البيئة الإقليمية وانعكاساتها على الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون
::cck::2774::/cck::
::introtext::
يذهب الكثير من المفكرين إلى القول إن العولمة، كظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتكنولوجية، تؤدي وإن بالتدريج إلى إضعاف سيادة الدول وقدرتها على إدارة شؤونها بمعزل عن العالم الخارجي. ومع التسليم بجدلية المقولة وبنسبية تأثير العالم الخارجي على دولة ما أو على مجموعة من الدول إلا أن الواضح أن العالم الذي تحدّث عنه منظرو السيادة في القرن الماضي تغير كثيراً خلال العشرين سنة الماضية.
::/introtext::
::fulltext::
يذهب الكثير من المفكرين إلى القول إن العولمة، كظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتكنولوجية، تؤدي وإن بالتدريج إلى إضعاف سيادة الدول وقدرتها على إدارة شؤونها بمعزل عن العالم الخارجي. ومع التسليم بجدلية المقولة وبنسبية تأثير العالم الخارجي على دولة ما أو على مجموعة من الدول إلا أن الواضح أن العالم الذي تحدّث عنه منظرو السيادة في القرن الماضي تغير كثيراً خلال العشرين سنة الماضية.
في الوقت الذي لا تزال فيه الحدود الجغرافية التي تفصل بين الناس ماثلة للعيان في معظم أجزاء العالم، فإن الأشكال الحدودية الأخرى قد تلاشت بدرجة كبيرة. وفي عالم يشبه في الكثير من أوجهه (القرية الصغيرة) يصبح الحديث عن تأثير البيئة الإقليمية على فاعل دولي أو على مجموعة من الفاعلين أشبه ما يكون بالحديث عن تأثير سكان القرية الواحدة على بعضهم البعض.
وبالنسبة للبيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي فيمكن النظر إليها على أنها خليط معقد من التكوينات والتفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والثقافية والتي بحكم التشابه والتقارب والتقاطع بينها وبين نظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي تؤثر وتتأثر بما يحدث فيها. أما الإصلاح السياسي فيفهم هنا، واقتفاء لخطى الكثير من المفكرين، على أنه عملية تنطوي على الاعتراف والحماية للحقوق السياسية والحريات المدنية للمواطنين، وخاصة تلك المتعلقة بقدرتهم، في سعيهم لتحقيق المصالح المشتركة، على تنظيم أنفسهم وعلى الانخراط بحرية في الشأن السياسي. وينطوي الإصلاح السياسي عملياً على تخلي النظام السياسي القائم وبالتدريج عن تطبيق بعض القواعد والإجراءات التي تحد من قدرة المواطنين على التمتع ببعض الحقوق السياسية والحريات المدنية. والإصلاح السياسي بهذا المعنى يعني إتاحة المزيد من الفرص للمواطنين للمشاركة في الحياة السياسية، ولا يعني بالضرورة التحول إلى الديمقراطية. والحديث عن الإصلاح السياسي في الخليج هو بالتأكيد حديث عن مشروع قد بدأ وإن اختلفت درجته ونطاقه من دولة إلى أخرى.
وعلى ضوء هذا الفهم لكل من البيئة الإقليمية والإصلاح السياسي يمكن للإنسان أن يفترض وبشكل عام أن التكوينات والتفاعلات المختلفة في البيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي تنتج نوعين متداخلين من التأثيرات في دول مجلس التعاون: البعض يمكن أن يحفز ويدفع نحو توسيع وتسريع عمليات الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، والبعض الآخر يمكن أن يدفع في اتجاه الحفاظ على الوضع الراهن أو على الأقل تثبيط عجلة التحولات. ولعل أهم العوامل المؤثرة سلباً وإيجاباً في الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون تتمثل في التهديدات الأمنية، القضية الفلسطينية، والإصلاح السياسي في البيئة الإقليمية.
