واقع نشرات الأخبار في الفضائيات الخليجية
::cck::2709::/cck::
::introtext::
يرتبط موضوع صياغة الأخبار سواء بالقنوات الفضائية أو غيرها من وسائل الإعلام بمجموعة من المحددات التي تخص في مجملها توجهات السياسة الإعلامية وهامش الحرية المسموح به والتشريعات الإعلامية وحراس البوابات وتوجهات القائمين بالاتصال، والقيم الخبرية، ونوع الملكية للمؤسسة الإعلامية والشروط الموضوعية والظروف الذاتية للمؤسسة الإعلامية.
::/introtext::
::fulltext::
يرتبط موضوع صياغة الأخبار سواء بالقنوات الفضائية أو غيرها من وسائل الإعلام بمجموعة من المحددات التي تخص في مجملها توجهات السياسة الإعلامية وهامش الحرية المسموح به والتشريعات الإعلامية وحراس البوابات وتوجهات القائمين بالاتصال، والقيم الخبرية، ونوع الملكية للمؤسسة الإعلامية والشروط الموضوعية والظروف الذاتية للمؤسسة الإعلامية.
إن المعالجة الإعلامية للأحداث اليومية من خلال نشرات الأخبار ذات علاقة مباشرة بهامش حرية الممارسة الإعلامية التي يتمتع بها الصحفي. ولذلك تعد هذه الحرية منطلقاً ومطلباً أساسياً لكل وسائل الإعلام في العالم، حيث تسعى كلها إلى توسيع هامش هذه الحرية. غير أن ذلك يصطدم في معظم الأحيان بالتشريعات الإعلامية في كل دولة. فحرية الصحافة والإعلام منصوص عليها من حيث المبدأ في عدد من الدساتير وقوانين النشر والمطبوعات، لكن ضمن ما يعرف بالخطوط الحمراء الكثيرة التي يتعين على الصحفي في قسم الأخبار احترامها.
صحيح أن مسألة حرية الممارسة الإعلامية حتى في أعرق الديمقراطيات الغربية لا تزال قابلة للنقد والأخذ والرد، حيث ثبت في كثير من المناسبات، وخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 العودة إلى ممارسة أشكال من الرقابة الإعلامية بشكل غير مباشر في عدد من تلك الدول التي لا تختلف في مضمونها عما كان سائداً في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وهو ما يؤكد أن حرية التعبير والممارسة الإعلامية المطلقة مجرد زعم ووهم وادعاء أجوف، إذ إن الدراسات العلمية والتقييم الموضوعي للممارسات الإعلامية اليومية سواء من خلال صياغة الأخبار أو القيم الخبرية ومصادر الأخبار حتى في أكبر القنوات الفضائية الإخبارية الغربية (CNN- BBC) وغيرها تثبت كلها نسبية حرية الممارسة الإعلامية في كل زمان ومكان. غير أن ما يلفت الانتباه ونحن في القرن الحادي والعشرين أن هذه النسبية أو هامش الحرية يتضاءل كثيراً في دول العالم الثالث قياساً بالدول المتقدمة.
إن ظهور الفضائيات في العالم العربي منذ عام 1991 من خلال مركز تلفزيون الشرق الأوسط (إم. بي. سي) ثم انتشارها بعد ذلك ليتجاوز عددها اليوم 200 قناة يعودان إلى جملة من العوامل والتطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية أهمها: مواجهة ما كانت تسميه دول العالم الثالث عموماً وبعض المنظمات العربية بالغزو الثقافي، وكذلك الهيمنة الإعلامية من قبل وكالات الأنباء العالمية، وعدم التوازن والحرية في تدفق الأخبار والمعلومات ونشرها، والرغبة في امتلاك مصادر إخبارية مستقلة، والرغبة أيضاً في امتلاك تكنولوجيات المعلومات والاتصال الحديثة، وضرورة الانفتاح على عوالم الفضائيات والبث عبر الأقمار الصناعية للولوج إلى عصر العولمة باستخدام آلياته ومفاهيمه.
لقد سبق إنشاء هذه القنوات سلسلة من الندوات والبيانات وحملات شجب عربية شديدة اللهجة- تشبه في صياغتها أحياناً لغة (الأخطل وجرير)، وقد استهدف هذا الشجب سيطرة واختراق الإعلام الغربي للدول العربية، إذ نسب ضعف الأداء الإعلامي العربي جملة وتفصيلاً كالعادة إلى الأطراف الخارجية، وذلك تيمناً بالمنطق التقليدي لنظرية المؤامرة كما جرت العادة. وانطلاقاً من هذا السياق فإن إنشاء عدد كبير من الفضائيات العربية والخليجية على وجه التحديد جاء كرد فعل.
وتأسيساً على ما تقدم فإن إنشاء القنوات الفضائية الخليجية تميز في بعض الأحيان بالتسرع، إما في محاولة لمواجهة القنوات الفضائية الأجنبية التي تبث باتجاه العالم العربي، أو لمجرد التقليد، أو لمجرد الرغبة في الاستثمار في قطاع الثقافة والإعلام بقصد تحقيق الربح المادي السريع، والذي نلاحظه خلال السنوات الأخيرة ممثلاً في قنوات التسويق وقنوات صناعة الترفيه والربح السريع (قنوات الفيديو كليب والدردشة عبر الرسائل النصية).
ولذلك فإن عدداً من تلك القنوات يفتقد الأساس المؤسسي المتعارف عليه في إنشاء المؤسسات الإعلامية وهو الاستناد إلى دراسة جدوى حقيقية، وتحديد السياسات الإعلامية وأهدافها، وكذلك تحديد الجمهور المستهدف.. إلخ.
ومما لاشك فيه أن هذه الأوضاع لها انعكاسات مباشرة على مجمل الممارسة وكل أنواع المضامين والإنتاج الذي تبثه هذه القنوات وفي مقدمته الأنواع الصحفية الخبرية ممثلاً بنشرات الأخبار اليومية.
فلقد تطورت نشرات الأخبار في عدد من الفضائيات الخليجية، وشمل هذا التطور الإيجابي عدة جوانب، ونجد في مقدمة ذلك إعادة ترتيب الأخبار حسب أهميتها بغض النظر عن الفاعلين أو صانعي الخبر، وكذلك كسر قاعدة أحادية انسياب الأخبار والمعلومات بين الشمال والجنوب، والصياغة المتوازنة للخبر، وآنية البث.
كما حقق عدد من الفضائيات الخليجية مثل قناة (الجزيرة)، وقناة (أبو ظبي) نجاحاً متميزاً في مناسبات عدة مثل أخبار العراق وأفغانستان، حيث كسرت حاجز التبعية لمصادر الأخبار الغربية عبر مراسليها وعدسات مصوريها. وهو ما جعلها تنال إعجاب عدد من وسائل الإعلام الغربية الكبرى، كما أنها تحظى برضا قطاع واسع من جمهور وسائل الإعلام في العالم العربي. ورغم حذرها الشديد في صياغة الخبر من حيث اللغة وإسناد الوقائع وكم ونوع المعلومات إلا أنه انهالت عليها مع ذلك انتقادات واتهامات عدد كبير من أصحاب القرار والأوساط السياسية الغربية، تارة باسم التحيز وعدم الموضوعية، وأخرى باسم التسرع.
كما ساهمت التكنولوجيات الحديثة وتوفر الكادر الإعلامي والإمكانات المالية في تحقيق تقدم ملموس في تنوع النشرات. فالنشرة الإخبارية في قنوات: (الجزيرة، دبي، أبوظبي، العربية) أصبحت أقرب إلى المجلة المصورة. وهو ما مكّن نشرات الأخبار في الفضائيات الخليجية الكبرى من إحداث نقلة نوعية في الإعداد والشكل الفني للنشرة، وساعدها في ذلك تواجد المراسلين في عين المكان واستضافة المحللين. مما أكسبها طابعاً من الإثارة الجديدة والتشويق. وعاد الخبر التلفزيوني إلى أصله المتعارف عليه وذلك باعتماده أكثر على عنصر الصور الحية مما جعل نشرات الأخبار أشبه بالدراما المشوقة التي تقدم للمشاهد والخليجي والعربي ما يعرف بالأخبار الساخنة والمتلاحقة ذات النمط العاجل. غير أن هذه الميزة لا تنطبق على كل الفضائيات الخليجية، فمن حيث الزمن الافتراضي نجد بعضها يمارس عمله في القرن الحادي والعشرين باستخدام أحدث التكنولوجيات ومهارات الإخراج والإضاءة والمونتاج الإلكتروني. ولكن إذا قيمنا أداءها الإخباري الواقعي من خلال الملاحظة المستمرة لعينات من نشرات أخبارها فإننا نلاحظ أن عمر الممارسة الواقعية ينتمي إلى فترتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. فصفة (الفضائية) لا تنطبق على هذه الفئة من القنوات سوى من حيث أداة البث وهي القمر الصناعي فقط، فدورها يقتصر في كثير من الأحيان على مجرد إعادة البث للمحطات الحكومية الأرضية أو نسخة معدلة لدول أخرى.
أما من ناحية التغطية الجغرافية وعلاقتها بمضامين الأخبار فإن بعض القنوات الفضائية الخليجية تمارس نوعاً من الازدواجية في تعاطيها مع القضايا الخليجية والعربية التي تتناولها يومياً. فبعض القنوات الفضائية الحكومية تكتفي عادة في نشراتها الإخبارية بإسباغ هالة من الرضا على هذه القضايا، حيث تقدم الأحداث اليومية للمشاهد في قالب إخباري يشير إلى أن (كل شيء على ما يرام).
ولكن في مقابل ذلك يلاحظ أن التغطية الإخبارية للقضايا العربية والعالم الثالث في بعض القنوات غير الحكومية غالباً ما تركز على السلبية كقيمة خبرية في المقام الأول (الأخبار النكدية فقط)، حيث تمطر المشاهد العربي بوابل من الأخبار المزعجة مثل : أحداث الإسكندرية، مظاهرات في المغرب، الاقتتال في دارفور، حوادث العنف في الجزائر، قلاقل الانتخابات في موريتانيا، العنف في كشمير، سقوط الطائرات أو غرق العبارات في أندونيسيا أو الفلبين ،أخبار المجاعة، أخبار الفيضانات، الاعتقالات، الاغتيالات… إلخ. وهو ما يقلل من جرعة التفاؤل المطلوبة في المعالجة الإخبارية.
لقد طورت قناة (الجزيرة) وبشكل واضح صياغة الخبر التلفزيوني ليتلاءم مع طبيعتها وأهدافها وطموحها الدائم لاحتلال موقع ضمن القنوات الفضائية ذات الطابع الدولي، وتسود منافسة قوية بينها وبين القنوات الفضائية الخليجية الكبرى مثل: (دبي- أبوظبي – إم. بي. سي- العربية). وتتبع (الجزيرة) وغيرها كل الأساليب والإغراءات في ما يتعلق باستقطاب كبار الصحفيين ونجوم تقديم نشرات الأخبار، حيث أصبحوا مثل الرحالة بين هذه القنوات.
ولا غرابة في ذلك من حيث المبدأ طالما أنه من حق كل قناة البحث عن أكفأ المهارات وأحسن الخبرات. غير أن أي ملاحظ خارجي أو باحث أكاديمي متابع لنشرات أخبارها سيكتشف أنه من بين النتائج المترتبة عن هذا التدوير الحصري للكفاءات الإعلامية العربية القليلة ارتفاع نسبة التقليد والتشابه في القيم الخبرية والأساليب ولغة الأخبار والبرامج الإخبارية فيما بينها، حيث يتبين من المقارنة بين نشرات الأخبار أنه لا يوجد أحياناً أي فرق أو تمييز بين عدد من أخبار هذه القناة أو تلك سوى تقديم أو تأخير الفاعل عن المفعول به أو اختلاف مكان أو موعد بث النشرة. إذ إن المنافسة الإعلامية الهادئة والشريفة والاستفادة من خبرة الآخرين حق مشروع، ولكن ليس إلى الحد الذي تطمس فيه الشخصية الذاتية للوسيلة الإعلامية.
ويبدو من التحليل المقارن لكل من قناة (الجزيرة) وقناة (العربية) أنهما تتمتعان بقسط كبير من حرية المعالجة الإعلامية للأخبار والقضايا الآنية المثيرة للجدل. ومن بين تلك القضايا على سبيل المثال: أخبار التيارات والمذاهب الدينية، أخبار الفساد والأنظمة الدكتاتورية، أخبار المرأة والعلاقة بين الجنسين.. إلخ)، لكن التوزيع الجغرافي وتكرار التناول والبث لتلك لقضايا أو الأخبار يثبتان وبدرجة كبيرة أنها مقتصرة على بعض المناطق أو الدول العربية. ولا نجد غرابة في ذلك إذا عرفنا أن هذه الحرية مسموح بها عند مناقشة تلك القضايا طالما بقيت تمارس في السماء فقط عبر الموجات في الفضاء الخارجي الرحب، لأنه رحب ويتسع لكل شيء.
ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أن الإعلام مرتبط ببيئته، وبمجمل التحولات وخطط التنمية التي لا تتحقق أهدافها بين عشية وضحاها، فإنه يمكن القول إن الإيجابيات الكثيرة للإعلام الفضائي الخليجي تجعله يتصدر الريادة اليوم ومن دون منازع على المستوى العربي، فهو الأكثر حضوراً وتأثيراً في العالم العربي وعدد من الدول والمناطق المجاورة. فأكبر قنوات الأخبار ذات الانتشار الواسع خليجية المنشأ والتوجه، وهو لذلك بحاجة إلى خبرات ودراسات وخطط ورؤى استراتيجية تمكنه من رفع مستوى جاهزيته وأدائه بشكل يؤهله للعب دور أكبر في الإصلاح، وتحقيق الازدهار ومواجهة تحديات عصر العولمة بكفاءة واقتدار.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2709::/cck::
::introtext::
يرتبط موضوع صياغة الأخبار سواء بالقنوات الفضائية أو غيرها من وسائل الإعلام بمجموعة من المحددات التي تخص في مجملها توجهات السياسة الإعلامية وهامش الحرية المسموح به والتشريعات الإعلامية وحراس البوابات وتوجهات القائمين بالاتصال، والقيم الخبرية، ونوع الملكية للمؤسسة الإعلامية والشروط الموضوعية والظروف الذاتية للمؤسسة الإعلامية.
::/introtext::
::fulltext::
يرتبط موضوع صياغة الأخبار سواء بالقنوات الفضائية أو غيرها من وسائل الإعلام بمجموعة من المحددات التي تخص في مجملها توجهات السياسة الإعلامية وهامش الحرية المسموح به والتشريعات الإعلامية وحراس البوابات وتوجهات القائمين بالاتصال، والقيم الخبرية، ونوع الملكية للمؤسسة الإعلامية والشروط الموضوعية والظروف الذاتية للمؤسسة الإعلامية.
إن المعالجة الإعلامية للأحداث اليومية من خلال نشرات الأخبار ذات علاقة مباشرة بهامش حرية الممارسة الإعلامية التي يتمتع بها الصحفي. ولذلك تعد هذه الحرية منطلقاً ومطلباً أساسياً لكل وسائل الإعلام في العالم، حيث تسعى كلها إلى توسيع هامش هذه الحرية. غير أن ذلك يصطدم في معظم الأحيان بالتشريعات الإعلامية في كل دولة. فحرية الصحافة والإعلام منصوص عليها من حيث المبدأ في عدد من الدساتير وقوانين النشر والمطبوعات، لكن ضمن ما يعرف بالخطوط الحمراء الكثيرة التي يتعين على الصحفي في قسم الأخبار احترامها.
صحيح أن مسألة حرية الممارسة الإعلامية حتى في أعرق الديمقراطيات الغربية لا تزال قابلة للنقد والأخذ والرد، حيث ثبت في كثير من المناسبات، وخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 العودة إلى ممارسة أشكال من الرقابة الإعلامية بشكل غير مباشر في عدد من تلك الدول التي لا تختلف في مضمونها عما كان سائداً في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وهو ما يؤكد أن حرية التعبير والممارسة الإعلامية المطلقة مجرد زعم ووهم وادعاء أجوف، إذ إن الدراسات العلمية والتقييم الموضوعي للممارسات الإعلامية اليومية سواء من خلال صياغة الأخبار أو القيم الخبرية ومصادر الأخبار حتى في أكبر القنوات الفضائية الإخبارية الغربية (CNN- BBC) وغيرها تثبت كلها نسبية حرية الممارسة الإعلامية في كل زمان ومكان. غير أن ما يلفت الانتباه ونحن في القرن الحادي والعشرين أن هذه النسبية أو هامش الحرية يتضاءل كثيراً في دول العالم الثالث قياساً بالدول المتقدمة.
إن ظهور الفضائيات في العالم العربي منذ عام 1991 من خلال مركز تلفزيون الشرق الأوسط (إم. بي. سي) ثم انتشارها بعد ذلك ليتجاوز عددها اليوم 200 قناة يعودان إلى جملة من العوامل والتطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية أهمها: مواجهة ما كانت تسميه دول العالم الثالث عموماً وبعض المنظمات العربية بالغزو الثقافي، وكذلك الهيمنة الإعلامية من قبل وكالات الأنباء العالمية، وعدم التوازن والحرية في تدفق الأخبار والمعلومات ونشرها، والرغبة في امتلاك مصادر إخبارية مستقلة، والرغبة أيضاً في امتلاك تكنولوجيات المعلومات والاتصال الحديثة، وضرورة الانفتاح على عوالم الفضائيات والبث عبر الأقمار الصناعية للولوج إلى عصر العولمة باستخدام آلياته ومفاهيمه.
لقد سبق إنشاء هذه القنوات سلسلة من الندوات والبيانات وحملات شجب عربية شديدة اللهجة- تشبه في صياغتها أحياناً لغة (الأخطل وجرير)، وقد استهدف هذا الشجب سيطرة واختراق الإعلام الغربي للدول العربية، إذ نسب ضعف الأداء الإعلامي العربي جملة وتفصيلاً كالعادة إلى الأطراف الخارجية، وذلك تيمناً بالمنطق التقليدي لنظرية المؤامرة كما جرت العادة. وانطلاقاً من هذا السياق فإن إنشاء عدد كبير من الفضائيات العربية والخليجية على وجه التحديد جاء كرد فعل.
وتأسيساً على ما تقدم فإن إنشاء القنوات الفضائية الخليجية تميز في بعض الأحيان بالتسرع، إما في محاولة لمواجهة القنوات الفضائية الأجنبية التي تبث باتجاه العالم العربي، أو لمجرد التقليد، أو لمجرد الرغبة في الاستثمار في قطاع الثقافة والإعلام بقصد تحقيق الربح المادي السريع، والذي نلاحظه خلال السنوات الأخيرة ممثلاً في قنوات التسويق وقنوات صناعة الترفيه والربح السريع (قنوات الفيديو كليب والدردشة عبر الرسائل النصية).
ولذلك فإن عدداً من تلك القنوات يفتقد الأساس المؤسسي المتعارف عليه في إنشاء المؤسسات الإعلامية وهو الاستناد إلى دراسة جدوى حقيقية، وتحديد السياسات الإعلامية وأهدافها، وكذلك تحديد الجمهور المستهدف.. إلخ.
ومما لاشك فيه أن هذه الأوضاع لها انعكاسات مباشرة على مجمل الممارسة وكل أنواع المضامين والإنتاج الذي تبثه هذه القنوات وفي مقدمته الأنواع الصحفية الخبرية ممثلاً بنشرات الأخبار اليومية.
فلقد تطورت نشرات الأخبار في عدد من الفضائيات الخليجية، وشمل هذا التطور الإيجابي عدة جوانب، ونجد في مقدمة ذلك إعادة ترتيب الأخبار حسب أهميتها بغض النظر عن الفاعلين أو صانعي الخبر، وكذلك كسر قاعدة أحادية انسياب الأخبار والمعلومات بين الشمال والجنوب، والصياغة المتوازنة للخبر، وآنية البث.
كما حقق عدد من الفضائيات الخليجية مثل قناة (الجزيرة)، وقناة (أبو ظبي) نجاحاً متميزاً في مناسبات عدة مثل أخبار العراق وأفغانستان، حيث كسرت حاجز التبعية لمصادر الأخبار الغربية عبر مراسليها وعدسات مصوريها. وهو ما جعلها تنال إعجاب عدد من وسائل الإعلام الغربية الكبرى، كما أنها تحظى برضا قطاع واسع من جمهور وسائل الإعلام في العالم العربي. ورغم حذرها الشديد في صياغة الخبر من حيث اللغة وإسناد الوقائع وكم ونوع المعلومات إلا أنه انهالت عليها مع ذلك انتقادات واتهامات عدد كبير من أصحاب القرار والأوساط السياسية الغربية، تارة باسم التحيز وعدم الموضوعية، وأخرى باسم التسرع.
كما ساهمت التكنولوجيات الحديثة وتوفر الكادر الإعلامي والإمكانات المالية في تحقيق تقدم ملموس في تنوع النشرات. فالنشرة الإخبارية في قنوات: (الجزيرة، دبي، أبوظبي، العربية) أصبحت أقرب إلى المجلة المصورة. وهو ما مكّن نشرات الأخبار في الفضائيات الخليجية الكبرى من إحداث نقلة نوعية في الإعداد والشكل الفني للنشرة، وساعدها في ذلك تواجد المراسلين في عين المكان واستضافة المحللين. مما أكسبها طابعاً من الإثارة الجديدة والتشويق. وعاد الخبر التلفزيوني إلى أصله المتعارف عليه وذلك باعتماده أكثر على عنصر الصور الحية مما جعل نشرات الأخبار أشبه بالدراما المشوقة التي تقدم للمشاهد والخليجي والعربي ما يعرف بالأخبار الساخنة والمتلاحقة ذات النمط العاجل. غير أن هذه الميزة لا تنطبق على كل الفضائيات الخليجية، فمن حيث الزمن الافتراضي نجد بعضها يمارس عمله في القرن الحادي والعشرين باستخدام أحدث التكنولوجيات ومهارات الإخراج والإضاءة والمونتاج الإلكتروني. ولكن إذا قيمنا أداءها الإخباري الواقعي من خلال الملاحظة المستمرة لعينات من نشرات أخبارها فإننا نلاحظ أن عمر الممارسة الواقعية ينتمي إلى فترتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. فصفة (الفضائية) لا تنطبق على هذه الفئة من القنوات سوى من حيث أداة البث وهي القمر الصناعي فقط، فدورها يقتصر في كثير من الأحيان على مجرد إعادة البث للمحطات الحكومية الأرضية أو نسخة معدلة لدول أخرى.
أما من ناحية التغطية الجغرافية وعلاقتها بمضامين الأخبار فإن بعض القنوات الفضائية الخليجية تمارس نوعاً من الازدواجية في تعاطيها مع القضايا الخليجية والعربية التي تتناولها يومياً. فبعض القنوات الفضائية الحكومية تكتفي عادة في نشراتها الإخبارية بإسباغ هالة من الرضا على هذه القضايا، حيث تقدم الأحداث اليومية للمشاهد في قالب إخباري يشير إلى أن (كل شيء على ما يرام).
ولكن في مقابل ذلك يلاحظ أن التغطية الإخبارية للقضايا العربية والعالم الثالث في بعض القنوات غير الحكومية غالباً ما تركز على السلبية كقيمة خبرية في المقام الأول (الأخبار النكدية فقط)، حيث تمطر المشاهد العربي بوابل من الأخبار المزعجة مثل : أحداث الإسكندرية، مظاهرات في المغرب، الاقتتال في دارفور، حوادث العنف في الجزائر، قلاقل الانتخابات في موريتانيا، العنف في كشمير، سقوط الطائرات أو غرق العبارات في أندونيسيا أو الفلبين ،أخبار المجاعة، أخبار الفيضانات، الاعتقالات، الاغتيالات… إلخ. وهو ما يقلل من جرعة التفاؤل المطلوبة في المعالجة الإخبارية.
لقد طورت قناة (الجزيرة) وبشكل واضح صياغة الخبر التلفزيوني ليتلاءم مع طبيعتها وأهدافها وطموحها الدائم لاحتلال موقع ضمن القنوات الفضائية ذات الطابع الدولي، وتسود منافسة قوية بينها وبين القنوات الفضائية الخليجية الكبرى مثل: (دبي- أبوظبي – إم. بي. سي- العربية). وتتبع (الجزيرة) وغيرها كل الأساليب والإغراءات في ما يتعلق باستقطاب كبار الصحفيين ونجوم تقديم نشرات الأخبار، حيث أصبحوا مثل الرحالة بين هذه القنوات.
ولا غرابة في ذلك من حيث المبدأ طالما أنه من حق كل قناة البحث عن أكفأ المهارات وأحسن الخبرات. غير أن أي ملاحظ خارجي أو باحث أكاديمي متابع لنشرات أخبارها سيكتشف أنه من بين النتائج المترتبة عن هذا التدوير الحصري للكفاءات الإعلامية العربية القليلة ارتفاع نسبة التقليد والتشابه في القيم الخبرية والأساليب ولغة الأخبار والبرامج الإخبارية فيما بينها، حيث يتبين من المقارنة بين نشرات الأخبار أنه لا يوجد أحياناً أي فرق أو تمييز بين عدد من أخبار هذه القناة أو تلك سوى تقديم أو تأخير الفاعل عن المفعول به أو اختلاف مكان أو موعد بث النشرة. إذ إن المنافسة الإعلامية الهادئة والشريفة والاستفادة من خبرة الآخرين حق مشروع، ولكن ليس إلى الحد الذي تطمس فيه الشخصية الذاتية للوسيلة الإعلامية.
ويبدو من التحليل المقارن لكل من قناة (الجزيرة) وقناة (العربية) أنهما تتمتعان بقسط كبير من حرية المعالجة الإعلامية للأخبار والقضايا الآنية المثيرة للجدل. ومن بين تلك القضايا على سبيل المثال: أخبار التيارات والمذاهب الدينية، أخبار الفساد والأنظمة الدكتاتورية، أخبار المرأة والعلاقة بين الجنسين.. إلخ)، لكن التوزيع الجغرافي وتكرار التناول والبث لتلك لقضايا أو الأخبار يثبتان وبدرجة كبيرة أنها مقتصرة على بعض المناطق أو الدول العربية. ولا نجد غرابة في ذلك إذا عرفنا أن هذه الحرية مسموح بها عند مناقشة تلك القضايا طالما بقيت تمارس في السماء فقط عبر الموجات في الفضاء الخارجي الرحب، لأنه رحب ويتسع لكل شيء.
ولكن إذا أخذنا في الاعتبار أن الإعلام مرتبط ببيئته، وبمجمل التحولات وخطط التنمية التي لا تتحقق أهدافها بين عشية وضحاها، فإنه يمكن القول إن الإيجابيات الكثيرة للإعلام الفضائي الخليجي تجعله يتصدر الريادة اليوم ومن دون منازع على المستوى العربي، فهو الأكثر حضوراً وتأثيراً في العالم العربي وعدد من الدول والمناطق المجاورة. فأكبر قنوات الأخبار ذات الانتشار الواسع خليجية المنشأ والتوجه، وهو لذلك بحاجة إلى خبرات ودراسات وخطط ورؤى استراتيجية تمكنه من رفع مستوى جاهزيته وأدائه بشكل يؤهله للعب دور أكبر في الإصلاح، وتحقيق الازدهار ومواجهة تحديات عصر العولمة بكفاءة واقتدار.
::/fulltext::
::cck::2709::/cck::
