المملكة العربية السعودية تستعيد مكانتها

::cck::2591::/cck::
::introtext::

يا له من فرق كبير خلال بضع سنوات فقط! فخلال فترة لم تتجاوز نحو سنتين ونصف السنة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كانت المملكة العربية السعودية تبدو وكأنها تواجه متاعب كبيرة، حيث كان معظم العالم الخارجي ينظر إليها بوصفها مرتعاً للتطرف، وأنها بلد يصر على دعم التطرف الإسلامي، وبذلك فإن المملكة دولة لا يمكن التعامل معها بوصفها حليفاً موثوقاً به.

::/introtext::
::fulltext::

يا له من فرق كبير خلال بضع سنوات فقط! فخلال فترة لم تتجاوز نحو سنتين ونصف السنة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كانت المملكة العربية السعودية تبدو وكأنها تواجه متاعب كبيرة، حيث كان معظم العالم الخارجي ينظر إليها بوصفها مرتعاً للتطرف، وأنها بلد يصر على دعم التطرف الإسلامي، وبذلك فإن المملكة دولة لا يمكن التعامل معها بوصفها حليفاً موثوقاً به.
على وجه الخصوص، كانت العلاقة التاريخية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة تواجه مصاعب جمة بعد تزايد الانتقادات التي كانت تتواتر على صفحات الرأي الأولى في الصحف الأمريكية الرئيسية، والتي كانت تؤثر في الجدل العام بشأن رد الفعل الأمريكي تجاه خطر الإرهاب. ووصلت حالة الصدع إلى درجة لم تقف عند حد أن مؤسسة المحافظين الجدد القابضة على زمام الأمور في الولايات المتحدة طالبت ببحث إمكان التدخل الأمريكي لاحتلال حقول النفط السعودية، وإنما شعرت حتى صحيفة يومية، مثل (نيويورك تايمز) بالقدرة على نشر مقال في عام 2002 يدعو إلى تحويل المملكة إلى ما سمته (محطة وقود بالخدمة الذاتية) لأمريكا! غير أن المشكلات التي كانت المملكة العربية السعودية تواجهها لم تكن كلها ذات طبيعة خارجية. فعلى الصعيد الداخلي أيضاً، وعلى وجه التحديد في شهري إبريل ومايو 2004، كانت الأمور تبدو وكأن المملكة وعائلة آل سعود الحاكمة تفقدان السيطرة على مقاليد السلطة بصورة تدريجية. ففي مايو 2003، واجهت المملكة تحديات الإرهاب الداخلي عندما قام المتطرفون بتنفيذ عدد من الهجمات على مجمعات يسكنها الأجانب في الرياض. وبعد سنة من ذلك، تصاعد حجم وعدد هذه الهجمات بصورة هائلة، ومن ضمنها وبصورة مختصرة تفجير شاحنة خارج مقر قيادة قوات الأمن في الرياض وحالات إطلاق نار في مدينتي ينبع والخبر استهدفت الشركات والأجانب الغربيين العاملين في مشروعات البنية التحتية بقطاع النفط في المملكة. وأشار فشل قوات الأمن السعودية في اعتقال أي من المتورطين في البداية وتمكن المهاجمين أنفسهم من الفرار إلى افتقار هذه القوات الخطير إلى الاستعداد والجاهزية اللازمين لمواجهة مثل هذا التحدي. وعلى الرغم من نفي أي وجود لتنظيم القاعدة في المملكة لفترة طويلة، فقد بدا حينها كما لو أن تنظيم القاعدة قد بدأ يتحرك بصورة واضحة. وعلى هذه الخلفية، كان المشهد يبدو وكأن حكم آل سعود يشهد بداية العد التنازلي.