التهديدات الأمنية
تتمثل أهم التهديدات الأمنية النابعة من البيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في الإرهاب، التواجد الأجنبي في المنطقة، التطورات في العراق، وسقوط توازن القوى التقليدي. وإذا كان الأمريكيون قد استخدموا الإرهاب كأحد المبررات لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، فإن التطورات في العراق والتواجد الأجنبي في المنطقة وبقاء بعض الصراعات وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي دون حل وغير ذلك من العوامل تعمل كلها على إبقاء الإرهاب كخطر يتهدد دول المنطقة. وفي ما يتصل بأثر الإرهاب كظاهرة يتقاطع فيها المحلي والإقليمي والدولي على الإصلاح السياسي في الخليج فيمكن القول إن هناك احتمالين، الاحتمال الأول هو أن يؤدي بقاء الإرهاب إلى استمرار الضغوط الأمريكية والأوروبية على دول مجلس التعاون الخليجي لتقوم بالمزيد من خطوات الإصلاح السياسي التي من شأنها الحد من الغلو والتطرف وتشجيع الناس على الاعتدال واستخدام القنوات السلمية للتعبير عن مطالبهم بدلاً من اللجوء إلى العنف.
وعلى العكس من ذلك فإن بقاء الإرهاب كخطر يتهدد أمن الدول الخليجية يمكن أن يؤثر سلباً على توجهات الإصلاح في هذه الدول. والتأثير الأخير قد ينبع من خوف الدول الخليجية من أن تستغل الجماعات التي تتبنى العنف الإصلاح السياسي فتسعى للعمل على الإطاحة بالنظم القائمة وخاصة في ظل استمرار التواجد الأمريكي، وفي ظل التدهور الذي يشهده العراق، ووصول المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى حالة من الجمود المفروض بالقوة الإسرائيلية.
وبالنسبة للتواجد الأمريكي في المنطقة فإنه بدوره يخلق نوعين متناقضين من التأثيرات تختلف في حجمها وأثرها بتغير الظروف في المنطقة. فعلى الصعيد الإيجابي يمكن للتواجد الأمريكي والضغوط الأمريكية أن يساعدا الدول الخليجية على المضي قدماً في عمليات الإصلاح وذلك بما يوفرانه من دعم وتحييد للتهديدات الأمنية التي يمكن أن تتعاظم بفعل الإصلاحات. ويرتبط الأثر الإيجابي للتواجد الأمريكي في المنطقة على الإصلاح السياسي في دول الخليج باستقرار الوضع في العراق وبالحفاظ على توازن القوى التقليدي، وهما الأمران اللذان لم يتحققا حتى الآن. أما في ظل استمرار تدهور الأوضاع في العراق وانهيار توازن القوى التقليدي، فإن التواجد الأمريكي يمكن أن يؤثر سلباً على توجه الدول والشعوب في الخليج نحو الإصلاح السياسي، ويزيد من غياب الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية ومن المخاوف بأن تؤدي الإصلاحات إلى إيجاد وضع داخلي مشابه لما هو موجود في العراق.والواضح أن الغزو الأمريكي للعراق أسفر حتى الآن عن تطورين سلبيين على أمن دول الخليج. فإسقاط نظام صدام وإعادة توزيع السلطة بين الفئات الاجتماعية المختلفة داخل العراق والاقتتال الدائر، ولو جزئياً، على خطوط مذهبية وغير ذلك من التطورات يمكن أن تؤثر ولأسباب يطول شرحها هنا سلباً على السلم والاستقرار الداخلي في بعض دول الخليج. كما أن الغزو الأمريكي والتطورات التي أعقبته خلال السنوات الثلاث الماضية أدت إلى الإطاحة بتوازن القوى التقليدي في المنطقة، وفتحت الباب واسعاً لبعض القوى الإقليمية للاستفادة من تطورات الوضع في العراق والعمل على تثبيت توزيع جديد للقوة يمكن أن يكون ما ترى فيه الدول الخليجية تهديداً لأمنها.
