمكن التشويش عليها من بعد، كما يمكن تعطيل وسائل المواصلات (القطارات والرادارات والطائرات والسفن) التي تعتمد على الكمبيوترات، والأقمار الصناعية، محطات الطاقة والمياه، محطات مصافي البترول، المصارف ومرافق الاقتصاد، كل ذلك جعل اختيارات المعركة أكثر تعدداً وميدان المعركة أكثر اتساعاً.
(وعليه يمكن القول إن الآثار المدمرة للمعركة يمكن أن تبدأ قبل إطلاق الرصاصة الأولى، كما أن هذه الأضرار المباشرة لم تعد محصورة بالميدان التقليدي للمعركة تحت نيران الطائرات أو غبار الدبابات).
* التنبؤ بنتيجة المعركة: التقنية الحديثة المتطورة أتاحت الفرصة وبشكل دقيق إلى حد ما للتنبؤ بنتيجة المعركة وذلك بفضل استخدام ألعاب الحرب (War Game) من خلال أجهزة التشبيه (Simulators) التي تعمل بواسطة البرمجيات المتطورة من خلال الكمبيوترات السريعة، وهذه الأجهزة متاحة إلى حد كبير للجميع، فما هي جدوى خوض حرب معروفة النتيجة وبشكل دقيق إلى حد ما؟ إن شعار (نموت.. نموت.. ويعيش الوطن) هو شعار عاطفي غير موضوعي والأصح هو (يموت العدو.. ويعيش الوطن).
(التقنية الحديثة تتيح أفضل الفرص لترشيد القرار. فقرار الحرب رغم صعوبته وخطورته إلا أنه من الممكن تقليل سلبياته بفضل دراسة عواقبه بشكل مسبق والاستعداد والتهيئ لها)
* السيطرة على الآلة العسكرية: الدول المصنعة عندما تبيع السلاح، فهي غالباً لا تبيع معه التنازل عن السيطرة عليه، فتظل الدول المصنعة للسلاح محتفظة بحق السيطرة على السلاح والمعدات والمنظومات الدفاعية لتحد من فاعليتها أو إخراجها من المعركة حتى قبل أن تبدأ، كما أن التقانة المساندة التي تعتمد عليها الكثير من المنظومات الدفاعية مثل الأقمار الصناعة ووسائل الاتصالات، وأجهزة تحديد الموقع (GPS)، فإن معظم أجهزة الإسناد هذه تحت السيطرة التامة للدول المتقدمة والمصنعة للسلاح، فما جدوى خوض معركة لحساب أو تحت سيطرة آخرين (الحدادين) ؟(لابد من تقييم مدى الاعتماد على استقلالية المنظومات الدفاعية من ناحية، ومدى استمرارية الدعم الفني والتعبوي من الدول المصنعة من ناحية أخرى قبل شراء المعدات الدفاعية وقبل التفكير بقرار الحرب).
* الصواريخ بعيدة المدى: منها ما هو مزود بالتقنية العالية ودقيق الإصابة، ومنها ما هو بدائي ويكاد أن يصنف بعشوائي الإصابة. وكلا النوعين لا يعترف بحدود جبهة أو ميدان قتال والأخير منها مصاب بعمى التميز بين الأهداف. وبعض الدول المتقدمة والمصنعة لهذه الصواريخ تجري في الوقت الحالي تقييماً شاملاً لنوعية بعض أنواع القوات المستخدمة في الوقت الراهن. فمن هذه الدول من وضع تصور لاستبدال جزء كبير من قوته الجوية بهذه الصواريخ، والبعض الآخر من طور منظومات الدفاع الجوي للتصدي لهذا الخطر.
