هل يصبح نفط الخليج مدعاة للمواجهة القادمة بين الشرق والغرب؟
::cck::2876::/cck::
::introtext::
على رأس الأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، ولا نغالي إن قلنا الغرب بصفة عامة، تأتي أزمة الطاقة التي تمثل تحدياً حقيقياً بل ومصيرياً في مسيرة واشنطن الساعية إلى الهيمنة وبسط نفوذها على بقية أرجاء العالم. فقد أضحت إشكالية مصادر الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة تحديداً نقطة تقاطع وتشابك مع السياسات الداخلية من جهة ومع التحديات الخارجية التي تمضي في طريق التصادم بين أمريكا وبقية دول العالم من جهة ثانية.
::/introtext::
::fulltext::
على رأس الأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، ولا نغالي إن قلنا الغرب بصفة عامة، تأتي أزمة الطاقة التي تمثل تحدياً حقيقياً بل ومصيرياً في مسيرة واشنطن الساعية إلى الهيمنة وبسط نفوذها على بقية أرجاء العالم. فقد أضحت إشكالية مصادر الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة تحديداً نقطة تقاطع وتشابك مع السياسات الداخلية من جهة ومع التحديات الخارجية التي تمضي في طريق التصادم بين أمريكا وبقية دول العالم من جهة ثانية.
إن التساؤل المطروح إلى أين يمضي هذا الصراع حول مصادر الطاقة لا سيما النفط في القرن الحادي والعشرين وخاصة في ظل الطلب المتنامي والنمو المتصاعد لاقتصاديات دول شرق آسيا؟
ففي الأسابيع الماضية وعلى صدر صفحات (نيويورك تايمز) الأمريكية كان التساؤل عن أمن الطاقة وهل غيابه يعد مدعاة اليوم لتوحد الغرب؟
ومن صيغة التساؤل يفهم أن الأمر أخذ ينحو منحى الصراع بين دول مثل روسيا والصين والهند واليابان التي لا غنى لها عن النفط وبقية مصادر الطاقة لإكمال سعيها الحثيث نحو عالم التقدم والنمو بل أكثر من ذلك فإن إحداها (الصين) تسعى اليوم لمصادر الطاقة في طريقها للقطبية القادمة وبذلك تعلن تحدياً غير معلن للقطبية القائمة (أمريكا).
ويذكر الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقاله في الصحيفة الأمريكية الشهيرة أن الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة الغرب اليوم ليس (الخطر الأخضر) أي الإسلام الذي درجت الكثير من الأدبيات السياسية الغربية على تسميته ولا الإرهاب الدولي الذي تكرست له الجهود، وجيشت من أجله الجيوش إنما الخوف الأكبر والخطر الأعظم يتمثل في أزمة الطاقة، وأنه لبس هناك في عالم اليوم ما يهدد الغرب ونمط حياته الليبرالية المنفتحة أكثر من هذا التضافر الغريب من خطر التغير المفاجئ في السياسات النفطية وتحديداً ما أطلق عليه الشمولية النفطية المرتبطة بالراديكالية الإسلامية.
وفي الحقيقة فإن جعل وزراء خارجية الدول الغربية أزمة الطاقة أجندة عمل لهم يشير إلى اقتراب تحول الطاقة إلى قلب أعمال حلف شمال الأطلسي.
ومما لاشك فيه أن هناك تنظيرات ورؤى دفعت ولا تزال بالغرب إلى مخاوف قوية لجهة مستقبل أزمة الطاقة تجعله يتحسس أسلحته صباح مساء كل يوم، وليس آخر هذه الأطروحات (الأبوكريفية) (المنحولة) ما أورده صموئيل هنتنجتون عن حتمية قيام شراكة بين الشرق الآسيوي الكونفوشيوسي والعالم الإسلامي الذي يعوم على بحيرات من النفط والغاز وهو عالم (شمولي راديكالي) في نظر أصحاب القرار في الغرب في مواجهة العواصم الغربية المسيحية ومن حالفها من اليهود.
هذه النظرية التي بدأت مقالا في تسعينات القرن المنصرم في مجلة الشؤون الخارجية في نيويورك باتت اليوم تمثل محددا من المحددات شديدة الأهمية والخطورة بل والوعورة في المواجهات المتعلقة بالطاقة حالياً أو مستقبلاً.
وعليه، فلم يكن من الغريب أو المستغرب أن يصغي العالم في شهر فبراير المنصرم إلى الرئيس بوش عندما تحدث من مقر شركة جونسون كنترول بمدينة ميلووكي في ولاية ويسكون سون – وهي شركة تركز أنشطتها على التكنولوجيا- عن ضرورة أن تقلل بلاده اعتمادها على النفط الذي يستورد معظمه من مصادر غير جديرة بالثقة في الخارج وذلك لتعزيز أمنها القومي والاقتصادي.
وفي خطابه عن حالة الاتحاد الأخير قالها بوش صريحة بضرورة تخفيض واردات أمريكا من نفط الشرق الأوسط تحديداً بنسبة 75 في المائة مع حلول عام 2025، أما ما يدعو بوش لذلك فهو (أن بعض الدول التي نعتمد عليها في الحصول على النفط لديها حكومات غير مستقرة أو توجد اختلافات أساسية بينها وبين الولايات المتحدة وهذا يثير قضية تتعلق بالأمن القومي حينما نصبح رهائن للطاقة الموجودة لدى دول أجنبية قد لا تكون راضية عنا).
ولعل حديث تحديات أزمة الطاقة في الغرب يقودنا للتطلع إلى عدة مشاهد منها علاقة أمريكا بالنفط (العار بي) من جهة وما يستتبعه من مشروعات أمريكية لمنطقة الشرق الأوسط كالإصلاح ونشر الديمقراطية ومنها ما يدور في فلك العلاقات الأمريكية – الأوروبية والروسية في آن واحد وذلك في ضوء محاولات روسيا الجادة العودة إلى سيرتها القطبية الأولى من خلال الاعتماد على ثروتها من النفط والغاز، أضف إلى ذلك العلاقة الجدلية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية بسبب البرنامج النووي للأخيرة والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه واشنطن في هذه المواجهة وهي تدرك جيداً المصالح المتبادلة بين كل من روسيا والصين والهند وبين إيران وعلى رأسها إمدادات النفط.