ويؤثر التدهور في الأوضاع الداخلية في العراق ومحاولة بعض القوى الإقليمية تثبيت توزيع جديد للقوة في المنطقة سلباً على توجه الدول الخليجية نحو الإصلاح السياسي وذلك لسببين. أولاً، بالنسبة لبعض الدول الخليجية، فقد تخشى من نزعة الهيمنة التي ستخلقها القوة التي اكتسبتها بعض القوى الإقليمية كنتيجة مباشرة لانهيار نظام توازن القوى التقليدي وهي النزعة التي قد تقود تلك القوى إلى محاولة التدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول الخليج مستغلة عملية الإصلاح السياسي. ثانياً، سيؤدي استمرار تصاعد قوة بعض الأطراف الإقليمية وعجز المجتمع الدولي عن استعادة التوازن التقليدي إلى إعادة ترتيب الدول الخليجية لأولوياتها بحيث تعطي للجوانب الدفاعية الاهتمام الأكبر على حساب الإصلاح السياسي. وظهرت بوادر مثل هذا التوجه خلال الفترة الماضية من خلال تلويح الدول الخليجية بخيار تطوير برنامج نووي خليجي ومن خلال صفقات السلاح التي عقدتها بعض تلك الدول.
ويمكن القول إجمالا إن التهديدات الأمنية الإقليمية القائمة والمتداخلة بطبيعتها يمكن أن تؤثر إيجاباً أو سلباً على الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون. فعلى الصعيد الإيجابي، يمكن للتهديدات الأمنية القائمة أن تدفع دول الخليج إلى تسريع وتعميق الإصلاحات السياسية وكجزء من استراتيجية واسعة لمواجهة الأخطار الخارجية وفي مقدمتها الإرهاب والتدخل الخارجي تحت راية الدفاع عن الحقوق والحريات سواء أكان ذلك التدخل إقليمياً أو دولياً. لكن التأثير الأكثر احتمالاً للتهديدات الخارجية على الإصلاح السياسي ربما كان التأثير السلبي، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن الدول، وفي مراحل حضور التهديدات الخارجية القوية لأمنها، غالباً ما تعطي أولوية للجوانب الأمنية على ما عداها من جوانب. وتبين الأدلة التاريخية أن الدول، في مراحل ازدياد التهديدات الخارجية لأمنها، تتجنب تنفيذ إصلاحات سياسية واسعة نظراً لما يمكن أن تؤدي إليه تلك الإصلاحات من إضعاف للمؤسسات القائمة وخاصة المؤسسات المعنية بحفظ الأمن والنظام. ولعل الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية—وهي ديمقراطيات مستقرة— في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تعطي مؤشرا مهماً إلى الطريقة التي تتصرف بها هذه الدول وهي تحاول الموازنة بين التهديدات الخارجية لأمنها من جهة، والحقوق السياسية والحريات المدنية لمواطنيها من جهة أخرى.
القضية الفلسطينية
تشكل القضية الفلسطينية بكل أبعادها وتعقيداتها عاملاً من العوامل التي تشكل الحراك السياسي في العالم العربي. وإذا كان التشدد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين أصحاب الحق الأصلي في الأرض قد شكل إحدى الأوراق التي استخدمها القوميون العرب في الحشد إبان قوتهم، فإن الجماعات الإسلامية العابرة للدول في العالم العربي أصبحت الوريث الشرعي للقوميين في استخدام تلك الورقة. ومن المتوقع، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والجرائم التي يرتكبها في حق الفلسطينيين واللبنانيين، أن تتردد الدول الخليجية في تنفيذ إصلاحات واسعة وعميقة نظراً لما يمكن أن تؤدي إليه مثل تلك الإصلاحات من إتاحة الفرصة لبعض الجماعات التي قد تعمل، ودون مراعاة الوضع الأمني الحرج لدولها، على استغلال المعاناة اليومية للفلسطينيين لتحقيق مكاسب سياسية داخلية تؤدي في النهاية إلى زعزعة الاستقرار السياسي. وتظهر المخاوف العربية عموماً والخليجية خصوصاًً من الأثر الذي يمكن أن ينتج عن تنفيذ إصلاحات سياسية في ظل بقاء الوضع الفلسطيني على حاله من خلال التحفظات التي أبدتها بعض الدول العربية، ومنها دول خليجية، على المبادرات الخاصة بالإصلاحات السياسية في المنطقة والتي ظهرت خلال السنوات السابقة— وخاصة في عام 2004، فقد طالبت حينها بعض الدول العربية، ومن بينها دول خليجية، إما بشكل صريح أو ضمني، بأن يتم أولاً وقبل كل شي وضع حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية قبل المطالبة بالإصلاح السياسي في العالم العربي.
تجارب الإصلاح السياسي
تشكل المحاولات والتجارب السابقة في الإصلاح السياسي في الدول العربية بشكل عام وفي الدول المحيطة بالخليج بشكل خاص أحد العوامل المؤثرة على الموقف الخليجي الرسمي، وربما الشعبي أيضاً، من الإصلاح السياسي. وأسوأ ما في الأمر أن التجارب العربية في الإصلاح السياسي تقدم العديد من الدروس المتناقضة التي يمكن أن تعطي لكل طرف ما يؤيد القناعات المسبقة التي يمتلكها. فتجارب مصر منذ عام 1976 والجزائر والأردن منذ عام 1988 واليمن منذ عام 1990 والكويت والسودان في مراحل مختلفة، تبين أن سجل الإصلاح السياسي في الوطن العربي، وسواء اقترب قليلا أو كثيرا من تبني الديمقراطية، لا يخلو من إشكاليات منها:
أولاً، في ما يتصل بأثر الإصلاح السياسي على الأنظمة السياسية في الدول العربية فقد تمكنت الأنظمة وبعد تبني الإصلاح السياسي من البقاء والاستمرار في كل من الأردن والمغرب ومصر وتونس والسودان والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان واليمن. وزيادة على ذلك فقد شهدت بعض تلك الدول انتقال السلطة من حاكم إلى آخر كما حدث في الأردن والمغرب والبحرين والكويت من دون أن يؤثر ذلك على النظام السياسي. وإذا كانت الحالة الجزائرية تمثل الاستثناء الوحيد في هذا الشأن فإنه ينبغي الإشارة إلى أن انهيار النظام السياسي في الجزائر مع بداية التسعينات ربما كان في جوهره نتيجة لعوامل أخرى أبرزها التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
ثانياً، بالرغم من أن الكثير من الدول العربية التي تبنت الإصلاح السياسي شهدت درجة من العنف وعدم الاستقرار اختلفت حدتها من دولة إلى أخرى إلا أنه من الصعب تحميل الإصلاح السياسي مسؤولية ذلك العنف، خاصة أن بعض الدول العربية التي لم تتبن الإصلاح السياسي شهدت حالة من العنف وعدم الاستقرار أيضاً، ولقد ارتبط الإصلاح السياسي في الكثير من الدول العربية بتدهور كبير في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان، ولعل ذلك التدهور هو المسؤول عن التطورات السلبية التي تزامنت مع الإصلاح السياسي.
بصيص أمل
تحفل البيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي بالعديد من العوامل التي يمكن أن تؤثر سلباً أو إيجاباً على توجه دول الخليج نحو الإصلاح السياسي. ورغم أن البيئة الإقليمية بوضعها الراهن لا تبدو مشجعة إلا أنه ينبغي التأكيد على أن الدول الخليجية تتمتع، وخاصة منذ بداية الطفرة النفطية الأخيرة في عام 2005، بظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة عن بيئتها الإقليمية، وهي الظروف التي يمكن أن تساعد تلك الدول على المضي قدماً في الإصلاح السياسي وامتصاص التأثيرات السلبية المصاحبة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2774::/cck::
::introtext::
يذهب الكثير من المفكرين إلى القول إن العولمة، كظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتكنولوجية، تؤدي وإن بالتدريج إلى إضعاف سيادة الدول وقدرتها على إدارة شؤونها بمعزل عن العالم الخارجي. ومع التسليم بجدلية المقولة وبنسبية تأثير العالم الخارجي على دولة ما أو على مجموعة من الدول إلا أن الواضح أن العالم الذي تحدّث عنه منظرو السيادة في القرن الماضي تغير كثيراً خلال العشرين سنة الماضية.
::/introtext::
::fulltext::
يذهب الكثير من المفكرين إلى القول إن العولمة، كظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتكنولوجية، تؤدي وإن بالتدريج إلى إضعاف سيادة الدول وقدرتها على إدارة شؤونها بمعزل عن العالم الخارجي. ومع التسليم بجدلية المقولة وبنسبية تأثير العالم الخارجي على دولة ما أو على مجموعة من الدول إلا أن الواضح أن العالم الذي تحدّث عنه منظرو السيادة في القرن الماضي تغير كثيراً خلال العشرين سنة الماضية.
في الوقت الذي لا تزال فيه الحدود الجغرافية التي تفصل بين الناس ماثلة للعيان في معظم أجزاء العالم، فإن الأشكال الحدودية الأخرى قد تلاشت بدرجة كبيرة. وفي عالم يشبه في الكثير من أوجهه (القرية الصغيرة) يصبح الحديث عن تأثير البيئة الإقليمية على فاعل دولي أو على مجموعة من الفاعلين أشبه ما يكون بالحديث عن تأثير سكان القرية الواحدة على بعضهم البعض.
وبالنسبة للبيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي فيمكن النظر إليها على أنها خليط معقد من التكوينات والتفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والثقافية والتي بحكم التشابه والتقارب والتقاطع بينها وبين نظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي تؤثر وتتأثر بما يحدث فيها. أما الإصلاح السياسي فيفهم هنا، واقتفاء لخطى الكثير من المفكرين، على أنه عملية تنطوي على الاعتراف والحماية للحقوق السياسية والحريات المدنية للمواطنين، وخاصة تلك المتعلقة بقدرتهم، في سعيهم لتحقيق المصالح المشتركة، على تنظيم أنفسهم وعلى الانخراط بحرية في الشأن السياسي. وينطوي الإصلاح السياسي عملياً على تخلي النظام السياسي القائم وبالتدريج عن تطبيق بعض القواعد والإجراءات التي تحد من قدرة المواطنين على التمتع ببعض الحقوق السياسية والحريات المدنية. والإصلاح السياسي بهذا المعنى يعني إتاحة المزيد من الفرص للمواطنين للمشاركة في الحياة السياسية، ولا يعني بالضرورة التحول إلى الديمقراطية. والحديث عن الإصلاح السياسي في الخليج هو بالتأكيد حديث عن مشروع قد بدأ وإن اختلفت درجته ونطاقه من دولة إلى أخرى.
وعلى ضوء هذا الفهم لكل من البيئة الإقليمية والإصلاح السياسي يمكن للإنسان أن يفترض وبشكل عام أن التكوينات والتفاعلات المختلفة في البيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي تنتج نوعين متداخلين من التأثيرات في دول مجلس التعاون: البعض يمكن أن يحفز ويدفع نحو توسيع وتسريع عمليات الإصلاح السياسي في الدول الخليجية، والبعض الآخر يمكن أن يدفع في اتجاه الحفاظ على الوضع الراهن أو على الأقل تثبيط عجلة التحولات. ولعل أهم العوامل المؤثرة سلباً وإيجاباً في الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون تتمثل في التهديدات الأمنية، القضية الفلسطينية، والإصلاح السياسي في البيئة الإقليمية.
التهديدات الأمنية
تتمثل أهم التهديدات الأمنية النابعة من البيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في الإرهاب، التواجد الأجنبي في المنطقة، التطورات في العراق، وسقوط توازن القوى التقليدي. وإذا كان الأمريكيون قد استخدموا الإرهاب كأحد المبررات لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، فإن التطورات في العراق والتواجد الأجنبي في المنطقة وبقاء بعض الصراعات وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي دون حل وغير ذلك من العوامل تعمل كلها على إبقاء الإرهاب كخطر يتهدد دول المنطقة. وفي ما يتصل بأثر الإرهاب كظاهرة يتقاطع فيها المحلي والإقليمي والدولي على الإصلاح السياسي في الخليج فيمكن القول إن هناك احتمالين، الاحتمال الأول هو أن يؤدي بقاء الإرهاب إلى استمرار الضغوط الأمريكية والأوروبية على دول مجلس التعاون الخليجي لتقوم بالمزيد من خطوات الإصلاح السياسي التي من شأنها الحد من الغلو والتطرف وتشجيع الناس على الاعتدال واستخدام القنوات السلمية للتعبير عن مطالبهم بدلاً من اللجوء إلى العنف.
وعلى العكس من ذلك فإن بقاء الإرهاب كخطر يتهدد أمن الدول الخليجية يمكن أن يؤثر سلباً على توجهات الإصلاح في هذه الدول. والتأثير الأخير قد ينبع من خوف الدول الخليجية من أن تستغل الجماعات التي تتبنى العنف الإصلاح السياسي فتسعى للعمل على الإطاحة بالنظم القائمة وخاصة في ظل استمرار التواجد الأمريكي، وفي ظل التدهور الذي يشهده العراق، ووصول المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلى حالة من الجمود المفروض بالقوة الإسرائيلية.
وبالنسبة للتواجد الأمريكي في المنطقة فإنه بدوره يخلق نوعين متناقضين من التأثيرات تختلف في حجمها وأثرها بتغير الظروف في المنطقة. فعلى الصعيد الإيجابي يمكن للتواجد الأمريكي والضغوط الأمريكية أن يساعدا الدول الخليجية على المضي قدماً في عمليات الإصلاح وذلك بما يوفرانه من دعم وتحييد للتهديدات الأمنية التي يمكن أن تتعاظم بفعل الإصلاحات. ويرتبط الأثر الإيجابي للتواجد الأمريكي في المنطقة على الإصلاح السياسي في دول الخليج باستقرار الوضع في العراق وبالحفاظ على توازن القوى التقليدي، وهما الأمران اللذان لم يتحققا حتى الآن. أما في ظل استمرار تدهور الأوضاع في العراق وانهيار توازن القوى التقليدي، فإن التواجد الأمريكي يمكن أن يؤثر سلباً على توجه الدول والشعوب في الخليج نحو الإصلاح السياسي، ويزيد من غياب الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية ومن المخاوف بأن تؤدي الإصلاحات إلى إيجاد وضع داخلي مشابه لما هو موجود في العراق.والواضح أن الغزو الأمريكي للعراق أسفر حتى الآن عن تطورين سلبيين على أمن دول الخليج. فإسقاط نظام صدام وإعادة توزيع السلطة بين الفئات الاجتماعية المختلفة داخل العراق والاقتتال الدائر، ولو جزئياً، على خطوط مذهبية وغير ذلك من التطورات يمكن أن تؤثر ولأسباب يطول شرحها هنا سلباً على السلم والاستقرار الداخلي في بعض دول الخليج. كما أن الغزو الأمريكي والتطورات التي أعقبته خلال السنوات الثلاث الماضية أدت إلى الإطاحة بتوازن القوى التقليدي في المنطقة، وفتحت الباب واسعاً لبعض القوى الإقليمية للاستفادة من تطورات الوضع في العراق والعمل على تثبيت توزيع جديد للقوة يمكن أن يكون ما ترى فيه الدول الخليجية تهديداً لأمنها.
ويؤثر التدهور في الأوضاع الداخلية في العراق ومحاولة بعض القوى الإقليمية تثبيت توزيع جديد للقوة في المنطقة سلباً على توجه الدول الخليجية نحو الإصلاح السياسي وذلك لسببين. أولاً، بالنسبة لبعض الدول الخليجية، فقد تخشى من نزعة الهيمنة التي ستخلقها القوة التي اكتسبتها بعض القوى الإقليمية كنتيجة مباشرة لانهيار نظام توازن القوى التقليدي وهي النزعة التي قد تقود تلك القوى إلى محاولة التدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول الخليج مستغلة عملية الإصلاح السياسي. ثانياً، سيؤدي استمرار تصاعد قوة بعض الأطراف الإقليمية وعجز المجتمع الدولي عن استعادة التوازن التقليدي إلى إعادة ترتيب الدول الخليجية لأولوياتها بحيث تعطي للجوانب الدفاعية الاهتمام الأكبر على حساب الإصلاح السياسي. وظهرت بوادر مثل هذا التوجه خلال الفترة الماضية من خلال تلويح الدول الخليجية بخيار تطوير برنامج نووي خليجي ومن خلال صفقات السلاح التي عقدتها بعض تلك الدول.
ويمكن القول إجمالا إن التهديدات الأمنية الإقليمية القائمة والمتداخلة بطبيعتها يمكن أن تؤثر إيجاباً أو سلباً على الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون. فعلى الصعيد الإيجابي، يمكن للتهديدات الأمنية القائمة أن تدفع دول الخليج إلى تسريع وتعميق الإصلاحات السياسية وكجزء من استراتيجية واسعة لمواجهة الأخطار الخارجية وفي مقدمتها الإرهاب والتدخل الخارجي تحت راية الدفاع عن الحقوق والحريات سواء أكان ذلك التدخل إقليمياً أو دولياً. لكن التأثير الأكثر احتمالاً للتهديدات الخارجية على الإصلاح السياسي ربما كان التأثير السلبي، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن الدول، وفي مراحل حضور التهديدات الخارجية القوية لأمنها، غالباً ما تعطي أولوية للجوانب الأمنية على ما عداها من جوانب. وتبين الأدلة التاريخية أن الدول، في مراحل ازدياد التهديدات الخارجية لأمنها، تتجنب تنفيذ إصلاحات سياسية واسعة نظراً لما يمكن أن تؤدي إليه تلك الإصلاحات من إضعاف للمؤسسات القائمة وخاصة المؤسسات المعنية بحفظ الأمن والنظام. ولعل الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية—وهي ديمقراطيات مستقرة— في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تعطي مؤشرا مهماً إلى الطريقة التي تتصرف بها هذه الدول وهي تحاول الموازنة بين التهديدات الخارجية لأمنها من جهة، والحقوق السياسية والحريات المدنية لمواطنيها من جهة أخرى.
القضية الفلسطينية
تشكل القضية الفلسطينية بكل أبعادها وتعقيداتها عاملاً من العوامل التي تشكل الحراك السياسي في العالم العربي. وإذا كان التشدد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين أصحاب الحق الأصلي في الأرض قد شكل إحدى الأوراق التي استخدمها القوميون العرب في الحشد إبان قوتهم، فإن الجماعات الإسلامية العابرة للدول في العالم العربي أصبحت الوريث الشرعي للقوميين في استخدام تلك الورقة. ومن المتوقع، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والجرائم التي يرتكبها في حق الفلسطينيين واللبنانيين، أن تتردد الدول الخليجية في تنفيذ إصلاحات واسعة وعميقة نظراً لما يمكن أن تؤدي إليه مثل تلك الإصلاحات من إتاحة الفرصة لبعض الجماعات التي قد تعمل، ودون مراعاة الوضع الأمني الحرج لدولها، على استغلال المعاناة اليومية للفلسطينيين لتحقيق مكاسب سياسية داخلية تؤدي في النهاية إلى زعزعة الاستقرار السياسي. وتظهر المخاوف العربية عموماً والخليجية خصوصاًً من الأثر الذي يمكن أن ينتج عن تنفيذ إصلاحات سياسية في ظل بقاء الوضع الفلسطيني على حاله من خلال التحفظات التي أبدتها بعض الدول العربية، ومنها دول خليجية، على المبادرات الخاصة بالإصلاحات السياسية في المنطقة والتي ظهرت خلال السنوات السابقة— وخاصة في عام 2004، فقد طالبت حينها بعض الدول العربية، ومن بينها دول خليجية، إما بشكل صريح أو ضمني، بأن يتم أولاً وقبل كل شي وضع حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية قبل المطالبة بالإصلاح السياسي في العالم العربي.
تجارب الإصلاح السياسي
تشكل المحاولات والتجارب السابقة في الإصلاح السياسي في الدول العربية بشكل عام وفي الدول المحيطة بالخليج بشكل خاص أحد العوامل المؤثرة على الموقف الخليجي الرسمي، وربما الشعبي أيضاً، من الإصلاح السياسي. وأسوأ ما في الأمر أن التجارب العربية في الإصلاح السياسي تقدم العديد من الدروس المتناقضة التي يمكن أن تعطي لكل طرف ما يؤيد القناعات المسبقة التي يمتلكها. فتجارب مصر منذ عام 1976 والجزائر والأردن منذ عام 1988 واليمن منذ عام 1990 والكويت والسودان في مراحل مختلفة، تبين أن سجل الإصلاح السياسي في الوطن العربي، وسواء اقترب قليلا أو كثيرا من تبني الديمقراطية، لا يخلو من إشكاليات منها:
أولاً، في ما يتصل بأثر الإصلاح السياسي على الأنظمة السياسية في الدول العربية فقد تمكنت الأنظمة وبعد تبني الإصلاح السياسي من البقاء والاستمرار في كل من الأردن والمغرب ومصر وتونس والسودان والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان واليمن. وزيادة على ذلك فقد شهدت بعض تلك الدول انتقال السلطة من حاكم إلى آخر كما حدث في الأردن والمغرب والبحرين والكويت من دون أن يؤثر ذلك على النظام السياسي. وإذا كانت الحالة الجزائرية تمثل الاستثناء الوحيد في هذا الشأن فإنه ينبغي الإشارة إلى أن انهيار النظام السياسي في الجزائر مع بداية التسعينات ربما كان في جوهره نتيجة لعوامل أخرى أبرزها التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
ثانياً، بالرغم من أن الكثير من الدول العربية التي تبنت الإصلاح السياسي شهدت درجة من العنف وعدم الاستقرار اختلفت حدتها من دولة إلى أخرى إلا أنه من الصعب تحميل الإصلاح السياسي مسؤولية ذلك العنف، خاصة أن بعض الدول العربية التي لم تتبن الإصلاح السياسي شهدت حالة من العنف وعدم الاستقرار أيضاً، ولقد ارتبط الإصلاح السياسي في الكثير من الدول العربية بتدهور كبير في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان، ولعل ذلك التدهور هو المسؤول عن التطورات السلبية التي تزامنت مع الإصلاح السياسي.
بصيص أمل
تحفل البيئة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي بالعديد من العوامل التي يمكن أن تؤثر سلباً أو إيجاباً على توجه دول الخليج نحو الإصلاح السياسي. ورغم أن البيئة الإقليمية بوضعها الراهن لا تبدو مشجعة إلا أنه ينبغي التأكيد على أن الدول الخليجية تتمتع، وخاصة منذ بداية الطفرة النفطية الأخيرة في عام 2005، بظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة عن بيئتها الإقليمية، وهي الظروف التي يمكن أن تساعد تلك الدول على المضي قدماً في الإصلاح السياسي وامتصاص التأثيرات السلبية المصاحبة.
::/fulltext::
::cck::2774::/cck::
