بعد زيارة الرئيس أحمدي نجاد لدولة الإمارات – إيران وجوارها.. بين الخارج القريب والقاصي الرقيب
::cck::2626::/cck::
::introtext::
في الثالث عشر من الشهر الجاري كان المشهد في مطار أبوظبي الدولي كالتالي: وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد على متن طائرة الرئاسة الخاصة، حيث كان في استقباله في المطار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعزف النشيد الوطني للبلدين، واستعرض الرئيسان حرس الشرف، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة ترحيباً بالضيف الإيراني.بدأت القيادتان وعلى الفور المحادثات رفيعة المستوى في قصر البطين تناولت التعاون بين البلدين في مجال التجارة والطاقة والتعاون الإقليمي في ما يتعلق بأمن الخليج وقضايا أخرى. وما أكسب الزيارة (استثنائيتها) هو أن الرئيس محمود أحمدي نجاد يعتبر أول رئيس إيراني يزور دولة الإمارات العربية المتحدة منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في الحادي عشر من فبراير 1979،
::/introtext::
::fulltext::
في الثالث عشر من الشهر الجاري كان المشهد في مطار أبوظبي الدولي كالتالي: وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد على متن طائرة الرئاسة الخاصة، حيث كان في استقباله في المطار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعزف النشيد الوطني للبلدين، واستعرض الرئيسان حرس الشرف، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة ترحيباً بالضيف الإيراني.بدأت القيادتان وعلى الفور المحادثات رفيعة المستوى في قصر البطين تناولت التعاون بين البلدين في مجال التجارة والطاقة والتعاون الإقليمي في ما يتعلق بأمن الخليج وقضايا أخرى. وما أكسب الزيارة (استثنائيتها) هو أن الرئيس محمود أحمدي نجاد يعتبر أول رئيس إيراني يزور دولة الإمارات العربية المتحدة منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في الحادي عشر من فبراير 1979، ومن جهة أخرى فإن هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع أحداث ساخنة تشهدها المنطقة بدءاً من أزمة العراق ومروراً بالملف النووي الإيراني، والأوضاع في لبنان وفلسطين، وانتهاءً بزيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للمنطقة، ولأن زيارة أحمدي نجاد (استثنائية) في أصلها وفي توقيتها وزمانها، فإن المسؤولين في دولة الإمارات العربية المتحدة حرصوا كل الحرص على إنجاحها، لذا فإننا لم نلحظ صدور بيان مشترك في ختام الزيارة التي استمرت يومين، وذلك تجنباً لأي خلاف علني قد يطرأ بشأن قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها، بل إن الجانبين حرصا على تهميش هذا الموضوع ما أمكن، فنجاد قال للصحفيين بأنه (لا توجد قضية جزر إلا لدى وسائل الإعلام وهي لا تطرح بين الحكومات والسياسيين)، في حين أن الإمارات نجحت في فتح قناة مباشرة مع طهران عبر لجنة وزارية مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين يمكنها ومن خلال هذه اللجنة إثارة قضية الجزر الثلاث إلى جانب المواضيع الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وهو الأمر الذي لم يمتنّع منه الإيرانيون. وكذلك من الإجراءات التي قامت بها دولة الإمارات لإنجاح زيارة الرئيس الإيراني هو رفضها طلب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني والقاضي بضرورة إغلاق الشركات الإيرانية الموجودة داخل الأراضي الإماراتية والتي يعتقد أن لها علاقة بطموحات إيران النووية حسب رأي تشيني، وأيضاً ما قاله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للضيف الأمريكي (بأن لدينا علاقات مهمة وتاريخية مع إيران وهي دولة جارة ولدينا مصالح مشتركة) ومن المؤكد أن هذا الكلام لم يرق له، مضيفاً أن (إحدى أمنياتنا هي إزالة الأساطيل والجيوش الأجنبية من المنطقة، حيث إن هذه الدول جعلت أوضاع العراق ذريعة لتواجدها في المنطقة، ونأمل في أن يحل العراقيون مشكلاتهم بأنفسهم) مع العلم أن رئيس دولة الإمارات أكّد في مؤتمر صحفي في مارس الماضي أن بلاده ترفض استخدام أراضيها في أنشطة معادية لإيران، وهو موقف يُعد جريئاً وحاسماً لرئيس دولة تقع ضمن معادلات سياسية وأمنية كبيرة. نجاد بدوره قدّم العديد من التطمينات للجانب الإماراتي حول العراق ولبنان وحتى بشأن العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، كما أنه لم يبد أي اعتراض على مشروع مد خطوط أنابيب الغاز من تركمانستان إلى الإمارات، قائلاً (نحن نوافق على هذا المشروع ومستعدون لتقديم كل الدعم اللازم في هذا الخصوص).الولايات المتحدة ومنطقة الخليجمنذ انكفاء النفوذ البريطاني من منطقة الخليج بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتحكّم في منسوب الصراعات الإقليمية في منطقة الخليج، فوضعت إيران (1984 ولغاية الآن) والعراق (1979 – 1982 ثم من 1991 وحتى سقوط نظام صدام حسين) على قائمة الدول الراعية للإرهاب (Terrorism List) ورجّحت كفّة العراق في حربه ضد إيران (1980 – 1988) للحد من النفوذ الإسلامي الناشئ بعد الثورة الخمينية، بل إنها اشتبكت مع القوات الإيرانية بين عامي (1987 – 1988) في معارك بحرية طاحنة وقصفت مصافي النفط في عبادان وأسقطت طائرة الإيرباص الإيرانية (المدنية) وعلى متنها 290 راكباً بينهم 64 طفلاً في يوليو 1988، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية صاغت واشنطن على يد السفير مارتن إنديك سياسة الاحتواء المزودج (Dual Containment) ضد كل من إيران والعراق للحد من نفوذهما عبر إرهاقهما اقتصادياً وسياسياً. وبشكل متواز وفي سبيل سد الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه خروج العراق من معادلة الصراع الإقليمية والدولية منذ العام 1991 واحتواء النفوذ الإيراني بدأت الولايات المتحدة في توثيق علاقاتها بدول الخليج عبر اتفاقيات أمنية وعسكرية فوقّعت مع البحرين في 28 يناير من العام 1991 اتفاقاً دفاعياً (رغم أن تواجدها في هذا البلد يرجع إلى العام 1948) وجدّدت اتفاقها مع سلطنة عمان في العام 1990، ثم مع الكويت في 19 سبتمبر 1991 (جُدّد هذا الاتفاق في العام 2001 لمدة عشر سنوات) ومع قطر في 23 يونيو 1992 ليتطور لاحقاً وتصبح القيادة الأمريكية المركزية في الشرق الأوسط (U.S. Central Command) في الدوحة، ومع الإمارات في 25 يوليو 1994 عبر استخدام البوارج الأمريكية لميناء جبل علي وقاعدة الضفرة، بل إنها زوّدت هذه الدول بالسلاح عبر صفقات سلاح ضخمة من دون اعتراض من مكتب تفويض العلاقات الخارجية (The Foreign Relation Authorization) الذي يحظر بيع السلاح لأي دولة تطبق العقوبات على الكيان الصهيوني (تجارياً)، بل إن كل من البحرين وعُمان تلقيا دعماً عسكرياً مجانياً من خلال بند معدات الدفاع الفائضة الأمريكية على أساس منح (EDA) فتلقت عُمان 30 دبابة والبحرين 48 دبابة من طراز M-60A3 وأيضاً فرقاطة حربية وبطاريات للدفاع الجوي من طراز (Hawk) كما أن واشنطن لم تعارض انضمام كل من الكويت والإمارات والبحرين وقطر إلى مبادرة اسطنبول للتعاون والحوار المتوسطي في يونيو 2004 التي طرحها حلف الناتو، كما أنها حاولت إشراك دول الخليج في صياغة عدد من الاتجاهات السياسية التي أرادت واشنطن إنجاحها ضمن استراتيجيتها العامة، ومن أهمها موضوع الصراع العربي-الصهيوني، فشجّعت المملكة العربية السعودية على طرح مبادرة السلام العربية في مارس 2002 خلال قمة بيروت والتي تبنتها الدول العربية ورفضها الكيان الصهيوني،وكانت الولايات المتحدة تهدف من كل هذه الإجراءات إلى تمكين سياستها في المنطقة وخاصة في حربها ضد ما يسمى الإرهاب العالمي الذي تفتّقت جذوره بشكل كبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لذا فهي جاهدت لأن تشرك دول الخليج في مشاريع ما بعد 11 سبتمبر والتي كان باكورتها عملية الحرية المستدامة في أفغانستان (OperationEnduring Freedom) ولاحقاً في ملف العراق وصيرورة هذا الملف الشائك كالإسفين الناتئ ضمن تعثر الكثير من مشتركات العلاقة الخليجية الأمريكية وخاصة ما بين الرياض وواشنطن، حول أمور تتعلق بما آل إليه هذا البلد من محاصصات طائفية وإقليمية غير متكافئة، وقد أضحت الأهداف الأمريكية واضحة للعيان في أنها لا تخرج عن إعادة صياغة الولاءات العسكرية والسياسية في أفغانستان والعراق كدول حليفة للغرب والدفاع عن أمن الكيان الصهيوني ومصالحه وإنهاء المقاومة في جنوب لبنان (حزب الله) وفي فلسطين (الفصائل المسلحة وأبرزها حماس والجهاد الإسلامي) وتأمين مصادر الطاقة في الخليج واحتواء ما يُسمى الإرهاب ومحاولة تحجيمه والقضاء عليه، وأخيراً حسم الخلاف مع إيران إما بالمواجهة أو بالقبول بتقاسم النفوذ. أما على المستوى الاقتصادي فإن الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ أن جعلت وارداتها من النفط مقابل صادراتها في العام 1948 فإنها تولي منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بالذات عناية استثنائية على اعتبار أنها تحوي أكثر من ستين في المائة من احتياطات النفط العالمية، ففي العام 1970 طرحت نظرية (العلاقة المتبادلة) والتي تقضي بتأمين تصدير البترول إليها، خاصة أن الولايات المتحدة تنتج أكثر من تسعة ملايين برميل في اليوم، لكنها تستهلك ما يربو على الستة عشر مليون برميل في اليوم أيضاً. ورغم أن هذا النسيج المزدوج للعلاقات الخليجية-الأمريكية وما أفرزه من تواجد عسكري مباشر تحكّم في الأجواء الأمنية، ورغم أن أغلب دول الخليج قد بنت تصوراتها الأمنية والسياسية وحتى العسكرية من مرحلة الحرب الباردة إلا أنها باتت أكثر إدراكاً للمزاج الدولي والسلوك الاستراتيجي للقوى العظمى وأيضاً للقوى الإقليمية، لذا فهي (أي دول الخليج) لم تمانع بإقامة علاقات ثنائية مع أطراف نديّة للولايات المتحدة الأمريكية كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الوقت نفسه الذي حافظت فيه على علاقاتها النوعية مع واشنطن، فهي باتت أكثر إدراكاً أنها وإيران مجتمعة يشكلان إحدى خواصر القارة القديمة بنسبة تزيد على العشرة في المائة من مساحة القارة (44 مليون كيلومتر مربع، وبالتالي فهما يتشاطآن معاً ويحملان المصالح ذاتها، خاصةً أن الجميع يدرك أن إيران كانت أكثر قدرة على استخدام (القوة الناعمة) في تحقيق أهدافها المباشرة مستفيدة من صلتها الجيو-سياسية ما بين الشرق والغرب وبعلاقاتها التاريخية بإقليم الخليج وثقافته. كما أن دول الخليج ومن خلال مسيرة علاقاتها الخارجية ومتطلباتها واستحقاقاتها المباشرة وغير المباشرة باتت تسعى وإن بشكل سلحفائي نحو إيجاد انسجام سياسي ما بين الداخل والمفاعيل الإقليمية وتنشيط المؤسسات القادرة على إقامة أفضل العلاقات البينية للحد من النفوذ الخارجي، لذا فإن أغلب دول الخليج بدأ عملية (تزييت) سياسي داخلي لتحقيق ذلك الغرض.ما بعد زيارة نجادفي اعتقادي فإن زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد لا تخرج عن أوجه المحددات الاستراتيجية للسياسة الإيرانية على مستوى (الخارج القريب) فهي من جهة تأتي في الوقت الذي أعلنت فيه طهران قبولها للعرض الأمريكي لمناقشة أزمة العراق، وهو ما فشلت فيه واشنطن خلال مؤتمر شرم الشيخ الأخير، خاصةً أن دولة الإمارات العربية المتحدة تلعب دوراً مهماً في الأزمة العراقية، فهي تستضيف الكثير من قيادات الطيف السُني على أراضيها، وهو محور مهم لإنجاح الدور الإيراني في العراق على اعتبار تعاظم عداء العرب السُنة ضد إيران والذين باتوا يرونها أشدّ خطراً على العراق حتى من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وهو ما قاله صراحة الرئيس العراقي جلال الطالباني في حديثه لصحيفة (الديلي تلغراف) البريطانية في الخامس عشر من الشهر الجاري، وبالتالي فإن أبوظبي يمكنها أن تلعب دوراً في تخفيف الاحتقان (السني) ضد إيران بالتساوي مع الدور السعودي، وهو ما يُستشف من حديث الرئيس أحمدي نجاد أمام ثلاثة آلاف إيراني تجمعوا في استاد رياضي بدبي خلال زيارته الأخيرة عندما قال (بأن المحتلين في العراق يحاولون طرح أمور مثل الشيعة والسنة لبث الفرقة والبقاء في العراق). أيضاً فإن زيارة الرئيس أحمدي نجاد تهدف إلى تأكيد بقاء دولة الإمارات العربية المتحدة كحاضنة اقتصادية مهمّة بالنسبة لإيران ومروراً آمناً لآلاف الأطنان من البضائع اليومية والترانزيت، فلا الحرب العراقية-الإيرانية ولا أزمة الجزر الثلاث استطاعت أن تؤثر بشكل عمودي في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فالإمارات هي الشريك التجاري الأكبر لإيران، وقد بلغت الواردات الإيرانية غير النفطية من الإمارات نحو 7.67 مليار دولار في العام المالي المنصرف (مايو 2006) كذلك فإن قرابة النصف مليون إيراني يقيمون في الإمارات السبع وفي طليعتها إمارة دبي، ويمارسون نشاطاً اقتصادياً هائلاً، وبالتالي فإن تعزيز هذه العلاقة سيحد من ضراوة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية عليها، وخاصة تبعات القرارين الأمميين الأخيرين (1636 – 1737) بشأن البرنامـج النووي الإيراني. لذلك فليس غريباً أن يكون الاهتمام بالزيارة في إيران على مستوى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي الذي استقبل الرئيس محمود أحمدي نجاد قبيل مغادرته طهران متوجهاً إلى أبو ظبي واستمع منه إلى شرح وافٍ لبرنامج الزيارة. إذاً فالقيادتان الإماراتية والإيرانية جادتان في تحويل هذه الزيارات من بروتوكول دبلوماسي إلى مفاعيل حقيقية على الأرض إيماناً منهما بحتمية الجوار واستحقاقاته ونتائجه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2626::/cck::
::introtext::
في الثالث عشر من الشهر الجاري كان المشهد في مطار أبوظبي الدولي كالتالي: وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد على متن طائرة الرئاسة الخاصة، حيث كان في استقباله في المطار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعزف النشيد الوطني للبلدين، واستعرض الرئيسان حرس الشرف، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة ترحيباً بالضيف الإيراني.بدأت القيادتان وعلى الفور المحادثات رفيعة المستوى في قصر البطين تناولت التعاون بين البلدين في مجال التجارة والطاقة والتعاون الإقليمي في ما يتعلق بأمن الخليج وقضايا أخرى. وما أكسب الزيارة (استثنائيتها) هو أن الرئيس محمود أحمدي نجاد يعتبر أول رئيس إيراني يزور دولة الإمارات العربية المتحدة منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في الحادي عشر من فبراير 1979،
::/introtext::
::fulltext::
في الثالث عشر من الشهر الجاري كان المشهد في مطار أبوظبي الدولي كالتالي: وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد على متن طائرة الرئاسة الخاصة، حيث كان في استقباله في المطار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعزف النشيد الوطني للبلدين، واستعرض الرئيسان حرس الشرف، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة ترحيباً بالضيف الإيراني.بدأت القيادتان وعلى الفور المحادثات رفيعة المستوى في قصر البطين تناولت التعاون بين البلدين في مجال التجارة والطاقة والتعاون الإقليمي في ما يتعلق بأمن الخليج وقضايا أخرى. وما أكسب الزيارة (استثنائيتها) هو أن الرئيس محمود أحمدي نجاد يعتبر أول رئيس إيراني يزور دولة الإمارات العربية المتحدة منذ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في الحادي عشر من فبراير 1979، ومن جهة أخرى فإن هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع أحداث ساخنة تشهدها المنطقة بدءاً من أزمة العراق ومروراً بالملف النووي الإيراني، والأوضاع في لبنان وفلسطين، وانتهاءً بزيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للمنطقة، ولأن زيارة أحمدي نجاد (استثنائية) في أصلها وفي توقيتها وزمانها، فإن المسؤولين في دولة الإمارات العربية المتحدة حرصوا كل الحرص على إنجاحها، لذا فإننا لم نلحظ صدور بيان مشترك في ختام الزيارة التي استمرت يومين، وذلك تجنباً لأي خلاف علني قد يطرأ بشأن قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها، بل إن الجانبين حرصا على تهميش هذا الموضوع ما أمكن، فنجاد قال للصحفيين بأنه (لا توجد قضية جزر إلا لدى وسائل الإعلام وهي لا تطرح بين الحكومات والسياسيين)، في حين أن الإمارات نجحت في فتح قناة مباشرة مع طهران عبر لجنة وزارية مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين يمكنها ومن خلال هذه اللجنة إثارة قضية الجزر الثلاث إلى جانب المواضيع الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وهو الأمر الذي لم يمتنّع منه الإيرانيون. وكذلك من الإجراءات التي قامت بها دولة الإمارات لإنجاح زيارة الرئيس الإيراني هو رفضها طلب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني والقاضي بضرورة إغلاق الشركات الإيرانية الموجودة داخل الأراضي الإماراتية والتي يعتقد أن لها علاقة بطموحات إيران النووية حسب رأي تشيني، وأيضاً ما قاله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للضيف الأمريكي (بأن لدينا علاقات مهمة وتاريخية مع إيران وهي دولة جارة ولدينا مصالح مشتركة) ومن المؤكد أن هذا الكلام لم يرق له، مضيفاً أن (إحدى أمنياتنا هي إزالة الأساطيل والجيوش الأجنبية من المنطقة، حيث إن هذه الدول جعلت أوضاع العراق ذريعة لتواجدها في المنطقة، ونأمل في أن يحل العراقيون مشكلاتهم بأنفسهم) مع العلم أن رئيس دولة الإمارات أكّد في مؤتمر صحفي في مارس الماضي أن بلاده ترفض استخدام أراضيها في أنشطة معادية لإيران، وهو موقف يُعد جريئاً وحاسماً لرئيس دولة تقع ضمن معادلات سياسية وأمنية كبيرة. نجاد بدوره قدّم العديد من التطمينات للجانب الإماراتي حول العراق ولبنان وحتى بشأن العلاقة مع الفصائل الفلسطينية، كما أنه لم يبد أي اعتراض على مشروع مد خطوط أنابيب الغاز من تركمانستان إلى الإمارات، قائلاً (نحن نوافق على هذا المشروع ومستعدون لتقديم كل الدعم اللازم في هذا الخصوص).الولايات المتحدة ومنطقة الخليجمنذ انكفاء النفوذ البريطاني من منطقة الخليج بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتحكّم في منسوب الصراعات الإقليمية في منطقة الخليج، فوضعت إيران (1984 ولغاية الآن) والعراق (1979 – 1982 ثم من 1991 وحتى سقوط نظام صدام حسين) على قائمة الدول الراعية للإرهاب (Terrorism List) ورجّحت كفّة العراق في حربه ضد إيران (1980 – 1988) للحد من النفوذ الإسلامي الناشئ بعد الثورة الخمينية، بل إنها اشتبكت مع القوات الإيرانية بين عامي (1987 – 1988) في معارك بحرية طاحنة وقصفت مصافي النفط في عبادان وأسقطت طائرة الإيرباص الإيرانية (المدنية) وعلى متنها 290 راكباً بينهم 64 طفلاً في يوليو 1988، وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية صاغت واشنطن على يد السفير مارتن إنديك سياسة الاحتواء المزودج (Dual Containment) ضد كل من إيران والعراق للحد من نفوذهما عبر إرهاقهما اقتصادياً وسياسياً. وبشكل متواز وفي سبيل سد الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه خروج العراق من معادلة الصراع الإقليمية والدولية منذ العام 1991 واحتواء النفوذ الإيراني بدأت الولايات المتحدة في توثيق علاقاتها بدول الخليج عبر اتفاقيات أمنية وعسكرية فوقّعت مع البحرين في 28 يناير من العام 1991 اتفاقاً دفاعياً (رغم أن تواجدها في هذا البلد يرجع إلى العام 1948) وجدّدت اتفاقها مع سلطنة عمان في العام 1990، ثم مع الكويت في 19 سبتمبر 1991 (جُدّد هذا الاتفاق في العام 2001 لمدة عشر سنوات) ومع قطر في 23 يونيو 1992 ليتطور لاحقاً وتصبح القيادة الأمريكية المركزية في الشرق الأوسط (U.S. Central Command) في الدوحة، ومع الإمارات في 25 يوليو 1994 عبر استخدام البوارج الأمريكية لميناء جبل علي وقاعدة الضفرة، بل إنها زوّدت هذه الدول بالسلاح عبر صفقات سلاح ضخمة من دون اعتراض من مكتب تفويض العلاقات الخارجية (The Foreign Relation Authorization) الذي يحظر بيع السلاح لأي دولة تطبق العقوبات على الكيان الصهيوني (تجارياً)، بل إن كل من البحرين وعُمان تلقيا دعماً عسكرياً مجانياً من خلال بند معدات الدفاع الفائضة الأمريكية على أساس منح (EDA) فتلقت عُمان 30 دبابة والبحرين 48 دبابة من طراز M-60A3 وأيضاً فرقاطة حربية وبطاريات للدفاع الجوي من طراز (Hawk) كما أن واشنطن لم تعارض انضمام كل من الكويت والإمارات والبحرين وقطر إلى مبادرة اسطنبول للتعاون والحوار المتوسطي في يونيو 2004 التي طرحها حلف الناتو، كما أنها حاولت إشراك دول الخليج في صياغة عدد من الاتجاهات السياسية التي أرادت واشنطن إنجاحها ضمن استراتيجيتها العامة، ومن أهمها موضوع الصراع العربي-الصهيوني، فشجّعت المملكة العربية السعودية على طرح مبادرة السلام العربية في مارس 2002 خلال قمة بيروت والتي تبنتها الدول العربية ورفضها الكيان الصهيوني،وكانت الولايات المتحدة تهدف من كل هذه الإجراءات إلى تمكين سياستها في المنطقة وخاصة في حربها ضد ما يسمى الإرهاب العالمي الذي تفتّقت جذوره بشكل كبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لذا فهي جاهدت لأن تشرك دول الخليج في مشاريع ما بعد 11 سبتمبر والتي كان باكورتها عملية الحرية المستدامة في أفغانستان (OperationEnduring Freedom) ولاحقاً في ملف العراق وصيرورة هذا الملف الشائك كالإسفين الناتئ ضمن تعثر الكثير من مشتركات العلاقة الخليجية الأمريكية وخاصة ما بين الرياض وواشنطن، حول أمور تتعلق بما آل إليه هذا البلد من محاصصات طائفية وإقليمية غير متكافئة، وقد أضحت الأهداف الأمريكية واضحة للعيان في أنها لا تخرج عن إعادة صياغة الولاءات العسكرية والسياسية في أفغانستان والعراق كدول حليفة للغرب والدفاع عن أمن الكيان الصهيوني ومصالحه وإنهاء المقاومة في جنوب لبنان (حزب الله) وفي فلسطين (الفصائل المسلحة وأبرزها حماس والجهاد الإسلامي) وتأمين مصادر الطاقة في الخليج واحتواء ما يُسمى الإرهاب ومحاولة تحجيمه والقضاء عليه، وأخيراً حسم الخلاف مع إيران إما بالمواجهة أو بالقبول بتقاسم النفوذ. أما على المستوى الاقتصادي فإن الولايات المتحدة الأمريكية ومنذ أن جعلت وارداتها من النفط مقابل صادراتها في العام 1948 فإنها تولي منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بالذات عناية استثنائية على اعتبار أنها تحوي أكثر من ستين في المائة من احتياطات النفط العالمية، ففي العام 1970 طرحت نظرية (العلاقة المتبادلة) والتي تقضي بتأمين تصدير البترول إليها، خاصة أن الولايات المتحدة تنتج أكثر من تسعة ملايين برميل في اليوم، لكنها تستهلك ما يربو على الستة عشر مليون برميل في اليوم أيضاً. ورغم أن هذا النسيج المزدوج للعلاقات الخليجية-الأمريكية وما أفرزه من تواجد عسكري مباشر تحكّم في الأجواء الأمنية، ورغم أن أغلب دول الخليج قد بنت تصوراتها الأمنية والسياسية وحتى العسكرية من مرحلة الحرب الباردة إلا أنها باتت أكثر إدراكاً للمزاج الدولي والسلوك الاستراتيجي للقوى العظمى وأيضاً للقوى الإقليمية، لذا فهي (أي دول الخليج) لم تمانع بإقامة علاقات ثنائية مع أطراف نديّة للولايات المتحدة الأمريكية كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الوقت نفسه الذي حافظت فيه على علاقاتها النوعية مع واشنطن، فهي باتت أكثر إدراكاً أنها وإيران مجتمعة يشكلان إحدى خواصر القارة القديمة بنسبة تزيد على العشرة في المائة من مساحة القارة (44 مليون كيلومتر مربع، وبالتالي فهما يتشاطآن معاً ويحملان المصالح ذاتها، خاصةً أن الجميع يدرك أن إيران كانت أكثر قدرة على استخدام (القوة الناعمة) في تحقيق أهدافها المباشرة مستفيدة من صلتها الجيو-سياسية ما بين الشرق والغرب وبعلاقاتها التاريخية بإقليم الخليج وثقافته. كما أن دول الخليج ومن خلال مسيرة علاقاتها الخارجية ومتطلباتها واستحقاقاتها المباشرة وغير المباشرة باتت تسعى وإن بشكل سلحفائي نحو إيجاد انسجام سياسي ما بين الداخل والمفاعيل الإقليمية وتنشيط المؤسسات القادرة على إقامة أفضل العلاقات البينية للحد من النفوذ الخارجي، لذا فإن أغلب دول الخليج بدأ عملية (تزييت) سياسي داخلي لتحقيق ذلك الغرض.ما بعد زيارة نجادفي اعتقادي فإن زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد لا تخرج عن أوجه المحددات الاستراتيجية للسياسة الإيرانية على مستوى (الخارج القريب) فهي من جهة تأتي في الوقت الذي أعلنت فيه طهران قبولها للعرض الأمريكي لمناقشة أزمة العراق، وهو ما فشلت فيه واشنطن خلال مؤتمر شرم الشيخ الأخير، خاصةً أن دولة الإمارات العربية المتحدة تلعب دوراً مهماً في الأزمة العراقية، فهي تستضيف الكثير من قيادات الطيف السُني على أراضيها، وهو محور مهم لإنجاح الدور الإيراني في العراق على اعتبار تعاظم عداء العرب السُنة ضد إيران والذين باتوا يرونها أشدّ خطراً على العراق حتى من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وهو ما قاله صراحة الرئيس العراقي جلال الطالباني في حديثه لصحيفة (الديلي تلغراف) البريطانية في الخامس عشر من الشهر الجاري، وبالتالي فإن أبوظبي يمكنها أن تلعب دوراً في تخفيف الاحتقان (السني) ضد إيران بالتساوي مع الدور السعودي، وهو ما يُستشف من حديث الرئيس أحمدي نجاد أمام ثلاثة آلاف إيراني تجمعوا في استاد رياضي بدبي خلال زيارته الأخيرة عندما قال (بأن المحتلين في العراق يحاولون طرح أمور مثل الشيعة والسنة لبث الفرقة والبقاء في العراق). أيضاً فإن زيارة الرئيس أحمدي نجاد تهدف إلى تأكيد بقاء دولة الإمارات العربية المتحدة كحاضنة اقتصادية مهمّة بالنسبة لإيران ومروراً آمناً لآلاف الأطنان من البضائع اليومية والترانزيت، فلا الحرب العراقية-الإيرانية ولا أزمة الجزر الثلاث استطاعت أن تؤثر بشكل عمودي في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فالإمارات هي الشريك التجاري الأكبر لإيران، وقد بلغت الواردات الإيرانية غير النفطية من الإمارات نحو 7.67 مليار دولار في العام المالي المنصرف (مايو 2006) كذلك فإن قرابة النصف مليون إيراني يقيمون في الإمارات السبع وفي طليعتها إمارة دبي، ويمارسون نشاطاً اقتصادياً هائلاً، وبالتالي فإن تعزيز هذه العلاقة سيحد من ضراوة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية عليها، وخاصة تبعات القرارين الأمميين الأخيرين (1636 – 1737) بشأن البرنامـج النووي الإيراني. لذلك فليس غريباً أن يكون الاهتمام بالزيارة في إيران على مستوى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي الذي استقبل الرئيس محمود أحمدي نجاد قبيل مغادرته طهران متوجهاً إلى أبو ظبي واستمع منه إلى شرح وافٍ لبرنامج الزيارة. إذاً فالقيادتان الإماراتية والإيرانية جادتان في تحويل هذه الزيارات من بروتوكول دبلوماسي إلى مفاعيل حقيقية على الأرض إيماناً منهما بحتمية الجوار واستحقاقاته ونتائجه.
::/fulltext::
::cck::2626::/cck::