وباختصار غير مخل يمكننا القول إن أزمة الطاقة اليوم لم تعد مجرد إشكالية تأمين مصدر من أهم مصادر النمو الاقتصادي وتسيير عجلة الحياة بمقدار ما باتت تمثل هاجساً أمنياً وتحدياً حقيقياً لمستقبل الغرب في القرن الحادي والعشرين.
أما على صعيد وجهة النظر الغربية بالنسبة للنفط العربي، فقد كانت دون مواراة أو مدارة أن (العرب جالسون عليه يحرسونه ولا يملكونه) وعليه فقد اهتمت الولايات المتحدة منذ بروزها كقوة عالمية أولى بعد الحرب العالمية الثانية بأمن منطقة الخليج انطلاقاً من العمل على حماية مصالحها ومصالح الجماعة الغربية بتلك المنطقة، ولاشك أن النفط مثل دائماً المصلحة الأولى والأهم للولايات المتحدة وحلفائها، فالخليج العربي يسهم بنسبة كبيرة في الإنتاج العالمي وهو كذلك يحتوي على أكبر نسبة (70 في المائة ) من احتياطيات النفط والغاز الطبيعي العالمية المؤكدة.
غير أن العلاقات الأمريكية-العربية بشكل عام في أوائل اكتشاف النفط تختلف عن قرينتها اليوم شكلاً ومضموناً وخصوصاً في ظل الأطروحات الأمريكية الأقرب إلى التدخلات إن لم تكن في واقع الأمر تدخلات فعلية في شؤون وسيادة تلك الدول تحت شعارات الإصلاح والدمقرطة.وباتت واشنطن تتساءل هل مشروعات الإصلاح في الشرق الأوسط يمكن أن تعطل إمدادات النفط بسبب أن هذا هو ما يهمها قبل أي شيء آخر أم لا؟ وكان البعض في واشنطن قد قال إن اقتراب أسعار النفط في حال حدوث أزمات في المنطقة كفيل برفع سعر البرميل إلى مائة دولار أمريكي، وإن دفع إدارة بوش لموضوع الديمقراطية في الشرق الأوسط الذي يحتوي على ثلثي الاحتياطيات العالمية من النفط سيؤدي إلى إرباك إمدادات النفط في وقت أحوج ما يكون فيه العالم إليه. فيما البعض الآخر ذهب إلى أن النفط في حد ذاته يمثل نقمة في طريق نشر أحلام الديمقراطية.
وعند توماس فريدمان في المقال ذاته أنه ما إن اتجه العالم من ساحة تسودها أسواق نفط يتراوح فيها سعر البرميل الواحد بين 40-42 دولارا إلى عالم آخر مجنون شهد الأسعار ومراوحتها بين 40-70 دولارا على أقل تقدير حتى سرت موجة جد سلبية في الاتجاه المعاكس لانتشار الحرية والقيم الديمقراطية والأسواق الحرة التي تفاءل بها الكثيرون في إعقاب الحرب الباردة.
وغني عن القول إن هذه كلها معايير مهمة للغاية للأمن القومي الأمريكي واهتزازاتها تؤثر في مصالح واشنطن في طول الكرة الأرضية وعرضها أو هكذا تدعي، وعليه فقد رسخ يقين عند غالبية طاقم إدارة الرئيس بوش بأن الدول التي يروق لها تسميتها نفطية والتي يعتمد إجمالي ناتجها المحلي القومي إلى حد كبير على النفط وتحكمها مؤسسات إما ضعيفة أو مهلهلة أو شمولية مباشرة سرعان ما كشرت عن أنيابها وأظفارها، وعدمت إلى إضعاف مد التحول الديمقراطي ودحر موجته في الوقت الراهن على الأقل.
والواقع أن أحداً لا يستطيع بحال من الأحوال أن ينسى أو يتناسى تلك الهجمة التي تعرضت لها الدول العربية لا سيما الخليجية منها تحت ذرائع العلاقة الطردية القائمة بين عوائد النفط وانتشار وتمويل الإرهاب في العالم وكأن النفط أصبح أداة جديدة من أدوات التحريض ضد العرب والمسلمين بشكل خاص.
والمؤكد أن هذا التداخل في الرؤى الأمريكية جهة نفط العرب ومشروعات حكومة الرئيس بوش لنشر الحرية والديمقراطية يدخل في الآونة الأخيرة مرحلة جديدة من التعقيد وتحديداً إذا أخذنا في الاعتبار المشهد الآخر المتعلق بالمواجهة الأمريكية – الإيرانية التي هي أيضاً في جزء كبير منها صراع على أمن الطاقة، فإيران في نظر الولايات المتحدة تمثل تهديداً لثاني أمرين لا تقبل فيهما واشنطن حلولاً وسطاً تجاه أي مهدد خارجي الأول هو أمن دولة إسرائيل فيما الآخر هو تأمين إمدادات نفط الخليج إلى موانئها. وذلك دون أن يغفل الناظر للمشهد الدولي الأحلام الإمبراطورية الأمريكية بالتوسع شرقاً جهة آسيا. غير أن نظام الملالي يقف عائقاً وعقبة في تقدير صناع وثيقة القرن الأمريكي في الطريق شرقاً.
فتذكر صحيفة (وول ستريت جورنال) في مقال لها نشرته في فبراير 2005 كيف أن الملالي في طهران الذين يملكون الآن أموالا وفيرة بفضل أسعار النفط المرتفعة يديرون ظهرهم لبعض المستثمرين الأجانب بدلاً من الترحيب بهم، فقد عقدت (توركسيل) وهي شركة تركية لتشغيل الهواتف الخليوية صفقة مع طهران لإنشاء أول شبكة هاتفية خليوية ذات ملكية خاصة في البلاد وكانت صفقة مغرية، فقد وافقت توركسيل على دفع 300 مليون دولار لإيران للحصول على الرخصة واستثمار 2.25 مليار دولار في المشروع الذي كان سيؤدي إلى استحداث 20 ألف وظيفة جديدة في إيران، لكن الملالي في البرلمان الإيراني جمدوا العقد مدعين أنه قد يساعد الأجانب على التجسس على إيران.
والمعنى هنا أن العائدات النفطية المرتفعة تدفع بأركان نظام الحكم في طهران إلى تثبيت أقدامهم في مواقعهم وعدم خشيتهم من فرض الغرب عقوبات اقتصادية عليهم، بل وتمكن لهم هذه العائدات من إكمال مشروعهم الساعي لحيازة السلاح النووي.
فالبرغم من أن المحللين الإيرانيين يطالبون بإصلاحات اقتصادية في الداخل منذ عشر سنوات حسبما يقول علي أنصاري الخبير في الشؤون الإيرانية في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا لصحيفة (وول ستريت جورنال) فإن الوضع في الداخل في حقيقة الأمر ينتقل إلى الأسوأ والسبب هو أن الملالي يملكون أموالاً طائلة بسبب ارتفاع أسعار النفط ولا يحتاجون إلى إصلاح الاقتصاد.
وفي 11 فبراير الماضي أوردت مجلة (الأيكونوميست) البريطانية الشهيرة مقالا جاء فيه (أن القومية أسهل إن كنت متخماً والسيد أحمدي نجاد هو رئيس محظوظ من المتوقع أن يحصل على نحو 36 مليار دولار من عوائد الصادرات النفطية للمساعدة على شراء الوفاء له في أول مشروع موازنة أحيل الآن إلى البرلمان، وقد وعدت الحكومة عبره ببناء 300 ألف وحدة سكنية ثلثاها خارج المدن الكبرى وبالاستمرار في تقديم الإعانات لقطاع الطاقة، التي تبلغ 10 في المائة من الناتج الإجمالي وهي نسبة عالية جداً.
والمقطوع به أنه لولا هذه الدخول الهائلة لما تمكنت إيران من أن تصبح دولة ذات قرار تصر عليه، وتزعج انطلاقاً منه حاضرة العالم المعاصر وروما القرن الجديد أي واشنطن.
والحاصل أن أمن الغرب يواجه اليوم كذلك انطلاقاً من إشكالية الطاقة مأزقاً جديداً متمثلاً في الصحوة التي قادها ويقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي تحاول أن تذكّر الجمع بأن روسيا لم تعد كماً مهملاً كما في أيام غورباتشوف أو يلتسين.
وإذا كان الصراع في الماضي بين الاتحاد السوفييتي وأوروبا وأمريكا مجاله عالم العسكر والعسكريين فإن حرباً باردة جديدة تدور في الأفق اليوم، لكن مجالها هو الطاقة وكان هذا واضحاً تمام الوضوح في مؤتمر مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى في مدينة سان بطرسبرغ.
فأوروبا على وجه التخصيص تدرك اليوم أفضل من أي وقت مضى أنها أصبحت تعتمد كثيراً على مصادر الوقود الروسية، وروسيا من جانبها تريد أن تدخل الأسواق الأوروبية، وهذا يعني أكثر من مجرد سيطرتها على الأنابيب التي تنقل نفطها وغازها، بل يشمل أيضاً دخولها بثقل في مجالات أعمال الطاقة كالتكرير وبيع البنزين بالتجزئة وسد الطريق على المنافسين والأغنياء بموارد الطاقة من آسيا الوسطى وحول بحر قزوين ومنعهم من الظهور في الصورة.
فهل ما تقدم يكفي لإثارة قلق واشنطن عليس هذا فحسب في حقيقة الأمر ما يقلق واشنطن، فقلقها من نوايا روسية يتسع لما هو أبعد من أوروبا، فقد قابل بوتين رئيس إيران محمود أحمدي نجاد في شانغهاي لمناقشة ما سماه ميخائيل مارغيلوف رئيس لجنة العلاقات الدولية التابعة لمجلس الاتحاد الروسي (تحالف الغاز بين روسيا وإيران من أجل تثبيت الأسعار) وقد دعمت طهران شركة غاز بروم للمشاركة في أنبوب غاز يمتد عبر إيران وباكستان والهند ويمكن أن يمتد كذلك إلى الصين. كما قابل بوتين أيضاً رئيس فنزويلا هوغو شافيز المعروف عنه عداؤه المتزايد للولايات المتحدة وذلك بعيد قمة مجموعة الثماني، ومن بين الأمور الأخرى ناقش شافيز إنهاء اعتماد فنزويلا على الشركات الغربية الرئيسية لتصدير 87 في المائة من نفطها وغازها وسيمنح شركة غاز بروم شريحة من مشروع خط الأنابيب المزمع مده إلى الأرجنتين والذي يصل طوله إلى 8 آلاف كيلومتر.
ومن دون أدنى شك فإن واشنطن اليوم تواجه شبكة من العلاقات تمتد من موسكو إلى بكين مرورا بإسلام آباد ونيودلهي وصولاً إلى طهران، عصبها هو الاتفاقيات النفطية التي تجعل من اليد العسكرية الأمريكية الطويلة قصيرة وهو ما تجلى في تعليق مجلة (نيوزويك) الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ الخامس من سبتمبر المنصرم والذي يقول فيه أوين ماثيوز إن دفاع روسيا عن حق إيران في استمرارها في برنامجها النووي المدني يضع بوتين في سجلات واشنطن السيئة. ففي مايو الماضي وفيما وصف بأنه فاتحة تمهيدية تهجم نائب الرئيس ديك تشيني على الكرملين لاستعماله النفط والغاز كوسائل ابتزاز أو تهديد على حد تعبيره واتهم موسكو بمحاولة احتكار نقل مصادر الطاقة من القوقاز.
غير أن المخاوف التي تزعج واشنطن أيما إزعاج اليوم هي أنها باتت تشعر بأن تهافت أوروبا على توقيع صفقات مع الكرملين يقلل من استراتيجية أكبر لاحتواء روسيا، ويسخر من المحادثات الأوروبية التي تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة.
ولا يحتاج الأمر إلى تحليل سياسي، فالمشهد يرسخ فكرة اتجاه أوروبا شرقاً وتقليل ارتباطاتها مع الجانب الآخر من الأطلسي، أي أمريكا، فالحكومات الأوروبية بعد فزعها من تحرك موسكو وتهديدها بوقف شحن الغاز إلى أوكرانيا في يناير الماضي تبدو مترددة في اتباع أسلوب المواجهة الذي اتبعه الرئيس بوش (إذ ليس لدى أوروبا خيار آخر غير روسيا كشريك في الطاقة) على حد قول مستشار ألمانيا السابق جيرهارد شرودر الذي يعمل الآن لحساب ائتلاف شركات الأنابيب البلطيقية التي تقودها شركة غاز بروم.
وفي إطار استعراض المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأمن القومي الأمريكي على نحو تميز من جراء أزمة الطاقة فإن الصين في حد ذاتها في حاجة إلى تحليل كامل في شأن ما تمثله من تهديد جدي لأمن أمريكا وأوروبا من خلفها.
وإذا كان الصراع في نصف القرن الماضي كان على منطقة الخليج العربي فإن الصين أدركت مبكراً أن نموها المطرد البعيد عن منظومة الهيمنة العسكرية أمر قرين بالحصول على موارد نفطية جديدة ومتجددة وذلك رغم ما يوجد في باطن أراضيها الواسعة الشاسعة من احتياطيات هائلة؛ وعليه فقد أخذت في فتح أسواق جديدة تصدر إليها ما تنتجه من سلع رخيصة الثمن في مقابل حصولها على النفط بأشكاله المتعددة وهذا ما يجعل الجالس في البيت الأبيض يشعر باقتراب الخطر منه في موضعين جغرافيين غاية في الأهمية والخطورة بالنسبة له ولبلاده:
الموضع الأول هو قارة أمريكا الجنوبية، حيث تشهد العديد من دول أمريكا اللاتينية حالة من العودة إلى المد الثوري اليساري بعد أن ملت من التعنت والغطرسة الأمريكية. ويقود هذا الاتجاه الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز الذي أضحى بمثابة الصديق المقرب والمفضل للصين وهو المعروف عنه عداؤه الشديد للإدارة الأمريكية الحالية، فقد دخل شافيز بالفعل في شراكات متنوعة مع الصين لمد خطوط نفط داخل القارة وعبر معظم دولها وكانت جولاته الآسيوية الأخيرة خير دليل على هذا التوجه ويواكبه في الاتجاه ذاته الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا إضافة إلى رئيس البيرو وحال انضمام الرئيس المكسيكي الغاضب من بناء أمريكا لسور عازل بينها وبين بلاده إلى هذا التجمع فإن مصادر أمريكا اللاتينية من الطاقة المتجهة للولايات المتحدة قد تصبح مهددة في أي لحظة تنفجر فيها الصراعات المسلحة التي كثيرا ما ترغب فيها إدارة الرئيس بوش.
ويعني هذا من جانب آخر أن بكين أمست دون ريب تهدد أمريكا بميزان رعب جديد ليس هو ميزان الرعب النووي بل من خلال ما اصطلح على تسميه ميزان الرعب النقدي، حيث يميل الميزان التجاري إلى كفة الصين في تعاملاتها مع أمريكا ولتضحى الخزينة الأمريكية مدينة بالكثير للصين.
فيما الوضع الثاني أو المواجهة الثانية تدور رحاها في إفريقيا القارة البكر المليئة بالثروات الطبيعية وفي مقدمتها النفط، والصراع هناك بين بكين وواشنطن لا يخفى على أحد لا سيما أن الصين لا تشترط في إقامة مشروعاتها أو تقديم مساعدتها التي تقدمها للدول الإفريقية وضع شروط سياسية معينة وضرورة تحقيقها كنشر الديمقراطية أو احترام حقوق الإنسان ومراعاة الأقليات مروراً بأحاديث الإصلاح ومكافحة الفساد، وإجمالاً لا تعنى كثيراً بتسييس العمليات الاقتصادية إلى آخر الشعارات الأمريكية التي تربط واشنطن أنشطتها واستثماراتها ومساعدتها بها وهو ما يسهل بكثير الاختراق الصيني للقارة الإفريقية التي ترى واشنطن أنها قد تصبح ملعباً جديداً يؤوي الإرهاب الدولي في ظل نظرية هنتنجتون للتحالف الإسلامي – الصيني على الأراضي الإفريقية.
وكان منتدى التعاون الصيني – الإفريقي الذي عقد منذ فترة قصيرة في بكين نقطة انطلاق جديدة تبلورت في وثيقتين تاريخيتين هما (إعلان بكين) و(خطة العمل) تدفعان العمل الإفريقي الصيني للأمام قدماً على أسس صلبة وقواعد راسخة لا سيما أن كلا الجانبين يمتلك من الإمكانات ما يؤهل تلك العلاقات لمزيد من التطور والازدهار كي ترتقي بها لمستوى المشاركة الاستراتيجية متعددة الأوجه والأبعاد حتى إن لم يلق الأمر هوى عند صانع القرار الأمريكي وجماعة المحافظين الجدد.
والخلاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية التي أنفقت منذ العام 2001 نحو عشرة مليارات دولار على الأبحاث الخاصة بإيجاد موارد بديلة للطاقة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي المستخرج من الذرة والأشجار والقش والنشارة وأشياء أخرى فشلت حتى الساعة في الحصول على بديل نظيف وسريع ورخيص يعادل النفط المعروف الآن بكل سماته وخصائصه.
وفي ضوء هذه النتيجة فإن إدارة الرئيس بوش مرشحة لمزيد من أزمات الطاقة التي تهدد وعن جدارة أمنها القومي والاقتصادي طالما استمرت سياساتها الخارجية على الوتيرة الأحادية نفسها التي ترفضها غالبية دول العالم من الأصدقاء والأعداء سواء بسواء، والتي تجعل من النفط تحديداً سيفاً مسلطاً على رقبتها وهو ما يمكن أن يترجم لاحقاً في صورة انكماش وتقلص للهيمنة الأمريكية العالمية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2876::/cck::
::introtext::
على رأس الأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، ولا نغالي إن قلنا الغرب بصفة عامة، تأتي أزمة الطاقة التي تمثل تحدياً حقيقياً بل ومصيرياً في مسيرة واشنطن الساعية إلى الهيمنة وبسط نفوذها على بقية أرجاء العالم. فقد أضحت إشكالية مصادر الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة تحديداً نقطة تقاطع وتشابك مع السياسات الداخلية من جهة ومع التحديات الخارجية التي تمضي في طريق التصادم بين أمريكا وبقية دول العالم من جهة ثانية.
::/introtext::
::fulltext::
على رأس الأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، ولا نغالي إن قلنا الغرب بصفة عامة، تأتي أزمة الطاقة التي تمثل تحدياً حقيقياً بل ومصيرياً في مسيرة واشنطن الساعية إلى الهيمنة وبسط نفوذها على بقية أرجاء العالم. فقد أضحت إشكالية مصادر الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة تحديداً نقطة تقاطع وتشابك مع السياسات الداخلية من جهة ومع التحديات الخارجية التي تمضي في طريق التصادم بين أمريكا وبقية دول العالم من جهة ثانية.
إن التساؤل المطروح إلى أين يمضي هذا الصراع حول مصادر الطاقة لا سيما النفط في القرن الحادي والعشرين وخاصة في ظل الطلب المتنامي والنمو المتصاعد لاقتصاديات دول شرق آسيا؟
ففي الأسابيع الماضية وعلى صدر صفحات (نيويورك تايمز) الأمريكية كان التساؤل عن أمن الطاقة وهل غيابه يعد مدعاة اليوم لتوحد الغرب؟
ومن صيغة التساؤل يفهم أن الأمر أخذ ينحو منحى الصراع بين دول مثل روسيا والصين والهند واليابان التي لا غنى لها عن النفط وبقية مصادر الطاقة لإكمال سعيها الحثيث نحو عالم التقدم والنمو بل أكثر من ذلك فإن إحداها (الصين) تسعى اليوم لمصادر الطاقة في طريقها للقطبية القادمة وبذلك تعلن تحدياً غير معلن للقطبية القائمة (أمريكا).
ويذكر الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقاله في الصحيفة الأمريكية الشهيرة أن الخطر الحقيقي الذي يهدد وحدة الغرب اليوم ليس (الخطر الأخضر) أي الإسلام الذي درجت الكثير من الأدبيات السياسية الغربية على تسميته ولا الإرهاب الدولي الذي تكرست له الجهود، وجيشت من أجله الجيوش إنما الخوف الأكبر والخطر الأعظم يتمثل في أزمة الطاقة، وأنه لبس هناك في عالم اليوم ما يهدد الغرب ونمط حياته الليبرالية المنفتحة أكثر من هذا التضافر الغريب من خطر التغير المفاجئ في السياسات النفطية وتحديداً ما أطلق عليه الشمولية النفطية المرتبطة بالراديكالية الإسلامية.
وفي الحقيقة فإن جعل وزراء خارجية الدول الغربية أزمة الطاقة أجندة عمل لهم يشير إلى اقتراب تحول الطاقة إلى قلب أعمال حلف شمال الأطلسي.
ومما لاشك فيه أن هناك تنظيرات ورؤى دفعت ولا تزال بالغرب إلى مخاوف قوية لجهة مستقبل أزمة الطاقة تجعله يتحسس أسلحته صباح مساء كل يوم، وليس آخر هذه الأطروحات (الأبوكريفية) (المنحولة) ما أورده صموئيل هنتنجتون عن حتمية قيام شراكة بين الشرق الآسيوي الكونفوشيوسي والعالم الإسلامي الذي يعوم على بحيرات من النفط والغاز وهو عالم (شمولي راديكالي) في نظر أصحاب القرار في الغرب في مواجهة العواصم الغربية المسيحية ومن حالفها من اليهود.
هذه النظرية التي بدأت مقالا في تسعينات القرن المنصرم في مجلة الشؤون الخارجية في نيويورك باتت اليوم تمثل محددا من المحددات شديدة الأهمية والخطورة بل والوعورة في المواجهات المتعلقة بالطاقة حالياً أو مستقبلاً.
وعليه، فلم يكن من الغريب أو المستغرب أن يصغي العالم في شهر فبراير المنصرم إلى الرئيس بوش عندما تحدث من مقر شركة جونسون كنترول بمدينة ميلووكي في ولاية ويسكون سون – وهي شركة تركز أنشطتها على التكنولوجيا- عن ضرورة أن تقلل بلاده اعتمادها على النفط الذي يستورد معظمه من مصادر غير جديرة بالثقة في الخارج وذلك لتعزيز أمنها القومي والاقتصادي.
وفي خطابه عن حالة الاتحاد الأخير قالها بوش صريحة بضرورة تخفيض واردات أمريكا من نفط الشرق الأوسط تحديداً بنسبة 75 في المائة مع حلول عام 2025، أما ما يدعو بوش لذلك فهو (أن بعض الدول التي نعتمد عليها في الحصول على النفط لديها حكومات غير مستقرة أو توجد اختلافات أساسية بينها وبين الولايات المتحدة وهذا يثير قضية تتعلق بالأمن القومي حينما نصبح رهائن للطاقة الموجودة لدى دول أجنبية قد لا تكون راضية عنا).
ولعل حديث تحديات أزمة الطاقة في الغرب يقودنا للتطلع إلى عدة مشاهد منها علاقة أمريكا بالنفط (العار بي) من جهة وما يستتبعه من مشروعات أمريكية لمنطقة الشرق الأوسط كالإصلاح ونشر الديمقراطية ومنها ما يدور في فلك العلاقات الأمريكية – الأوروبية والروسية في آن واحد وذلك في ضوء محاولات روسيا الجادة العودة إلى سيرتها القطبية الأولى من خلال الاعتماد على ثروتها من النفط والغاز، أضف إلى ذلك العلاقة الجدلية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإيرانية بسبب البرنامج النووي للأخيرة والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه واشنطن في هذه المواجهة وهي تدرك جيداً المصالح المتبادلة بين كل من روسيا والصين والهند وبين إيران وعلى رأسها إمدادات النفط.
وباختصار غير مخل يمكننا القول إن أزمة الطاقة اليوم لم تعد مجرد إشكالية تأمين مصدر من أهم مصادر النمو الاقتصادي وتسيير عجلة الحياة بمقدار ما باتت تمثل هاجساً أمنياً وتحدياً حقيقياً لمستقبل الغرب في القرن الحادي والعشرين.
أما على صعيد وجهة النظر الغربية بالنسبة للنفط العربي، فقد كانت دون مواراة أو مدارة أن (العرب جالسون عليه يحرسونه ولا يملكونه) وعليه فقد اهتمت الولايات المتحدة منذ بروزها كقوة عالمية أولى بعد الحرب العالمية الثانية بأمن منطقة الخليج انطلاقاً من العمل على حماية مصالحها ومصالح الجماعة الغربية بتلك المنطقة، ولاشك أن النفط مثل دائماً المصلحة الأولى والأهم للولايات المتحدة وحلفائها، فالخليج العربي يسهم بنسبة كبيرة في الإنتاج العالمي وهو كذلك يحتوي على أكبر نسبة (70 في المائة ) من احتياطيات النفط والغاز الطبيعي العالمية المؤكدة.
غير أن العلاقات الأمريكية-العربية بشكل عام في أوائل اكتشاف النفط تختلف عن قرينتها اليوم شكلاً ومضموناً وخصوصاً في ظل الأطروحات الأمريكية الأقرب إلى التدخلات إن لم تكن في واقع الأمر تدخلات فعلية في شؤون وسيادة تلك الدول تحت شعارات الإصلاح والدمقرطة.وباتت واشنطن تتساءل هل مشروعات الإصلاح في الشرق الأوسط يمكن أن تعطل إمدادات النفط بسبب أن هذا هو ما يهمها قبل أي شيء آخر أم لا؟ وكان البعض في واشنطن قد قال إن اقتراب أسعار النفط في حال حدوث أزمات في المنطقة كفيل برفع سعر البرميل إلى مائة دولار أمريكي، وإن دفع إدارة بوش لموضوع الديمقراطية في الشرق الأوسط الذي يحتوي على ثلثي الاحتياطيات العالمية من النفط سيؤدي إلى إرباك إمدادات النفط في وقت أحوج ما يكون فيه العالم إليه. فيما البعض الآخر ذهب إلى أن النفط في حد ذاته يمثل نقمة في طريق نشر أحلام الديمقراطية.
وعند توماس فريدمان في المقال ذاته أنه ما إن اتجه العالم من ساحة تسودها أسواق نفط يتراوح فيها سعر البرميل الواحد بين 40-42 دولارا إلى عالم آخر مجنون شهد الأسعار ومراوحتها بين 40-70 دولارا على أقل تقدير حتى سرت موجة جد سلبية في الاتجاه المعاكس لانتشار الحرية والقيم الديمقراطية والأسواق الحرة التي تفاءل بها الكثيرون في إعقاب الحرب الباردة.
وغني عن القول إن هذه كلها معايير مهمة للغاية للأمن القومي الأمريكي واهتزازاتها تؤثر في مصالح واشنطن في طول الكرة الأرضية وعرضها أو هكذا تدعي، وعليه فقد رسخ يقين عند غالبية طاقم إدارة الرئيس بوش بأن الدول التي يروق لها تسميتها نفطية والتي يعتمد إجمالي ناتجها المحلي القومي إلى حد كبير على النفط وتحكمها مؤسسات إما ضعيفة أو مهلهلة أو شمولية مباشرة سرعان ما كشرت عن أنيابها وأظفارها، وعدمت إلى إضعاف مد التحول الديمقراطي ودحر موجته في الوقت الراهن على الأقل.
والواقع أن أحداً لا يستطيع بحال من الأحوال أن ينسى أو يتناسى تلك الهجمة التي تعرضت لها الدول العربية لا سيما الخليجية منها تحت ذرائع العلاقة الطردية القائمة بين عوائد النفط وانتشار وتمويل الإرهاب في العالم وكأن النفط أصبح أداة جديدة من أدوات التحريض ضد العرب والمسلمين بشكل خاص.
والمؤكد أن هذا التداخل في الرؤى الأمريكية جهة نفط العرب ومشروعات حكومة الرئيس بوش لنشر الحرية والديمقراطية يدخل في الآونة الأخيرة مرحلة جديدة من التعقيد وتحديداً إذا أخذنا في الاعتبار المشهد الآخر المتعلق بالمواجهة الأمريكية – الإيرانية التي هي أيضاً في جزء كبير منها صراع على أمن الطاقة، فإيران في نظر الولايات المتحدة تمثل تهديداً لثاني أمرين لا تقبل فيهما واشنطن حلولاً وسطاً تجاه أي مهدد خارجي الأول هو أمن دولة إسرائيل فيما الآخر هو تأمين إمدادات نفط الخليج إلى موانئها. وذلك دون أن يغفل الناظر للمشهد الدولي الأحلام الإمبراطورية الأمريكية بالتوسع شرقاً جهة آسيا. غير أن نظام الملالي يقف عائقاً وعقبة في تقدير صناع وثيقة القرن الأمريكي في الطريق شرقاً.
فتذكر صحيفة (وول ستريت جورنال) في مقال لها نشرته في فبراير 2005 كيف أن الملالي في طهران الذين يملكون الآن أموالا وفيرة بفضل أسعار النفط المرتفعة يديرون ظهرهم لبعض المستثمرين الأجانب بدلاً من الترحيب بهم، فقد عقدت (توركسيل) وهي شركة تركية لتشغيل الهواتف الخليوية صفقة مع طهران لإنشاء أول شبكة هاتفية خليوية ذات ملكية خاصة في البلاد وكانت صفقة مغرية، فقد وافقت توركسيل على دفع 300 مليون دولار لإيران للحصول على الرخصة واستثمار 2.25 مليار دولار في المشروع الذي كان سيؤدي إلى استحداث 20 ألف وظيفة جديدة في إيران، لكن الملالي في البرلمان الإيراني جمدوا العقد مدعين أنه قد يساعد الأجانب على التجسس على إيران.
والمعنى هنا أن العائدات النفطية المرتفعة تدفع بأركان نظام الحكم في طهران إلى تثبيت أقدامهم في مواقعهم وعدم خشيتهم من فرض الغرب عقوبات اقتصادية عليهم، بل وتمكن لهم هذه العائدات من إكمال مشروعهم الساعي لحيازة السلاح النووي.
فالبرغم من أن المحللين الإيرانيين يطالبون بإصلاحات اقتصادية في الداخل منذ عشر سنوات حسبما يقول علي أنصاري الخبير في الشؤون الإيرانية في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا لصحيفة (وول ستريت جورنال) فإن الوضع في الداخل في حقيقة الأمر ينتقل إلى الأسوأ والسبب هو أن الملالي يملكون أموالاً طائلة بسبب ارتفاع أسعار النفط ولا يحتاجون إلى إصلاح الاقتصاد.
وفي 11 فبراير الماضي أوردت مجلة (الأيكونوميست) البريطانية الشهيرة مقالا جاء فيه (أن القومية أسهل إن كنت متخماً والسيد أحمدي نجاد هو رئيس محظوظ من المتوقع أن يحصل على نحو 36 مليار دولار من عوائد الصادرات النفطية للمساعدة على شراء الوفاء له في أول مشروع موازنة أحيل الآن إلى البرلمان، وقد وعدت الحكومة عبره ببناء 300 ألف وحدة سكنية ثلثاها خارج المدن الكبرى وبالاستمرار في تقديم الإعانات لقطاع الطاقة، التي تبلغ 10 في المائة من الناتج الإجمالي وهي نسبة عالية جداً.
والمقطوع به أنه لولا هذه الدخول الهائلة لما تمكنت إيران من أن تصبح دولة ذات قرار تصر عليه، وتزعج انطلاقاً منه حاضرة العالم المعاصر وروما القرن الجديد أي واشنطن.
والحاصل أن أمن الغرب يواجه اليوم كذلك انطلاقاً من إشكالية الطاقة مأزقاً جديداً متمثلاً في الصحوة التي قادها ويقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي تحاول أن تذكّر الجمع بأن روسيا لم تعد كماً مهملاً كما في أيام غورباتشوف أو يلتسين.
وإذا كان الصراع في الماضي بين الاتحاد السوفييتي وأوروبا وأمريكا مجاله عالم العسكر والعسكريين فإن حرباً باردة جديدة تدور في الأفق اليوم، لكن مجالها هو الطاقة وكان هذا واضحاً تمام الوضوح في مؤتمر مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى في مدينة سان بطرسبرغ.
فأوروبا على وجه التخصيص تدرك اليوم أفضل من أي وقت مضى أنها أصبحت تعتمد كثيراً على مصادر الوقود الروسية، وروسيا من جانبها تريد أن تدخل الأسواق الأوروبية، وهذا يعني أكثر من مجرد سيطرتها على الأنابيب التي تنقل نفطها وغازها، بل يشمل أيضاً دخولها بثقل في مجالات أعمال الطاقة كالتكرير وبيع البنزين بالتجزئة وسد الطريق على المنافسين والأغنياء بموارد الطاقة من آسيا الوسطى وحول بحر قزوين ومنعهم من الظهور في الصورة.
فهل ما تقدم يكفي لإثارة قلق واشنطن عليس هذا فحسب في حقيقة الأمر ما يقلق واشنطن، فقلقها من نوايا روسية يتسع لما هو أبعد من أوروبا، فقد قابل بوتين رئيس إيران محمود أحمدي نجاد في شانغهاي لمناقشة ما سماه ميخائيل مارغيلوف رئيس لجنة العلاقات الدولية التابعة لمجلس الاتحاد الروسي (تحالف الغاز بين روسيا وإيران من أجل تثبيت الأسعار) وقد دعمت طهران شركة غاز بروم للمشاركة في أنبوب غاز يمتد عبر إيران وباكستان والهند ويمكن أن يمتد كذلك إلى الصين. كما قابل بوتين أيضاً رئيس فنزويلا هوغو شافيز المعروف عنه عداؤه المتزايد للولايات المتحدة وذلك بعيد قمة مجموعة الثماني، ومن بين الأمور الأخرى ناقش شافيز إنهاء اعتماد فنزويلا على الشركات الغربية الرئيسية لتصدير 87 في المائة من نفطها وغازها وسيمنح شركة غاز بروم شريحة من مشروع خط الأنابيب المزمع مده إلى الأرجنتين والذي يصل طوله إلى 8 آلاف كيلومتر.
ومن دون أدنى شك فإن واشنطن اليوم تواجه شبكة من العلاقات تمتد من موسكو إلى بكين مرورا بإسلام آباد ونيودلهي وصولاً إلى طهران، عصبها هو الاتفاقيات النفطية التي تجعل من اليد العسكرية الأمريكية الطويلة قصيرة وهو ما تجلى في تعليق مجلة (نيوزويك) الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ الخامس من سبتمبر المنصرم والذي يقول فيه أوين ماثيوز إن دفاع روسيا عن حق إيران في استمرارها في برنامجها النووي المدني يضع بوتين في سجلات واشنطن السيئة. ففي مايو الماضي وفيما وصف بأنه فاتحة تمهيدية تهجم نائب الرئيس ديك تشيني على الكرملين لاستعماله النفط والغاز كوسائل ابتزاز أو تهديد على حد تعبيره واتهم موسكو بمحاولة احتكار نقل مصادر الطاقة من القوقاز.
غير أن المخاوف التي تزعج واشنطن أيما إزعاج اليوم هي أنها باتت تشعر بأن تهافت أوروبا على توقيع صفقات مع الكرملين يقلل من استراتيجية أكبر لاحتواء روسيا، ويسخر من المحادثات الأوروبية التي تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة.
ولا يحتاج الأمر إلى تحليل سياسي، فالمشهد يرسخ فكرة اتجاه أوروبا شرقاً وتقليل ارتباطاتها مع الجانب الآخر من الأطلسي، أي أمريكا، فالحكومات الأوروبية بعد فزعها من تحرك موسكو وتهديدها بوقف شحن الغاز إلى أوكرانيا في يناير الماضي تبدو مترددة في اتباع أسلوب المواجهة الذي اتبعه الرئيس بوش (إذ ليس لدى أوروبا خيار آخر غير روسيا كشريك في الطاقة) على حد قول مستشار ألمانيا السابق جيرهارد شرودر الذي يعمل الآن لحساب ائتلاف شركات الأنابيب البلطيقية التي تقودها شركة غاز بروم.
وفي إطار استعراض المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأمن القومي الأمريكي على نحو تميز من جراء أزمة الطاقة فإن الصين في حد ذاتها في حاجة إلى تحليل كامل في شأن ما تمثله من تهديد جدي لأمن أمريكا وأوروبا من خلفها.
وإذا كان الصراع في نصف القرن الماضي كان على منطقة الخليج العربي فإن الصين أدركت مبكراً أن نموها المطرد البعيد عن منظومة الهيمنة العسكرية أمر قرين بالحصول على موارد نفطية جديدة ومتجددة وذلك رغم ما يوجد في باطن أراضيها الواسعة الشاسعة من احتياطيات هائلة؛ وعليه فقد أخذت في فتح أسواق جديدة تصدر إليها ما تنتجه من سلع رخيصة الثمن في مقابل حصولها على النفط بأشكاله المتعددة وهذا ما يجعل الجالس في البيت الأبيض يشعر باقتراب الخطر منه في موضعين جغرافيين غاية في الأهمية والخطورة بالنسبة له ولبلاده:
الموضع الأول هو قارة أمريكا الجنوبية، حيث تشهد العديد من دول أمريكا اللاتينية حالة من العودة إلى المد الثوري اليساري بعد أن ملت من التعنت والغطرسة الأمريكية. ويقود هذا الاتجاه الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز الذي أضحى بمثابة الصديق المقرب والمفضل للصين وهو المعروف عنه عداؤه الشديد للإدارة الأمريكية الحالية، فقد دخل شافيز بالفعل في شراكات متنوعة مع الصين لمد خطوط نفط داخل القارة وعبر معظم دولها وكانت جولاته الآسيوية الأخيرة خير دليل على هذا التوجه ويواكبه في الاتجاه ذاته الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا إضافة إلى رئيس البيرو وحال انضمام الرئيس المكسيكي الغاضب من بناء أمريكا لسور عازل بينها وبين بلاده إلى هذا التجمع فإن مصادر أمريكا اللاتينية من الطاقة المتجهة للولايات المتحدة قد تصبح مهددة في أي لحظة تنفجر فيها الصراعات المسلحة التي كثيرا ما ترغب فيها إدارة الرئيس بوش.
ويعني هذا من جانب آخر أن بكين أمست دون ريب تهدد أمريكا بميزان رعب جديد ليس هو ميزان الرعب النووي بل من خلال ما اصطلح على تسميه ميزان الرعب النقدي، حيث يميل الميزان التجاري إلى كفة الصين في تعاملاتها مع أمريكا ولتضحى الخزينة الأمريكية مدينة بالكثير للصين.
فيما الوضع الثاني أو المواجهة الثانية تدور رحاها في إفريقيا القارة البكر المليئة بالثروات الطبيعية وفي مقدمتها النفط، والصراع هناك بين بكين وواشنطن لا يخفى على أحد لا سيما أن الصين لا تشترط في إقامة مشروعاتها أو تقديم مساعدتها التي تقدمها للدول الإفريقية وضع شروط سياسية معينة وضرورة تحقيقها كنشر الديمقراطية أو احترام حقوق الإنسان ومراعاة الأقليات مروراً بأحاديث الإصلاح ومكافحة الفساد، وإجمالاً لا تعنى كثيراً بتسييس العمليات الاقتصادية إلى آخر الشعارات الأمريكية التي تربط واشنطن أنشطتها واستثماراتها ومساعدتها بها وهو ما يسهل بكثير الاختراق الصيني للقارة الإفريقية التي ترى واشنطن أنها قد تصبح ملعباً جديداً يؤوي الإرهاب الدولي في ظل نظرية هنتنجتون للتحالف الإسلامي – الصيني على الأراضي الإفريقية.
وكان منتدى التعاون الصيني – الإفريقي الذي عقد منذ فترة قصيرة في بكين نقطة انطلاق جديدة تبلورت في وثيقتين تاريخيتين هما (إعلان بكين) و(خطة العمل) تدفعان العمل الإفريقي الصيني للأمام قدماً على أسس صلبة وقواعد راسخة لا سيما أن كلا الجانبين يمتلك من الإمكانات ما يؤهل تلك العلاقات لمزيد من التطور والازدهار كي ترتقي بها لمستوى المشاركة الاستراتيجية متعددة الأوجه والأبعاد حتى إن لم يلق الأمر هوى عند صانع القرار الأمريكي وجماعة المحافظين الجدد.
والخلاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية التي أنفقت منذ العام 2001 نحو عشرة مليارات دولار على الأبحاث الخاصة بإيجاد موارد بديلة للطاقة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي المستخرج من الذرة والأشجار والقش والنشارة وأشياء أخرى فشلت حتى الساعة في الحصول على بديل نظيف وسريع ورخيص يعادل النفط المعروف الآن بكل سماته وخصائصه.
وفي ضوء هذه النتيجة فإن إدارة الرئيس بوش مرشحة لمزيد من أزمات الطاقة التي تهدد وعن جدارة أمنها القومي والاقتصادي طالما استمرت سياساتها الخارجية على الوتيرة الأحادية نفسها التي ترفضها غالبية دول العالم من الأصدقاء والأعداء سواء بسواء، والتي تجعل من النفط تحديداً سيفاً مسلطاً على رقبتها وهو ما يمكن أن يترجم لاحقاً في صورة انكماش وتقلص للهيمنة الأمريكية العالمية.
::/fulltext::
::cck::2876::/cck::