وتبدلت الأمور لاحقاً؛ وبعد ثلاث سنوات فقط، تغيرت هذه الوضعية وتبدلت بصورة جذرية. فعلى المستوى الإقليمي، عادت المملكة لتتبوأ مكانتها القيادية في المنطقة في ما يتعلق بكثير من القضايا التي ظلت تؤرق منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتمكنت المملكة مؤخراً من استضافة القمة العربية لأول مرة في تاريخها. وبعيداً عن كل محاولات عزل المملكة وإلصاق التهم جزافاً بها، شرعت المملكة بتوظيف الشرعية التي اكتسبتها والاستفادة منها والاعتراف الواسع بأن دورها المهم يساعد على تهدئة التوترات الإقليمية. فبالإضافة إلى مؤتمر القمة العربي، ومنذ بداية العام الحالي فقط، استضافت المملكة اجتماعاً لزعماء الطوائف الدينية في العراق في محاولة لإيجاد حل لنـزاعاتهم. كما قام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بزيارة للرياض. وخلال هذه الزيارة، تم تحذيره من تبعات الإفراط في استعراض قوة إيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي. وتمكنت المملكة العربية السعودية وبنجاح تام من إنهاء الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية عندما ساعدت على التوصل إلى اتفاق مكة الذي مهّد الطريق لتأليف حكومة الوحدة الوطنية. كما وافقت القمة العربية على تفعيل المبادرة السعودية المطروحة منذ عام 2002 بشأن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وظل السعوديون ينشطون في تشجيع سوريا ومحاولة إبعاد هذا البلد عن تأثيرات النفوذ الإيراني في مواقفه. وتم اتخاذ جميع هذه الخطوات على الرغم من أنها لم تكن تتوافق أحياناً مع المصالح الأمريكية، ولم تكن تتماهى معها بالضرورة، وظلت واشنطن ترقب هذا النشاط بشيء من التردد وإن كان بشيء من الدعم السلبي.
وعلى الصعيد الداخلي، استعادت قوى الأمن زمام المبادرة وتمكنت من صد هجمة تنظيم القاعدة. فقد كانت هناك محاولة هجوم رئيسي واحد خلال السنتين الماضيتين، وتمثلت بمخطط الهجوم على منشأة لمعالجة المنتجات النفطية في أبقيق، حيث تم كشف مخطط هذا الهجوم والحيلولة دون تنفيذه. وتمت تصفية عدد من قادة تنظيم القاعدة، كما تم اعتقال عناصر آخرين قبل أن تتمكن شبكة (القاعدة) من تجنيدهم. ومؤخراً في إبريل 2007، أعلنت السلطات السعودية اعتقال 172 متشدداً من المتهمين بالتخطيط لعمليات إرهابية كبيرة. وبناءً عليه، ينبغي ألا يكون هناك أي شك في أن تنظيم القاعدة لا يزال يمثل تهديداً للأمن الداخلي في المملكة، غير أن هذا التهديد لم يعد موجوداً كما كان سابقاً خلال عام 2004، وإلى حد كبير، تمت استعادة فرض الأمن وترسيخه.
لكن، ما العوامل المسؤولة عن هذا التحول الكبير؟
يتمثل العامل الأول بالقيادة. فبعد تولي الملك عبدالله بن عبد العزيز مقاليد الحكم في أغسطس 2005، عقب وفاة الملك فهد، تمكن من ترسيخ سلطته، وهو أمر لم يكن متمكناً منه خلال إدارته لشؤون الدولة عندما كان ولياً للعهد. ويُعـَـد الملك عبدالله زعيماً شعبياً، ويتسم أسلوب حكمه بالتزام الصراحة والمنهج العملي والمرونة في حل القضايا. وتركز منهجه في التعامل مع التحديات الداخلية على تشجيع الحوار وإزالة الالتباس حول مسألة الخلافة على الحكم داخل العائلة المالكة، حيث تمكن من إضفاء الوضوح والتنظيم على هيكلية القيادة السعودية.
أما العامل الثاني فهو أنه إلى جانب استعادة النفوذ وترسيخ السلطة، فقد امتلكت المملكة العربية السعودية القوة الاقتصادية اللازمة لدعم سياساتها، فقد ارتفع دخل النفط إلى 194 مليار دولار خلال عام 2006، وهو الأمر الذي أتاح للمملكة أن تسجل سابع فائض في ميزانيتها بصورة متواصلة، وتم استثمار معظم هذا الدخل محلياً، حيث تم إنفاق أكثر من 100 مليار دولار على مشروعات البنية التحتية وقطاع التعليم. ولم يساعد هذا الوضع المملكة على تعزير الاستقرار الاقتصادي عموماً فحسب، وإنما كذلك على دعم سياستها الإقليمية، ومن ذلك مثلاً تقديم أكثر من مليار دولار إلى لبنان لدعم العملة اللبنانية ومساعدته في جهود إعادة الإعمار. وأضحت المملكة تنفق المال في المواضع الصحيحة التي تخدم مصالحها.
وكان العامل الثالث هو أن (تنظيم القاعدة) ارتكب خطأً استراتيجياً بتوسيع نطاق هجماته ليشمل المسلمين داخل المملكة، وبذلك أحدث تحولاً في المواقف الداخلية تجاه دعم مثل هذا العمل. ونتيجة لذلك، أصبح المجتمع السعودي مرة أخرى المصدر الرئيسي للمعلومات الاستخبارية التي تزود قوات الأمن بالمعلومات التي تحتاج إليها لمنع وقوع الهجمات.
وتجسد العامل الرابع الذي أدى إلى تحول في البيئة الخارجية في فشل سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما أدى إلى زيادة وليس تقليص حدة التوتر في البيئة الأمنية المضطربة، الأمر الذي دفع المملكة العربية السعودية إلى تفعيل دورها. وينبغي هنا ألا نتجاهل حقيقة أنه بينما كانت الولايات المتحدة تعيد تقييم شراكتها مع المملكة العربية السعودية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان المسؤولون السعوديون يعيدون تقييم هذه الشراكة أيضاً. وكانت النتيجة التي ظهرت بعد ست سنوات من تلك الأحداث أنه بينما تمكنت الولايات المتحدة من (إعادة اكتشاف) قيمة ودور المملكة العربية السعودية، فقد تأكدت صحة موقف المملكة في تقييمها الذي رأت فيه أن أهداف السياسة الأمريكية قد لا تتماهى بالضرورة مع أهداف سياسة المملكة. وكانت العبارة التي استخدمها الملك عبدالله بن عبدالعزيز في مؤتمر القمة العربي عندما أشار إلى (الاحتلال الأجنبـي غير الشرعي) للعراق من قبل الولايات المتحدة هو أحدث تجسيد لهذا التوجه. وما لم تتفهم الولايات المتحدة أنها تحتاج إلى المملكة العربية السعودية أكثر من حاجة المملكة إلى واشنطن، فإن إعادة التقييم هذه قد تصبح تحولاً دائماً على المدى البعيد.
وأخيراً، فإن ما تعيشه الأنظمة العربية الأخرى التي درجت على تمثيل الدور القيادي في العالم العربي من ضعف كان له دوره الآخر، فقد انكفأت مصر على نفسها، وتواجه سوريا عزلة دولية، بينما يغرق العراق في حمأة الفوضى العارمة. وهناك فراغ قوة تحرك السعوديون لكي يملأوه، فضلاً عن الحاجة إلى صد النفوذ الإيراني المتنامي. وعلى كل هذه الجبهات كان الوقت قد حان للعمل الفاعل فقط.
أما أهم عامل فقد يكون أن المملكة اليوم لم تعد هي المملكة التي كانت قبل عشر أو عشرين سنة. فالمملكة العربية السعودية تشهد تحولات على جبهات كثيرة، وهناك تغيرات تجري في كل مستويات المجتمع، وقد لا تكون هذه التغيرات كافية بحسب وجهة نظر البعض، غير أن تأثيرها على المدى الطويل لا يمكن إنكاره. وعلى أي حال، فإنها تمثل توجهاً ينبغي أن يحظى بالدعم الإقليمي والدولي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2591::/cck::
::introtext::

يا له من فرق كبير خلال بضع سنوات فقط! فخلال فترة لم تتجاوز نحو سنتين ونصف السنة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كانت المملكة العربية السعودية تبدو وكأنها تواجه متاعب كبيرة، حيث كان معظم العالم الخارجي ينظر إليها بوصفها مرتعاً للتطرف، وأنها بلد يصر على دعم التطرف الإسلامي، وبذلك فإن المملكة دولة لا يمكن التعامل معها بوصفها حليفاً موثوقاً به.

::/introtext::
::fulltext::

يا له من فرق كبير خلال بضع سنوات فقط! فخلال فترة لم تتجاوز نحو سنتين ونصف السنة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كانت المملكة العربية السعودية تبدو وكأنها تواجه متاعب كبيرة، حيث كان معظم العالم الخارجي ينظر إليها بوصفها مرتعاً للتطرف، وأنها بلد يصر على دعم التطرف الإسلامي، وبذلك فإن المملكة دولة لا يمكن التعامل معها بوصفها حليفاً موثوقاً به.
على وجه الخصوص، كانت العلاقة التاريخية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة تواجه مصاعب جمة بعد تزايد الانتقادات التي كانت تتواتر على صفحات الرأي الأولى في الصحف الأمريكية الرئيسية، والتي كانت تؤثر في الجدل العام بشأن رد الفعل الأمريكي تجاه خطر الإرهاب. ووصلت حالة الصدع إلى درجة لم تقف عند حد أن مؤسسة المحافظين الجدد القابضة على زمام الأمور في الولايات المتحدة طالبت ببحث إمكان التدخل الأمريكي لاحتلال حقول النفط السعودية، وإنما شعرت حتى صحيفة يومية، مثل (نيويورك تايمز) بالقدرة على نشر مقال في عام 2002 يدعو إلى تحويل المملكة إلى ما سمته (محطة وقود بالخدمة الذاتية) لأمريكا! غير أن المشكلات التي كانت المملكة العربية السعودية تواجهها لم تكن كلها ذات طبيعة خارجية. فعلى الصعيد الداخلي أيضاً، وعلى وجه التحديد في شهري إبريل ومايو 2004، كانت الأمور تبدو وكأن المملكة وعائلة آل سعود الحاكمة تفقدان السيطرة على مقاليد السلطة بصورة تدريجية. ففي مايو 2003، واجهت المملكة تحديات الإرهاب الداخلي عندما قام المتطرفون بتنفيذ عدد من الهجمات على مجمعات يسكنها الأجانب في الرياض. وبعد سنة من ذلك، تصاعد حجم وعدد هذه الهجمات بصورة هائلة، ومن ضمنها وبصورة مختصرة تفجير شاحنة خارج مقر قيادة قوات الأمن في الرياض وحالات إطلاق نار في مدينتي ينبع والخبر استهدفت الشركات والأجانب الغربيين العاملين في مشروعات البنية التحتية بقطاع النفط في المملكة. وأشار فشل قوات الأمن السعودية في اعتقال أي من المتورطين في البداية وتمكن المهاجمين أنفسهم من الفرار إلى افتقار هذه القوات الخطير إلى الاستعداد والجاهزية اللازمين لمواجهة مثل هذا التحدي. وعلى الرغم من نفي أي وجود لتنظيم القاعدة في المملكة لفترة طويلة، فقد بدا حينها كما لو أن تنظيم القاعدة قد بدأ يتحرك بصورة واضحة. وعلى هذه الخلفية، كان المشهد يبدو وكأن حكم آل سعود يشهد بداية العد التنازلي.
وتبدلت الأمور لاحقاً؛ وبعد ثلاث سنوات فقط، تغيرت هذه الوضعية وتبدلت بصورة جذرية. فعلى المستوى الإقليمي، عادت المملكة لتتبوأ مكانتها القيادية في المنطقة في ما يتعلق بكثير من القضايا التي ظلت تؤرق منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتمكنت المملكة مؤخراً من استضافة القمة العربية لأول مرة في تاريخها. وبعيداً عن كل محاولات عزل المملكة وإلصاق التهم جزافاً بها، شرعت المملكة بتوظيف الشرعية التي اكتسبتها والاستفادة منها والاعتراف الواسع بأن دورها المهم يساعد على تهدئة التوترات الإقليمية. فبالإضافة إلى مؤتمر القمة العربي، ومنذ بداية العام الحالي فقط، استضافت المملكة اجتماعاً لزعماء الطوائف الدينية في العراق في محاولة لإيجاد حل لنـزاعاتهم. كما قام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بزيارة للرياض. وخلال هذه الزيارة، تم تحذيره من تبعات الإفراط في استعراض قوة إيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي. وتمكنت المملكة العربية السعودية وبنجاح تام من إنهاء الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية عندما ساعدت على التوصل إلى اتفاق مكة الذي مهّد الطريق لتأليف حكومة الوحدة الوطنية. كما وافقت القمة العربية على تفعيل المبادرة السعودية المطروحة منذ عام 2002 بشأن قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وظل السعوديون ينشطون في تشجيع سوريا ومحاولة إبعاد هذا البلد عن تأثيرات النفوذ الإيراني في مواقفه. وتم اتخاذ جميع هذه الخطوات على الرغم من أنها لم تكن تتوافق أحياناً مع المصالح الأمريكية، ولم تكن تتماهى معها بالضرورة، وظلت واشنطن ترقب هذا النشاط بشيء من التردد وإن كان بشيء من الدعم السلبي.
وعلى الصعيد الداخلي، استعادت قوى الأمن زمام المبادرة وتمكنت من صد هجمة تنظيم القاعدة. فقد كانت هناك محاولة هجوم رئيسي واحد خلال السنتين الماضيتين، وتمثلت بمخطط الهجوم على منشأة لمعالجة المنتجات النفطية في أبقيق، حيث تم كشف مخطط هذا الهجوم والحيلولة دون تنفيذه. وتمت تصفية عدد من قادة تنظيم القاعدة، كما تم اعتقال عناصر آخرين قبل أن تتمكن شبكة (القاعدة) من تجنيدهم. ومؤخراً في إبريل 2007، أعلنت السلطات السعودية اعتقال 172 متشدداً من المتهمين بالتخطيط لعمليات إرهابية كبيرة. وبناءً عليه، ينبغي ألا يكون هناك أي شك في أن تنظيم القاعدة لا يزال يمثل تهديداً للأمن الداخلي في المملكة، غير أن هذا التهديد لم يعد موجوداً كما كان سابقاً خلال عام 2004، وإلى حد كبير، تمت استعادة فرض الأمن وترسيخه.
لكن، ما العوامل المسؤولة عن هذا التحول الكبير؟
يتمثل العامل الأول بالقيادة. فبعد تولي الملك عبدالله بن عبد العزيز مقاليد الحكم في أغسطس 2005، عقب وفاة الملك فهد، تمكن من ترسيخ سلطته، وهو أمر لم يكن متمكناً منه خلال إدارته لشؤون الدولة عندما كان ولياً للعهد. ويُعـَـد الملك عبدالله زعيماً شعبياً، ويتسم أسلوب حكمه بالتزام الصراحة والمنهج العملي والمرونة في حل القضايا. وتركز منهجه في التعامل مع التحديات الداخلية على تشجيع الحوار وإزالة الالتباس حول مسألة الخلافة على الحكم داخل العائلة المالكة، حيث تمكن من إضفاء الوضوح والتنظيم على هيكلية القيادة السعودية.
أما العامل الثاني فهو أنه إلى جانب استعادة النفوذ وترسيخ السلطة، فقد امتلكت المملكة العربية السعودية القوة الاقتصادية اللازمة لدعم سياساتها، فقد ارتفع دخل النفط إلى 194 مليار دولار خلال عام 2006، وهو الأمر الذي أتاح للمملكة أن تسجل سابع فائض في ميزانيتها بصورة متواصلة، وتم استثمار معظم هذا الدخل محلياً، حيث تم إنفاق أكثر من 100 مليار دولار على مشروعات البنية التحتية وقطاع التعليم. ولم يساعد هذا الوضع المملكة على تعزير الاستقرار الاقتصادي عموماً فحسب، وإنما كذلك على دعم سياستها الإقليمية، ومن ذلك مثلاً تقديم أكثر من مليار دولار إلى لبنان لدعم العملة اللبنانية ومساعدته في جهود إعادة الإعمار. وأضحت المملكة تنفق المال في المواضع الصحيحة التي تخدم مصالحها.
وكان العامل الثالث هو أن (تنظيم القاعدة) ارتكب خطأً استراتيجياً بتوسيع نطاق هجماته ليشمل المسلمين داخل المملكة، وبذلك أحدث تحولاً في المواقف الداخلية تجاه دعم مثل هذا العمل. ونتيجة لذلك، أصبح المجتمع السعودي مرة أخرى المصدر الرئيسي للمعلومات الاستخبارية التي تزود قوات الأمن بالمعلومات التي تحتاج إليها لمنع وقوع الهجمات.
وتجسد العامل الرابع الذي أدى إلى تحول في البيئة الخارجية في فشل سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما أدى إلى زيادة وليس تقليص حدة التوتر في البيئة الأمنية المضطربة، الأمر الذي دفع المملكة العربية السعودية إلى تفعيل دورها. وينبغي هنا ألا نتجاهل حقيقة أنه بينما كانت الولايات المتحدة تعيد تقييم شراكتها مع المملكة العربية السعودية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان المسؤولون السعوديون يعيدون تقييم هذه الشراكة أيضاً. وكانت النتيجة التي ظهرت بعد ست سنوات من تلك الأحداث أنه بينما تمكنت الولايات المتحدة من (إعادة اكتشاف) قيمة ودور المملكة العربية السعودية، فقد تأكدت صحة موقف المملكة في تقييمها الذي رأت فيه أن أهداف السياسة الأمريكية قد لا تتماهى بالضرورة مع أهداف سياسة المملكة. وكانت العبارة التي استخدمها الملك عبدالله بن عبدالعزيز في مؤتمر القمة العربي عندما أشار إلى (الاحتلال الأجنبـي غير الشرعي) للعراق من قبل الولايات المتحدة هو أحدث تجسيد لهذا التوجه. وما لم تتفهم الولايات المتحدة أنها تحتاج إلى المملكة العربية السعودية أكثر من حاجة المملكة إلى واشنطن، فإن إعادة التقييم هذه قد تصبح تحولاً دائماً على المدى البعيد.
وأخيراً، فإن ما تعيشه الأنظمة العربية الأخرى التي درجت على تمثيل الدور القيادي في العالم العربي من ضعف كان له دوره الآخر، فقد انكفأت مصر على نفسها، وتواجه سوريا عزلة دولية، بينما يغرق العراق في حمأة الفوضى العارمة. وهناك فراغ قوة تحرك السعوديون لكي يملأوه، فضلاً عن الحاجة إلى صد النفوذ الإيراني المتنامي. وعلى كل هذه الجبهات كان الوقت قد حان للعمل الفاعل فقط.
أما أهم عامل فقد يكون أن المملكة اليوم لم تعد هي المملكة التي كانت قبل عشر أو عشرين سنة. فالمملكة العربية السعودية تشهد تحولات على جبهات كثيرة، وهناك تغيرات تجري في كل مستويات المجتمع، وقد لا تكون هذه التغيرات كافية بحسب وجهة نظر البعض، غير أن تأثيرها على المدى الطويل لا يمكن إنكاره. وعلى أي حال، فإنها تمثل توجهاً ينبغي أن يحظى بالدعم الإقليمي والدولي.

::/fulltext::
::cck::2591::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *