الولايات المتحدة والدخول إلى الخليج من باب “السيدة العجوز”
::cck::2783::/cck::
::introtext::
ارتبطت عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بأجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وحاولت الخارجية الأمريكية أن تكون الراعي الرسمي لهذه التحولات في منطقة الخليج خاصة.
::/introtext::
::fulltext::
ارتبطت عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بأجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وحاولت الخارجية الأمريكية أن تكون الراعي الرسمي لهذه التحولات في منطقة الخليج خاصة.
كان المبرر الرئيسي لدى الأمريكيين في ذلك هو أن زعامات (القاعدة) وقواعدها الرئيسية التي استهدفت الولايات المتحدة كانت (خليجية) من الدرجة الأولى. وكان الإبقاء على سلامة الخليج العربي بوصفه أهم مصادر الطاقة الكونية سبباً آخر لهذا الارتباط في إطلاق عام بما يشمل أوضاع دول الخليج العربي قبل أحداث سبتمبر، وهذه مقدمة أولى.
المقدمة الثانية، هي أن حصيلة السنوات الخمس الماضية من العمل والتحفيز والترهيب لإقرار إصلاحات سياسية في الخليج لم تأت بنتائج كما كان يأمل الأمريكيون، وحققت معدلات الإصلاح السياسي في الخليج ارتفاعاً ملحوظاً في الدول الخليجية التي لم تتعرض لضغوط مباشرة من قبل الأمريكيين، وتأتي النماذج الإماراتية والبحرينية والقطرية في المقدمة، وأخفق الأمريكيون – باعترافهم – في المناطق التي اشتغلت آلتهم العسكرية فيها أو التي كانت ضغوطهم السياسية فيها مرتفعة نسبياً.
وكان فشل النموذج العراقي دلالة على فشل الرهان على الآلة العسكرية الأمريكية في حسم العبور نحو الديمقراطية أو الإصلاح السياسي، فيما تعتبر مستويات الإصلاح السياسي المتدنية نسبياً في المملكة العربية السعودية دلالة أخرى على فشل الدبلوماسية الأمريكية حين مارست ضغوطاً متزايدة سياسياً وإعلامياً على الرياض.
وحصيلة ذلك أيضاً كانت أن تنزل الصقور الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض من عليائها مع انتخابات الكونجرس ومجلس النواب الأخيرة على وقع خسائر انتخابية كبيرة أعادت السيطرة للديمقراطيين على الكونجرس بعد 12 عاماً من السيطرة الجمهورية.
واليوم تحديداً، لا تبدو الولايات المتحدة على حال حسن، فالأمريكيون – مستوى الرأي العام الأمريكي – يقرأون فشل الإدارة الأمريكية الحالية في تسوية الملف العراقي من جهة، وهم لا يهتمون البتة بأي إصلاحات سياسية قد تكون دول الخليج العربية الأخرى قد شهدتها طوعاً أو كراهية حتى إن حاول الأمريكيون إلصاق هذه الإصلاحات السياسية بفاعلية دبلوماسيتهم التي تمر بأزمة ضعف كبرى في الخليج، هذه الصورة من الداخل الأمريكي لا شك في أنها ألقت بظلالها على عملية الإصلاح السياسي في دول الخليج.
والرابط بين المقدمتين أنه لا يمكن الفصل بين مسيرة الإصلاح السياسي في الخليج من جهة، وبين السياسة الخارجية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، فالحديث في موضوع المقدمة الأولى لابد أن ينتهي في متن الثانية.
إن واقع الإصلاح السياسي في الخليج لا يزال يسير وفق نمطية ديمقراطية (التدرج)، ويبدو البيت الأبيض مقتنعاً بهذا الخيار حتى الآن. فالضغوط السياسية من واشنطن على دول الخليج لتسريع هذه الإصلاحات بدأت تضمحل، دول الخليج أيضاً استفادت من تورط الأمريكيين في بغداد ليعلقوا جرس الإنذار للأمريكيين من تجارب مشابهة لما يجري هناك.
أضف إلى ذلك أن مستويات الاستقرار السياسي في الداخل الخليجي تبدو مُطَمئِنة. ولا يعكر صفو هذه الأجواء سوى الملف النووي الإيراني، الذي قد ينفجر في أي لحظة مخلفاً وراءه معادلات سياسية جديدة في العراق وفي دول الخليج كافة، وبما يشمل عمليات الإصلاح السياسي، خاصة للدول التي يشكل (الشيعة) أحد مكونات منظوماتها الاجتماعية.
الدور الأمريكي… لم ينته
لابد من الإقرار – كما يقر الأمريكيون أنفسهم – بتورط واشنطن في محرقة بغداد الطائفية، مضافاً إليها فشل الخارجية الأمريكية في ترويج حلولها ومبادراتها الدبلوماسية في المنطقة (منتدى المستقبل/الشرق الأوسط الكبير والجديد والأكبر). إلا أن كل هذا لا يعني أن واشنطن ستسحب يدها من المنطقة. فواقع الحال هو أنها (واشنطن) تقف أمام مفترق طرق، وتحاول من خلالها إعادة قراءة ملف الإصلاحات السياسية في الخليج بشكل مغاير، وتأتي خطة الرئيس الأمريكي الأخيرة في العراق لتدلل على أن الأمريكيين لما ينتهي (أمل) نجاحهم في المنطقة أو ينتهي.
وتسعى الولايات المتحدة منذ منتصف العام الماضي إلى اعتماد سياسة جديدة في المنطقة. وإذ تدرك واشنطن تمام الإدراك صعوبة تمرير المشروعات أحادية الجانب في الخليج ها هي تسعى طوال الفترة الماضية إلى تعزيز حضور حلفائها الأوروبيين في المنطقة. وأول الإجراءات أو خطوط التفعيل لهذه السياسية أتى عبر تفعيل (مبادرة اسطنبول يونيو 2004) والتي تهدف إلى تعزيز دور التعاون الأمني والمعلوماتي بين دول الناتو وبعض البلدان العربية (الدول الخليجية ومصر والأردن). ويأتي تصديق دولة الكويت على معاهدة التعاون المعلوماتي والأمني مع حلف الناتو في منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي بعد (حوار المنامة) بيومين ليؤكد أن ثمة قراءة جديدة للأوضاع السياسية والأمنية في الخليج قد بدأت تتضح، يكون بعضها متعلقاً بالملف النووي الإيراني، إلا أنها ستؤثر بلا شك في دفع أو إبطاء الوتيرة البطيئة نسبياً للإصلاح السياسي في الخليج، أقول (دفع/ إبطاء) ذلك أن دلالات هذا الدخول الجديد للناتو في المنطقة لما تظهر لنا أولى نتائجه.
خلاصة القول في هذه الزاوية، هو أننا حين نستعرض مسيرة الإصلاح السياسي في الخليج لابد أن نلاحظ أن وتيرة هذا الإصلاح ترتبط وتتأثر بالسياسية الأمريكية في المنطقة. صحيح جداً أن بعض دول الخليج استثمرت الأوضاع المتردية في العراق في إبطاء وتيرة عمليات الإصلاح السياسي فيها، لكن نماذج أخرى لا تزال محافظة على إتمام برامجها السياسية رغم أنها في حقيقة الأمر لا تتعرض إلى أي ضغوط داخلية أو إقليمية أو دولية في هذا السياق.
ويأتي النموذجان القطري والإماراتي تحديداً في طليعة النماذج الخليجية التي خطت خطوات جادة نحو الإصلاح السياسي، كما أنها لم تعلن اكتمال هذه الإصلاحات أو تمامها. وهو ما يفتح الطريق أمام إصلاحات سياسية قادمة قد تكون أكثر عمقاً وتحقيقاً لآمال أبناء الدولتين في الوصول لتجارب مدنية متكاملة وتامة.
الاتحاد الأوربي وقضايا الإصلاح السياسي في دول المجلس
سأحاول التركيز على الدور الأوروبي من دون أن أفصله عن الدور الأمريكي في المنطقة. أما سبب هذا الربط فهو أن الدول الأوروبية لا تشتغل سياسياً في الخليج إلا عبر خطين اثنين:
الخط الأول بعده الرئيسي (أمني)، ويأتي من خلال منظومة حلف الناتو تحديداً. ومجمل المتابعات الأمنية للناتو اليوم تنزاح لأن تكون أمريكية صرفة، وتأتي الحرب الأخيرة للناتو في (كوسوفو) لتؤكد انفراد المحور الأمريكي-البريطاني بسياسات الناتو العسكرية، وسط ممانعات فرنسية وألمانية لا تصل إلى حد إمساك المحور الأول عن المضي في خياراته. وهكذا، تبدو (السيدة العجوز) مهووسة بقيادة الصبي الصغير لها وسط الطريق المزدحم.
الخط الثاني يتمثل في مؤسسات دعم الديمقراطية والتنمية السياسية، وهذه المؤسسات في الحقيقة قُوبلت بممانعة شديدة من قبل الحكومات الخليجية. واليوم لا نجد لمؤسسات التنمية السياسية الأوروبية أي حضور يذكر، باستثناء بعض المؤسسات التي وجدت في قطر بعض الفسحة من الحرية، ويشاركها هناك معهد (IRI) الأمريكي التابع للحزب الجمهوري العمل والتنسيق.
إذاً لابد من التركيز على المساهمات الأمريكية الأوروبية معاً، ويبدو حلف الناتو مؤخراً جاداً عبر تفعيل مبادرة اسطنبول على الدخول للخليج العربي. وكان حوار المنامة أوائل ديسمبر من العام الماضي 2006 الفرصة لتأسيس آلية تحرك جديدة في المنطقة، تشمل فيما تشمل تعاونات جديدة وتبادلاً معلوماتياً وأمنياً قد يصل في مراحل متقدمة إلى تعاونات عسكرية مباشرة تدعم معاهدات الحماية التي كانت دول الخليج قد وقعتها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة إبان حرب الخليج الثانية.
لقد أقر (حوار المنامة) دوراً سياسياً جديداً للولايات المتحدة في المنطقة، يعتمد هذا الدور على الخروج من سلبية التدخل الأحادي من جهة، والخروج من كماشة القرارات الدولية في مجلس الأمن، حيث تقف الصين وروسيا عوامل فلترة له.
أضف إلى ذلك أن الأمريكيين يطبقون سيطرتهم على الناتو ضمناً، فالحلف طيلة السنوات الماضية مر بالعديد من التحديات الكبرى، خاصة في ما يتعلق بالجانب الأمني والعسكري، فالتخفيضات الكبيرة الأخيرة في الموازنات العسكرية الأوروبية التي قابلتها زيادات هائلة في موازنة التسلح الأمريكي أفرزت انتقادات عدة من واشنطن تجاه حلفائها الأوروبيين. ويبدو الأمريكيون – فعلياً – اللاعب الأقوى في حلف الناتو على الصعيدين الأمني والعسكري.
من وجهة النظر الأمريكية، كانت واشنطن قد أقرت بالفشل الجماعي الأوروبي في المشاركة وتحمل الأعباء والتكاليف حتى عند شن الحرب الجوية على كوسوفو عام 1999، على الرغم من أن الصراع كان يدور في قلب أوروبا أو لعله شأن أوروبي خالص، وكانت الفاعلية العسكرية الأوروبية مدعاة للاستياء والانتقاد لما كانت عليه من ضعف تقني ولوجستي، فالعمليات العسكرية للناتو كانت معابة بالكثير من الإخفاقات التقنية الفاضحة بالنسبة إلى سلاح الجو الأوروبي، كما وصفها بعض العسكريون الأمريكيون.
إن غالبية التحليلات الأمريكية ترى أن معظم جوانب القدرة الأوروبية العسكرية والسياسية هي جوانب لم تزل بحاجة إلى كثير من الإنفاق من قبل الأوروبيين. ولعل الحقيقة الكبرى هي أن النجاحات الأمريكية في التصدي للتحديات والنزاعات الإقليمية حول العالم تؤدي في كثير من الأحيان إلى تحقيق مصالح أوروبية حتى في المناطق البعيدة كشبه قارة جنوب آسيا وشمال شرق آسيا، وهو ما يفرز الكثير من علامات الاستفهام حول ما ترنو إليه الحوارات التي شهدتها المنامة في حوارها الأخير.
ورحبت الولايات المتحدة وبشدة وغرابة بصياغة الاتحاد الأوروبي سياسة موحدة للشؤون الأمنية والدفاعية (ESDP) لإيمانها بأن ترحيبها قد يضفي فاعلية على الدور الأوروبي في عمليات الناتو المستقبلية، وهو ما يفسر مراهنة الأمريكيين على (الناتو) كذراع جديدة في مناطق التوتر العالمية، والتي يأتي الخليج العربي اليوم في مقدمتها.وكانت وزيرة الدفاع الفرنسية قد إشارت في العديد من المواقف إلى رغبتها في أن يلعب حلف الناتو دوراً محورياً في الخليج، وهو ما ننتظر قراءته بشكل أكثر دقة بعد أن تنحو دول الخليج كافة للانضمام لمبادرة اسطنبول.
وقبل ذلك أرى أن تبعات هذا الانضمام المعلوماتي والأمني لحلف الناتو على صعيد الإصلاح السياسي في دول الخليج العربية لا تزال مرتهنة بعدة متغيرات إقليمية، أولها ملف طهران النووي وآخرها فرص حلحلة الملف العراقي العالق منذ مدة.
إضاءة
حلف الناتو
حلف شمال الأطلنطي أو حلف الناتو (NATO – North Atlantic Treaty Organisation) . تأسس الحلف عام 1949 بناء على معاهدة شمال الأطلنطي، التي تم التوقيع عليها في واشنطن في 4 إبريل سنة 1949 ويوجد مقر قيادة الحلف في بروكسل عاصمة بلجيكا و للحلف لغتان رسميتان هما الإنجليزية والفرنسية.
أسباب تكوين الحلف: دعت الضرورة دول الحلف إلى الاتحاد تحت رايته بسب توحد القوات السوفييتية في دول شرق أوروبا، والشعور لدى دول غرب أوروبا بقرب هجوم سوفييتي عليهم، وشجع ذلك دول غرب أوروبا على التعاون مع الولايات المتحده لتكوين هذا الحلف.
* الدول الأعضاء عند التأسيس (4 إبريل 1949):
بلجيكا، كندا، الدنمارك، فرنسا، ايسلاندا، إيطاليا، لوكسمبرج، هولندا، النرويج، البرتغال، بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.
* الدول التي انضمت بعد تأسيس الحلف:
اليونان (18 فبراير 1952)، تركيا (18 فبراير 1952)، ألمانيا (9 مايو 1955 تحت اسم ألمانيا الغربية ثم اتحدت معها سارلاند في عام 1975 ثم اتحدت معها ما كان يعرف سابقاً بجمهورية ألمانيا الديمقراطية في 3 أكتوبر 1990 وإسبانيا (30 مايو 1982).
* دول الكتلة الشرقية التي انضمت للحلف بعد الحرب الباردة:
جمهوريةالتشيك، المجر، بولندا، بلغاريا، أستونيا، لاتفيا، لتوانيا، رومانيا، سلوفاكيا وسلوفينيا.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2783::/cck::
::introtext::
ارتبطت عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بأجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وحاولت الخارجية الأمريكية أن تكون الراعي الرسمي لهذه التحولات في منطقة الخليج خاصة.
::/introtext::
::fulltext::
ارتبطت عملية الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بأجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وحاولت الخارجية الأمريكية أن تكون الراعي الرسمي لهذه التحولات في منطقة الخليج خاصة.
كان المبرر الرئيسي لدى الأمريكيين في ذلك هو أن زعامات (القاعدة) وقواعدها الرئيسية التي استهدفت الولايات المتحدة كانت (خليجية) من الدرجة الأولى. وكان الإبقاء على سلامة الخليج العربي بوصفه أهم مصادر الطاقة الكونية سبباً آخر لهذا الارتباط في إطلاق عام بما يشمل أوضاع دول الخليج العربي قبل أحداث سبتمبر، وهذه مقدمة أولى.
المقدمة الثانية، هي أن حصيلة السنوات الخمس الماضية من العمل والتحفيز والترهيب لإقرار إصلاحات سياسية في الخليج لم تأت بنتائج كما كان يأمل الأمريكيون، وحققت معدلات الإصلاح السياسي في الخليج ارتفاعاً ملحوظاً في الدول الخليجية التي لم تتعرض لضغوط مباشرة من قبل الأمريكيين، وتأتي النماذج الإماراتية والبحرينية والقطرية في المقدمة، وأخفق الأمريكيون – باعترافهم – في المناطق التي اشتغلت آلتهم العسكرية فيها أو التي كانت ضغوطهم السياسية فيها مرتفعة نسبياً.
وكان فشل النموذج العراقي دلالة على فشل الرهان على الآلة العسكرية الأمريكية في حسم العبور نحو الديمقراطية أو الإصلاح السياسي، فيما تعتبر مستويات الإصلاح السياسي المتدنية نسبياً في المملكة العربية السعودية دلالة أخرى على فشل الدبلوماسية الأمريكية حين مارست ضغوطاً متزايدة سياسياً وإعلامياً على الرياض.
وحصيلة ذلك أيضاً كانت أن تنزل الصقور الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض من عليائها مع انتخابات الكونجرس ومجلس النواب الأخيرة على وقع خسائر انتخابية كبيرة أعادت السيطرة للديمقراطيين على الكونجرس بعد 12 عاماً من السيطرة الجمهورية.
واليوم تحديداً، لا تبدو الولايات المتحدة على حال حسن، فالأمريكيون – مستوى الرأي العام الأمريكي – يقرأون فشل الإدارة الأمريكية الحالية في تسوية الملف العراقي من جهة، وهم لا يهتمون البتة بأي إصلاحات سياسية قد تكون دول الخليج العربية الأخرى قد شهدتها طوعاً أو كراهية حتى إن حاول الأمريكيون إلصاق هذه الإصلاحات السياسية بفاعلية دبلوماسيتهم التي تمر بأزمة ضعف كبرى في الخليج، هذه الصورة من الداخل الأمريكي لا شك في أنها ألقت بظلالها على عملية الإصلاح السياسي في دول الخليج.
والرابط بين المقدمتين أنه لا يمكن الفصل بين مسيرة الإصلاح السياسي في الخليج من جهة، وبين السياسة الخارجية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، فالحديث في موضوع المقدمة الأولى لابد أن ينتهي في متن الثانية.
إن واقع الإصلاح السياسي في الخليج لا يزال يسير وفق نمطية ديمقراطية (التدرج)، ويبدو البيت الأبيض مقتنعاً بهذا الخيار حتى الآن. فالضغوط السياسية من واشنطن على دول الخليج لتسريع هذه الإصلاحات بدأت تضمحل، دول الخليج أيضاً استفادت من تورط الأمريكيين في بغداد ليعلقوا جرس الإنذار للأمريكيين من تجارب مشابهة لما يجري هناك.
أضف إلى ذلك أن مستويات الاستقرار السياسي في الداخل الخليجي تبدو مُطَمئِنة. ولا يعكر صفو هذه الأجواء سوى الملف النووي الإيراني، الذي قد ينفجر في أي لحظة مخلفاً وراءه معادلات سياسية جديدة في العراق وفي دول الخليج كافة، وبما يشمل عمليات الإصلاح السياسي، خاصة للدول التي يشكل (الشيعة) أحد مكونات منظوماتها الاجتماعية.
الدور الأمريكي… لم ينته
لابد من الإقرار – كما يقر الأمريكيون أنفسهم – بتورط واشنطن في محرقة بغداد الطائفية، مضافاً إليها فشل الخارجية الأمريكية في ترويج حلولها ومبادراتها الدبلوماسية في المنطقة (منتدى المستقبل/الشرق الأوسط الكبير والجديد والأكبر). إلا أن كل هذا لا يعني أن واشنطن ستسحب يدها من المنطقة. فواقع الحال هو أنها (واشنطن) تقف أمام مفترق طرق، وتحاول من خلالها إعادة قراءة ملف الإصلاحات السياسية في الخليج بشكل مغاير، وتأتي خطة الرئيس الأمريكي الأخيرة في العراق لتدلل على أن الأمريكيين لما ينتهي (أمل) نجاحهم في المنطقة أو ينتهي.
وتسعى الولايات المتحدة منذ منتصف العام الماضي إلى اعتماد سياسة جديدة في المنطقة. وإذ تدرك واشنطن تمام الإدراك صعوبة تمرير المشروعات أحادية الجانب في الخليج ها هي تسعى طوال الفترة الماضية إلى تعزيز حضور حلفائها الأوروبيين في المنطقة. وأول الإجراءات أو خطوط التفعيل لهذه السياسية أتى عبر تفعيل (مبادرة اسطنبول يونيو 2004) والتي تهدف إلى تعزيز دور التعاون الأمني والمعلوماتي بين دول الناتو وبعض البلدان العربية (الدول الخليجية ومصر والأردن). ويأتي تصديق دولة الكويت على معاهدة التعاون المعلوماتي والأمني مع حلف الناتو في منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي بعد (حوار المنامة) بيومين ليؤكد أن ثمة قراءة جديدة للأوضاع السياسية والأمنية في الخليج قد بدأت تتضح، يكون بعضها متعلقاً بالملف النووي الإيراني، إلا أنها ستؤثر بلا شك في دفع أو إبطاء الوتيرة البطيئة نسبياً للإصلاح السياسي في الخليج، أقول (دفع/ إبطاء) ذلك أن دلالات هذا الدخول الجديد للناتو في المنطقة لما تظهر لنا أولى نتائجه.
خلاصة القول في هذه الزاوية، هو أننا حين نستعرض مسيرة الإصلاح السياسي في الخليج لابد أن نلاحظ أن وتيرة هذا الإصلاح ترتبط وتتأثر بالسياسية الأمريكية في المنطقة. صحيح جداً أن بعض دول الخليج استثمرت الأوضاع المتردية في العراق في إبطاء وتيرة عمليات الإصلاح السياسي فيها، لكن نماذج أخرى لا تزال محافظة على إتمام برامجها السياسية رغم أنها في حقيقة الأمر لا تتعرض إلى أي ضغوط داخلية أو إقليمية أو دولية في هذا السياق.
ويأتي النموذجان القطري والإماراتي تحديداً في طليعة النماذج الخليجية التي خطت خطوات جادة نحو الإصلاح السياسي، كما أنها لم تعلن اكتمال هذه الإصلاحات أو تمامها. وهو ما يفتح الطريق أمام إصلاحات سياسية قادمة قد تكون أكثر عمقاً وتحقيقاً لآمال أبناء الدولتين في الوصول لتجارب مدنية متكاملة وتامة.
الاتحاد الأوربي وقضايا الإصلاح السياسي في دول المجلس
سأحاول التركيز على الدور الأوروبي من دون أن أفصله عن الدور الأمريكي في المنطقة. أما سبب هذا الربط فهو أن الدول الأوروبية لا تشتغل سياسياً في الخليج إلا عبر خطين اثنين:
الخط الأول بعده الرئيسي (أمني)، ويأتي من خلال منظومة حلف الناتو تحديداً. ومجمل المتابعات الأمنية للناتو اليوم تنزاح لأن تكون أمريكية صرفة، وتأتي الحرب الأخيرة للناتو في (كوسوفو) لتؤكد انفراد المحور الأمريكي-البريطاني بسياسات الناتو العسكرية، وسط ممانعات فرنسية وألمانية لا تصل إلى حد إمساك المحور الأول عن المضي في خياراته. وهكذا، تبدو (السيدة العجوز) مهووسة بقيادة الصبي الصغير لها وسط الطريق المزدحم.
الخط الثاني يتمثل في مؤسسات دعم الديمقراطية والتنمية السياسية، وهذه المؤسسات في الحقيقة قُوبلت بممانعة شديدة من قبل الحكومات الخليجية. واليوم لا نجد لمؤسسات التنمية السياسية الأوروبية أي حضور يذكر، باستثناء بعض المؤسسات التي وجدت في قطر بعض الفسحة من الحرية، ويشاركها هناك معهد (IRI) الأمريكي التابع للحزب الجمهوري العمل والتنسيق.
إذاً لابد من التركيز على المساهمات الأمريكية الأوروبية معاً، ويبدو حلف الناتو مؤخراً جاداً عبر تفعيل مبادرة اسطنبول على الدخول للخليج العربي. وكان حوار المنامة أوائل ديسمبر من العام الماضي 2006 الفرصة لتأسيس آلية تحرك جديدة في المنطقة، تشمل فيما تشمل تعاونات جديدة وتبادلاً معلوماتياً وأمنياً قد يصل في مراحل متقدمة إلى تعاونات عسكرية مباشرة تدعم معاهدات الحماية التي كانت دول الخليج قد وقعتها مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة إبان حرب الخليج الثانية.
لقد أقر (حوار المنامة) دوراً سياسياً جديداً للولايات المتحدة في المنطقة، يعتمد هذا الدور على الخروج من سلبية التدخل الأحادي من جهة، والخروج من كماشة القرارات الدولية في مجلس الأمن، حيث تقف الصين وروسيا عوامل فلترة له.
أضف إلى ذلك أن الأمريكيين يطبقون سيطرتهم على الناتو ضمناً، فالحلف طيلة السنوات الماضية مر بالعديد من التحديات الكبرى، خاصة في ما يتعلق بالجانب الأمني والعسكري، فالتخفيضات الكبيرة الأخيرة في الموازنات العسكرية الأوروبية التي قابلتها زيادات هائلة في موازنة التسلح الأمريكي أفرزت انتقادات عدة من واشنطن تجاه حلفائها الأوروبيين. ويبدو الأمريكيون – فعلياً – اللاعب الأقوى في حلف الناتو على الصعيدين الأمني والعسكري.
من وجهة النظر الأمريكية، كانت واشنطن قد أقرت بالفشل الجماعي الأوروبي في المشاركة وتحمل الأعباء والتكاليف حتى عند شن الحرب الجوية على كوسوفو عام 1999، على الرغم من أن الصراع كان يدور في قلب أوروبا أو لعله شأن أوروبي خالص، وكانت الفاعلية العسكرية الأوروبية مدعاة للاستياء والانتقاد لما كانت عليه من ضعف تقني ولوجستي، فالعمليات العسكرية للناتو كانت معابة بالكثير من الإخفاقات التقنية الفاضحة بالنسبة إلى سلاح الجو الأوروبي، كما وصفها بعض العسكريون الأمريكيون.
إن غالبية التحليلات الأمريكية ترى أن معظم جوانب القدرة الأوروبية العسكرية والسياسية هي جوانب لم تزل بحاجة إلى كثير من الإنفاق من قبل الأوروبيين. ولعل الحقيقة الكبرى هي أن النجاحات الأمريكية في التصدي للتحديات والنزاعات الإقليمية حول العالم تؤدي في كثير من الأحيان إلى تحقيق مصالح أوروبية حتى في المناطق البعيدة كشبه قارة جنوب آسيا وشمال شرق آسيا، وهو ما يفرز الكثير من علامات الاستفهام حول ما ترنو إليه الحوارات التي شهدتها المنامة في حوارها الأخير.
ورحبت الولايات المتحدة وبشدة وغرابة بصياغة الاتحاد الأوروبي سياسة موحدة للشؤون الأمنية والدفاعية (ESDP) لإيمانها بأن ترحيبها قد يضفي فاعلية على الدور الأوروبي في عمليات الناتو المستقبلية، وهو ما يفسر مراهنة الأمريكيين على (الناتو) كذراع جديدة في مناطق التوتر العالمية، والتي يأتي الخليج العربي اليوم في مقدمتها.وكانت وزيرة الدفاع الفرنسية قد إشارت في العديد من المواقف إلى رغبتها في أن يلعب حلف الناتو دوراً محورياً في الخليج، وهو ما ننتظر قراءته بشكل أكثر دقة بعد أن تنحو دول الخليج كافة للانضمام لمبادرة اسطنبول.
وقبل ذلك أرى أن تبعات هذا الانضمام المعلوماتي والأمني لحلف الناتو على صعيد الإصلاح السياسي في دول الخليج العربية لا تزال مرتهنة بعدة متغيرات إقليمية، أولها ملف طهران النووي وآخرها فرص حلحلة الملف العراقي العالق منذ مدة.
إضاءة
حلف الناتو
حلف شمال الأطلنطي أو حلف الناتو (NATO – North Atlantic Treaty Organisation) . تأسس الحلف عام 1949 بناء على معاهدة شمال الأطلنطي، التي تم التوقيع عليها في واشنطن في 4 إبريل سنة 1949 ويوجد مقر قيادة الحلف في بروكسل عاصمة بلجيكا و للحلف لغتان رسميتان هما الإنجليزية والفرنسية.
أسباب تكوين الحلف: دعت الضرورة دول الحلف إلى الاتحاد تحت رايته بسب توحد القوات السوفييتية في دول شرق أوروبا، والشعور لدى دول غرب أوروبا بقرب هجوم سوفييتي عليهم، وشجع ذلك دول غرب أوروبا على التعاون مع الولايات المتحده لتكوين هذا الحلف.
* الدول الأعضاء عند التأسيس (4 إبريل 1949):
بلجيكا، كندا، الدنمارك، فرنسا، ايسلاندا، إيطاليا، لوكسمبرج، هولندا، النرويج، البرتغال، بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.
* الدول التي انضمت بعد تأسيس الحلف:
اليونان (18 فبراير 1952)، تركيا (18 فبراير 1952)، ألمانيا (9 مايو 1955 تحت اسم ألمانيا الغربية ثم اتحدت معها سارلاند في عام 1975 ثم اتحدت معها ما كان يعرف سابقاً بجمهورية ألمانيا الديمقراطية في 3 أكتوبر 1990 وإسبانيا (30 مايو 1982).
* دول الكتلة الشرقية التي انضمت للحلف بعد الحرب الباردة:
جمهوريةالتشيك، المجر، بولندا، بلغاريا، أستونيا، لاتفيا، لتوانيا، رومانيا، سلوفاكيا وسلوفينيا.
::/fulltext::
::cck::2783::/cck::