(التصدي لهذا الخطر مكلف جداً على مستوى الدولة الواحدة، لذلك لابد من التفكير الجماعي للدول المشتركة بهذا الهم)
* التقنية المتطورة في النظم والمعدات الدفاعية: في السابق كان سلاح الطيران يتمتع منفرداً بالتطور التقني وذلك لطبيعة هذا السلاح المعقد، كان ذلك في السابق، أما الآن فلقد أصبحت التقنية المتطورة منتشرة وضرورية جداً في عمل مختلف الوحدات الدفاعية لتصل إلى جندي المشاة المزود بكاميرات عبر الأقمار الصناعية ومعدات الاتصالات وتحديد الموقع وغيرها، وكل ذلك يعمل كالسيف الذي يقطع باتجاهين. (التقانة المستمرة بالتطور تفرض علينا مواصلة ومواكبة هذا التقدم من خلال التقييم المستمر لكل الجوانب المتأثرة بهذا التغير بما في ذلك المرونة بالعقيدة القتالية. في حرب تحرير الكويت كان السلاح العراقي الأكثر تأثيراً هو الأبسط تعقيداً والذي خرج عن نطاق السيطرة، وهو المدفع الثلاثي المضاد للطائرات. كما أن لجمهورية مصر العربية تجربة تستحق التأمل عندما استطاعت تحييد صواريخ العدو المضادة لمنظومات الدفاع الجوي (High-Speed Anti-radiation Missile (HARM))، كما أن دراسة وتأمل ما يمكن أن يندرج تحت مظلة الحرب التصورية (Cyber Warfare) يعطي صورة أوضح. الاختيارات وعواقب قرار الحرب).
* قوة الردع عند دول العالم الثالث: تبنت بعض دول العالم المتقدمة نظرية قوة الردع (Deterrent Power) وكذلك فعلت بعض دول العالم الثالث، فطورت الطاقة النووية لتحصل بعد ذلك على القنبلة النووية، وإذا بهذه القنبلة النووية تصبح عبئاً على هذه الدول باعتبارها صيداً غير عسير على الدول المتقدمة بما تملكه من صواريخ بعيدة المدى ودقيقة الإصابة، وطائرات لا يمكن للرادارات أن تكتشفها وتستطيع أن تدمر هذه القنابل، وهكذا تهدر موارد الدول. (قبل استنزاف موارد الدولة في الجري لاقتناء مثل هذه التقنية العالية جداً يجب التفكير بالتكلفة المادية والتعبوية والدفاعية المترتبة على هذا القرار. نتطلع أن تبادر إيران إلى التخلي عن برنامجها النووي قبل فوات الأوان).
* الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية: بشكل عام وحسب معطيات الواقع الحالي للدول المستوردة للسلاح فإن مواجهة أخطار ومتطلبات أمن دولها غالباً ما لا يمكن التصدي له بأي حال من الأحوال بالإمكانيات العسكرية المتاحة للجيش والقوات المسلحة لهذه الدول فقط، لذلك لا بد من ربط مصلحة الدول الكبرى بمصلحة استقرار وأمن الدول المستوردة للسلاح، ومن خلال التوسع بالمشاريع الاقتصادية والاتفاقيات والمعاهدات الدفاعية والأمنية، مع ضرورة إدراك تكلفة مثل هذه الترتيبات، ورغم أن ثمن الاستقرار عادةً ما يكون كبيراً إلا أنه بلا شك مبرر بما يوفر من بيئة مناسبة لعوائد أكبر. والتحالفات الأمنية والدفاعية ليست بدعة ولا هي عادة منقرضة، فالدول الكبرى والمتقدمة لا تزال ترتبط مع بعضها البعض بمثل هذه الاتفاقيات والمعاهدات والأحلاف، وخير مثال على ذلك حلف شمال الأطلسي (الناتو) وما يضم من دول قوية ومتقدمة، لذلك فإن الدول المستوردة للسلاح هي الأولى بمثل هذه الترتيبات حتى تتفرغ للمزيد من التنمية والتقدم في ظروف أكثر أمناً واستقراراً. فالشراكة التي تتطلع إليها الدول المستوردة للسلاح مع الدول المصنعة له في العالم هي شراكة أبعد من الاقتصار على التزود بالعتاد على أهميته، فالدول المستوردة للسلاح تتطلع إلى شراكة في الفهم السياسي والواقعي، والمشاركة في التنمية الاقتصادية، وفي توطين واستنبات التكنولوجيا، وتدريب الكوادر في المجالات المختلفة.
(الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية تعتبر رديفاً مهماً وأسلوباً فعالاً في مواجهة أعباء الدفاع لتوفير منظومات الإسناد، وتفعيل التكامل بين الدول لدعم الإمكانيات الدفاعية، أقمار صناعية، معدات إسناد غير قابلة للتصدير.. إلخ)
* بيئة عقود الدفاع: يجب أن تقيد بيئة عقود الدفاع بنظام رقابي فني ومالي وقانوني صارم ودقيق يضمن أفضل الأجواء والظروف التي تتيح أنسب الفرص لاستقدام أفضل العروض بعيداً عن نفوذ النافذين حتى لا تتسرب صفقات دفاعية فاسدة تستنزف وتهدر ثروات الوطن، ولا يتم اكتشاف عدم ملاءمتها إلا عند الحاجة إليها في الظروف الحرجة وذلك بعد فوات الأوان.
(من الأخطار الكبيرة والمحيطة بأمن الدول، ويجب التصدي لهذا التحدي بالأنظمة والقوانين المحكمة والصارمة أملاً بمنع تغلل المنظومات الدفاعية الفاسدة تحت هالة التقنية المتقدمة من التسلل إلى جسم الدفاع الوطني)
أخيراً (الإنسان هو الأهم) إن تناول موضوع التقدم الكبير للتقانة العسكرية يجب ألا يقف بنا عند مشاعر الانبهار – وهو مبرر على كل حال – ولكن يجب أن نتجاوز هذه المشاعر لنتقدم إلى عالم المعرفة منطلقين منها بعناصر أربعة وهي مواطن قوتنا وضعفنا ومواطن قوة وضعف العدو (ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه)، وأن لا جدوى من اقتناء المنظومات الدفاعية والأسلحة العسكرية التي لا تتضمن التفوق على العدو في الجوانب التالية: النظرة الأولى (First Look) والرمية الأولى (First Shoot) والقتلة الأولى (First Kill)، ولنتذكر دائماً أن الدول الصديقة التي نشتري منها السلاح هي أيضاً صديقة وحليفة لعدونا، وأن نعمل بكل ثقة وعزم على أساس من هذه المعرفة دول إفراط أو تفريط، وبداية الطريق للاستفادة من التقانة بما فيها العسكرية هو تهيئة بيئة متزنة راسخة القواعد يكون محور اهتمامها الأهم هو (مبدع ومستخدم التقانة وهو الإنسان). وتوفير احتياجاته من تعليم وصحة ورعاية اجتماعية واقتصادية في جو من العدالة والديمقراطية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2857::/cck::
::introtext::

قد تتشابه المعدات والمنظومات العسكرية بالمسمى والمظهر – الشكل، ولكنها غالباً ما تختلف بالجوهر من حيث الإمكانيات والمزايا التي زودت بها أو حرمت منها. وعليه فإن السيطرة والغلبة والتفوق في الميدان من نصيب الأمة التي تتمتع بهذا التقدم اقتناءً واستيعاباً، ولكي تتمكن الأمة من الاستفادة من التقانة العسكرية المتقدمة لابد أن تستثمر مواردها المختلفة بشكل متوازن ومدروس.

::/introtext::
::fulltext::

قد تتشابه المعدات والمنظومات العسكرية بالمسمى والمظهر – الشكل، ولكنها غالباً ما تختلف بالجوهر من حيث الإمكانيات والمزايا التي زودت بها أو حرمت منها. وعليه فإن السيطرة والغلبة والتفوق في الميدان من نصيب الأمة التي تتمتع بهذا التقدم اقتناءً واستيعاباً، ولكي تتمكن الأمة من الاستفادة من التقانة العسكرية المتقدمة لابد أن تستثمر مواردها المختلفة بشكل متوازن ومدروس.
ينبغي أن تقوم سياسة الأمة الدفاعية على منظومة متسلسلة تتكون حلقاتها المترابطة من التوازن الاجتماعي والتعليمي والصحي والاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، حيث إن قوة ترابط هذه السلسلة لا تتجاوز قوة أضعف حلقة فيها، لذلك من الواجب مراعاة توازن قوة هذه السلسلة فلا جدوى من الإفراط في الصرف على الحلقة العسكرية على حساب التفريط في قوة الحلقات الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى خلخلة كبيرة في توازن مقومات الأمة، كما أن أداء الأمم العسكري خلال الحرب يحدده ويقرره أداؤها في مختلف الجوانب والمحاور، فالاستقرار الاجتماعي والتقدم العلمي والقوة الاقتصادية والرعاية الصحية والتعليمية في زمن السلم تصبح مؤشراً استباقياً لما سيكون عليه أداؤها العسكري في زمن الحرب. ونتذكر في الربع الأخير من القرن المنصرم عندما استدرج – ما كان يسمى – الاتحاد السوفييتي إلى سباق التسلح مما أدى إلى ضعف شديد في جوانبه الأخرى، الأمر الذي نتج عنه الانهيار لدولة كانت الأولى بإرسال الإنسان إلى الفضاء، وتصنع الصواريخ العابرة للقارات والقنابل النووية، ولكنها تعجز عن دفع مرتبات موظفيها أو تحقيق الحد الأدنى من مسايرة التقدم في المسارات الأخرى الصحية والرعاية الاجتماعية. والمثال الآخر النظام العراقي البائد عندما استنزف موارد العراق في بناء قوة عسكرية كبيرة ولا أقول قوية على حساب المقومات التعليمية والصحية والاقتصادية للشعب العراقي، حيث لم تصمد هذه القوة عندما قررت الدول التي باعته السلاح الإطاحة به ونزع سلاحه بما في ذلك الطائرات التي دفنها تحت الأرض.
وكما يقول الاستراتيجي العسكري الألماني الشهير كلاوزفيتز (الحرب لا تدور فقط بين المتبارزين بالسيوف، وإنما بين الحدادين صانعي السيوف كذلك)، ويضيف إن (فن المبارزة (مثل فن الحرب) يتطلب مهارة وخبرة من جانب المتبارزين؛ لكن ذلك لا يجدي كثيراً إذا نفدت السيوف من أيدي المتبارزين). وسوف أتناول فيما بعد بعض ما يفرضه (تقدم التقانة العسكرية) من جوانب وعناصر أرى أنها جديرة بالاعتبار تفرض نفسها – وبشكل خاص – على الدول المستوردة للسلاح في كل من وقت السلم والحرب.
* التقانة العسكرية والتطبيقات المدنية: ساهمت التقانة العسكرية في المجتمع المدني من خلال التطبيقات المدنية للعلوم والمعدات العسكرية، أذكر منها على سبيل المثال: علم الإدارة، الناسخات الضوئية (Copy Machine)، الإنترنت، أجهزة تحديد الموقع GPS، وغيرها كثير من التطبيقات العلمية في مجالي البحوث الفيزيائية والكيميائية والنفسية وعلى وجه الخصوص الحرب الإعلامية (Propaganda) وباستمرار وتيرة التقدم بمختلف النواحي في المجتمع المدني واعتماده على التقنيات المتقدمة أصبح هذا التقدم وبشكل غير مباشر يؤثر في ترجيح التفوق العسكري عند السيطرة عليه أو تعطيله. أذكر من ذلك على سبيل المثل حرمان العدو من وسائل الاتصالات التي يمكن التشويش عليها من بعد، كما يمكن تعطيل وسائل المواصلات (القطارات والرادارات والطائرات والسفن) التي تعتمد على الكمبيوترات، والأقمار الصناعية، محطات الطاقة والمياه، محطات مصافي البترول، المصارف ومرافق الاقتصاد، كل ذلك جعل اختيارات المعركة أكثر تعدداً وميدان المعركة أكثر اتساعاً.
(وعليه يمكن القول إن الآثار المدمرة للمعركة يمكن أن تبدأ قبل إطلاق الرصاصة الأولى، كما أن هذه الأضرار المباشرة لم تعد محصورة بالميدان التقليدي للمعركة تحت نيران الطائرات أو غبار الدبابات).
* التنبؤ بنتيجة المعركة: التقنية الحديثة المتطورة أتاحت الفرصة وبشكل دقيق إلى حد ما للتنبؤ بنتيجة المعركة وذلك بفضل استخدام ألعاب الحرب (War Game) من خلال أجهزة التشبيه (Simulators) التي تعمل بواسطة البرمجيات المتطورة من خلال الكمبيوترات السريعة، وهذه الأجهزة متاحة إلى حد كبير للجميع، فما هي جدوى خوض حرب معروفة النتيجة وبشكل دقيق إلى حد ما؟ إن شعار (نموت.. نموت.. ويعيش الوطن) هو شعار عاطفي غير موضوعي والأصح هو (يموت العدو.. ويعيش الوطن).
(التقنية الحديثة تتيح أفضل الفرص لترشيد القرار. فقرار الحرب رغم صعوبته وخطورته إلا أنه من الممكن تقليل سلبياته بفضل دراسة عواقبه بشكل مسبق والاستعداد والتهيئ لها)
* السيطرة على الآلة العسكرية: الدول المصنعة عندما تبيع السلاح، فهي غالباً لا تبيع معه التنازل عن السيطرة عليه، فتظل الدول المصنعة للسلاح محتفظة بحق السيطرة على السلاح والمعدات والمنظومات الدفاعية لتحد من فاعليتها أو إخراجها من المعركة حتى قبل أن تبدأ، كما أن التقانة المساندة التي تعتمد عليها الكثير من المنظومات الدفاعية مثل الأقمار الصناعة ووسائل الاتصالات، وأجهزة تحديد الموقع (GPS)، فإن معظم أجهزة الإسناد هذه تحت السيطرة التامة للدول المتقدمة والمصنعة للسلاح، فما جدوى خوض معركة لحساب أو تحت سيطرة آخرين (الحدادين) ؟(لابد من تقييم مدى الاعتماد على استقلالية المنظومات الدفاعية من ناحية، ومدى استمرارية الدعم الفني والتعبوي من الدول المصنعة من ناحية أخرى قبل شراء المعدات الدفاعية وقبل التفكير بقرار الحرب).
* الصواريخ بعيدة المدى: منها ما هو مزود بالتقنية العالية ودقيق الإصابة، ومنها ما هو بدائي ويكاد أن يصنف بعشوائي الإصابة. وكلا النوعين لا يعترف بحدود جبهة أو ميدان قتال والأخير منها مصاب بعمى التميز بين الأهداف. وبعض الدول المتقدمة والمصنعة لهذه الصواريخ تجري في الوقت الحالي تقييماً شاملاً لنوعية بعض أنواع القوات المستخدمة في الوقت الراهن. فمن هذه الدول من وضع تصور لاستبدال جزء كبير من قوته الجوية بهذه الصواريخ، والبعض الآخر من طور منظومات الدفاع الجوي للتصدي لهذا الخطر.
(التصدي لهذا الخطر مكلف جداً على مستوى الدولة الواحدة، لذلك لابد من التفكير الجماعي للدول المشتركة بهذا الهم)
* التقنية المتطورة في النظم والمعدات الدفاعية: في السابق كان سلاح الطيران يتمتع منفرداً بالتطور التقني وذلك لطبيعة هذا السلاح المعقد، كان ذلك في السابق، أما الآن فلقد أصبحت التقنية المتطورة منتشرة وضرورية جداً في عمل مختلف الوحدات الدفاعية لتصل إلى جندي المشاة المزود بكاميرات عبر الأقمار الصناعية ومعدات الاتصالات وتحديد الموقع وغيرها، وكل ذلك يعمل كالسيف الذي يقطع باتجاهين. (التقانة المستمرة بالتطور تفرض علينا مواصلة ومواكبة هذا التقدم من خلال التقييم المستمر لكل الجوانب المتأثرة بهذا التغير بما في ذلك المرونة بالعقيدة القتالية. في حرب تحرير الكويت كان السلاح العراقي الأكثر تأثيراً هو الأبسط تعقيداً والذي خرج عن نطاق السيطرة، وهو المدفع الثلاثي المضاد للطائرات. كما أن لجمهورية مصر العربية تجربة تستحق التأمل عندما استطاعت تحييد صواريخ العدو المضادة لمنظومات الدفاع الجوي (High-Speed Anti-radiation Missile (HARM))، كما أن دراسة وتأمل ما يمكن أن يندرج تحت مظلة الحرب التصورية (Cyber Warfare) يعطي صورة أوضح. الاختيارات وعواقب قرار الحرب).
* قوة الردع عند دول العالم الثالث: تبنت بعض دول العالم المتقدمة نظرية قوة الردع (Deterrent Power) وكذلك فعلت بعض دول العالم الثالث، فطورت الطاقة النووية لتحصل بعد ذلك على القنبلة النووية، وإذا بهذه القنبلة النووية تصبح عبئاً على هذه الدول باعتبارها صيداً غير عسير على الدول المتقدمة بما تملكه من صواريخ بعيدة المدى ودقيقة الإصابة، وطائرات لا يمكن للرادارات أن تكتشفها وتستطيع أن تدمر هذه القنابل، وهكذا تهدر موارد الدول. (قبل استنزاف موارد الدولة في الجري لاقتناء مثل هذه التقنية العالية جداً يجب التفكير بالتكلفة المادية والتعبوية والدفاعية المترتبة على هذا القرار. نتطلع أن تبادر إيران إلى التخلي عن برنامجها النووي قبل فوات الأوان).
* الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية: بشكل عام وحسب معطيات الواقع الحالي للدول المستوردة للسلاح فإن مواجهة أخطار ومتطلبات أمن دولها غالباً ما لا يمكن التصدي له بأي حال من الأحوال بالإمكانيات العسكرية المتاحة للجيش والقوات المسلحة لهذه الدول فقط، لذلك لا بد من ربط مصلحة الدول الكبرى بمصلحة استقرار وأمن الدول المستوردة للسلاح، ومن خلال التوسع بالمشاريع الاقتصادية والاتفاقيات والمعاهدات الدفاعية والأمنية، مع ضرورة إدراك تكلفة مثل هذه الترتيبات، ورغم أن ثمن الاستقرار عادةً ما يكون كبيراً إلا أنه بلا شك مبرر بما يوفر من بيئة مناسبة لعوائد أكبر. والتحالفات الأمنية والدفاعية ليست بدعة ولا هي عادة منقرضة، فالدول الكبرى والمتقدمة لا تزال ترتبط مع بعضها البعض بمثل هذه الاتفاقيات والمعاهدات والأحلاف، وخير مثال على ذلك حلف شمال الأطلسي (الناتو) وما يضم من دول قوية ومتقدمة، لذلك فإن الدول المستوردة للسلاح هي الأولى بمثل هذه الترتيبات حتى تتفرغ للمزيد من التنمية والتقدم في ظروف أكثر أمناً واستقراراً. فالشراكة التي تتطلع إليها الدول المستوردة للسلاح مع الدول المصنعة له في العالم هي شراكة أبعد من الاقتصار على التزود بالعتاد على أهميته، فالدول المستوردة للسلاح تتطلع إلى شراكة في الفهم السياسي والواقعي، والمشاركة في التنمية الاقتصادية، وفي توطين واستنبات التكنولوجيا، وتدريب الكوادر في المجالات المختلفة.
(الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية تعتبر رديفاً مهماً وأسلوباً فعالاً في مواجهة أعباء الدفاع لتوفير منظومات الإسناد، وتفعيل التكامل بين الدول لدعم الإمكانيات الدفاعية، أقمار صناعية، معدات إسناد غير قابلة للتصدير.. إلخ)
* بيئة عقود الدفاع: يجب أن تقيد بيئة عقود الدفاع بنظام رقابي فني ومالي وقانوني صارم ودقيق يضمن أفضل الأجواء والظروف التي تتيح أنسب الفرص لاستقدام أفضل العروض بعيداً عن نفوذ النافذين حتى لا تتسرب صفقات دفاعية فاسدة تستنزف وتهدر ثروات الوطن، ولا يتم اكتشاف عدم ملاءمتها إلا عند الحاجة إليها في الظروف الحرجة وذلك بعد فوات الأوان.
(من الأخطار الكبيرة والمحيطة بأمن الدول، ويجب التصدي لهذا التحدي بالأنظمة والقوانين المحكمة والصارمة أملاً بمنع تغلل المنظومات الدفاعية الفاسدة تحت هالة التقنية المتقدمة من التسلل إلى جسم الدفاع الوطني)
أخيراً (الإنسان هو الأهم) إن تناول موضوع التقدم الكبير للتقانة العسكرية يجب ألا يقف بنا عند مشاعر الانبهار – وهو مبرر على كل حال – ولكن يجب أن نتجاوز هذه المشاعر لنتقدم إلى عالم المعرفة منطلقين منها بعناصر أربعة وهي مواطن قوتنا وضعفنا ومواطن قوة وضعف العدو (ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه)، وأن لا جدوى من اقتناء المنظومات الدفاعية والأسلحة العسكرية التي لا تتضمن التفوق على العدو في الجوانب التالية: النظرة الأولى (First Look) والرمية الأولى (First Shoot) والقتلة الأولى (First Kill)، ولنتذكر دائماً أن الدول الصديقة التي نشتري منها السلاح هي أيضاً صديقة وحليفة لعدونا، وأن نعمل بكل ثقة وعزم على أساس من هذه المعرفة دول إفراط أو تفريط، وبداية الطريق للاستفادة من التقانة بما فيها العسكرية هو تهيئة بيئة متزنة راسخة القواعد يكون محور اهتمامها الأهم هو (مبدع ومستخدم التقانة وهو الإنسان). وتوفير احتياجاته من تعليم وصحة ورعاية اجتماعية واقتصادية في جو من العدالة والديمقراطية.

::/fulltext::
::cck::2857::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *